‫الرئيسية‬ العالم العربي ماليزيا التجربة الماليزية: النجاحات والتحديات.
ماليزيا - يونيو 1, 2018

التجربة الماليزية: النجاحات والتحديات.

 التجربة الماليزية: النجاحات والتحديات.

مقدمة

شهدت ماليزيا فى التاسع من مايو إنتخابات برلمانية، أدت إلى فوز المعارضة بالحكم، فيما يمكن أن نطلق عليه إنقلاب ديمقراطى ناعم؛ لأنها المرة الاولى التى تصل فيها المعارضة إلى الحكم  بعد سيطرة الحزب الحاكم على السلطة لستة عقود متواصلة، كما أن وصول المعارضة إلى الحكم لم يأتى من خلال إنقلاب عسكرى أو نتيجة حروب أهلية، ولكنه جاء بعد إنتخابات برلمانية نزيهة- وإن كان النظام الحاكم حاول التدخل فيها- كما أن النظام الحاكم قد أعترف بالهزيمة ووافق على نقل السلطة إلى المعارضة، لتكون أول قرارات المعارضة بعد وصولها إلى الحكم هو محاكمة رموز النظام السابق فى قضايا الفساد الموجهة لهم. وعليه تحاول الورقة التعرف على أسباب نجاح المعارضة الماليزية فى الوصول إلى الحكم، والتحديات التى تواجهها، مع إشارة إلى التوجهات المتوقعة للسياسة الخارجية الماليزية فى ظل الحكم الجديد.

نتائج الانتخابات

أجريت الانتخابات العامة الرابعة عشرة فى ماليزيا يوم الأربعاء التاسع من أيّار/مايو 2018، وتقدّر نسبة المشاركين حوالي 76% أي أقل من تلك المسجلة في الانتخابات السابقة عام 2013م وهي 85%، وأعلنت المعارضة أنّ حوالي خمسة عشر مليون ناخب تم حرمانهم من أداء حقهم الانتخابي نتيجة لطول طوابير الناخبين وبطء الإجراءات إذ كان الناخبون يصوتون للبرلمان المركزي وللحكومات المحلية بشكل متزامن، كما أن الصناديق تغلق الساعة الخامسة مساءً حسب القانون، وتم إعلان النتائج الرسمية اليوم التالي العاشر من أيّار/مايو 2018م.

وحصل تحالف الأمل (المعارض) PH على 113 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان البالغ 222 مقعداً، أمّا التحالف الوطني (الحاكم) BN بقيادة رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق فقد حصل على 79 مقعداً، فيما حصل الحزب الإسلامي الماليزي PAS 18 مقعداً، أمّا حزب واريسان في ولاية صباح فكان نصيبه 8 مقاعد فيما حصد المستقلون 3 مقاعد[1].

أسباب نجاح المعارضة الماليزية

فساد النظام الحاكم، تعد قضايا الفساد التى طالت حكومة رئيس الوزراء السابق (نجيب عبدالرازق) من أهم الأسباب التى أدت إلى فوز المعارضة فى هذه الانتخابات، وبدأت القضية فى عام 2015 حيث تسربت أنباء عن سرقة نحو 700 مليون دولار من الصندوق السيادى الماليزى، وأوضحت التقارير أن تلك الأموال ذهبت إلى حسابات مصرفية شخصية تعود لعبدالرازق. وقد أكدت الولايات المتحدة أن أكثر من 4 مليارات دولار سرقت فى عمليات احتيال تمت تحت إشراف خبير مالى مقرب من نجيب، و كانت قضايا الفساد من أهم أسباب الخلاف بين رزاق ومهاتير، والتى أدت إلى خروج مهاتير محمد من حزب الأمنو الحاكم، الذى وصفه بأنه حزب نجيب، وأنه لا يريد أن يرتبط بحزب متهم بالفساد[2].

