‫الرئيسية‬ العالم العربي تداعيات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني
العالم العربي - مايو 19, 2018

تداعيات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني

 تداعيات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني

في موعد أبكر مما تم الحديث عنه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثامن من مايو انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة العمل بالعقوبات التي كانت مفروضة على طهران، وأوضح في خطابه أن "الاتفاق لم يضمن الحد من نشاطات إيران الخبيثة".

تبكير موعد الانسحاب جاء كصدمة لـ"المرونة" التي كان يبديها ترامب أمام الأوروبيين من أجل التوصل لمخرج يوسع الاتفاق بدلا من إلغائه، بل وبدا صادما لأطراف داخلية، منهم جمهوريين في الكونجرس وعدد من كبار المحافظين، وعدد من أركان الإدارة مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس، وعسكريين ودبلوماسيين.[1]

دمج ترامب في كلمته بين عدة أمور: دعم إيران لجماعات مسلحة والإرهاب في المنطقة، وامتلاك إيران لصواريخ بالستية، وتعاظم نفوذ إيران الإقليمي، والاتفاق النووي مع الغرب، بما يعني أن جوهر الكلمة ليس الملف النووي أو ضرورة إعادة التفاوض عليه، إنما موقع وسياسات إيران في معادلات الشرق الأوسط.[2]

يناقش هذا التقرير عددا من العناصر حول الموقف الأمريكي في الداخل من هذا القرار، ثم الموقف الإيراني وتداعيات القرار على إيران واحتمالات التعامل الأمريكي مستقبلا مع النظام السياسي هناك، وعنصر خاص بموقف الدول المستفيدة من الاتفاق وكيف ستتعامل مع الوضع الجديد، والعنصر الأخير يتناول إسرائيل ومدى استفادتها من القرار، وطبيعة المناقشات الدائرة في الداخل الإسرائيلي بشأنه، واحتمالات حدوث مواجهات عسكرية مستقبلية بين إسرائيل وإيران.

ماذا عن الموقف الأمريكي؟

تتجه تحليلات إلى أن قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق جاء بلا خطة بديلة، وأن أدائه أقرب للأداء المسرحي وليس السياسي، الذي يتم وفق خطط وخيارات، لكن لم تخل قراءة هذا التطور دون ربطه بمجئ جون بولتون ومايك بومبيو لفريق ترامب الرئاسي، لتصبح هناك جبهة لا تتردد في خلق أزمة مع الخارج.

وقد تساءل باتريك بيوكانن، أحد أبرز رموز المحافظين التقليديين والمرشح الرئاسي الجمهوري سابقاً، عما إذا كان ترامب ينوي العمل لترجمة شعار "أميركا أولاً أم إسرائيل أولاً؟.[3]

للفريق الرئاسي دور في تسويق قرار ترامب، فيعد المؤتمر الصحفي الذي عقده جون بولتون عقب قرار ترامب بمثابة وسيلة لتسويق القرار داخليا، وقام مايك بنس نائب ترامب بمشاورات مع الكونجرس للتمهيد لإعلان ترامب، خاصة وأن هناك العديد من الأعضاء غير مؤيدين للانسحاب من الاتفاق، ثم نشرت وزارة الخزانة قائمةً بالإجراءات والعقوبات التي سيتم إعادة فرضها على إيران، والتي تم تعليقها في السابق نتيجة للاتفاق النووي، وطالبت مذكرة رئاسية من وزارة الدفاع باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة للتعامل مع أي إجراءات عدائية يمكن أن تقوم بها إيران ضد الولايات المتحدة أو حلفائها وشركائها.

الكونجرس ليس له دور أو علاقة بقرار ترامب، لأن الاتفاق تنفيذي يخضع لسلطات الرئيس، ولكن ما يمكن أن يقوم به الكونجرس يتمثل في أمرين، الأول ضرورة موافقته على فرض عقوبات جديدة على إيران، وهذا الأمر من المستبعد أن يتم في الأجل القريب، والثاني هو احتمال قيام مجلس الشيوخ بعقد جلسات استماع حول تداعيات هذا الانسحاب، وسياسة الإدارة بشكل عام في التعامل مع الملف الإيراني.[4]

