‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا درنة من الحصار إلى الحرب
ليبيا - مايو 19, 2018

درنة من الحصار إلى الحرب

 درنة من الحصار إلى الحرب

مقدمة

في الوقت الذي تعمل فيه عديد من الجهات المحلية والدولية على إيجاد حل للأزمة الليبية المتواصلة منذ سنوات بطريقة سلمية، أعلن حفتر خلال كلمة ألقاها في الـ7 من مايو/أيار 2018، في حفل تخريج الدفعة الحادية والخمسين من الكلية العسكرية "أن ساعة الصفر لتحرير درنة قد دقت"، وأضاف "المساعي السلمية لمدينة درنة استمرت أكثر من ثلاث سنوات بواسطة عقلاء المدينة ونشطاء من شباب لنجنبها ويلات الحرب حتى بلغت تلك المساعي طريقًا مسدودًا"[1]، لتبدأ بعدها قوات حفتر العمليات العسكرية لاقتحام درنة، وقد شهدت ضواحي المدينة خلال الأيام الماضية مواجهات وغارات جوية نفذتها طائرات تابعة لحفتر، وتحاصر قوات حفتر منذ عدة أشهر المدينة الساحلية التي يسكنها 150 ألف نسمة، وتخضع درنة التي تبعد بأكثر من ألف كيلومتر عن العاصمة طرابلس لسيطرة "مجلس شورى المجاهدين". وكانت المدينة قد سقطت عام 2014 في قبضة داعش الذي طرده "مجلس الشورى" منها في تموز/يوليو 2015 بعد معارك دامية[2].

أهمية درنة بالنسبة لحفتر

تعتبر درنة هي آخر معقل رئيسي للمعارضين للكيان المعروف اعلامياً باسم الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر في شرق ليبيا، وأقتصرت سياسة حفتر فى السابق على تطويق المدينة وحصارها مع شن غارات جوية بين الحين والآخر، إلى أن قام حفتر بإعلان بدء العمليات العسكرية لإقتحام المدينة[3]، ليعقبها قصفاً جوياً ومدفعياً مكثفاً، عقب ارتفاع وتيرة الاشتباكات والتصعيد العسكري بين قوات مجلس شورى مجاهدي درنة من جهة، وقوات عملية الكرامة في الجهة المقابلة، وأدت إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى[4]. وقد أعلن مقاتلو مجلس شورى مجاهدي درنة استعادة مواقع سيطرت عليها في وقت سابق قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر. وقالت مصادر من مجلس شورى درنة إن الاشتباكات بين الجانبين أسفرت عن مقتل تسعة من مقاتلي قوات حفتر وإصابة ثلاثين مقابل مقتل أحد عناصر المجلس وإصابة ثلاثة، وتمكن مقاتلو المجلس من تدمير دبابة وعربتين عسكريتين، إحداهما من نوع تايغر[5]. وفى محاولة لضم مقاتلين جدد من المدينة وإتاحة المجال لمن يرغب في الانضمام، أعلن مجلس شورى مجاهدي درنة عن حل نفسه وتكوين جسم مسلح جديد تحت اسم قوة حماية المدينة[6]. وفى المقابل يؤكد محمد القبائلي، أحد مسؤولي المكتب الإعلامي لقوات حفتر، إن تقدماً كبيراً حققته كتائب حفتر بإتجاه المدينة، موضحاً أن منطقة الفتائح الضاحية الشرقية للمدينة تكاد تكون تحت سيطرة قوات حفتر،  وأشار القبائلي إلى أن محور الظهر الحمر جنوب المدينة تجري فيه اشتباكات كبيرة باستخدام الأسلحة الثقيلة والدبابات، معتبراً أنها الجبهة الأصعب بالنسبة لقوات حفتر، حيث تتركز أغلب قوة مجلس شورى المدينة فيه[7]. وفى ذات السياق، فقد أعلن الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة العربية الليبية العميد أحمد المساري، فى بيان صحفى فى 15 مايو، أن قوات الجيش قد تمكنت من السيطرة على مواقع في محور الظهر الحمر ومحور الحيلة ومحور مرتوبة في مدينة درنة[8].

ويسعى حفتر من خلال السيطرة على درنة من إحكام سيطرته على كل الشرق الليبى، فلم يتبقى فى الشرق سوى درنة التى تمثل معارضة مسلحة لحفتر. كما أن ذلك قد يرسل رسالة تهديد وتخويف لخصومه فى الشرق والغرب، وربما تعطى دفعة لحفتر فيما بعد للتوجه نحو طرابلس. كما أن هذه الحرب تهدف إلى التعتيم على الحالة الصحية لحفتر[9]. ويسعى حفتر أيضاً من خلال الحرب على درنة إلى إيجاد ساحة حرب جديدة من أجل إفراغ مدينة بنغازي من الكتائب القوية، خصوصاً المنتمية إلى قوات "الصاعقة"، التي لا تزال على خلاف مع حفتر، فقد شهدت بنغازى وقوع خلافات متزايدة بين فصائل مسلّحة قبلية، بسبب تزايد حملة الاعتقالات التي تنفذها أجهزة حفتر في صفوف قيادات قبلية، إلى جانب الشعور بالحنق في صفوف قوات الصاعقة، إثر اعتقال حفتر أبرز قادتها وهو الرائد محمود الورفلي، كما أقيل آمرها الأعلى ونيس بوخمادة من رئاسة الغرفة الأمنية بالمدينة[10].

الدعم المصرى والإماراتى لحفتر

تلعب مصر دوراً كبيراً فى عملية اقتحام درنة، فقد بدأت هذه العملية فور عودة حفتر من زيارته  للقاهرة. وتنقل مصادر عن المبعوث الدولي لليبيا غسان سلامة حديثه عن أن درنة لم تكن أولوية لدى حفتر، وأنه كان يرغب في التوجه لمهاجمة العاصمة طرابلس، وأن مصر هي من دفعت حفتر نحو درنة. كما أن حضور رئيس اللجنة المصرية المكلفة بالملف الليبي اللواء محمود الكشكي الاحتفال  بـعملية الكرامة، الذي أعلن فيه حفتر حربه على درنة، بمثابة رسالة دعم مصري لحرب حفتر[11]. كما ظهرت تقارير تشير إلى أن ضباطاً مصريين وصلوا أكثر من مرة إلى معسكر لملودة القريب من درنة، في إطار إعداد الخطط العسكرية اللازمة لاقتحام المدينة[12]. كما قامت مصر بالقصف الجوي على أهداف محددة في درنة، فى 7 مايو الحالى. وتقوم مصر بإمداد حفتر بالذخيرة والأسلحة الخفيفة والمتوسطة، في ظل حظر التسليح على ليبيا، المفروض من قبل مجلس الأمن[13].

وترجع أسباب رغبة مصر فى سيطرة حفتر على درنة لرغبتها في بسط قوات حفتر (حليفها الاستراتيجى) نفوذها على كامل مدن الشرق الليبي، بالإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية للمدينة نظرًا لموقعها الجغرافي بالقرب من الحدود مع مصر على الطريق المؤدي إلى بنغازي ووقوعها على الساحل الليبي في منطقة الشرق، إضافة إلى إتهام مصر للجماعات الإسلامية في درنة بأنها تأوي بين صفوفها "إرهابيين" متورطين في الهجمات التي تستهدف الجيش المصري في سيناء ومناطق أخرى من مصر[14].

أما فيما يتعلق بالدعم الإماراتى،  فتشارك الإمارات في الحرب عبر طائرات مسيرة تنطلق من قاعدة الأبرق التي تبعد نحو مئة كيلومتراً عن درنة، وتم نقل هذه الطائرات من قاعدة الخادم العسكرية التي أقامتها الإمارات في شرق ليبيا إلى مطار الأبرق، وقد شاركت هذه الطائرات في القصف الذي طال المدينة فى بداية مايو الحالى[15].

وقد تم الإعلان عن افتتاح خط جوي بين دمشق ومدينة بنغازي (شرقي ليبيا) لاستضافة وتنظيم معرض صنع في سوريا في شرق ليبيا والذي يبدأ يوم 19 أيار/ مايو. وفي الـ17 من شباط/ فبراير الماضي، زار وفد تجاري برئاسة وزير الاقتصاد في الحكومة الموالية لحفتر، سوريا لبحث "سبل إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية بين البلدين"، والتقى الوفد بعدة مسؤولين ومنهم مفتي النظام السوري.

وتعليقا على هذا الخط الجديد، قال رئيس حزب الجبهة الوطنية الليبي، عبدالله الرفادي، إن "هذا المشروع وهو فتح خط جوي بين دمشق وبنغازي تعمل عليه دولة الإمارات منذ أكثر من سبعة أشهر، وهو غطاء لتزويد "ميليشيات" حفتر بالسلاح سواء أكان روسيا أو إسرائيليا أو فرنسيا وبصورة سريعة"[16].

تواطؤ المبعوث الدولي:

يلتزم المجتمع الدولي الصمت  إزاء قرار حفتر اقتحام مدينة درنة، واعتبر كثيرون أن صمت المجتمع الدولي يمنح جيش حفتر ضوءاً أخضر لبدء المعركة. ويرى هؤلاء أن المجتمع الدولي لو كانت لديه تحفظات بشأن المعركة لأصدر بيانات إدانة أو استنكار[17]. وقد ذكر عضو مجلس الدولة احمد لنقي بأن خالد المشري رئيس مجلس الدولة التقى المبعوث الاممي غسان سلامة في طرابلس كاشفاً أن اللقاء تداول كيفية تحاشي حرب مدمرة في درنة، وضرورة إيجاد مخرج سلمي لإبعاد حدوث سيناريو بنغازي، في حين أشارت مصادر مقربة من المشري تأكيد غسان سلامة لرئيس مجلس الدولة اتصاله بكل من المنسق الروسي للأنظمة الليبية والقائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى ليبيا من أجل التشاور حول قضية درنة[18].

موقف حكومة السراج:

التزم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الصمت بشأن المعركة عكس ما كان متوقعاً، خاصة وأنه سبق له أن عبّر عن رفضه للتهديدات التي أطلقها خليفة حفتر سابقا باقتحام المدينة، ودعا إلى ضرورة إيجاد حل سلمي يجنّب درنة الحرب[19].

وتناقلت وسائل إعلام محلية موالية لحفتر أخبار وصول عضو المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فتحي المجبري، رفقة عدد من وزراء حكومة الوفاق إلى منطقة الرجمة جنوب المرج، المقر العسكري لحفتر لتقديم التهنئة له بسلامة الوصول إلى البلاد.

وبحسب تلك الأنباء، فإن المجبري وصل السبت الماضى ( قبل يومين من إعلان حفتر اقتحام درنة فى 7 مايو الحالى)  إلى الرجمة رفقة وزير العدل، محمد البرعصي، ووزير الاقتصاد، ناصر الدرسي، ووكيل وزارة التخطيط، مصباح المغربي، ورئيس مجلس إدارة محفظة ليبيا أفريقيا، محمد عطية العبيدي، بحيث استقبلوا من قبل حفتر بشكل رسمي لتقديم التهنئة له بالعودة من الرحلة العلاجية.

واللافت في زيارة المجبري ومسؤولي حكومة الوفاق هو اهتمام وسائل الإعلام الرسمية التابعة لحكومة الوفاق بشكل متأخر بها وفي توقيت مريب؛ فبعد دقائق من انتهاء خطاب حفتر العسكري يوم الأثنين (7 مايو)، نشرت صفحة إدارة التواصل والإعلام التابعة لحكومة الوفاق، خبر زيارة المجبري ومرافقيه لحفتر مدعماً بصور ظهر فيها الأخير رفقة المجبري والوفد الحكومي داخل مقره العسكري.

والاهتمام المتأخر لإعلام المجلس الرئاسي بزيارة المجبري قد يشير إلى موافقة ضمينة للحملة العسكرية على مدينة درنة، وهو ما قد يفسر أسباب مهاجمة مجلس شورى مدينة درنة له[20].

هل ينجح حفتر فى السيطرة على درنة

يبدو أن حفتر لديه قوة كبيرة قد تمكنه من السيطرة على درنة خاصة فى ظل الدعم المصرى والإماراتى، وفى ظل صمت حكومة الوفاق والمجتمع الدولى. إلا أن هناك مجموعة من التحديات التى تقف أمام حفتر تتمثل فى: أن الخطوط الدفاعية لمدينة درنة قادرة على المواجهة، لكون المدينة تقع في منطقة جبلية وفي تضاريس صعبة، ولا تتيح للقوات المهاجمة استخدام آليات كبيرة إلا من منافذ معيّنة.

كما استطاع أبناء مدينة درنة وضع معدات دفاعية تستهدف أية آلية تتقدم إلى هذه المنافذ، وقد حاولت قوات حفتر التقدم عدّة مرات ولكنها فشلت ولحق بها خسائر كبيرة، لذلك لجؤوا إلى الحصار في محاولة لإثارة الجماهير داخل المدنية، إلا أن ذلك لم يؤدى إلى إثارة الاهالى، وتشير التقارير إلى أنه على  مدار السنوات الماضية تمكنت قوات "مجلس شورى المجاهدين" من إنشاء علاقة طيبة مع أبناء مدينة درنة[21].

ويوجد معارضين للحل العسكرى فى اقتحام درنة، حيث تشير بعض التقارير إلى أن هناك بعض المعارضين لإقتحام مدينة درنة مثل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ومعارضين قبليين آخرين عبروا عن مخاوفهم من تكرار سيناريو بنغازي في درنة، وإطالة أمد الحرب، مطالبين بإعطاء وقت أطول لعمليات التفاوض مع مجلس شورى المدينة[22].

 

 



[1] فريق التحرير، "ليبيا.. ما الذي يفعله حفتر في درنة؟"، نون بوست، 9/5/2018، الرابط التالى:

https://www.noonpost.org/content/23242

[2] الحرة، "حفتر يعلن الحرب على المتشددين في درنة"، 7/5/2018، الرابط التالى:

https://www.alhurra.com/a/libya-military-operation/435456.html

[3] صحفيو رويترز، " حفتر يعلن "ساعة الصفر" لحملة "تحرير" مدينة درنة بشرق ليبيا"، رويترز، 7/5/2018، الرابط التالى:

https://ara.reuters.com/article/ME_TOPNEWS_MORE/idARAKBN1I827U

[4]   سراج الدين عبدالحميد، "حل مجلس "شورى درنة" في ليبيا وتأسيس قوة جديدة"، عربى21، 11/5/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/I6jsE

[5] الجزيرة، "عملية درنة.. استعادة مواقع من قوات حفتر"، 8/5/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/EDbBP

[6] محمد العربى، "ليبيا.. مجلس شورى درنة يحل نفسه"، العربية نت، 11/5/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/h1jIu

[7] عبدالله الشريف، "معارك درنة الليبية: قوات حفتر تتقدّم والمجلس المحلي ينفي"، العربى الجديد، 8/5/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/bbgAV

[8]   العالم العربى، "الجيش الليبي يتقدم معلنا سيطرته على مواقع استراتيجية جديدة في درنة"، سبوتينك عربى، 16/5/2018، الرابط التالى:

 http://cutt.us/d9k7d

[9] العربى اليوم، "هل تنجح قوات حفتر في اقتحام مدينة درنة؟"، التليفزيون العربى، 12/4/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/C47Re

[10] عبدالله الشريف، "حفتر يوجه كتائب بنغازي إلى درنة لتفريغها من معارضيه"، العربى الجديد، 10/4/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/aCeLq

[11] محمد النجار، " لماذا دفعت مصر والإمارات حفتر للحرب على درنة؟"، الجزيرة نت، 8/5/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/uCQv3

[12] عبدالله الشريف، "معركة درنة: إشرافٌ مصري كامل ودعم جوي لقوات حفتر"، العربى الجديد، 12/2/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/nLCal

[13]محمد النجار، مرجع سابق.

[14] المرجع السابق.

[15]   المرجع السابق.

 

[16] علاء فاروق، "ما حقيقة دور الخط الجوي الجديد بين دمشق وبنغازي؟"، عربى21، 9/5/2018، الر ابط التالى:

http://cutt.us/umVPu

[17] منى المحروقى، " صمت دولي يكرس الغموض المحيط بمعركة تحرير درنة"، العرب، 9/5/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/CFz1U

[18] مصطفى الجرئ، " ليبيا: معركة درنة بين التحفظ والرفض الدولي والمحلي"، جريدة المغرب يومية مستقلة، 14/5/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/YlXwx

[19]منى المحروقى، مرجع سابق.

 

[20] عبدالله الشريف، "معركة حفتر للسيطرة على درنة: انقسام محلي وصمت دولي"، العربى الجديد، 8/5/2018، الرابط التالى:

http://cutt.us/Er0dP

[21]   العربى اليوم، مرجع سابق

 

[22] عبدالله الشريف، "معركة درنة: إشرافٌ مصري كامل ودعم جوي لقوات حفتر"، مرجع سابق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الحوار السياسي الليبي في تونس.. التوافقات والتحديات

بعد عقد اجتماع برعاية الأمم المتحدة بصفة افتراضية في تونس (عبر تقنية الاتصال المرئي) يوم 2…