‫الرئيسية‬ العالم العربي العراق فوز تيار الصدر في انتخابات العراق – وجهتي نظر بشأن مواقفه السياسية
العراق - يونيو 1, 2018

فوز تيار الصدر في انتخابات العراق – وجهتي نظر بشأن مواقفه السياسية

 فوز تيار الصدر في انتخابات العراق وجهتي نظر بشأن مواقفه السياسية

أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية فوز كتلة "سائرون" التي يتزعمها رجل الدين الشيعي "مقتدى الصدر"، وحصولها على 54 مقعدا، ورغم هذه الأغلبية، لم يرشح "الصدر" نفسه للانتخابات الخاصة برئاسة الوزراء، لكن من الممكن أن يكون له نفوذ في مفاوضات اختيار من يتولى المنصب بفضل سيطرة كتلته برلمانيا.

وفيما يخص المواقف الخارجية لكتلة الصدر، فإنها تعارض بشدة أي تدخل أجنبي في العراق، في إشارة لإيران والولايات المتحدة اللتين تقدمان دعما كبيرا للعراق، والحديث عن مصير القوات الأمريكية خاصة وأن الصدر تحدث عن استهداف القوات الأمريكية على الأراضي العراقية التي أعيد نشرها لمحاربة داعش، وهناك أيضا القوات الإيرانية والتركية، في ضوء هذه الفكرة، وهل ستكون تصريحات الصدر واقعية أم أنها ستكون فقط في إطار الدعايا الانتخابية؟، عُرضت وجهتي نظر، أولها من جريدة القدس العربي[1]، والثانية من مركز كارنيجي.[2]

مقال جريدة القدس العربي يستبعد تحول الصدر الي قوة معتدلة وطنية ومعادية لايران ومتصالحة مع السنة العراقيين والعرب. فقد أشار إلى العلاقات الدائرة داخل التيار الشيعي العراقي، والخلافات بين الصدر ورجل الدين الشيعي عبد المجيد الخوئي وباقي التيارات الشيعية في العراق، في امتداد للخلاف القائم بين ما يسمى الحوزة الناطقة التي نظر لها والد مقتدى "محمد صادق الصدر"، والحوزة الصامتة، ووصل ذروة الخلاف لاغتيال محمد صادق الصدر، والتي ذهبت جل أصابع الاتهام للمنافسين من الشيعة. وكان "قيس الخزعلي" ابرز قادة الحشد الشعبي الحالي يعتبر العقل المدبر للتيار الصدري بعد الاحتلال إلى العداء بين الصدريين وتياري الحكيم والدعوة المقربين من إيران، وميول الصدريين الوطنية. هذا يثير أسئلة حول إمكانية فصل حركات التشيع في المنطقة عن طهران. لكن ظهرت الإجابة بعدما أصبح الخزعلي وزميله الكعبي قادة أكبر ميليشيات موالية لإيران خرجت من التيار الصدري وأبرز مساعدي مقتدى الصدر.

وظن كثيرون إمكانية تحويل الصدر لحليف ضد إيران، خاصة بعد حدوث مواجهات محدودة بين جيش المهدي والولايات المتحدة في النجف والكوفة ومدينة الصدر، خلال العامين اللذين أعقبا سقوط بغداد، والحديث عن إمكانية التعاون والتنسيق بين السنة والشيعة، في الوقت الذي كانت تشتعل مواجهة الاحتلال في المناطق السنية.

وبنت حركات سنية آمالا عريضة أو "وهما" على التيار الصدري، واصبح الصدريون وبعض رجال الدين الشيعة حلفاء سياسيين في هيئات أريد لها ان تكون عابرة للطائفية، لكن في 2004 ميليشيات جيش المهدي الصدرية الاحياء السنية في بغداد، وبدأت بعدها سلسلة منظمة من اعمال الخطف والتعذيب والتهجير والقتل في مناطق السنة، ووصل الأمر لقتل القيادات السياسية مثل شقيق نائب رئيس الوزراء صالح المطلك بعد خطفه، وقتل شقيق نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، وكذلك المئات من الشخصيات الدينية.

ومع ذلك فقد استمرت محاولات تقديم تيارات طائفية غارقة في اعمال دموية، على أنها خيارات وطنية لمجرد خلافاتها الداخلية مع جماعات أخرى، خصوصا من قبل بعض حكومات الدول العربية التي فشلت في مواجهة النفوذ الايراني في العراق، فاخذت تفكر في حلول من داخل الصندوق الشيعي المتنفذ في العراق، فتحاول الإمارات والسعودية اجتذاب تيارات شيعية بطلب أمريكي لإمكانية مواجهة النفوذ الإيراني في العراق. وأنفقت الملايين لاجتذاب قيادات شيعية من التيار الصدري وغيره من شيوخ العشائر الشيعية، لكن ذهبت كل هذه الجهود سدى مع انتخابات عام 2010 عندما انحاز الشارع الشيعي بالكامل لانتخاب الاحزاب الدينية التقليدية الموالية لايران، التي شاركت بالنهاية مع مقتدى الصدر في تشكيل الحكومة.