وأصدر مكتب باراك وميشيل أوباما بيانا حول الملف النووي الإيراني، يشرح بعض مبررات ودوافع إدارته لإبرام الاتفاق، ومنها أن الاتفاق يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي ويسد عليها كل الطرق لذلك، لكن ما لم يقله أوباما أن رهانه الأساسي تمثل في فتح السوق الإيراني أمام الشركات الأمريكية الكبرى التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، فيستطيع عبرها تغيير المعادلات الداخلية في إيران عبر التحالف مع الدولة العميقة في إيران، ما يمكنه من تغيير النظام من الداخل أو تحييد القوى الراديكالية فيه.[5]

هل ستترك إيران الاتفاق؟

جاء رد الفعل الإيراني هادئا بعض الشئ، ومن الرسائل التي حملتها كلمة روحاني، كانت طمأنة الإيرانيين فيما يخص الوضع الاقتصادي، والتأكيد على استمرار التزام بلاده بالاتفاق، الذي كان يعتبره النظام الإنجاز الوحيد خلال الأعوام الخمسة الماضية.[6]

أشرفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مرحلة التطبيق العملي للاتفاق، وأصدرت 11 تقريراً جاء فيها أن إيران التزمت بتعهداتها، وأصدرت اللجنة المشرفة على تطبيق الاتفاق في الداخل الإيراني التي تعرض تقارير دورية، يؤكد غالبيتها وجود خلل في التطبيق من قبل الأطراف الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة المتهمة بعرقلة فتح علاقات اقتصادية بين إيران والعالم، وانتقدت أيضا عدم مساعدة الأوروبيين في وصل طهران بالنظام المالي الدولي، وعدم استئناف العلاقات المصرفية معها كما كان مفترضاً.[7]

من المتوقع أن يتسبب القرار الأمريكي في شل حركة البنك المركزي الإيراني، وحظر التعامل مع الشركات التابعة للحرس الثوري، مع توقعات بتدهور سعر صرف العملة الإيرانية، خاصة وأنه لا يزال تأثير الأوضاع الداخلية في إيران إثر الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد في محافظات عدة.

فقد شهدت السوق الإيرانية تقلبات عنيفة في سعر الصرف الأشهر الماضية، مما أثر على أصحاب المدخرات الذين سعوا لتحويل مدخراتهم للدولار، وعملت الحكومة الإيرانية على تحويل كافة تعاملاتها لليورو، من أجل تفادي سيطرة السلطات المالية الأمريكية على حركة تعاملات إيران الدولية، ولعمل ضغط غير مباشر على الولايات المتحدة عبر دعم دعوات عدم سيطرة الدولار على الحركة المالية الدولية، وقد تتوجه إيران إلى عملات أخرى بجوار اليورو، كاليوان الصيني، مما قد يساهم في توطيد علاقتها بالصين.[8]

من ناحية أخرى، يمكن أن تستفيد إيران أيضا من ارتفاع أسعار النفط كدولة من الدول الكبرى المصدرة للنفط، لكنها ستلجأ لسياسة تسمى "النفط الرخيص" عن طريق عرض النفط بسعر أقل من السعر العالمي، من أجل إغراء الدول المستوردة التي لا تريد الإضرار باقتصاداتها، وهو ما قد يجعل هناك دولا تطلب استئناءات من العقوبات الاقتصادية على إيران، يضاف إلى هذا، أن العقوبات المزمع فرضها على إيران ستصبح سارية المفعول خلال ستة أشهر فقط، بما يقلل تأثير العقوبات على الأقل في المدى القريب.

وبهذا ستحقق سياسة النفط الرخيص لإيران أكثر من ميزة، أولها كسر حصار العقوبات الاقتصادية عليها، والحفاظ على وجود حلفاء لها في مواجهة أمريكا، والحصول على احتياجاتها من الدول التي تحظى بعرض النفط الرخيص، بما يقلل مهمة تدبير عملات صعبة.[9]

لذا يرى تحليل لمركز كارنيجي أن العقوبات هي مجرد أداة، وليست الأساس؛ فحتى إن تباطأت وتيرة التقدم النووي الإيراني خلال أعوام المفاوضات، لكنها لم تتوقف بشكل نهائي.[10]

ووضع تحليل لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى خيارات أمام الإدارة الأمريكية للتعامل مع الوضع الجديد:[11]

       إما أن يسعى ترامب لإبرام اتفاق جديد لتصحيح الاتفاق الأصلي، عبر وضع قيود دائمة على التخصيب، وفرض حظر على تطوير الصواريخ الباليستية واعتماد نظام تفتيش أكثر قوة، وتقييد أنشطة إيران بالمنطقة، وهذا يعني الحاجة لورقة ضغط قوية تجبر إيران على العودة لطاولة المفاوضات، فهذا الخيار يضمن لترامب تقليل الفجوة مع دول أوروبا.