كما أصدرت الحكومة الماليزية، تحت قيادة عبد الرزاق، عدة قرارات اقتصادية صعبة، شملت فرض ضرائب جديدة وإلغاء دعم المحروقات، مما تسبب في ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الغضب الشعبي[3]. وهو ما أدى إلى تراجع شعبيته، فقد حصل حزبه على أدنى عدد من المقاعد البرلمانية في انتخابات 2013، إلا أن النظام الإنتخابى والإئتلافى مكنه من الاستمرار فى الحكم[4]. ليستمر تراجعه والتى أدت إلى أن فقد الأغلبية فى الإنتخابات الحالية.

توحيد المعارضة، حيث تم توحيد المعارضة فى تحالف الأمل، والذى يضم 4 أحزاب، هي "عدالة الشعب" بزعامة أنور إبراهيم القيادي الاسلامي المعروف (49 مقعد)، و"العمل الديمقراطي" (الذي يهيمن عليه الصينيون في المعارضة، وأصبح أكبر حزب معارض في ماليزيا، وثاني أكبر حزب سياسي بعد الحزب الحاكم[5])، والذى حصل على 42 مقعد، و"الأمانة الوطنية" الذي انشق عن الحزب الإسلامي (10 مقاعد)، و"وحدة أبناء الأرض" الذي شكله مهاتير بعد انشقاقه عن حزب "أمنو"، والذى حصل على 12 مقعد[6].

كما تم تنحية الخلافات الشخصية التى كانت بين مهاتير محمد وأنور إبراهيم، فقد أقر مهاتير بأنه أساء لأنور إبراهيم–بسبب تهم فساد وتهم جنسية دفعت مهاتير لإقالته من كل مناصبه والزج به فى السجن-، وإنه نادم على ذلك، وطلب منه العفو، وقبل إبراهيم اعتذار مهاتير محمد، ودخل هو وأحزاب المعارضة في ائتلاف مع مهاتير للتخلص من ائتلاف الجبهة الوطنية الحاكم وزعيمه نجيب عبد الرزاق،  وتعهد مهاتير محمد بتولي رئاسة الوزراء لمدة عامين، والعمل على الحصول على عفو ملكي عن زعيم المعارضة أنور إبراهيم، كما تعهد مهاتير بالتنازل عن منصب رئاسة الوزراء لصالح أنور إبراهيم، بعد حصوله على العفو الملكي وتمكنه من دخول البرلمان في انتخابات تكميلية[7].

ترشيح شخصية قوية وذات خبرة، تمثلت فى شخص مهاتير محمد، فقد بدأ مهاتير حياته السياسية كعضو في حزب الأمنو الحاكم، ثم ما لبث أن تركه بسبب انتقاداته الحادة لرئيس الوزراء، وتم منع تداول كتابه «معضلة المالايو» الذي هاجم فيه سياسة الحزب، ليعود إليه بعد ذلك ويتدرج في المناصب حتى يصبح رئيسًا له ورئيسًا للوزراء، ثم يخوض معركة ضد الملك ينجح فيها في تقليص صلاحياته، وتمكن مهاتير خلال رئاسته الأولى للحكومة  تحويل ماليزيا لواحدة من أنجح الاقتصاديات في جنوب آسيا. وعلى الرغم من أن مهاتير محمد يعتبر من أهم كوادر حزب الأمنو الحاكم، إلا أنه أنضم إلى المعارضة بوقوفه بينهم في أغسطس/آب 2015، وطالب رئيس الوزراء (نجيب عبدالرازق) بالاستقالة بعد تزايد قضايا الفساد التى تلاحقه. وقد قوى انضمام مهاتير جبهة المعارضة بسبب ما يتمتع به من ثقل ومصداقية بين الناس. وقامت الحكومة بالتحقيق مع من صدرت منه إهانات أو اتهامات لرئيس الوزراء، وعلى رأسهم «مهاتير» نفسه، الذي رحب بالتحقيق وخضع له أكثر من مرة، وازداد إصراره على إزاحة نجيب. وفي فبراير/شباط 2016 أعلن استقالته من حزب «الأمنو» الحاكم ، وأسس حزبًا جديدًا في أغسطس/آب 2016 اسمه حزب «أبناء الأرض» الماليزي المتحد. وأجرى محادثات مع الأحزاب المعارضة، انتهت باختياره مرشحًا لرئاسة الوزراء[8].