وفي الانتخابات الاخيرة، ضم تحالف "سائرون" مدنيين وشيوعيين، مع ان هذه القوى محدودة القاعدة الشعبية ولم تفز في اي انتخابات ماضية بأي مقاعد نيابية تذكر. وكان الوصف الاكثر تناقضا لتيار "سائرون" أنه "تحالف مدني عابر للطائفية"، رغم ان كافة مقاعده حصل عليها كانت حصرا في مناطق شيعية.

يعد انتقاء جزئيات لمحاولة إظهار تيار الصدر بأنه معارض لإيران، تبدو أمرا سطحيا، فتاريخيا محمد صادق الصدر نفسه هو تلميذ الامام الخميني، وكل قيادات التيار الصدري الذي انفصلوا عنه لاحقا، تدربوا لاشهر طويلة في معسكرات الحرس الثوري، ويقضي مقتدى الصدر نفسه معظم وقته خارج العراق في إيران، ويحظى بعلاقات مع كبار قادة النظام الامني في ايران.

حتى أن المظاهرات التي رردت هتافات "إيرن برا برا" التي دعا لها التيار الصدري في بغداد قبل عامين، كان معظم من رددوها من انصار التيار المدني، الذين خرجوا مع الصدريين في المظاهرات، وقدم الصدر اعتذار لقاسم سليماني عن ذلك، أي أن كل مواقف تيار الصدر وتصريحاتهم لا تعبر عن معارضة فعلية لإيران.

واختتم مقال القدس العربي بأن ما بعد انتخابات 2018 لن يختلف عما مضى، وسيسعى التيار الصدري لمعالجة خلافاته مع منافسيه داخل البيت الشيعي، وسيبقى الزعيم الصدري مجرد ظاهرة فلكلورية شعبوية للاستهلاك الدعائي، وسيشارك تيار "سائرون" بالحكومة بالنهاية كما كل مرة. أما التحالفات السنية، فستتركز جهودها على التصارع على المواقع الحكومية الثانوية والوزارات المدرة للعقود المالية، ليظل وضع السنة في منظومة الدولة العراقية الجديدة مهمشا، ما دامت القوى التي تسيطر على الشارع الشيعي والكردي ذات توجهات طائفية.

أما مقال مركز كارنيجي في وجهة نظر معارضة للتي أشار إليها مقال القدس العربي باعتبار الصدر رمزاً وطنياً مدنياً محل توافق بين الفئات السنية والشيعية ولديه سياسة مستقلة عن ايران ومتقاربة مع الدول السنية. فقد أظهر أن الصدر نجح في الكشف عن إخفاقات المنظومة السياسية الطائفية العراقية، وإطلاق دعوات إصلاحية، وأصبح يؤدّي دور رجل الدولة الوطني، ويعمل على بناء تحالفات وطنية وإقليمية، ولاسيما مع السعودية، كما أنه يمدّ يده إلى مجموعات علمانية وسنّية في العراقن ويظهر بأنه يبذل جهودا للتصدّي لقبضة النخبة الشيعية على الدولة العراقية، وكبح النفوذ الإيراني في البلاد.

ويرى المقال أن هذه الفرصة للإصلاح السياسي لم تظهر منذ 2003، في ظل هزيمة داعش واستعادة الحكومة المركزية السيطرة على الأراضي التي كانت خاضعة لحكومة إقليم كردستان، وتعزيز الجيش الوطني، وتحسُّن العلاقات مع الجيران العرب. لكن لا يزال تأمين الخدمات الأساسية من قبل الدولة في وضع مزرٍ جداً بسبب ما تشهده المؤسسات من فساد.

ويظهر التيار الصدري منذ 2003 كمناصر للفقراء، وأصبحت سياسته مرتبطة بأوضاع المجتمعات الشيعية المهمّشة في العراق، بل ويعتبر أن السياسة الطائفية وكذلك الإسلام السياسي خذلا الشعب العراقي، رغم أنه سبق وانخرط في السياسة الرسمية العراقية القائمة على المحاصصة الطائفية، ويريد الآن الثورة عليها، ويرى أن مواجهة التحديات الاجتماعية لن يحدث في ظل غياب مؤسسات حكومية فاعلة ومركزية.

على الرغم من انتشار شبكة التيار الصدري في مختلف أنحاء البلاد، شهد هذا التوسع الذي عرفه التيار بعد العام 2003 انحسارا بفعل الانهيار في موارد الدولة، وعجزه عن الإبقاء على شبكات المحسوبيات باهظة الكلفة.

تولى الصدر قيادة كتلة الأحرار في الانتخابات البرلمانية الوطنية بدوراتها الثلاث منذ العام 2003، وفي المرحلة السابقة للانتخابات الأخيرة، وجّه أعضاء بارزون في كتلة الأحرار انتقادات علنية إلى ائتلاف "سائرون"، لأنه كان عبارة عن تحالف سياسي بين الصدر والحزب الشيوعي العراقي ذي الميول العلمانية. وتتعالى أصوات الفقراء الشيعة المطالِبة بالتغيير.

أنشئت سرايا السلام، أي الجناح العسكري لتيار الصدر، على عجل من فلول جيش المهدي على إثر سيطرة الدولة الإسلامية على أجزاء من العراق. بيد أن علاقة الصدر وحزبه السياسي مع الجناح العسكري للتيار الصدري، مضطربة وغير سهلة. ولايزال جيش المهدي، الذي تحدّى الاحتلال في العراق وخاض معارك ضارية ضد مجموعات ميليشياوية شيعية أخرى، يترك مرارة عميقة لدى معظم العراقيين الذين انطبع في ذاكرتهم حمام الدماء الطائفي الذي شهدته البلاد بعد العام 2003، ولم يرد الصدر تكرار نفس الأمر برفضه إرسال سرايا السلام إلى ساحة الحرب في سوريا.

يتمسّك الصدر بموقفه القائل بأنه من أجل بسط الاستقرار في العراق، يجب ضم الحشد الشعبي إلى صفوف قوى الأمن الوطني العراقية، الأمر الذي سيترتب عنه حلّ سرايا السلام. ويوجّه الصدر انتقادات حادّة إلى انخراط الحشد الشعبي في السياسة العراقية، والذي يتجلّى من خلال القائمة الانتخابية التي شكّلها الحشد لخوض الانتخابات في مايو.

دعم الصدر التظاهرات الوطنية ضد الفساد والطائفية، وشجّع أتباعه على الانضمام إليها في العام 2016، وعمل على التنسيق مع الحزب الشيوعي العراقي للاستفادة من المكاسب السياسية المحتملة التي يمكن أن تمنحها لأسلوبه في السياسة الإصلاحية. وتمثّل شراكة الصدر السياسية مع الحزب الشيوعي العراقي تحوّلاً رئيسياً في تفكيره، من خلال فصل نفسه بشكل ملحوظ عن الفظائع والسياسات الطائفية المولّدة للاضطرابات.

الصدر يرى حليفاً طبيعياً في السياسيين العراقيين العلمانيين، الذين يشعرون أيضاً بقلق عميق من تزايد نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران، والفساد المستشري، والنظام السياسي العراقي المعيب بشدّة، وصرّح بأن بعض الدول – غالباً في إشارة غير مباشرة إلى إيران – ترغب في رؤية العراق ضعيفاً وممزّقاً.

ويرى الصدر في النخب الشيعية في العراق عدم رغبة في إصلاح النظام الطائفي، وتعمل على حصد ثروات كبيرة منه. مما دفعه للتحريض ضدّ النخب الشيعية، ولاسيّما المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وتيّار الحكمة الوطني، وحزب الدعوة، ومنظمة بدر.

هناك تحد آخر ما الصدر يظهر في النجف التي هيمنت عليها لسنوات استثمارات تديرها إيران واقتصاد سياسي مرتبط بشكل متزايد بالمصالح الإيرانية. وقد اعربت إيران عن قلقها من تحالف الصدر مع العلمانيين العراقيين، وأنها لن تسمح لليبراليين والشيوعيين بالحكم في العراق.

وفيما يخص تحالفات الصدر الخارجية، فهناك تقارب مع السعودية والإمارات والأردن ومصر، وهذا لن يبشر بالخير بالنسبة إلى إيران، لأنّ النخب السياسية السنّية في العراق سترحّب بعلاقات الصدر المحسّنة مع الدول العربية السُنّية في المنطقة، خاصة وأن الصدر سبق أن ناقش الشراكة مع "الوطنية"، وهو ائتلاف سياسي سنّي في غالبيته بزعامة إياد علاوي.

لكن وجود إيران ونفوذها في العراق – ودورها في دعم أمن البلد، خصوصاً في مواجهة الدولة الإسلامية- يجعل من غير المحتمل أن تقطع النخب الشيعية في العراق العلاقات تماماً مع الجمهورية الإسلامية.

واختتم المقال بأن قائمة "سائرون" الإنتخابية أصبحت تشكّل تهديداً حقيقياً لسلطة النخب الطائفية في العراق، التي قامت على الحصص الطائفية، وأفسحت المجال لتنظيم داعش.

وأضاف أن الأمر سيحتاج ائتلاف من الفاعلين المحليين والإقليميين للمساعدة على كسر حلقة عدم الاستقرار التي واجهها العراق منذ العام 2003. وقد يكون وقوف الصدر في صفّ الجماعات العلمانية المحلية ومتابعة شراكات إقليمية جديدة مجرّد بداية مسعاه لإعادة صياغة السياسة العراقية.



[1] وائل عصام، "عداء التيار الصدري لإيران وهم متجدد"، القدس العربي، 19/5/2018، متاح على الرابط: http://www.alquds.co.uk/?p=937453

[2] مهيار كاظم، "رجل الدولة الجديد في العراق"، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 15/5/2018، متاح على الرابط: https://carnegie-mec.org/2018/05/15/ar-pub-76353

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

العراق المرتبك : عودة داعش والتظاهرات

شن تنظيم داعش هجومًا على حاجز لميلشيا الحشد الشعبي في محافظة ديالي، والقتيل هو قائد المدفع…