       اللجوء لخيار تغيير النظام الإيراني، وهذا يتطلب العمل على تقييم النظام عبر إبراز فساده، والتأكيد على أن مساعي إيران الإقليمية ستشكل خطرا على المصالح الأمريكية، أو عن طريق المراهنة على أن الحرب الاقتصادية ستدفع الشعب الإيراني للخروج على النظام.

وتسبب تعهد ترامب بالسعي لتغيير النظام في تجنب الانقاسامات بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، والتضامن في مواجهة تداعيات عودة العقوبات وتشديدها، والعمل على دفع أطراف دولية مثل الصين وروسيا للتوسط في مفاوضات مع الولايات المتحدة، كمحاولة للتوصل لاتفاق جديد حول البرنامج النووي.

لكن إذا نظرنا إلى هدف تغيير النظام الذي تنشده الولايات المتحدة، يجب العودة إلى أن الحصار الأمريكي على كوبا لأكثر من 50 عاماً لم يغير نظام كاسترو والأسس التي قام عليها، وأن أكثر من 60 سنة من العقوبات المتصاعدة على نظام كوريا الشمالية، لم تمنعه من الحصول على ترسانة نووية قابلة للاستخدام.حتى وإن سقط نظام الملالي في إيران، فإنه استنادا لما حدث في دول أخرى، من الصعب أن تظل البلاد مستقرة وداعمة للولايات المتحدة.[12]

       اتباع استراتيجية الانكماش في الشرق الأوسط عبر تقليص الاحتكاك الأمريكي مع قضايا المنطقة، وربما هذا ما كان يبتغيه أوباما حين سعى للاتفاق، لكن هذا لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من بيع الأسلحة لشركائها الإقليميين.

إذا وجدت إيران نفسها وحيدة في ظل عزل الأطراف الأخرى المتعاونة معها، ستبدأ في خرق العقوبات المفروضة عليها بخصوص تخصيب اليورانيوم وإعادة تفعيل البرنامج، وطرد المفتشين الدوليين، الذين توفرت لديهم المساحة الكافية لمراقبة أنشطتها النووية.[13]

وستبدأ في التصعيد في مناطق النزاع، وذلك كما حدث حينما أطلقت حوالي ثلاثين قذيفة من الأراضي السورية على مواقع عسكرية إسرائيلية على طول مرتفعات الجولان، ما اعتبره جيش الدفاع الإسرائيلي قذائف إيرانية، وكان رد الجيش الإسرائيلي عبارة عن غارات جوية وهجمات صاروخية على ستين منشأة للاستخبارات العسكرية الإيرانية، وأهداف لوجستية في سوريا.[14]

فترى تحليلات أن إسرائيل وإيران تسيران نحو تصادم في المستقبل، خاصة وأن الحرس الثوري الإيراني مصمم على تحويل سوريا إلى منصة حرب مستقبلية ضد إسرائيل.

أما على الصعيد الداخلي الإيراني، فكما سبق الذكر أن هناك محاولات لتجاوز الخلافات بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، فرغم رغبة المتشددين لتحجيم حركة الإصلاحيين، لكن استناد الإصلاحيين لقاعدة شعبية قوية بعد نجاحه في التخفيف من وطأة العقوبات الاقتصادية، يجعل المتشددين يتراجعون قليلا عن توجيه ضربات للإصلاحيين، والعمل على الحيلولة دون اختراق جبهة الحكم، خاصة وأن هناك العديد من الأطراف الخارجية تعادي إيران، بالإضافة لتواجد إيران الخارجي في العراق واليمن وسوريا.

من هذا المنطلق التوافقي، سيعيد المرشد الإيراني فكرة "الشيطان الأكبر" التي تم طرحها منذ الثورة الإسلامية، وأن الولايات المتحدة طرف لا يمكن الوثوق به وينقد العهود، وسيعمل بهذا على إثبات وجهة نظر القيادة تجاه من يريد الانفتاح على الغرب.[15]

 

 

أوروبا ودول أخرى … ماذا ستفعل؟

جاء القرار الأمريكي وسط رفض أوروبي بعكس المشهد في 2012 حين كان يسعى أوباما للاتفاق، لهذا طالب مستشار ترامب للأمن القومي "جون بولتون" من دول محددة (روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا)، أن توقف تعاملاتها التجارية مع إيران.