التركيز على القضايا الاقتصادية وتنحية الخلافات الأيديولوجية، تحوذ ملفات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المكانة الأبرز في الجدل والتنافس بين القوى السياسية في ماليزيا، ويكون الاختيار الشعبي للطرف الذي يبدو أكثر قدرة على تحقيق التنمية والاستقرار للمجتمع الماليزي، ما يعني أن جدالات العلمنة مقابل الأسلمة وجدالات الديني والسياسي والجدل حول العلاقات المدنية العسكرية وموقع الجيش من الحياة السياسية لا تستهلك القوى السياسية هناك ولا تهيمن على المشهد، تبقى هذه الهيمنة من نصيب ملفات الاقتصاد والتنمية. بالطبع ليس المقصود أن المجتمع الماليزي ونظامه السياسي مثاليان؛ إنما المقصود أن السياق العام هناك أفضل بكثير من السياقات المتحكمة في بلادنا[9].

كما أن هناك غياب للمؤسسات الأمنية والعسكرية عن تفاعلات المشهد السياسي ما أعطي للحوار والتفاوض والتداول السلمي للسلطة والمعارضة المدنية أهمية مركزية في الحياة السياسية هناك؛ مع عجز أياً من القوى السياسية عن حسم الصراعات السياسية والتنافسات بواسطة العنف.

واقعية الحركات الإسلامية، فقد أظهرت نتائج الإنتخابات الماليزية حصول الإخوان على 15 مقعد من 222 مقعد في البرلمان، 10 مقاعد حصل عليها "حزب أمانة" برئاسة محمد سابو، وهو حزب منشق عن "الحزب الإسلامي الماليزي"، إضافة الي فوز 5 أعضاء اخرين من الإخوان في قوائم وتحالفات متفرقة. كما أن الحزب الإسلامي الماليزي يمثل أيضاً تيار الإخوان المسلمين في ماليزيا، ويرأسه عبد الهادي أوانج[10].

ويمكن القول بأن الإسلام في وجهة نظر الماليزيين هو إطار عام للتنمية من منطلق البحث عن حلول واقعية، تتفق مع الأهداف العامة للإسلام مقارنة ببعض حركات الإسلام السياسي التي هي أقل تركيزاً  علي  حلول لمشكلات الواقع.

وعلى عكس علاقة الحركات الاسلامية المتوترة بالأقليات والعلمانيون العرب الأكثر تطرفاً  فإن الإسلام السياسي الماليزي ليس في صدام مع باقي الثقافات غير الإسلامية، ومع القوى العلمانية، وساهم ذلك في تبنّى سياسة التحالفات السياسية والحزبية معها، بحيث ظلّ المعيار الأساسي لتشكيل الأحزاب في ماليزيا هو التنافس السياسي وليس الدين أو العرق مما ساهم في غلبة الإتجاه المعتدل على القوى والأحزاب الإسلامية بشكل عام، وضعف الحركات الإسلامية التي تعتمد على العنف كوسيلة للعمل السياسي[11]. كما أن تكاثر المؤسسات الإسلامية في المجالات المالية والصحية والخدمات الاجتماعية و السياحية والأسواق والمصانع المختلفة وسع دون شك من ممارسة الماليزيين للإسلام من مجرد ممارسة روحية صوفية رمزية إلى ممارسة مادية وواقعية[12].

بعد ماليزيا عن بؤر الصراع الساخنة، وهو ما جعل ماليزيا أقل أهمية بالنسبة للدول الكبرى، مما أدى إلى عدم تدخل هذه الدول فى السياسات الداخلية الماليزية بصورة كبيرة. فماليزيا مثلاً بعيدة عن مركز الصراع العربي-الإسرائيلي، وعن منطقة تركّز النفط.

كما تسعى ماليزيا إلى بناء علاقات طيبة مع جيرانها، فقامت ببناء علاقة براجماتية قوية مع سنغافورة بعد أن طردتها من الاتحاد الماليزي. وعلى الرغم من أن ماليزيا تعاطفت مع ثورة مسلمي فطاني جنوبي تايلاند، والذين ينتمون إلى العرق الملايوي، إلا أنها لم تجعل من أرضها فضاء إستراتيجيًا للثوار؛ وقامت بضبط حدودها لئلا تدخل في صراع مع تايلاند. وهو ما ينطبق بشكل أو بآخر على موقف ماليزيا من ثوار مورو في جنوبي الفلبين، المحاذية لولاية صباح الماليزية[13].

تحديات المعارضة

تتمثل  أبرز التحديات التى تواجه المعارضة في المرحلة القادمة هى:

 تماسك التحالف، فصحيح أن تفاهمات نشأت بين كل من رئيس الوزراء مهاتير محمد وأنور إبراهيم عند خوض الانتخابات التي دفعت بهما من المعارضة إلى سدة الحكم، لكن هذه التفاهمات إنما قامت فقط للتعاون من أجل إسقاط الحزب الحاكم السابق، أما ما عدا ذلك فلا شيء يجمع بينهما إلا ذكريات الخصومة التي يصعب تجاوزها ونسيانها.

ومن المستبعد أن تنجح الأحداث الأخيرة في تطبيع العلاقة بينهما بعد هذا التاريخ الحافل بالخصومة. فمما يجعل الاتفاق صعباً تشابه شخصية الرجلين في العديد من الصفات القيادية، إضافة إلى تعارض الرؤى والتوجهات.

وقد ظهرت بوادر عدم الانسجام وقلة الثقة بين الطرفين مبكراً، حين واجه رئيس الوزراء (مهاتير محمد) إنتقادات من قبل نائب رئيس حزب عدالة الشعب لظهوره في بعض المناسبات بمعزل عن بقية أحزاب التحالف الحاكم.

ومما يلقي بظلال من الشك على العلاقة بين مهاتير وأنور عدم وضوح الدور المستقبلي الذي سيؤديه أنور إبراهيم، حيث أن مهاتير سيستمر في منصبه لعام أو لعامين قبل أن يتنازل عن منصبه[14].

الخوف من تسلط مهاتير، فهناك مخاوف من الحكم السلطوى الذى كان يمارسه مهاتير عندما كان رئيس للوزراء، حيث سيطر مهاتير على الصحافة والإعلام و تعرض السياسيون فى عهده للسجن دون محاكمة، و أبرزهم أنور إبراهيم نفسه. كما يشكك البعض فى نوايا مهاتير بتسليم السلطة لأنور، فهناك خوف من قيام مهاتير بنقل السلطة إلى ابنه موخاريز الذى أدى اليمين  كرئيس لوزراء ولاية قدح.

فى حين يقول البعض إن احتمال استحواذ مهاتير على الحكم ضعيف، و أن المستقبل يشرق لأنور والدليل على هذا نتائج الانتخابات فرغم فوز مهاتير برئاسة الحكومة إلا أن حزب مهاتير "بيرساتو" حصل على 13 مقعداً بينما حصل حزب أنور "كياديلان" على 47 مقعداً[15].

البعبع الصيني، يبدي مراقبون تخوفهم من اختلال المعادلة السياسية أو ما يسمى بالعقد الاجتماعي الذي يمنح الملاويين حقوقاً سياسية واقتصادية أوسع من العرقيتين الصينية والهندية، بعد الحضور القوي لحزب العمل الديمقراطي (42 مقعداً) في تحالف الأمل، ويعد الحاضنة الأساسية للعرقية الصينية، والذي بقي منذ الاستقلال في صفوف المعارضة.

ويرى محللون أن وجود مهاتير وأنور على رأس التحالف يعتبر ضمانة للملاويين لحفظ حقوقهم الدستورية، لأنهما كانا من أشرس المؤمنين بالعقد الاجتماعي حين كانا بالجبهة الوطنية. إلا أنه يصعب تجاهل تأثير وجود حزب صيني بحصة كبيرة في الحكومة.

ويعيش الملاويون قلقاً كبيراً منذ استقلال البلاد بسبب النفوذ الاقتصادي القوي للأقلية الصينية رغم العقد الاجتماعي الذي يحد من قوتهم الاقتصادية، واليوم يبدو هذا الهاجس مضاعفاً عندما تتمتع الكتلة الصينية بنفوذ سياسي مستحق ديمقراطياً[16].

الدولة العميقة، فالجهاز الإداري للنظام السابق في مختلف مستوياته الذي ظل ممسكاً بمفاصل البلاد لستة عقود قد يقوم  بدور معرقل لعجلة التغيير التي يقودها التحالف الفائر.

لكن بعض المراقبين يروا في وجود شخصية مثل مهاتير محمد على رأس السلطة التنفيذية ما يساعد على مواجهة وترويض هذه الدولة العميقة، نظرا لخبرته الطويلة بها، وهو الذي أمضى عقودا طويلة في احتكاك وتعامل مباشر معها[17].

السياسات الخارجية

السعودية، في سلسلة وثائقية حديثة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) من ثلاثة أجزاء بعنوان «بيت آل سعود: عائلة في حرب»، كشفت القناة أن رئيس الوزراء الماليزى رزاق تآمر مع الأمير السعودي، تركي بن عبد الله، ابن الملك السابق عبد الله، على اختلاس ما لا يقل عن 1.2 مليار دولار من الصندوق السيادي الوطني الماليزي.

وهذا المبلغ من المال، وفقًا للقصة التي سردها تحقيق «بي بي سي» الاستقصائي، أقرضته الحكومة الماليزية لشركة سعودية لم يُسمع بها من قبل اسمها «بترو سعودي». وفي غضون أيام، اختفت 700 مليون دولار من هذا المبلغ من الشركة، التي شارك في تأسيسها تركي.

وقد ظهرت الشكوك في شهر مارس (آذار) من عام 2013، بعد أن تم تحويل مبلغ 681 مليون دولار إلى الحساب الشخصي لرزاق. وفي أبريل (نيسان) من عام 2016، ذكرت صحيفة «الجارديان» أن رزاق تلقى مبلغ 681 مليون دولار من المملكة العربية السعودية تبرعًا. وكان رزاق يواجه بالفعل مزاعم بالفساد، بعد أن تم اكتشاف التحويل فى عام 2015.

ووفقًا للصحيفة البريطانية، سُئل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في قمة منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول إذا كان على علم بتفاصيل التبرع؛ فقال: "إنه تبرع حقيقي ولا يوجد شيء متوقع في المقابل". وإن كان هذا المبلغ الذى قدمته السعودية يأتى فى ظل قلق السعودية من تزايد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في ماليزيا، ففي انتخابات 2013 في ماليزيا، ضم تحالف المعارضة الحزب الإسلامي لعموم ماليزيا، وهو الحزب الذى يستلهم أفكار الإخوان المسلمين[18].

بالعودة إلى الفيلم الوثائقي لـ«بي بي سي»، فعلى ما يبدو انتهى المطاف بكمية كبيرة من هذا المبلغ وغيره من الأموال المختلسة المزعومة في الولايات المتحدة؛ مما دفع مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى فتح تحقيق في ما وصفها بأنها أكبر عملية احتيال وسرقة حكومية في التاريخ[19].

وقد أثارت تلك الفضيحة في ظل الانكماش الاقتصادي الذي كانت تعانيه البلاد بسبب أزمة انخفاض أسعار النفط، وما تبعها من تبرئة لرئيس الوزراء الماليزي، حالة من السخط الشعبي.

ولا تكمن الخسارة السعودية فى ماليزيا في عدم وصول حليفها عبد الرزاق إلى السلطة فحسب، بل بوصول رجلٍ ضد سياساتها أيضاً، مهاتير محمد، الذي كان معارضاً بشدة للحرب السعودية على اليمن، ووجه نداءً إلى الرياض ناشد فيه حكّام الأخيرة الرحمة بكل أبرياء اليمن العزل، معتبراً أن العالم كله يقشعر ذعراً لما تسببت به هذه المأساة، وأن كل مسلم يشعر بالخزي والعار لما يحدث في اليمن، واصفاً تلك الحرب بـالحرب الوحشية ضد الشعب اليمني، قاطعاً الطريق بذلك أمام أي محاولةٍ سعودية لإشراك ماليزيا في العدوان، بتعبيره عن رفضه المطلق للسياسات السعودية في اليمن.

وقد سبقت نداءه حول اليمن، تصريحات عنيفة له ضد الرياض، إذ اعتبر خلال مقابلةٍ له نشرها موقع "فري ماليزيا توداي" في تموز 2016، أن السعودية ليست شريكاً مناسباً لماليزيا في تعزيز الاعتدال في العالم الإسلامي أو في مكافحة الإرهاب، وجاء ذلك بعد سؤاله عن رأيه بقرار حكومة عبد الرزاق الموافقة على تقديم قطعة أرض مساحتها 16 هكتاراً في منطقة بوتراجايا حيث مقر الحكومة، من أجل إقامة «مركز الملك سلمان للسلام الدولي»[20]. غير أنّ ارتباط الشعب المالايوي المسلم بالسعودية كأرض للحرمين الشريفين، ومرجعية دينية إسلامية سيخفف من التداعيات السلبية للدور السلبى للسعودية فى ماليزيا، إذ من المهم لكل من يريد أن يحكم ماليزيا أن يقيم علاقة طيبة مع السعودية، ولكنّها ستكون هذه المرة حذرة وربما تميل إلى الفتور[21].

الإمارات، لم تكن الإمارات أيضاً بعيدة عن تهم الفساد التى تلاحق رزاق، حيث قالت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية  فى عام 2017، إن شركات مرتبطة بسفير الإمارات بواشنطن يوسف العتيبة حصلت على 66 مليون دولار من مؤسسات يشتبه في أنها كانت قنوات لنقل الأموال الماليزية المختلسة، التى تسببت فى إفلاس الصندوق السيادى الماليزى.

كما طالب أعضاء في البرلمان الماليزي في وقت سابق فى يوليو من عام 2017 بالتحقيق مع العتيبة بتهم فساد[22].

الولايات المتحدة الأمريكية، يبدو أن قدوم أنور إبراهيم إلى السلطة، وليس لديه توجهات معادية لأمريكا والنظام الرأٍسمالي الغربي مقارنة بمهاتير ، قد يحسن العلاقة بين الطرفين، إثر تكدرها بعد أن أعلنت السلطات الأمريكية عن قضايا فساد خاصة برئيس الوزراء السابق نجيب، وتوجهه إلى مزيد من الانفتاح على الصين.

 الصين، يبدو أنّ توجهات نجيب نحو الصين وتوقيعه لمشاريع ضخمة معها ستكون من أوائل ما سيتعامل معه مهاتير، وهو ما صرّح به عقب إعلان نتائج الانتخابات على الفور، وهو أمر لا يتوقع أن يكون انقلاباً كاملاً بالسياسة نحو الصين، فمهاتير يقرأ خارطة القوى الدولية والآسيوية على وجه التحديد، بشكل جيد، ويعرف أنّ الصين لها تأثير كبير ومتزايد في المنطقة، ولذا فإنّه لن يدخل في مواجهة أو صراع مع الصين، بل على العكس ربما يستمر في تحسين العلاقة معها وإعادة التفاوض على شروط العقود الموقعة معها، ولا يبدو أنّ الصين ستمانع ذلك.

