‫الرئيسية‬ العالم العربي سوريا ما الذي تقوم به إدارة ترامب فعلا في سوريا؟
سوريا - أبريل 30, 2018

ما الذي تقوم به إدارة ترامب فعلا في سوريا؟

 ما الذي تقوم به إدارة ترامب فعلا في سوريا؟

تشغل سوريا حيزا كبيرا من الاهتمام الأمريكي مؤخرا، ليس آخرها مقوله ترامب بأنه سيتم الانسحاب الأمريكي من سوريا، بما يعني أنه ينفذ ما قاله في حملته الانتخابية بتقليل التواجد الأمريكي في الخارج، يأتي مقالا منشور في "ديلي بيست"[1] ليوضح أن الأمور تسير بعكس ما هو ظاهر للعيان، وأن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل استراتيجية واضحة المعالم في سوريا، ومن المتوقع، على الأقل في المدى القريب، أنها لن تترك الساحة السورية. وفيما يلي نعرض نص التقرير الهام مع تعليق ختامي حول مجمل الاستراتيجية الأمريكية في المشرق العربي.

 نص المقال:

خلق الرئيس الكثير من الالتباس حول وضع الولايات المتحدة في سوريا، وربما للضغط على السعودية للحصول على نقود، لكنه في نفس الوقت يعقد السياسة التي وقّع عليها بالفعل.

"سنخرج من سوريا، قريبًا جدًا.. دع الآخرين يعتنون بها الآن"، هكذا تحدث رئيس الولايات المتحدة في ريتشفيلد بولاية أوهايو في تجمع كان من المفترض أن يدور حول البنية التحتية.

صمم هذا الخطاب ليكون جاذبا ومؤكدا على أن دونالد ترامب هو ذاته الذي فاز في الانتخابات، والذي قال أنه سيعمل على جعل الولايات المتحدة عظيمة مرة أخرى، وليس الشرق الأوسط. لكن ما يحدث هو أن البيت الأبيض لديه بالفعل خطة طويلة الأمد في سوريا، وذلك وفقا لما قاله مسئولين سابقين وحاليين في الإدارة، وهو ما يعني أن الخطة هي أن تبقى الولايات المتحدة على وضعها إلى أجل غير مسمى.

الواضح هو أن ترامب يجتهد دائما لجعل الآخرين هم من يدفعون الفاتورة، وهذا ما تبين خلال مؤتمره الصحفي الأخير مع ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، إذ كان محددا تماما حين قال أن "المملكة العربية السعودية تهتم جدا بقرارنا.. إذا كنت تريد منا البقاء، فعربما يتعين عليك الدفع".

لكن ماذا يعني البقاء؟

كان وزير الخارجية "ريكس تيلرسون"، الذي أقيل عبر تويتر، قد أوضح في يناير الخطوط العريضة لاستراتيجية الولايات المتحدة ما بعد داعش، على الرغم من أنه لا تيلرسون ولا وزارة الخارجية الذين قاموا بصياغتها. إذ قام البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي بذلك، وهي ما وقع عليها ترامب، وهذا يعني إما أن ما قاله في كليفلاند جاء بشكل ارتجالي عفوي، أو أن الأمر يعبر عن سياسة حكومية مدروسة أو أنه شخصية داهية.

ووفقًا لما ذكره تيلرسون، الذي أوجز الاستراتيجية الأصلية في مؤسسة هووفر بجامعة ستانفورد، فإن هناك خمسة أهداف:

1.    يجب على تنظيم "الدولة الإسلامية" والقاعدة أن يتكبدوا "هزيمة دائمة"، ويجب ألا تتحول سوريا مرة أخرى إلى منصة للتنظيم الإرهابي العابر للحدود الذي يستهدف مواطني الولايات المتحدة.

2.    يجب أن تنتهي الحرب الأهلية التي دامت سبع سنوات في سوريا من خلال تسوية دبلوماسية تتوسط فيها.

3.    يجب أن "ينقص" نفوذ إيران في سوريا وأحلامها بالهلال الشيعي.

4.    يجب تهيئة الظروف للسماح للاجئين السوريين والنازحين داخلياً بالعودة إلى ديارهم.

5.    يجب أن تكون سوريا خالية من أسلحة الدمار الشامل.

شدد تيلرسون على الفظائع الموثقة جيدا التي ارتكبها نظام الأسد، بالإضافة إلى تواطئه الذي دام عقدًا من الزمن مع داعش أو تسهيل العديد من تجليات هذا التنظيم، الذي كان سببا في تدخل الولايات المتحدة في سوريا، والذي جعل من المستحيل حدوث مصالحة أمريكية مع دمشق في الوقت الحالي.

لذا أصبحت فكرة نية تخلي الولايات المتحدة عن الأراضي التي حررتها من تنظيم الخلافة وإعطائها للنظام لتمكينه من إعادة تأهيلها، لا أساس لها من الصحة. إذ ستشرع الولايات المتحدة في مشروع أكثر طموحا لإنشاء محمية أمريكية في شرق سوريا، لتشمل جزءًا كبيرًا من الحدود التركية السورية وكامل الحدود السورية العراقية. وللقيام بذلك، ستبقى القوات الأمريكية في سوريا إلى أجل غير مسمى.

في النهاية –وكما أوضح أحد كبار المسئولين الأمريكيين- فإن إبقاء الأسد معزولاً دبلوماسياً وتقويضه اقتصاديا، وحصره في دولة غير مستقرة، سيثبت أن هذه سياسة باهظة التكلفة، خاصة في ظل وجود رعاة له –روسيا وإيران-.

لم يكن دعم كل من بوتين وخامنئي لسوريا من أجل الإحسان، إنما يتطلع كل منهما إلى الاستفادة من نجاحهما في إنقاذ الدولة، فيسعى بوتين إلى وجود عسكري دائم في المشرق، ويريد خامنئي وقائده العسكري المتشدد قاسم سليماني الحصول على خط اتصال مباشر لفيلق الحرس الثوري الإسلامي ووكلائه الشيعة المتعددين، أو "الهلال الشيعي" كما ألمح له تيلرسون، أو ما يسمى بـ"الجسر البري" الإيراني، وهو الذي يمتد من طهران على طول الطريق إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. ويعد تمدد الملالي بالنسبة لإسرائيل وتركيا ودول الخليج العربي أكثر خطرا بكثير من انتشار الجهاد السني في سوريا، والذي تعتبره هذه الدول أكثر قابلية للاحتواء ولا يمثل تهديده شكلا وجوديا لها.

أراد المسئولون الذين صاغوا سياسة ترامب في الأساس، أن يضمنوا استمرار فكرة الانتصار على الإرهاب في سوريا، بعكس ما حدث في العراق حين أدى الانسحاب الأمريكي عام 2011 لانتزاع الجهاديين انتصارات كبيرة في 2014، مما يعني هزيمة الاستراتيجية الأمريكية. وفي نفس الوقت يريدون منع موسكو وطهران من الحصول على الغنائم التي يريدونها.. وهو الأمر الذي يعكس المبدأ الدفاعي الجديد للبنتاغون، الذي ألغى أولوية الحرب العالمية على الإرهاب ويشدد على صراع القوى العظمى الذي يعود إلى القرن العشرين باعتباره التحدي الأمني ​​الأبرز للولايات المتحدة.

بهذا، فإن السياسة التفصيلية تجاه سوريا تسعي لتفادي مخاطر الحملة التي كانت موجهة ضد عدو واحد لمدة 15 عاما، عندما غزت إدارة جورج دبليو بوش العراق لخلق مجال لنفوذ أمريكي، لتجد نفسها تخوض حربا ضد التمرد، ورثت إدارة ترامب نفس فكرة الحرب لمكافحة التمرد، للحصول على نفوذ أمريكي أيضا، لكن دون وجود مخاوف من فكرة إعادة التاهيل، أو حدوث فوضى نتيجة للاحتلال كالذي حدث في العراق.

هل تتمتع مثل هذه السياسة بفرصة في ظل ظروف جيوسياسية ومحلية مواتية؟ وحتى إذا كانت أمامها فرصة بالاستمرار، فإن العناصر النفسية ستساهم بشكل كبير في تقويضها بسبب الخلط الذي أحدثه ترامب.

سياسة الاعتماد علي القبلية في سوريا

من خلال الإعلان عن نشر القوات الأمريكية إلى أجل غير مسمى في سوريا، كانت الإدارة قد قوّت علاقاتها الأمنية وبنت ثقة دائمة مع القبائل العربية السنية على وادي نهر الفرات، وتمثل تلك الدائرة فرصة للإدارة الأمريكية.

القبائل السورية عبارة عن كونفدراليات للعائلات المنتشرة عبر منطقة جغرافية واسعة تشكل شبكات قائمة على العشائر وتمارس سياسة التوافق، وتمثل 30٪ من سكان سوريا، وتسكن أكثر من 60٪ من أراضيها، بما في ذلك أكثر المناطق الغنية بالنفط. وتتمتع القبائل بتركيزاتها الأعلى في أربع محافظات هي: درعا ودير الزور والحسكة والرقة، وسيتم دمج الثلاثة الأخيرة في منطقة النفوذ الأمريكية الناشئة. في كل واحدة من الأقاليم الأربعة تشكل القبائل حوالي 90٪ من السكان، مما يعني أنها ستكون رأس المال البشري الذي سيكون على أمريكا أن تستثمره بكثافة.

معروف عن القبائل أنها ذات توجهات محافظة وحذرة ومتقلبة، فهم يتعاملون مع أي قوة بنظرة أنهم القوة المهيمنة والأكثر قدرة على مصالحها على المدى الطويل. ولهذا، كانت هذه القبائل حاسمة في مواجهة الحكومات الاستعمارية أو المحلية، وكان لها قدرة على حشد الدعم أو العداء المحلي، وإقامة مصداقية أو كراهية للإدارات المدنية والعسكرية، وتعمل في الآونة الأخيرة، كحائط صد ضد تسلل الجهاديين من مجتمعاتهم.

لقد فهم داعش هذا الواقع الأنثروبولوجي بشكل جيد، غير أن التحالفات القبلية ليست ثابتة، يتضح هذا من التحول السريع لولاء الرقة من الأسد عام 2011 إلى المعارضة السورية في 2013 إلى داعش في عام 2014، والآن إلى قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة. ولهذا السبب، بدأ الأسد في تقديم عروضه الخاصة إلى الجزيرة، شرق المنطقة الصحراوية من البلدات والقرى والمدن الصحراوية شرق وادي نهر الفرات.

في أكتوبر 2017، بدأ النظام استمالة قبائل دير الزور بعروض تضمنت الحكم الذاتي المحلي، كمحاولة لمعالجة عزوف العائلات القبلية عن إرسال أطفالهم للانضمام إلى الجيش السوري. وذلك لانشاء قوات موالي للنظام علي على غرار الميليشيات الإيرانية المسلحة التي تدين لها وزارة الدفاع السورية بالفضل. ولكن من الناحية التكتيكية، فإن الميليشيات القبلية ستقلل من تدخل الحكومة شريطة أن تظل خاضعة سياسيا لها. كان هذا يمهد فيما بعد لانضمام القبائل للنظام، إذا ما تم تنفيذه فعليا.

لكن كل ذلك كان قبل أن تبدي أميركا استعداداتها للتواصل والتعاون، فأصبحت القبائل أكثر تفضيلا لصفقة واشنطن عن صفقة النظام السوري، وهو ما وصفه أحد القادة العسكريين الأمريكيين بأنها فرصة كبرى بعد سقوط داعش. لكن يجب رعايتها على المدى القريب من خلال مزيج من الدعم الدبلوماسي والعسكري، فلم يتضح أي مؤشر على أن البيت الأبيض لديه خطة متماسكة لكيفية الحفاظ على قبائل الجزيرة.

كحد أدنى، سيحتاج البنتاجون ووزارة الخارجية إلى إنشاء آليات التفاهم القبلية الخاصة بهم مشابهة لتلك التي استخدموها في العراق من خلال "الصحوات"، التي أبرزت العديد من الفرص والعقبات في التعامل مع القبائل. فعلى سبيل المثال، انتقلت قبيلة أبو ريشة من محافظة الأنبار من تسهيل التمرد المناهض للولايات المتحدة، إلى إقامة شراكات مع الأمريكيين لمطاردة المتمردين وقتلهم. جاء أبو ريشة ليحكم على الجهاديين الأجانب بأنهم شريك مغرور وشرير، ولكن في مرحلة تالية فإن المكاسب التي تحققت من الصحوات وتم ترسيخها من خلال زيادة القوات بقيادة الجنرال بترايوس، تم تبديدها بسبب رفض رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي دمج الميليشيات القبلية في المؤسسة الأمنية العراقية كما وعد، ولم تستطع الولايات المتحدة إجبار المالكي بالوفاء بهذا الوعد.

في سوريا، من المفيد حالياً عدم وجود سلطة هشة في الجزيرة يجب على الولايات المتحدة التفاوض معها. "السلطات المدنية المحلية الشرعية" التي أشار إليها تيلرسون، ستكون مجالس إدارة محلية دون الحاجة لحكومة مركزية تتعامل معها. لكن العنصر السلبي أن الصحوات  السورية سترتبط باحتياجات وقرارات الممثلين الأمريكيين الذين سيكون لديهم مجموعة من المشاكل الأخرى التي يتعاملون معها، ليس أقلها التحالف المتوتر مع الناتو.

الاعتماد علي حزب العمال الكردستاني

إذا كان هناك ثغرة كبرى في خطة إدارة ترامب، فستكون في التركيبة السكانية وهيكل السلطة لقوات سوريا الديمقراطية، كما تُعرف على أنها من حلفاء أمريكا الرئيسيين المناهضين للتمرد. تتكون قيادة قوات سوريا الديمقراطية من الموالين لحزب الاتحاد الديمقراطي، وفرعها العسكري المعروفة بوحدات حماية الشعب. هؤلاء هم الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي صنفته الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية ذات طابع ماركسي بسبب حملتها التي استمرت 40 سنة ضد الدولة التركية.

العديد من متشددي حزب العمال الكردستاني من تركيا وشمال العراق هم في صفوف وحدات حماية الشعب، يشرفون على نقاط التفتيش العسكرية ويحتلون مواقع القيادة والسيطرة الرئيسية.

أثبت حزب العمال الكردستاني أنه الأكثر فعالية في محاربة داعش وفي قوة شراكته مع القوة الجوية والبرية الأمريكية. تغلبت مكافحة الإرهاب على الجغرافيا السياسية وأدت لمزيد من تردي تحالف واشنطن مع أنقرة.

ولا تمثل أيديولوجية حزب الاتحاد الديمقراطي – التي هي مزيج من الماركسية والنزعة الانفصالية الكردية والنسوية- الوصفة المثالية لمهمة حفظ السلام في أحد أكثر الأحياء العربية محافظة في المنطقة. يقر صانعو السياسة الأمريكيين بأن محمية الجزيرة لا يمكن أن تنجح دون مصالحة أمريكية تركية بشأن "قضية حزب العمال الكردستاني". وحتى الآن، لجأ البيت الأبيض إلى تطمينات شفهية بشأن المخاوف الأمنية التركية، فعلى أرض الواقع هناك ما يزيد من تفاقم هذه المخاوف.

بعدما أعلن البنتاجون عن إنشاء قوات جديدة على الحدود، قررت أنقرة إطلاق "عملية غصن الزيتون"، وهي غزو جوي وبرّي لمدينة عفرين التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي في محافظة حلب، وهو أول تدخل لتركيا ضد أهداف غير تابعة لداعش في سوريا، وكان هدفه منع سيطرة حزب العمال الكردستاني على جزء خطير من الحدود السورية التركية. مثّل هذا الأمر حرجا لكل من واشنطن وموسكو.

وأصبحت عفرين منذ ذلك الحين حدثا حاشدا لأكراد سوريا، حيث تدفق مسلحو قوات الدفاع الشعبي عبر نهر الفرات -ضد أوامر البنتاغون- للانضمام إلى حلفائهم ضد غزو حليف للولايات المتحدة، وتسبب ذلك في انفراجة لداعش بسبب قلة عدد المناهضين له. طلب حزب الاتحاد الديمقراطي الدعم من النظام السوري للاحتفاظ بالسيطرة على عفرين، وأصبح الأمر بمثابة ذهاب حليف للولايات المتحدة إلى الحرب مع عدو لها ضد حليف لها.

سقطت عفرين في يد أردوغان، وعلى الرغم أن هذه العملية العسكرية لم يكن لها تأثير مباشر على جهود التحالف شرقي الفرات، فإن النتيجة على المصالح الأمريكية تأتي في ثلاث جهات:

أولاً، غضب الأكراد من الولايات المتحدة، وهي نقطة قد يقدرها داعش ويحاول الاستفادة منها.

ثانياً، بدء تفكير البيت الأبيض في سحب ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي من مدينة منبج وتحويلها إلى منطقة مشتركة بين الولايات المتحدة وتركيا. وهذا قد يؤدي لمنح منبج لتركيا، التي كانت في يوم من الأيام أحد المعاقل الهامة لداعش. لكن البنتاغون، خاصة قيادة العمليات الخاصة، لا يزال يحمي حزب الاتحاد الديمقراطي بفضل ما قدمه من مساعدة في الحرب ضد داعش.

أخيرًا، بالنسبة للعرب السنة، الذين يعد تعاونهم شرطًا لا غنى عنه لتقرير نجاح أو فشل استراتيجية أمريكا في الجزيرة، فقد أصبحت هذه الحلقة رحلة أخرى من خلال النظر إلى عدم الاتساق الاستراتيجي. إن القوة العظمى الوحيدة في العالم لا تدعم أصدقاءها في المنطقة فحسب، بل تتجاهلهم قيامهم بالتحالف مع أعدائها. وهذا قد يحدث في قضية القبائل إذا لم يتم إدراكها جيدا، ودخلت فيها بلدان أخرى.

حصار اقتصادي للنظام ومنعه من الحصول علي الموارد النفطية

كيف سيعمل العنصر المناهض للأسد في هذه الاستراتيجية، إذا كان يعمل من الأساس؟ افترضت سياسة البيت الأبيض أنه بسبب رهن الأسد سوريا لروسيا وإيران، خاصة الأجزاء الحيوية مثل حلب وحمص ودمشق والمقاطعات الساحلية، سيؤدي ذلك لإضعافه، ويمكن أن تجعله الولايات المتحدة أكثر ضعفاً، هذا يعتمد إلى حد كبير على مدى استعداد الولايات المتحدة للذهاب لطرد الأسد من الجزيرة.

هناك بعض الدلائل على أنه بالرغم من الطفرة المذهلة في الاقتصاد السوري بعد الانتصارات التي حققها النظام في ساحة المعركة، هناك توترات واضحة بين الإسرائيليين والروس الذين لا يرغبون في تمويل استهلاك الطاقة في سوريا وآلية الحرب إلى أجل غير مسمى.

وقد دفع هذا الاندفاع للحصول على موارد الجزيرة كل من دمشق وموسكو لاختبار العزيمة الأمريكية، عبر القوات الموالية للنظام وعدد غير معروف من المرتزقة الروس، إذ قاموا بمضايقة قوات الأمن الخاصة والقوات الخاصة الأمريكية بالقرب من حقول نفط كونوكو حول دير الزور، وكانت النتيجة ردا انتقاميا أدى لمقتل الروس لأول مرة منذ بدء الحرب.

كان الكرملين ينكر باستمرار نشر المرتزقة "فانجر" في سوريا، ويعتبرها مجرد مجموعة من "المتطوعين" الوطنيين. لكن في الواقع، وعدت شركة البترول العامة المملوكة للدولة ممول فانجر بنسبة 25% من حقول النفط والغاز المستردة من داعش أو تلك التي سيتم استردادها من قوات سوريا الدمقراطية.

وطالما بقي حلفاء الولايات المتحدة متمسكين بهذه الحقول، فإنهم يمنحون واشنطن نفوذاً اقتصادياً ضد النظام. إذا لم يستطع النظام خلق اقتصاد يعتمد على نفسه، فمن سيموله؟ روسيا وإيران، إلى الأبد؟ أو كما قال أحد المسؤولين الأمريكيين، "ماذا يحدث عندما لا يتم دفع أجور الجنود السوريين في موعدها، أو قطعها من الأساس؟ هل سيستمرون في الظهور على خطوط الحرب انطلاقا من "الوطنية" أو الرغبة في "حماية الأضرحة الشيعية"؟، وهذا هو السبب الذي جعل إيران تدعي أنها أرسلت قوات ومليشيات إلى المعركة.

سوف تشمل سياسة استفزاز البعثيين تجاهل أي مساعدة غربية للمناطق التي يسيطر عليها النظام، أو تحاول الاحتفاظ بالضروريات الإنسانية. استمرارا لموقف الاتحاد الأوروبي المتعارض مع موقف الولايات المتحدة، فهو على استعداد لتقديم أموال إعادة البناء للأسد مقابل محادثات السلام، ولكن مساعدات الإغاثة التي خصصتها الأمم المتحدة لمناطق المعارضة سُرقت بشكل منهجي من قبل النظام.

ووفقاً لإحدى الدراسات، فقد تم إغراق أكثر من مليار دولار من المواد الغذائية والأدوية والإمدادات في عام 2015 وحده، فالأمم المتحدة تعمل في سوريا بإذن من النظام، الذي يشبه المافيا، يأخذ ما يحبه من الشحنات التي تمر عبر حواجزها.

ما لم تخطط الولايات المتحدة لنقل جميع المساعدات إلى مناطق المعارضة، سيتعين عليها الاتفاق على طرق برية عبر تركيا، وهو ما سيعيد المشكلة المتمثلة في تلبية مطالب أردوغان المتمثلة في حزب الاتحاد الديمقراطي.

أينبغي البقاء أم الخروج؟

من المخاطر التي تواجه التواجد الأمريكي في الجزيرة، أن القوات والمنشآت الأمريكية ستصبح أهدافًا جذابة لتنظيم الدولة. لكن دوريات الولايات المتحدة في الأراضي التي تشغلها قوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا أثبتت –حتى الآن- أنها أكثر أمنا من دوريات القوات الأمريكية في الرمادي أو الفلوجة. ولا يرجع ذلك فقط إلى قدرة تلك القوات على التفوق على قوات الأمن العراقية قبل عام 2014 في إعاقة ظهور تمرد جديد، ولكن أيضا إلى الحجم الجزئي للقوات الأمريكية في سوريا: 2000 مقابل 150 ألف في العراق في منتصف العقد الماضي. وهو ما يطرح تساؤلا حول مدى ضخامة البصمة الأميركية في الجزيرة، وما هي الدول الائتلافية الأخرى التي يمكنها الاشتراك.

هناك احتمال كبير –في حالة الحفاظ على الخطة الأمريكية- أن ينمو عدد الأمريكيين الموجودين لمكافحة داعش، وتتم إضافتهم لصفوف قوات سوريا الديمقراطية.

كما لم تناقش إدارة ترامب بعد ما إذا كان سيتم استمرار تواجد المستشارين العسكريين الأمريكيين في العراق، وهو أمر لم تتم معالجته في مؤتمر ترامب الصحفي في أوهايو. على أي حال، فإن مثل هذا القرار سيتطلب موافقة حكومة العبادي. من الناحية النظرية، إذا احتلت القوات الأمريكية مواقع على جانبي الحدود العراقية – السورية، فإن القيام بدوريات في معبر حدودي رئيسي والرد على تهديدات وشيكة على طولها يصبح أسهل بكثير. لكن هذا يعيدنا إلى فكرة ما يشكل "تهديدًا".

جزء لا يتجزأ من مبادرة الجسر البري لقاسم سليماني هو استخدام الميليشيات الشيعية العراقية، المعروفة باسم قوات الحشد الشعبي، التي طالما كانت تقاتل في سوريا نيابة عن النظام. بعض هذه الميليشيات –بما في ذلك كتائب حزب الله- كانت هدفا للقوات الجوية الأمريكية في العراق في المعارك ضد داعش والجماعاتالمعارضة للأسد بمن فيهم أولئك المدعومون من الولايات المتحدة.

لقد كان الخوف الذي يحاصر مخططي السياسة الأمريكية أن أي جهد لاحتواء أو ردع التوسع الإيراني في بلد ما سيقابل بالانتقام في بلد آخر. حتى الآن، لم يتم إثبات هذا الخوف: فالطائرات الحربية الأمريكية التي تدمر قوافل حزب الله بالقرب من التنف لم تعرض الجنود الأمريكيين في العراق للخطر. ومع ذلك ، فإن فصائل الحشد الشعبي المرتبطة بقاسم سليماني هي الآن جزء من الدولة العراقية وتشكل كتلها السياسية الخاصة في الانتخابات العراقية المقبلة، وبالتالي سيكونون قريبا في وضع يمكنهم من التأثير على نشر القوات الأمريكية في العراق دون اللجوء إلى العنف.

لقد ذهبت أمريكا إلى الحرب ضد داعش استنادا لتصريح 2001 باستخدام القوة العسكرية لمطاردة القاعدة في أي مكان في العالم انتقامًا من 11 سبتمبر. من المحتمل أن تلجأ إدارة ترامب إلى تبرير وجود عسكري أمريكي مستمر في سوريا، بعد التأكد من زوال داعش. ولكن هذا ولكن داعش ليست السبب الوحيد، فكما أظهرت المعارك الأميركية الأخيرة مع قوات غير تابعة لداعش بما في ذلك المرتزقة الروس والمليشيات الإيرانية، فإن القوات الأمريكية يمكن أن تقاتل بسهولة لأسباب لا علاقة لها على الإطلاق بأسامة بن لادن. وهنا يجب على الإدارة أن تتسم بالشفافية حول هذه الحقيقة الآن بدلاً من التزييف في وقت لاحق، خاصة بالنظر إلى قرارات ترامب عندما يتعلق الأمر بالالتزامات العسكرية الأمريكية في الخارج.

يمكن أن تكون هناك قضية مبررة لإبقاء القوات الأمريكية في سوريا لردع التوسعية الإيرانية لأن هذه الأخيرة تتحمل بشكل مباشر مسئولية تزايد راديكالية المسلمين السنة الذين لا يرون أي بديل آخر للقضاء على الخميني، وهي تشكل تهديد للدول السنية مثل السعودية والأردن.

خلال جولته الشهيرة في الولايات المتحدة مؤخرا، بما في ذلك لقاءاته مع الرئيس في البيت الأبيض، قال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان: "نعتقد أن القوات الأمريكية يجب أن تبقى على الأقل في المدى القصير"، فكان من الواضح أنه أكثر قلقاً بشأن سيطرة خامنئي الذي وصفه مؤخراً بأنه أسوأ من هتلر. وفقا لعقيدة البنتاجون الدفاعية الجديدة، فإن مصالح الرياض الاستراتيجية لم تتماشى أبداً مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في المنطقة.

ربما كانت الحجة الأكثر إقناعاً بالبقاء هي أن الولايات المتحدة لم تنفق مليارات الدولارات لتدمير شبكة إرهابية. إذا لم تعد الولايات المتحدة تعمل في مجال التدخل الإنساني، فلا يجب أن تسعى لإنقاذ الطغاة الذين يحتضنون الإرهاب، ثم يتوسلون المساعدة في إخماده.

السؤال هنا هو كيف ستضفي الولايات المتحدة الشرعية على حكم منطقة الجزيرة دون اعتراف دولي؟ فهناك 62 دولة طرف بشكل أو بآخر في التحالف الدولي ضد داعش. ماذا سيكون الوضع النهائي لهذه المنطقة؟ هل سيتم منحها اعترافاً دبلوماسياً، وهي في حاجة لأموال إعادة البناء من جانب بعض أو كل هذه الدول الـ62، خاصة وأن الولايات المتحدة أعلنت أنها لا تنوي تمويل إعادة الإعمار العاجلة للمدن المدمرة في العراق؟

أكثر إشكالية هنا هي كيف سيتم إنشاء نظام سياسي قابل للحياة على المستوى المحلي والمركزي؟ إذ لن تضطر واشنطن فقط إلى الإشراف على تقليص تأثير حزب الاتحاد الديمقراطي على قوات سوريا الديمقراطية- على افتراض أن الحزب سيوافق على التخلي عن النفوذ الذي اكتسبه من خلال التضحيات الدموية-، ولكن سيتعين عليها أيضًا التوفيق بين الطموحات الكردية والعربية في دويلة غير ساحلية تحيط بها جميع الأطراف المعادية.

لقد أخبرنا العديد من المصادر العسكرية الأمريكية أن البنتاغون يخشى من أن حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي خاب أمله بشأن عفرين، فقد يبرم صفقة مع نظام الأسد أو يلغي الأولويات في مناطق مثل دير الزور والرقة، فهناك حملة جديدة لتجنيد المزيد من العرب في قوات سوريا الديمقراطية في هذه المحافظات، بالإضافة إلى سلسلة من الاغتيالات المشؤومة في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. هذه علامة إما على صورة من صور عودة داعش، أو ما هو أسوأ.

شمال شرق سوريا هي الجزء الأكثر غنى بالنفط في البلاد، ولكن لديها أيضا أفقر عدد من السكان، وتم تدمير سبل العيش فيها بفعل سنوات التمرد والحرب، مما دفع العديد من سكان الجزيرة للانضمام إلى داعش لأنه لم يكن لديهم ببساطة أي وسيلة أخرى للدخل.

موطئ قدم على الأرض

في حين أن مخاطر الاستراتيجية الحالية واضحة، إلا أن هناك منافع أمنية ملحوظة، بدءاً بقدرات معززة لجمع المعلومات الاستخبارية، مع مراكز للاستماع، وقواعد العمليات الأمريكية، والمطارات التي تتمركز حول داعش. وبينما يتسلل متشددو داعش جنوبًا إلى الأراضي الصحراوية في دير الزور والأنبار، ستصبح هذه النقاط هامة في رصد حركة وإعادة تنظيم الجهاديين، وكذلك اعتراض خطط الحرس الثوري الإيراني على إقامة ممر بري مباشر من العراق إلى سوريا.

سرعان ما تبرز الولايات المتحدة نفسها على البوابة الحدودية الرئيسية للجهاديين، مما يجعل من الصعب للغاية على داعش التقاط أنفاسها. وكما حدث أثناء احتلال العراق، شنت قيادة العمليات الخاصة المشتركة الأمريكية غارات على الأراضي السورية لقتل أو القبض على عناصر القاعدة. ويمكن الاستفادة من الجزيرة لمواصلة قوات الكوماندوز والمخابرات الأمريكية مهاجمة داعش حتى تصل للعراق.

ولن يكونوا وحدهم في مراقبة الجزيرة، فهناك في الجوار الأردن وإسرائيل، وقد أظهرت الأخيرة استعدادًا للاستجابة للحركة في سوريا إذا تعرضت مصالحها للتهديد، فهناك غارة سلاح الجو الإسرائيلي على أنظمة الأسد الجوية الجوية بعد إسقاط طائرة F-16 الإسرائيلية.

وبقدر ما يكون لدى واشنطن كل أسباب الخوف من التصعيد مع طهران وموسكو، فإن لدى طهران وموسكو أسباب أكبر للخوف من التصعيد مع واشنطن. وقد أثارت تدخلاتهم العسكرية المباشرة في سوريا غضب الأمة العربية السنية، مما يجعلها أكثر عرضة للهجمات الإرهابية. وقد منحوا حلفاء الولايات المتحدة المتنازعة هدفاً مشتركا بعد القضاء على داعش، وهو كيف يمكنهم تقليل نفوذهم في المنطقة.

وكما قال أحد المسئولين الأمريكيين، "سيكون من الصعب للغاية محاولة تحقيق أهدافنا في سوريا إذا كنا على خلاف مع حلفائنا الإقليميين، أي تركيا ودول الخليج والأردن وإسرائيل. إذا كان الجميع على نفس الخط، فلا توجد قوة في العالم يمكن أن تتحدى ما تأمل الولايات المتحدة القيام به في شمال الشرق الأوسط ".

من بين الأسباب التي تدفعنا إلى أخذ فكرة الحماية الأمريكية في الجزيرة على محمل الجد، هي أن أمريكا لن تكون وحدها المسؤولة عن ذلك، ولن تخدم فقط المصالح الأمريكية، سيحمي مثل هذا المشروع الملايين من الأكراد والعرب من غاز السارين، البراميل المتفجرة، صواريخ الميج وفرق الموت الطائفية سواء كانت سنية أو شيعية، وفي نفس الوقت يخلق فرصة –إن لم تكن كافية- لتكون الحركات المناهضة للأسد تحت حماية العلم الأمريكي. هذه لن تكون إنجازات متواضعة أو قليلة القيمة.

تعليق ختامي

إن كانت الولايات المتحدة تنوي بالفعل سحب قواتها من سوريا، فلا يعني ذلك أنها لن تكون متواجدة بشكل غير مباشر، وذلك عبر دعمها للأكراد وقواتهم المسلحة أو عبر دعم القبائل السورية.

أو ربما أراد ترامب من تصريحه بالانسحاب أن يستفز دول الخليج التي تمتلك هاجسا كبيرا تجاه إيران، وأن يعمل على استنزافهم ماليا إذا أرادوا استمرار القوات الأمريكية لمجابهة الخطر الإيراني بالمنطقة، فكرة "الدفع مقابل الحماية"، فكما ورد في تقرير لوول ستريت جورنال[2] بأنه سيتم الاستعانة بقوات عسكرية عربية لتأمين شمال البلاد بعد هزيمة داعش، فقد طلبت الإدارة الأمريكية من السعودية وقطر والإمارات المساهمة بمليارات الدولارات للمساعدة في دعم جهود استقرار سوريا، والمساعدة في تأمين القوات العسكرية، ويعد تكوين دول الخليج قوة عسكرية جديدة تحديا لهم لأن السعودية والإمارات تعمل عسكريا في اليمن، بالإضافة إلى أنها لن تكون حريصة على إرسال قوات لسوريا ما تكن هناك قوات أمريكية.

ويمكن الفهم مما سبق أن الولايات المتحدة تراوغ القوى الموجودة على الساحة السورية، فهي تريد إزعاج كل من روسيا وإيران، والتضييق على نفوذهما في سوريا، خاصة وأن السياسة الخارجية المتوقعة لفريق ترامب بعد ما شهده من إقالات للتوجهات المعتدلة، وتعيين مايك بومبيو وجون بولتون، ذوي التوجهات العنيفة تجاه إيران، فمن الواضح أن أمر الانسحاب سيكون غير وارد، وستظل القوات الأمريكية موجودة على الأرض، حتى وإن كانت في شكل ضربات عسكرية، كالتي سبق أن حدثت بعد ضرب النظام السوري لخان شيخون، والضربة الأخيرة التي شنتها هي ودول غربية أخرى على المواقع المرتبطة بقدرات النظام السوري الكيميائية.



[1] Michael Weiss and Hassan Hassan, "Here’s what the Trump administration is really plotting in Syria?", Daly Beast, 4/3/2018, available through: https://www.thedailybeast.com/is-trump-serious-about-syria-do-we-stay-do-we-go-and-who-pays?ref=topic 

[2] "وول ستريت جورنال: ترامب يبحث استبدال القوات الأمريكية في سوريا بقوات عربية"، أورينت نت، 17/4/2018، متاح على الرابط: http://o-t.tv/vky

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

“قانون قيصر” عقاب أمريكي للأسد يدفع ثمنه السوريون على الطريقة العراقية بعهد صدام

بجانب التظاهرات العارمة التي تشهدها معظم المدن السورية، سواء الخاضعة لنظام بشار الأسد أو غ…