فليست إيران وحدها المستهدفة من العقوبات الأمريكية، بل المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل معها، إذ ستفرض إدارة ترامب على الدول الاختيار بين النظام المالي الأمريكي أو الإيراني، لكن في ظل الرفض الأوروبي السابق ذكره، قد يصبح الأمر أكثر فوضوية، خاصة وإن شككت بعض الدول في شرعية العقوبات بأنها تشكل خرقا لالتزامات منظمة التجارة العالمية، والقرار الصادر في يوليو 2015 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي تبنّى فيه الاتفاق الإيراني،[16] بالإضافة إلى أنها ستسعى لحماية الشركات الأوروبية من أي عقوبات أمريكية، عن طريق استخدام ما يسمى "قانون الحظر" الذي تم في 1990.

وقد أعلن ترامب أن قرار العقوبات الأمريكية سيشمل الدول المتعاونة مع إيران، وكأنها رسالة للدول التي قامت بالتعاون معها في السابق، أو تنوي الاستمرار في هذا التعاون.[17]

بلغ حجم التبادل التجاري لإيران مع العالم 122 مليار يورو في 2017، مقابل 97 مليار يورو في 2016، مما يعني وجود تحسن ملحوظ على إيران وشركائها التجاريين بفضل الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية بداية 2017.

بالنظر لطبيعة العلاقات التجارية لهذه الدول مع إيران، تأتي الصين في المرتبة الأولى بقيمة تبادل تجاري نحو 23.8 مليار يورو، تليها الإمارات –المؤيدة للانسحاب من الاتفاق- بـ20.4 مليار يورو، والاتحاد الأوروبي بـ19.9 مليار يورو، فقد قفز حجم التبادل التجاري بين إيران والاتحاد الأوروبي من 13.7 مليار يورو في 2016 إلى 19.9 مليار في 2017، ولهذا يتضح موقف كل من ألمانيا وفرنسا الرافض للتوجهات الأمريكية، لأنها تريد إنعاش اقتصادها عبر تبادل استثمارات، وحصول هذه الدول على تعاقدات لتطوير حقول النفط والغاز الإيرانية، واستيراد عدد وآلات ووسائل نقل، على رأسها الطائرات المدنية.

بالرغم من الزيادة الكبيرة المذكورة، تقع الواردات الإيرانية من الاتحاد الأوروبي في المرتبة 33 بين البلدان المستوردة من الاتحاد.[18]

تذهب ترجيحات إلى أن انهيار الاتفاق لن يحدث في القريب العاجل، لكنه يبدو مرجحا، وخلال هذه المدة ستسعى أوروبا لإيجاد صيغة ما للحفاظ على الاتفاق.[19]

إسرائيل.. كيف ستستفيد؟

رغم أن المعلن هو التأييد الإسرائيلي لقرار ترامب، وخاصة القيادات مثل نتنياهو وليبرمان، جاءت مواقف العسكريين متحفظة، وتميل للتمسك بالاتفاق النووي، بسبب غياب البدائل، واحتمالات رفع القيود عن الأنشطة النووية الإيرانية، وتأسيس إيران نقاط تمركز في سوريا لتصبح نقاط انطلاق ضربات انتقامية لمواقع إسرائيلية، واحتمالات تفجر مواجهات عسكرية بين الطرفين.[20]

استشهد ترامب في إعلانه الانسحاب بالوثائق التي نشرها رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتتياهو" عن برنامج إيران النووي، بما يعبر مرة أخرى عن الظهور الواضح لإسرائيل في القضايا الإقليمية، وخاصة تلك التي لها علاقة بإيران، منها ضرب مطار التيفور في سوريا، ومنها ما يخص الاتفاق النووي.

ففي سوريا، تحاول إسرائيل الظهور بمستوى كبير من الثقة بالنفس في مواجهة إيران، من العمل على تجريدها من القدرة على تقوية نفوذها العسكري هناك، وتقليص قدرتها وقدرة حلفائها على الاستفادة من عوائد الانتصار الذي حققوه في سوريا، ويدلل على هذا، تصاعد وتيرة ضرب الأهداف الإيرانية هناك، خاصة بعد الحديث عن تقارير إسرائيلية بشأن البرناماج النووي الإيراني، وانسحاب ترامب من الاتفاق. كل هذا بهدف إضعاف النظام الإيراني وخلخلة استقراره، بما يؤدي إلى إسقاطه.[21]

في سبيل هذه الأهداف، أعربت إسرائيل بشكل مباشر عن مسئوليتها عن الغارة التي استهدفت منطقة الكسوة جنوب دمشق.

وفي مزيد من الثقة بالنفس لإسرائيل، استبعدت ردا إيرانيا على غاراتها، مستندة في ذلك إلى تقديرات بأن إيران غير معنية بمواجهة شاملة مع إسرائيل، أو أن إيران قد ترد عسكرياً بشكل لا يترك أثراً يدلّ على مسؤوليتها عن العمل، وتستند إسرائيل إلى أن نفوذها الاستخباراتي والمعلوماتي داخل سوريا، يسمح لها بإحباط أي مخطط إيراني للرد على الهجمات الإسرائيلية، بالإضافة لذلك، تراهن إسرائيل على مخاوف إيران من إمكانية أن تقدم تل أبيب وواشنطن على توظيف أي مواجهة واسعة في سورية، في تبرير توجيههما ضربة قاصمة للمشروع النووي الإيراني.

تلجأ إسرائيل أيضا ضمن خططها إلى ردع حلفاء إيران عن الانخراط في أي جهد حربي للرد على الغارات الإسرائيلية، منها تهديد حزب الله والنظام السوري.

يعد الموقف الروسي من أهم محفزات إسرائيل على اعتمادها لتلك لتقديرات، وتلك الثقة، فبالإضافة للصمت الروسي على الهجمات التي طالت الأهداف الإيرانية في سوريا، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" لزيارة موسكو، وبالفعل تمت الزيارة عقب إعلان ترامب بالانسحاب من الاتفاق.[22]

من جانب آخر، يعد التعاون الروسي مع إيران غير ملزم للأولى بحماية إيران في سوريا، بالإضافة إلى أن الأسد يبدي انحيازا أكبر لروسيا ويفضلها على إيران. [23]

لكن من ناحية أخرى، من الطبيعي أن يكون هناك اعتقاد أن النظام الإيراني لن يغض الطرف كثيرا عن أعمال إسرائيل، التي يعتبر مواجهتها أحد أهم مصادر شرعيته، فهناك تعاظم تهديدات حزب الله، والذي تعد مشاركته في أي مواجهة ضد إيران، بمثابة تهديد استراتيجي للعمق الإسرائيلي بسبب ترسانة الصواريخ التي يمتلكها،[24] حتى وإن كان الواقع الداخلي اللبناني بعد الانتخابات يفرض على حزب الله نجنب الانغماس في مواجهة جديدة مع إسرائيل.

تذهب ترجيحات إلى أن الأمر بين إيران وإسرائيل، خاصة بعد الضربة التي شهدتها الجولان –كما سبق الذكر-، سيؤدي إلى إما إلى مرحلة متقدمة من المواجهة بين الجانبين، أو تسوية غير مباشرة بين الجانبين بوساطة روسية، بعد دعوة وزير الخارجية الروسي للحوار بين إيران وإسرائيل، خاصة وأن إسرائيل بدت مرتاحة تماما لنتائج حملتها الجوية، والتي رأت أنها أسفرت عن تدمير كل أو جزئي لكل الأهداف العسكرية الإيرانية في سوريا تقريبا، وأنها أعادت التواجد الإيراني العسكري في سوريا شهورا للوراء.[25]

لكن يمكن ألا تستمر حماسة إسرائيل في مواجهة إيران بسبب انخراط جيشها في احتواء حراك مسيرات العودة الكبرى على الحدود مع غزة، ومع احتمالات انفجار الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية ردا على نقل السفارة الأمريكية للقدس.[26]

 

 

 

 

 

خاتمة:

ترى تحليلات أن الاتفاق النووي لم يتأسس على سياسة خارجية وأمنية متماسكة، إنما على تطلعات سياسية منفصلة عن الواقع الإقليمي الذي كان من المفترض أن يشهد تطبيق الاتفاق.[27]

ورغم أن ترامب لم يمتلك خطة بديلة واضحة، يتضح أنه يريد الظهور بقراره بالانسحاب من الاتفاق النووي أن جزءا كبيرا مما وعد به خلال حملته الانتخابية على المستوى الخارجي حدث بالفعل، مثل إعادة النظر في العلاقات التجارية الخارجية للولايات المتحدة، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية باريس للمناخ، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، ونقل السفارة الأمريكية للقدس.