إيران، يقيم عشرات الآلاف من الإيرانيين في ماليزيا، نتيجة لسياسة الانفتاح التي تتبعها ماليزيا، غير أنّ أثرهم محدود في الأوساط الماليزية. ولكن الشأن الإيراني قفز إلى السطح عندما ساءت العلاقة مع إيران في عهد نجيب قبل حوالي أربع سنوات وذلك بضغوط سعودية، حتى وصل الأمر إلى إصدار فتوى من جهات رسمية ماليزية بتكفير الشيعة، واستغلت حادثة اكتشاف حسينية شيعية في كوالالمبور وتشييع بعض الماليزيين لخلق جو مضاد للتشيع، وهو ما حاولت إيران التغلب عليه من خلال إيفاد بعض الوفود غير الرسمية حتى من السنة المؤيدين لها لإقناع الماليزيين بتغيير موقفهم المتصلب، ولا يبدو أن مهاتير يختلف من حيث المبدأ، عن نجيب في موقفه من التشيع، فقد أكد مهاتير أنّ مسلمي ماليزيا سنة شوافع ولا يحتمل وضع التجزئة، لكنه على الصعيد السياسي ربما يكون أبعد عن الضغوطات السعودية وما يمكن أن يدفع إلى تحسين العلاقات مع إيران ولو بشكل محدود.

 تركيا، نتيجة للعلاقة الشخصية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأنور إبراهيم، سادت علاقة من الفتور وشبه القطيعة بين البلدين، ورغم وساطات متعددة لإصلاح العلاقة بين حكومة نجيب وتركيا، كان أردوغان يشترط دائماً، إطلاق سراح أنور ورد الاعتبار إليه، وهو ما لم يكن ممكناً، فاستمرت العلاقة المتوترة. لذا، من المتوقع أن تتحسن العلاقة بين البلدين بشكل سريع وكبير خصوصاً إثر تبوء أنور رئاسة الوزراء.

 القضية الفلسطينية، أبدت حكومة نجيب تأييداً كبيراً للقضية الفلسطينية، مثّل أوجها زيارته إلى قطاع غزة عام 2012م، واستضاف الحزب الحاكم حينها قادة حماس أكثر من مرة في مؤتمراته السنوية، كما استقبل نجيب رئيس حركة حماس خالد مشعل، وزعماء فلسطينيين آخرين أكثر من مرة، ولا تفتأ تتخذ مواقف مؤيدة متقدمة في هذا المجال، ومع ذلك فإنّ تغيير الحكومة سيأتي بقادة ربما، أكثر تأييداً للقضية الفلسطينية، خصوصاً من حزب أمانة والذي يعدّ المنصة السياسية الرئيسة للإخوان المسلمين الماليزيين، وعلى رأس هؤلاء شخصيات مثل حسن الدين وهو من المشاركين في سفينة مافي مررة ومؤسسي أكبر مؤسسة ماليزية مؤيدة لفلسطين، أقصى شريف، ومازلي مالك، فضلاً عن تأييد أنور ومحاضير للقضية الفلسطينية، ولذا فإنّ التأييد للقضية الفلسطينية سيزداد في الفترة القادمة وربما يتجلى ذلك بمساعدات إنسانية ماليزية لقطاع غزة وصوت أعلى لصالح فلسطين في المحافل الدولية[23].

 

 



[1] محمد مكرم بلعاوى، " ماليزيا ـ ماذا تعني عودة مهاتير محمد؟"، المعهدالمصرى للدراسات، 14/5/2018، الرابط التالى: http://cutt.us/wcpaO

[2] يمنى الحديدى، "فى لعبة السياسة … القائد يعود… الصديق أصبح عدوا …والمسجون قائد الغد"، المصور، 18/5/2018، الرابط التالى: http://almussawar.com/show-4161.html

[3] بى بى سى عربى، " ماليزيا: كيف تمكن مهاتير محمد من العودة إلى الحكم في سن 92؟"، 10/5/2018، الرابط التالى: http://www.bbc.com/arabic/interactivity-44070510

[4] صهيب عبدالرحمن، " الانتخابات الماليزية: مهاتير محمد ينتصر عبر "تحالف الأمل""، موقع حفريات، 10/5/2018، الرابط التالى: http://cutt.us/OgDAQ

[5] إسلام المنسى، " مهاتير محمد يُطل مجددًا: هذه المرة من باب المعارضة"، إضاءات، 13/1/2018، الرابط التالى: https://www.ida2at.com/mahathir-mohamed-again-opposition/

[6] البوابة نيوز، " "تحالف الأمل" بقيادة مهاتير محمد يفوز بالانتخابات العامة في ماليزيا"، 9/5/2018، الرابط التالى: http://www.albawabhnews.com/3094880

[7]   بى بى سى عربى، مرجع سابق.

[8] إسلام المنسى، مرجع سابق.

[9] عصام ناصر، "نتائج الإنتخابات البرلمانية فى ماليزيا"، ورقة غير منشورة، 22/5/2018.

[10] كريم محمد، "ماليزيا.. فوز مهم للإخوان وعودة مستهدفة لـ”مهاتير” وهزيمة للخليج"، بوابة الحرية والعدالة، 13/5/2018، الرابط التالى: http://cutt.us/vUEBy  

[11] مولود مدى، "الإسلام الماليزي الحضاري"، ساسة بوست، 27/6/2017، الرابط التالى: https://www.sasapost.com/opinion/malizia/

[12] محمد أبو غزالة، "حققت لها الكثير من النجاح السياسي والإقتصادي…دراسة في السياسة الداخلية الماليزية"، أخبار الديمقراطية، الرابط التالى: http://www.siironline.org/alabwab/akhbar_aldimocrati(15)/akhbar_aldimocrati(15)/621.htm

[13] محسن صالح، " النموذج السياسي الماليزي وإدارة الاختلاف"، مركز الجزيرة للدراسات، 19/7/2012، الرابط التالى: http://studies.aljazeera.net/ar/issues/2012/06/201262111235327448.html

[14] الجزيرة نت، " انتخابات 2018.. الربيع بنكهة ماليزية"، 33/5/2018، الرابط التالى: http://cutt.us/T4pYr

[15]   يمنى الحديدى، مرجع سابق.

[16] الجزيرة نت، "فعلها مهاتير.. عنقاء ماليزيا والانقلاب الديمقراطي"، 10/5/2018، الرابط التالى: http://cutt.us/0FsXK

[17] الجزيرة نت، " انتخابات 2018.. الربيع بنكهة ماليزية"، مرجع سابق.

[18] بهاء العوفى، "كيف يمثل فوز تحالف «مهاتير محمد» خسارة للسعودية والإمارات؟"، الخليج الجديد، 10/5/2018، الرابط التالى: http://cutt.us/QiAQq

[19]   فريق العمل، "مترجم: كيف يكشف صعود مهاتير محمد المزيد حول دور أموال الإمارات والسعودية في ماليزيا"، ساسة بوست، 15/5/2018، الرابط التالى:

https://www.sasapost.com/translation/saudi-arabia-uae-malaysia-razak/

[20] سوريا الأن، "ماليزيا | عودة مهاتير محمد: دبلوماسية الشيكات السعودية بلا رصيد"، 11/5/2018، الرابط التالى:

https://www.facebook.com/SyriaNowOfficial/photos/a.214523432042556.1073741828.214458075382425/978564162305142/?type=3

[21] محمد مكرم بلعاوى، مرجع سابق.

[22] الجزيرة نت، "قضية الاختلاس المالي بماليزيا تلاحق العتيبة"، 10/8/2017، الرابط التالى: http://cutt.us/KSeRs

[23] محمد مكرم بلعاوى، مرجع سابق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *