‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر دمج التعليم الازهري بالعام .. هل ينجح السيسي في تنفيذ مخططات الهدم القديمة؟
مصر - أبريل 22, 2018

دمج التعليم الازهري بالعام .. هل ينجح السيسي في تنفيذ مخططات الهدم القديمة؟

 دمج التعليم الازهري بالعام .. هل ينجح السيسي في تنفيذ مخططات  الهدم القديمة؟

رغم تأكيد العديد من خبراء التعليم أن نظام الثانوية العامة الجديد، الذي طرحه الوزير طارق شوقي، بدعم وضح من عبد الفتاح السيسي، قد يؤدي تطبيقه إلى كارثة في ظل إصرار وزير التعليم على تطبيق رؤيته التي عارضها أغلب الخبراء، فقد غاب وسط الجدل تصريح للوزير عن دمج التعليم الازهري في الحكومي.

فلم يقدم الوزير أي إجابات مقنعة للكثير من الأسئلة التي تحيط بهذا النظام الجديد وإمكانية تطبيقه على أرض الواقع بدءا بجاهزية المدارس الحكومية في القري والنجوع لإجراء الامتحانات باستخدام شبكة الإنترنت وأجهزة الكمبيوتر؟ وانتهاء بمدى الثقة الشعبية في شفافية ونزاهة عملية الامتحان التي سيتم تركها في أيدي إدارات المدارس، خاصة أن ترتيب مصر على مؤشر إدراك الفساد العالمي لا يدعو إلى التفاؤل.

ولكن تصريح الوزير "إن هناك مناقشات جادة لبحث إمكانية ضم التعليم الأزهري للتعليم العام معًا خلال المرحلة المقبلة"، التي قال إنها ستشهد تغييرًا شاملًا في منظومة التعليم ما قبل الجامعي، وأنه في حالة دمج التعليم الأزهري بالعام، ستصبح الدروس الدينية والقرآن اختياريًا في المناهج"، لم يلق اهتماما اعلاميا ومر مرور الكرام رغم خطورته.

جس نبض

كان من الواضح أن ما قاله الدكتور طارق شوقي، وزير التعليم في مؤتمره الصحفي 17 أبريل 2018، نوع من "جس نبض" لرد فعل مؤسسة الازهر، وهيئة كبار العلماء، ولهذا جري التراجع عنه دون نفي النية للتوجه له مستقبلا.

فقد أضطر وزير التعليم للقول إن "التعليم الأزهري والمعاهد الأزهرية كما هي"، و"النظام الأزهري، نظام موازٍ للتعليم العام، ولا تفكير في دمجه مع التعليم العام النظامي"، بعدما رفض وكيل الازهر ومجلس جامعة الأزهر بشدة الدعوات التي تنادي بدمج التعليم الأزهري أو إلغائه.

وقال عباس شومان وكيل الازهر أنه تواصل مع وزير التعليم للاستفسار عن صحة التصريح من عدمه، ونفي الوزير دمج التعليمين، ولكنه "تحدث عن تصميم نظام جديد لرياض الأطفال بالتنسيق مع الأزهر".

وأكد مجلس جامعة الأزهر فى بيان له: "رفضه التام للدعوات المطالبة بدمج التعليم الأزهري أو إلغائه"، ودافع عن دور الازهر في بناء "الوطن".

ومع هذا لم تتوقف دعوات دمج التعليم الازهري، وقال فايز بركات عضو لجنة التعليم بمجلس النواب، "إن التعليم الأزهري بحاجة لإعادة نظر فى المناهج وكيفية تدريسها والهدف المرجو منها، داعيا لاستفادة التعليم الأزهري من تجربة التطوير للتعليم العام.

خطة السيسي لتطويع مؤسسة الأزهر

تدخل التصريحات التي نقلتها صحيفة الاهرام الرسمية عن الوزير وأوضح فيها ملامح هذا الضم للتعليم الازهري للتعليم الحكومي بقوله: "ستكون المواد الدينية اختيارية، شأنها في ذلك شأن مواد الاقتصاد"، وحرص على تأكيد "أن الخطة بتكليف السيسي"، ويقف وراءها، وسوف يعلنها بنفسه، ضمن محاولات تدجين الأزهر وإدخاله الحظيرة الحكومية بكل قوة ومحاولة تجفيف المنابع وضرب التعليم الديني والأزهري في مقتل.

وهي خطة قديمة بدأها العسكر عقب 1952، واستمر كل حاكم عسكري يضع لبنة هدم فيها للتعليم الازهري بما يسمح في نهاية المطاف بهدم هذه المؤسسة الدينية وجعلها شكلية هامشية تابعة للرئاسة، ونزع الاستقلال عنها، ولكنها شهدت عدة خطوات تدميرية قوية منذ انقلاب 3 يونية 2013 منها:

1-   المشروع الذي قدمه "محمد أبو حامد" عضو المكتب السياسي لائتلاف «دعم مصر» ذراع المخابرات الحربية في البرلمان، لتعديل قانون الأزهر مدعوما بتأييد نحو مائتي نائب، بحسب زعمه، والذي يسعي لتفريغ المؤسسة من قوتها عبر: إعادة تشكيل الهيئات الثلاث: المجلس الأعلى للأزهر، وهيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية، بما يسمح بتدخل السلطة في ترشيح علماءها لا بالانتخاب الداخلي بينهم.

ويدعو القانون أيضا لعدم انفراد هيئة كبار العلماء بإجراءات اختيار شيخ الازهر عند خلو منصبه وإلغاء بقاؤه في منصبه مدي الحياة، بتحديد مدة ولايته بثمان سنوات (الشيخ الحالي أحمد الطيب عين في 19 مارس 2010 ما يعني انتهاء ولايته بحسب القانون لو طبق).

ويكتسب شيخ الأزهر، وفقا لقانون الأزهر الذي أُقرّ في يناير 2012، ونص على انتخاب شيخ الأزهر وانتهاء خدمته ببلوغه سن الثمانين، "حصانة" في منصبه تجعله غير قابل للعزل، إضافة إلى أن تقاعده لن يكون قبل 9 سنوات حين يتعدى الـ 80 عاماً، وفقاً للقانون.

وكان أهم ما ركز عليه مشروع "ابو حامد" المدعوم من المخابرات الحربية هو قصر اشراف الازهر علي بعض المعاهد الأزهرية و"نقل تبعية باقي المعاهد والمدارس الأزهرية إلى وزارة التربية والتعليم"، بخلاف استقلالية كاملة لجامعة الأزهر عن المشيخة (بهدف التمهيد لتنفيذ خطة دمج التعليم الازهري في العام)، وعقب تصريحات وزير التعليم الاخيرة بضم التعليم الأزهري للتعليم العام وما واجهه من هجوم، قال ابو حامد أنه يستعد لعرض مشروعه على لجنة الاقتراحات والشكاوى.

2-   في ديسمبر 2016، أعلن المجلس القومي لحقوق الإنسان (حكومي)، عبر العضو الناصري "جمال فهمي" رئيس لجنة الثقافة والإعلام بالمجلس، القومي عزمه دراسة مقترح بدمج التعليم الأزهري بالتعليم العام، مؤكدا أنهم ناقشوا "إنهاء الازدواج بين التعليم العام والتعليم الديني"، بدعوي أن "التعليم الديني ظاهرة خطيرة تصنع بيئة خصبة للأفكار المتطرفة والمنحرفة".

3-    طالب نواب بالبرلمان على خلفية حادث تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة عام 2016، بإلغاء التعليم الأزهري أو تقليص عدد المعاهد الأزهرية في مصر، وهو ما نادت به جمعية "مصريون ضد التمييز الديني"، التي طالبت بإلغاء التعليم الأزهري في مرحلة التعليم الأساسي، وقصره على التعليم الجامعي، بدعوي أن التعليم الازهري يؤدي للتطرف وكثير من المتطرفين كانوا من مشايخ الازهر مثل الراحل عمر عبد الرحمن مفتي تنظيم الجهاد والعديد من العلماء الاخرين، وكان من الواضح أن الهدف هو تهميش وإسكات الأصوات الحرة من علماء الازهر الرافضة لعلمنة المجتمع ونشر الفساد.

4-   عقب الحملات التي شنتها اجهزة امنية ضد طلاب الصين المسلمين (الاويغور) عام 2017، وتكشف أنها جاءت بطلب من حكومة الصين الشيوعية، شنت وسائل اعلام النظام هجوما على الطلاب المبعوثين بدعاوي انهم نوايا ارهابيين في دولهم، ودعوا لدمج التعليم الازهري في الحكومي للسيطرة عليه، برغم أن هذا الدمج قد يدفع أكثر من 100 دولة للتوقف عن إرسال مواطنيها للتعلم بمصر (الازهر)، ويقضي على ما تبقي من قوة ناعمة للأزهر في العالم.

5-   في اعقاب هجوم السيسي المستمر على مؤسسة الازهر ودعوته لها بتجديد الخطاب الديني، نشرت جريدة "المصري اليوم" في يونيو 2016 ما قالت إنه وثيقة مفصلة سميت بـ «وثيقة تجديد الخطاب الديني»، وحملت نتاج مناقشات استمرت لمدة عام بين مؤسسة الأزهر برئاسة شيخه أحمد الطيب، ومجموعة من المثقفين، منهم أستاذ النقد الأدبي الدكتور صلاح فضل الذي عهدت إليه المشيخة بمهمة تحرير الوثيقة، بالإضافة إلى مصطفى الفقي والدكتور السيد ياسين والمستشارة السابقة لمؤسسة الرئاسة سكينة فؤاد، وآخرين.

وتطرقت الوثيقة بشكل غير مباشر إلى قضية المناهج التعليمية وضرورة مراجعتها، ولكنها لم تفصل المناهج التعليمية الأزهرية عن باقي المناهج التعليمية في باقي المدارس الحكومية وحتى الدولية والخاصة.

ونصت الوثيقة تحديدا على "ضرورة تخفيف حدة الانفصام بين طرائق التعليم المتباعدة فى المعاهد الدينية والمدارس المدنية والتعليم الأجنبي، فكل منها يخرج عقلاً مختلفا جدا، ولابد من تقريب المسافات بينها وإدماجها تدريجيا فى منظومة متكاملة ومتجانسة، لا تلغى تعددها بقدر ما تضمن قدرا من الاتساق بينها والتناغم بين مكوناتها الأساسية".

وشددت الوثيقة أيضا على ضرورة إعادة تأهيل الأئمة والخطباء والدعاة في المساجد "بحيث يتم تدريبهم دوريا على استيعاب معطيات الفكر الديني الوسطي الرشيد، والبُعد عن التطرف والغلو والتعصب، وتوسيع مداركهم بالحوار مع علماء الاجتماع والاقتصاد والأدب والفن والثقافة، لهضم محصلة التطور الحضاري وتنقية خطابهم من الخرافات والأفكار الخطرة على أمن المجتمع وسلامته، والحفاظ على مقتضيات التعايش وروح المواطنة".

إلا أن مشيخة الازهر قالت في بيان لها بعد نشر "المصري اليوم" للوثيقة أنها "غير نهائية"، وأنه "ما كان ينبغي أن تنشر أفكار لازالت مطروحة للنقاش على أنها وثيقة الأزهر".

وفي أكتوبر 2016، توقع الناقد د. صلاح فضل عدم صدور وثيقة الأزهر لتجديد الخطاب الديني، بعد نحو عام ونصف من المناقشات حولها حينئذ، متهما من سماها بـ «القوى المحافظة»، بالسبب فى عدم خروج تلك الوثيقة إلى النور، وواصفا تلك القوى بـ «الأشد شراسة والأكثر تماسكا».

وقد أعادت صحيفة "البوابة" التابعة للأجهزة الامنية، في أبريل 2017 نشر ما زعمت أنه نص «وثيقة تجديد الخطاب الديني» قالت إنها الصيغة التوافقية الثالثة بعد صيغتين أولي وثانية، ونصت الوثيقة على أن إصدارها تم "بعد المطالبات المستمرة لعبد الفتاح السيسي، حيث دعا فى أكثر من لقاء إلى ما أطلق عليه «ثورة دينية» بهدف نشر المفاهيم الدينية الصحيحة والوجه السمح للدين الإسلامي فى مواجهة تيارات القتل والعنف والتخريب".

وتضمنت هذه الوثيقة التي لم يصدرها الازهر رسميا حتى الان، 7 توصيات تتعلق بتحديد مفهوم "التجديد" باعتباره سنة الله التي فطر الناس عليها، و "لا يعنى أبدًا التخلي عن الأصول الثابتة كما قد يتوهم بعض المحافظين"، وأن "التجديد لا يتم بالطفرة التي تقفز على الواقع ولا بالقطيعة التي تنفصم عن الماضي".

كما تضمنت التوصيات: "ضرورة التصدي الحاسم لموجات التكفير العشوائي الحمقاء"، وضرورة عقد ندوات علمية متخصصة، تدرس أوضاع التشريع فى المجتمعات العربية الإسلامية، وما مر به من تطورات حضارية.

وكانت (التوصية السادسة) هي أبرز المطلوب من السلطة بشأن التعليم الديني إذ نصت على أن "تجديد الخطاب الديني يتطلب إعادة نظر جذرية فى نظم التعليم المصرية"، ولكنها احالت هذا الي "عقد الندوات وإجراء البحوث واقتراح التشريعات التي تهدف إلى تخفيف حدة الانفصام بين طرائق التعليم المتباعدة فى المعاهد الدينية والمدارس المدنية والتعليم الأجنبي".

وتحدثت التوصية عن "تقريب المسافات بينها (نظم التعليم) وإدماجها تدريجيًا فى منظومة متكاملة ومتجانسة، لا تلغى تعددها بقدر ما تضمن قدرًا من الاتساق بينها والتناغم بين مكوناتها الأساسية فى اللغة والتفكير العلمي والثقافة بتأسيس قواسم مشتركة بينها".

واشارت التوصية السابعة الي "إعادة تأهيل الدعاة وخطباء المساجد فى الكليات المتخصصة للالتزام بالضوابط العلمية والمنهجية وأصول الخطاب فى عملهم"، وذلك ضمن تجديد الخطاب الديني.

وقد أكد الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر، وعضو لجنة تجديد الخطاب الديني بالمشيخة، أن "لجنة تجديد الخطاب الديني التي شكلتها المشيخة، اجتمعت ثلاث مرات فقط لوضع ضوابط وآليات التجديد، وتوقفت مرة واحدة، دون إبداء أي أسباب".

وقال إن "المؤسسة الدينية لن تتمكن من تجديد الخطاب الديني، فى ظل تعاملها معه على أنه تكليف".

تاريخ السعي لتحجيم التعليم الأزهري

محاولات دمج التعليم الأزهري الديني بالتعليم العام المدني في مصر قديمة بدأها وزير التعليم الأسبق في عهد الملكية د. طه حسين بحيث يجعل التعليم كله واحدا ولكنها محاولات باءت بالفشل لتصدي علماء الازهر له، ورفض ذلك.

ويعد القانون رقم 103 لسنة 1961م في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر أول المحطات الفعلية الرئيسية في مخطط إلغاء الدور التاريخي للأزهر الشريف كجامعة للعلوم الإسلامية، وتبع ذلك خطوات أخرى لا تقل خطورة في هدم شخصية الأزهر المميزة واستقلاليته حتى تحول الآن بعد المرحلة الأخيرة إلى مجرد فرع من أجهزة وزارة التربية والتعليم.

فعقب سيطرة الحكم العسكري علي مصر عقب ثورة 23 يوليو عام 1952، بدأت حكومات الثورة المختلفة تصدر قرارات، قالت إنها لصالح تطوير الأزهر بينما هدفها تحجيم دوره، حتى جاء عام 1961 ليصدر أهم وأخطر قانون في حياة الأزهر الشريف (القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر الشريف والهيئات التي يشملها)، وهو القانون الذي لا يزال يثير جدلا حتى الآن.

ويروي الدكتور أحمد طعيمه وزير الأوقاف في الفترة من 1959م وحتى أواخر عام 1961م قصة قانون تطوير الأزهر، كما عاصرها، قائلاً "وقتها كان كمال رفعت هو المسؤول عن الأزهر، وسعيد العريان هو وكيل وزارة التربية والتعليم، وكان غرضه وضع الأزهر تحت هيمنة وزارة التربية والتعليم".

ويضيف "كان الهدف هو الهيمنة، ولكن كمال رفعت كان ينظر للموضوع نظرة أخرى كشيوعي ماركسي، يهمه القضاء على الإسلام، لأن الاشتراكية العلمية، التي كانت سائدة في ذلك الوقت، لا تؤمن بالله أو بالأديان، ولا يستطيع إنسان اختراق الإسلام، إلا عن طريق اختراق عقيدته".

ومع تحول الجامع الأزهر لقوة كبيرة في العهد الملكي، ثم تحوله منذ عام 1963 إلى جامعة علمية، تضم ستة آلاف معهد أزهري ابتدائي وإعدادي وثانوي، و65 كلية لجامعة الازهر، وامتداد نشاطاته لتشمل كافة دول العالم الإسلامي، حتى أصبح يستقبل قرابة 25 ألف طالب من 94 دولة إسلامية، وتحول الازهر وشيخه الي قوة دينية مؤثرة لا تستطيع السلطة تجاوز رأيها، بدأت محاولات التدخل لتهميشه عبر ضرب نظامه التعليمي الازهري، الذي قامت عليه قوته.

محاولات تدجين الازهر في عهد مبارك

إذا كانت فترة الحكم الناصري الحديدية لم تسمح بفتح المناقشات حول هذا القانون، فقد أدى اعتماد قوانين أخرى في التسعينات، تتحدث عن تطوير الأزهر الشريف، لإعادة فتح الملف بكامله.

وكان أول محاولة لدمج التعليم الازهري في الحكومي جرت 9 يونية 1998م عقب إقرار البرلمان لقانون جديد حول التعليم الأزهري، يساوي بينه وبين التعليم العام، أيده شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي ورئيس جامعة الأزهر، ووزير الأوقاف وعارضه نخبة من علماء الأزهر والكتاب الإسلاميين، يقترب عددهم من 300 شخصية، بحسب بيان أصدروه حينئذ.

وكان هذا القانون قطرة الزيت، التي أضرمت النيران في قضية تدهور شأن الأزهر الشريف، والمؤامرات التي تحاك ضده، منذ عام 1961م حتى الآن، وذكر علماء وخبراء مناهج التعليم الأزهري في حملتهم أن هذا القانون "ليس سوى جزء يسير في خطة محكمة لتدمير الأزهر الشريف، بدأت بالقانون رقم 103 لسنة 1961م المسمى بـ "قانون تطوير الأزهر"، ونشطت خلال عامي 1996م و1997م".

وخلال هذه الفترة تم إلغاء الكتاتيب المخصصة لتحفيظ القرآن الكريم، وجرى إلغاء عشرات الحصص المخصصة للتعليم الفقهي والشرعي واللغوي، واستبدالها بحصص لمواد مدنية ودروس تصل لحد التعارض مع الأخلاق الإسلامية ذاتها، وإلغاء 75% من نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف في مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي، وإلغاء دراسة الفقه على المذاهب الأربعة.

وكان شيخ الأزهر الراحل سيد طنطاوي برر قانون المعاهد الازهرية الذي يساوي الطلاب بالثانوية العامة، بأنه سيؤدي لوقف التسرب من الأزهر، وتهرب الطلبة من الدراسة فيه، وتحدث عن أن 15 ألفاً و270 تلميذاً من الأزهر قد طلبوا تحويلهم إلى التعليم العام، وأن 12 ألفاً من طلاب الأزهر تركوا الدراسة بالأزهر، خلال عام واحد، بسبب كثافة المواد التي تدرس لهم، بحسب قوله.

ويمكن رصد مراحل التدمير القديمة فيما يلي:

·       جري استغلال هزيمة يونيو 1967 للنيل من الأزهر، وصدر قرار بتخفيض سنوات الدراسة بالأزهر الشريف، بحجة خفض النفقات، وتعبئة الموارد لمواجهة ظروف الحرب، ليتم تقليص سنوات الدراسة في الإعدادية الأزهرية من أربع سنوات إلى ثلاث سنوات، والثانوية من خمس إلى أربع سنوات.

·       في عام 1991م طبقت قاعدة مساواة معاهد التعليم الأزهري وشهادات الأزهر، بشهادات وزارة التربية والتعليم ليترتب على ذلك حذف 50% تقريباً من الدراسات الشرعية واللغوية في المناهج الأزهرية، في حين بقيت المواد، التي فرضت على طلاب الأزهر من التعليم العام كما هي دون حذف

·       عام 1997م تقرر إلغاء معاهد المعلمين الأزهريين وعددها 20 معهداً، وترتب على ذلك ضعف مستوى حفظ القرآن الكريم ودارسيه.

·       في عام 1998م، جاءت أخطر هذه المراحل بمساواة التعليم الثانوي الأزهري تماماً بالتعليم الثانوي العام، (تمهيدا لدمجهما كما تجري المحاولات الان) وهو ما ترتب عليه حذف المزيد من المواد الدراسية الشرعية، وعلوم القرآن، وتخريج طلبة ضعاف المستوى، ليفقد التعليم الأزهري سمته الأساسية وخصوصيته، باعتباره تعليماً دينياً، ويتحول إلى تعليم علماني لا ديني، خصوصاً بعدما تقرر افتتاح أقسام فنية تابعة للتعليم الأزهـــري "زراعي وصناعي وتجاري"، بحيث لم يعـــد يتبقى سوى نقل الإشراف على هذا التعليم إلى وزارة التربية والتعليم ليصبح الأزهر الشريف أحـد فروع الوزارة، وهو الهدف القديم، الذي سعى إليه الطامحون للتقليل من شأن الأزهر الشريف.

·       عام 2008 تجدد الجدل مرة أخري بشأن المطالب الأمريكية بإلغاء التعليم الديني في الدول العربية والإسلامية وإلغاء التعليم الأزهري الجامعي، في أعقاب كشف وزير التعليم العالي السابق "عمرو عزت سلامة" عن دراسة الحكومة المصرية إصدار قانون جديد لتطوير التعليم العالي سيتم دمج الأزهر فيه لأول مرة، وتحذير أساتذة في جامعة الأزهر ونواب برلمانيين من أن تكون هذه خطوة أخري في سياق الاستجابة للمطالب الأمريكية بشأن تفكيك التعليم الازهري.

وبسبب معارضة العلماء المنضوون تحت "جبهة علماء الأزهر" حملة الرفض لدعم التعليم الازهري وضمه للتعليم الخاص، جري تشريد اعضاءها وفصل بعضهم وغلق مقرها في ميدان العتبة، ومطاردة أي نشطات لها، بعدما قالت إنه "تحت شعار التطوير يتم التدمير، وتحت شعار التخفيف يتم المسخ والتحريف".

وقد سعي نواب جماعة الإخوان المسلمين حينئذ (يونيو 2002) لإعادة فتح ملف "تدمير الأزهر"، عبر تغيير مناهجه، والحديث عن الفساد الإداري والمالي في شؤونه المفترض أن يديرها رئيس الوزراء بحكم كونه مسؤولا عن شئون الأزهر وفق القانون، وهو ما افشلته الحكومة حينئذ.

صدام السيسي والمشيخة

من المعتقد أن رفض "مؤسسة الازهر"، وتحديدا هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الاسلامية، لمطالب السيسي بشأن تجديد الخطاب الديني، كان وراء تجميد وعدم صدور وثيقة الازهر، رغم ما نشرته صحيفة "البوابة".

فقد تبع ذلك خلاف طفا الي السطح بين السيسي وشيخ الازهر أحمد الطيب، وهجوم إعلام السلطة علي شيخ الازهر لعدم قدرته على تمرير مطالب السيسي بين العلماء، وصلت لوصف "هيئة كبار العلماء بالأزهر" باسم "هيئة علماء الطيب"، بعد رفض العلماء مطالب للسيسي منها إلغاء الطلاق الشفوي، ورفضوا قوانين أخري، وعارضوا الخطبة الموحدة لوزارة الاوقاف وتحدوها.

وأدت الخلافات المتصاعدة بين السيسي وشيخ الازهر، وغضب السيسي من الشيخ أحمد الطيب لتجميد اجتماعات لجنة الخطاب الديني تارة، وتنشيط دور مستشار السيسي "اسامة الأزهري"، الذي قالت مصادر أزهرية أن السيسي اسند له إدارة لجنة تجديد الخطاب الديني.

ففي كل مرة يجتمع السيسي والطيب ويطلب منه مطالب تتعلق بتغييرات دينية، يعده شيخ الازهر ثم يعود ويجتمع مع "هيئة علماء الازهر" فيرفضون ما يطالب به السيسي لأنه مخالف لثوابت الدين".

وفي2014-06-24، قال السيسي أن "هناك نصوص دينية مُقدَّسة تُعادي الدنيا كلها، محتاجين ثورة دينية عليها"، وفي2015-01-06   قال لصحيفة "وول ستريت": من غير المعقول أن يقول أحدٌ أنْ يذهب المسلمون وحدَهم للجَنَّة والآخرون إلى جهنّم".

وزاد الخلاف رفض "الطيب" دعوات رئاسية ضمنية بالتخلص من شيوخ في هيئة كبار العلماء بسبب معارضتهم لخطاب السيسي الديني، ما دفع وسائل إعلام حكومية لوصفهم بأنهم "إخوان" ومحسوبين على الجماعة مثل الدكتور سعد عمارة وغيره، كما رفض محاسبة وعاظ الأزهر على انتماءاتهم السياسية، كما فعلت وزارة الاوقاف.

وشارك مستشار السيسي الديني، في الهجوم على مؤسسة الأزهر والشيخ أحمد الطيب في مقال كتبه بالأهرام ووضعه على حسابه على فيس بوك، بعنوان: "أمر يدع اللبيب حائرا"، انتقد "تراجع" دور المشيخة، وعدم استجابته لمطالب السيسي حول تغيير الخطاب الديني.

ورغم دعمه للسلطة، إلا أن السيسي لم ينسي انتقاد شيخ الازهر الضمني لمجزرة الحرس الجمهوري يوليه 2013، ومجزرة رابعة العدوية أغسطس 2013، ومطالبته بإعلان نتائج التحقيق، وتهديده بالاعتكاف في منزله ما لم يتم حقن الدماء، وتأكيد عدم علمه بفض رابعة بالقوة.

https://www.youtube.com/watch?v=GSp3hCIm_xI

https://www.youtube.com/watch?v=RrblOIwbv_o

لماذا الدمج الان ومخاطرة وتداعياته المستقبلية

·       جس نبض لعلماء الازهر والراي العام لفرضه رسميا خاصة ان المشرف علي نظام التعليم الجديد هو السيسي بنفسه كما قال وزير التعليم.

·       السعي للتدخل رسميا في خطة ما يسمي "تجديد الخطاب الديني"، ومنه تطوير التعليم الازهري، بعد رفض ضمني من مؤسسة الازهر ادراج مطالب رئاسية في وثيقة تجديد الخطاب الديني، وفي ظل صراعات واضحة بين الرئاسة وشيخ الازهر حول التجديد الديني.

·       اضعاف المؤسسة الدينية الازهرية باعتبار أنها اخر الحصون التي لم يغزوها السيسي (المؤسسة ككل لا شيخ الازهر وحوارييه)، بعدما كانت تقف هي والقضاء امام تحقيق هيمنته الكامل ونظامه العسكري علي كافة مناحي الحياة في مصر لضمان عدم الثورة على نظامه، ونجح في ترويض اخر قلاع القضاء بقانون الهيئات القضائية التي اعطاه سلطة تعيين المقربين لرئاسة مجلس القضاء الأعلى والهيئات القضائية الكبرى.

·       تكاد الظروف تبدو متهيئة للسيسي ونظامه لتركيع المؤسسة الدينية، بعدما نجح في تدجين دار الافتاء ووزارة الاوقاف، وقضي على أي اصوات معارضة قد تدعم صمود الازهر، خاصة جماعة الاخوان التي دعمت الازهر خلال هجمات سابقة في عهد مبارك، وبعدما فاز بفترة رئاسية جديدة ويتهيأ حزبه "دعم مصر" لتعديل الدستور، ببنود غامضة قد تطال الازهر والتعليم الازهري، وتوالي وفاة العديد من أعضاء هيئة علماء الازهر من الرموز القديمة.

·       حال نجح السيسي في القضاء على أي نفوذ لعلماء الازهر، سيكون نجح في القضاء على نفوذ أبرز مؤسستين هما الأزهر والقضاء، بحسب معهد "كارنيجي للشرق الأوسط"، كانتا تسعيان للحفاظ على ما تريانه استقلالاً عن مؤسسة الرئاسة، بعدما دجن القضاء، لأن القضاء والأزهر تسببا في إحراج السيسي، في بعض المواقف.

·       الازهر قائم على فكرتي: "التعليم الديني" في اروقته التي تحولت الي معاهد وجامعات، و"دراسة الاصول"، ودمج هذه المؤسسات التعليمية الازهرية في التعليم الحكومي العام يحولها الي مؤسسات تعليم روتينية تطالها ايدي الفساد والانهيار في نظام التعليم العام، كما يلغي تعليم الطلاب "أصول الدين" ما يسمح لأصحاب الفكر المنحرف أو "علماء السلطان" بالتحكم في الرؤي الدينية بما يخدم السلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أجهزة السيسي الأمنية وعلاقتها بتصميم وهندسة البرلمان المقبل.. حدود الدور ومداه ومآلاته

  يمضي نظام الانقلاب في مصر منذ اغتصاب السلطة منتصف 2013م نحو تكريس الحكم العسكري الش…