انسحاب ترامب من الاتفاق النووي يدفعه كرهه الشديد هو وداعميه لأوباما، حتى أن انسحابه لا يستند على رغبة في منع إيران من تصنيع أسلحة نووية، أو التصدي لأنشطة إيران الإقليمية كدعمها لنظام بشار الأسد في سوريا وحزب الله في لبنان، لأنه لو كانت هذه أهداف، فمن المفترض ألا ينسحب. فما يفعله ترامب هو الرغبة في إبقاء إيران في خانة العقوبة، ومنعها من إقامة علاقات مع العالم الخارجي، وجعلها منبوذة. بما يمهد الطريق لفكرة تغيير النظام التي ينشدها هو وفريقه، وذلك عبر طريقين: زيادة الضغط الاقتصادي على طهران على أمل ازدياد السخط الشعبي، ومن ثم انهيار النظام الديني. والطريق الثاني يتمثل في استفزاز إيران والدفع بها لاستئناف برنامجها النووي، الأمر الذي من شأنه أن يمنح واشنطن ذريعة لشن حرب وقائية.[28]

الأمور تتحرك بمنحى أكثر تصعيدا مع طهران، وسيكون بانتظارها المزيد من العقوبات الأمريكية، ومشاريع قرارات دولية سيبحثها مجلس الأمن حول برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي وخاصة في سوريا واليمن.

إذا كانت إيران تعول على شريكيها الروسي والصيني وعلى من استفادوا من الاتفاق النووي اقتصاديا في التخفيف من وطأة العقوبات،[29] هل يعني هذا الاستعداد الكافي لاحتمالية نشوب حرب بسبب قرار يراه محللون بأنه الأخطر؟، خاصة وأن الشعب الإيراني يرى السعودية وقد جُهزت بأسلحة متقدمة، وتحظى بدعم دول سنية أخرى، بالإضافة لانضمام إسرائيل للتحالف المعادي لإيران.[30]

إذا أصرت إيران على التزامها بالاتفاق، حتى مع التزام الدول الخمس الأخرى وصمودها أمام التهديدات الأمريكية، فلن تستطيع الدول الأوروبية منع واشنطن من الالتفاف على قرار منع العقوبات، لذا يعد الرهان على الالتزام الأوروبي غير واقعي.[31]



[1] فيكتور شلهوب، "لماذا قدم ترامب موعد قراره حول النووي الإيراني؟"، العربي الجديد، 8/5/2018، متاح على الرابط: https://www-alaraby-co-uk.cdn.ampproject.org/c/s/www.alaraby.co.uk/amp/GoToPage/9f48bcd0-a029-4e10-b363-6e2b89f51683/3da4e1f4-bf90-4f91-92be-88e50207b03b

[2] مصطفى اللباد، "ترامب واحتمالات الحرب مع إيران"، القبس، 9/5/2018، متاح على الرابط: https://alqabas.com/534092/

[3] فيكتور شلهوب، "الانسحاب من الاتفاق النووي: التعويض بحرب أم بالملف الكوري؟"، العربي الجديد، 9/5/2018، متاح على الرابط: https://www-alaraby-co-uk.cdn.ampproject.org/c/s/www.alaraby.co.uk/amp/GoToPage/9f48bcd0-a029-4e10-b363-6e2b89f51683/65d995f8-59ee-49a0-ac1b-63e564c258ed

[4] حسام إبراهيم، "الإجراءات اللاحقة: كيف ستنفذ المؤسسات الأمريكية قرار الانسحاب من الاتفاق النووي؟"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 9/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/KE7nJ

[5] حساب دكتور مصطفى اللباد على فيس بوك، 9/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/cBdOC

[6] محمد عباس ناجي، "4+1: كيف سستعامل إيران مع قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق؟"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 9/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/kVhLZ

[7] فرح الزمان شوقي، "الاتفاق النووي الإيراني.. ما قبل قرار ترامب وما بعده"، 9/5/2018، متاح على الرابط: https://www-alaraby-co-uk.cdn.ampproject.org/c/s/www.alaraby.co.uk/amp/GoToPage/9f48bcd0-a029-4e10-b363-6e2b89f51683/affee05b-b83b-42f4-a359-ffa4845bc1ed

[8] عبد الحافظ الصاوي، "تعارض المصالح الدولية يساند اقتصاد إيران"، العربي الجديد، 10/5/2018، متاح على الرابط: https://www.alaraby.co.uk/economy/b8c9e7ca-facd-4514-8339-5fa8a38309e1

[9] عبد الحافظ الصاوي،

[10] "فترة عصيبة.. كارنيجي: ترامب انسحب من ننوي إيران بلا خطة بديلة!"، العدسة، 13/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/P7teT

[11] روبرت ساتلوف، "ماذا ستكون الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إذا انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران؟"، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 1/5/2018، متاح على الرابط: http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/if-trump-pulls-out-of-the-iran-deal-whats-our-new-strategy

[12] Stephen M. Walt, "The art of regime change", Foreign Policy, 8/5/2018, available through: http://foreignpolicy.com/2018/05/08/the-art-of-the-regime-change/

[13] "فورين بوليسي: هذه نتائج انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران"، مركز الجسر للدراسات، 8/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/3ByWU

[14] فرزين نديمي، "التصعيد الإيراني غير المدروس في الجولان"، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 10/5/2018، متاح على الرابط: http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/irans-miscalculated-escalation-in-the-golan

[15] مصطفى سالم، "الاحتواء: كيف تفاعل الداخل الإيراني مع انسحاب ترامب من الاتفاق النووي؟"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 10/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/DwupY

[16] "فترة عصيبة.. كارنيجي: ترامب انسحب من ننوي إيران بلا خطة بديلة!"، مرجع سبق ذكره.

[17] "ملامح وتداعيات الانسحاب الأمريكي من اتفاق النووي الإيراني"، النادي الدولي، 9/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/EUezt

[18] عبد الحافظ الصاوي، مرجع سبق ذكره.

[19] بيري كاماك، "وماذا بعد؟"، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 11/5/2018، متاح على الرابط: https://carnegie-mec.org/diwan/76319  

[20] محمد عبد الله يونس، "حسابات متعارضة: لماذا يرفض العسكريون في إسرائيل إلغاء الاتفاق النووي الإيراني؟"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 9/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/YRsjg

[21] صالح النعامي، "التصعيد الإسرائيلي ضد إيران: مظاهر الثقة تخفي انعدام اليقين"، العربي الجديد، 10/5/2018، متاح على الرابط: https://www-alaraby-co-uk.cdn.ampproject.org/c/s/www.alaraby.co.uk/amp/GoToPage/9f48bcd0-a029-4e10-b363-6e2b89f51683/0399fda2-49b2-4a7d-a46a-7116d4063dab

[22] صالح النعامي، "التصعيد الإسرائيلي ضد إيران: مظاهر الثقة تخفي انعدام اليقين"،

[23] :إسرائيل تناقش فشل سليماني"، العربي الجديد، 12/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/t4jbb

[24] صالح النعامي، "التصعيد الإسرائيلي ضد إيران: مظاهر الثقة تخفي انعدام اليقين"،

[25] صالح النعامي، "إيران وإسرائيل بعد المواجهة في الجولان: تصعيد أم تسوية؟"، العربي الجديد، 11/5/2018، متاح على الرابط: https://www-alaraby-co-uk.cdn.ampproject.org/c/s/www.alaraby.co.uk/amp/GoToPage/9f48bcd0-a029-4e10-b363-6e2b89f51683/c539600f-9e2a-4b57-a3b2-e8f4e5553f9b

[26] صالح النعامي، "إيران وإسرائيل بعد المواجهة في الجولان: تصعيد أم تسوية؟"،

[27] خالد الدخيل، "انسحب أمريكا.. المخرج في طهران"، الحياة، 13/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/B3gOc

[28] Stephen M. Walt, Op-cit.

[29] فرح الزمان شوقي، مرجع سبق ذكره.

[30] "واشنطن بوست: احمنا يارب من قرارات ترامب"، عربي21، 11/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/3a5kb

[31] سعيد عكاشة، "موازين متغيرة: هل تتفوق إسرائيل على نظرية الردع الإيراني؟"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 8/5/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/PplGr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …