‫الرئيسية‬ العالم العربي دول الخليج السعودية والسلفية السكندرية … أية علاقة؟
دول الخليج - يونيو 12, 2018

السعودية والسلفية السكندرية … أية علاقة؟

 السعودية والسلفية السكندرية … أية علاقة؟

شغلت الحركات والتيارات الإسلامية وفي القلب منها القوى السلفية الباحثين والمهتمين بشئون المنطقة، تزايد هذا الأهتمام في الفترة الأخيرة مع الحضور الكبير الذي حققته هذه الكيانات في الفترات الأخيرة مع حدوث الثورات العربية وما تلاها من تطورات، حتى وقتنا الراهن وتقلباته. في هذه المساحة نحاول رسم خريطة توضيحية وتصورية للقوى السلفية في منطقتنا العربية وتلويناتها الأيديولوجية –والتنظيمية إن وجدت- مع تسليط الضوء بشكل خاص على السلفية السكندرية –للدور الذي لعبته في مشهد الثالث من يوليو 2013، والذي لا تزال تلعبه في دعم النظام القائم والوقوف في صفه- ومحاولة استجلاء العلاقة بينها والمملكة السعودية مع تزايد الحديث عن توظيف السعودية للتيارات السلفية (ومنها السلفية السكندرية) في تحقيق مصالحها والحفاظ على نفوذها في المنطقة.

خرائط السلفية وتشكيلاتها:

يمكن تقسيم السلفية المعاصرة إلى ثلاثة اتجاهات مهمة متمايزة، وهي السلفية العلمية (تيار يهتم في المقام الأول بالنواحي التعليمية المرتبطة بعلوم القرآن والسنة النبوية، ويعد من أكثر أنماط وأطياف السلفية انتشاراً في العالم الإسلامي عموماً، والدول العربية خصوصاً، وينماز منهجها التقليدي بالبعد عن أمور السياسة من جهة، والالتزام بالمناهج التربوية الدعوية العلمية من جهة أخرى، وهو الأمر الذي وفر لها إمكانية التوسع والانتشار دون الدخول في صدام مع الدولة)، والسلفية الجهادية (يُعتبر مفهوم الحاكمية من أهم المفاهيم المركزية المؤسسة لفكر السلفية الجهادية، والمقصود بالحاكمية هو أن الله وحده له الحق في الحكم، ويرتبط بالحاكمية مفهوم آخر، لا يقل عنه أهمية في العقلية الجمعية للسلفية الجهادية المعاصرة، وهو مفهوم "الجاهلية"، وتتبنى السلفية الجهادية التغيير الثوري والعنيف منهجاً لتحقيق أهدافها ومشروعها، والسلفية الجامية (يعرف هذا الاتجاه في بعض الأحيان باسم "السلفية المدخلية" نسبة إلى الشيخ "ربيع بن هادي المدخلي" الذي كان من أبرز تلاميذ الشيخ الجامي، يؤمن المداخلة بحتمية طاعة ولي الأمر، ورفض الاشتغال بالسياسة والعمل الحزبي، ومهاجمة التيارات الدينية المشتغلة بالسياسة واتهامهم بالضلال، ولقد توسعت أفكار الجامية المدخلية، في الكثير من البلاد العربية، ولعبت دوراً بالغ التطرف في مهاجمة الثورات العربية بالتشديد على ضرورة البعد عن السياسة وترك الدولة للساسة ورجال الحكم، وتحريم المشاركة في العملية الانتخابية الديموقراطية، والتأكيد على عدم شرعية المعارضة والاحتجاجات المناهضة للحاكم) [1].

تتشارك السلفية العلمية والسلفية الجامية في الانسحاب من السياسة وعدم الانشغال بالشأن العام، وإن كانت تتباين مواقفهم في تسويغ هذا الفرار من المجال السياسي؛ فبينما تبرر السلفية العلمية مواقفها بشكل عقلي و"مصلحي" باعتبار أن المشاركة غير مجدية من جهة مع اسئثار نخب الحكم بالسلطة، وباعتبار أن المشاركة تكون بقبول الخضوع للديمقراطية، قيم، واجراءات، ومؤسسات، وهو ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية –بحسب وجهة نظرهم. في حين نجد السلفية الجامية تستزرع فرارها من المجال السياسي واستقالتها من الشأن العام في قلب النص الشرعي، وتعتبره مسألة مبدأ، وتشرعن هذا الفرار وتنظر له وتستدل على انفراده بالمشروعية من قبل النصوص الدينية؛ فتشدد على أن الأصل انفراد الحاكم بالسلطة وأن مشاركته أو منافسته ومعارضته يتصادم مع توجيهات الدين الحنيف، وأن الواجب هو دعم الحاكم والانصياع لسلطاته مهما كان استبداده وسلطويته في الحكم. وتبقى السلفية الجهادية هي المكون المغرد خارج سرب الاستقالة من السياسة الذي تتبناه معظم القوى السلفية في عالمنا العربي؛ ولعل هذا الاختلاف يعود إلى أثر النشأة على السلفية الجهادية التي ولدت في قلب الصراع بين القطبين الكبيرين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) واستفادت من هذا الصراع في تلقي الدعم والتشجيع من نظم الحكم العربية وفي توظيفها لصالح واشنطن في الصراع مع السوفييت؛ وهو ما منحها مساحة كبيرة للحركة واعطاها القدرة والحرية لبناء ايديولوجيتها مستفيدة من تنظيرات مفكري الجماعات المسلحة والعنيفة في مصر في آواخر القرن العشرين.   

في مصر جاء التيار السلفي –الذي غلب عليه الإتجاهات العلمية والمدخلية- أمتداداً للسلفيات المنتشرة على الصعيد الإقليمي، حيث ظل يتشكل من اتجاهات عقدية وفقهية، ولم يتقولب في حركة أو حزب، وبقى انتشاره عبر شيوع أفكاره وليس عبر بناء أو تبني تنظيمات، ولذلك كانت خصوماته غالبا مع الاطروحات العقدية والسلوكيات "البدعية"؛ فكان شغوف دوما بمحاربة التصوف، والاشتباك مع أشعرية الأزهر، ومع اعتزالية بعض المفكرين الكبار، مع محاربة ظاهرة التيسير الفقهي، وصداماته مع الإخوان ظلت عند حدودها الدنيا –نقد بعض سلوكياتهم واختياراتهم الفقهية- كونهم ليسوا مذهبا عقديا أو فقهيا[2].

أما اشتغال السلفيات بالسياسة كأختيار رابع يختلف عن (العلمية، والجامية، والجهادية)، فقد بدء هذا التحول البنيوي في مسار السلفية (عموماً) مع سلفية الكويت وعلى رأسها الشيخ "عبد الرحمن عبد الخالق"، وسلفية "السرورية" بالسعودية وكانت على يد محمد سرور زين العابدين، وارتأى أصحابها توظيف الانتشار الواسع للحالة السلفية والتيار السلفي في بناء تنظيمات حركية فاعلة. وسرعان ما انتقلت العدوى للداخل المصري، حيث تبنت قطاعات من السلفية ومن بينها سلفية الاسكندرية القادمة أيضا من أصول "تنظيمية" كالجماعات الاسلامية في السبعينات؛ رؤية تأطيرية وتنظيمية لتحويل السلفية لـ"حركة"، لكن هذا التحول انبنى على عدد من المبادئ –أو قل العقائد- الحاكمة للعمل الحركي والتنظيمي؛ أبرزها: عدم مشروعية الدخول في لعبة الديمقراطية كونها لعبة "كفرية" تضع الدين على طاولة التصويت وبجانبه الكفر، وأن عمليات التشريع في ظل الديمقراطية هي عمليات "كفرية"، وأن الجيوش وحكام البلاد هم طواغيت، وبمجرد حكمهم بغير الشريعة قد وقعوا في "الكفر"، وإن لم يُكفَّروا بشخوصهم لعلة غياب إقامة الحجه عليهم، وأن الخروج على الحاكم محرم وغير مشروع –رغم كل ما سبق-  ليس لأنه ولي أمر، وإنما لعلة منع مفسدة أكبر[3]، ما يعني أن هذا التحول جاء في قلب المجموعات المحسوبة على السلفية العلمية، وليس الجامية أو الجهادية.

السعودية والسلفية السكندرية.. أية علاقة:

يمكن موضعة السلفية السكندرية في مكون السلفية العلمية الذي شهدت بعض تكويناته تحولاً نحو ممارسة دور في المجال العام وفي الشأن السياسي، وقد تضخم هذا الدور مع الحريات الواسعة التي أتاحتها ثورات الربيع العربي.

وعن علاقة السلفية السكندرية بالسعودية؛ ثمة دوائر ثلاث يمكن عبر رصد تفاعلاتها استكشاف هذه العلاقة، هذه الدوائر؛ الأولى: دائرة المواقف من التطورات المتلاحقة في الإقليم والتحديات التي تفرضها واللاعبين الاساسيين في هذه التطورات. الثانية: دائرة القناعات والمبادئ والقيم الأساسية الحاكمة لسلوكيات السلفية السكندرية والنظام السعودي. الثالثة: دائرة العلاقات المباشرة بين الطرفين.

دائرة المواقف المتطابقة بين النظام السعودي وسلفية الاسكندرية

فيما يتعلق بالموقف من التفاعلات الدائرة على مستوى الإقليم، نجد أن هناك توافق كبير بين السعودية والسلفية السكندرية حول عديد من القضايا، منها مثلاً الموقف من ثورات الربيع العربي، فنجد لدى الطرفين نفس الرفض للثورات العربية والتشكيك في شرعيتها والتخويف من نتائجها –رغم استفادتها من مساحات الحرية التي اتاحتها هذه الثورات؛ أبان ثورة يناير جاب شيوخ الدعوة السلفية في الاسكندرية ربوع البلاد للتنديد بالثورة، والدعوة إلى منع التظاهر ضد النظام واعتباره من المفاسد المحرمة، والامتناع عن المشاركة في أحداث ثورة 25 يناير 2011م، وما بعدها من أحداث، معللة بغلبة مفسدتها على مصلحتها. وأصدرت البيانات مثل يوم 3 فبراير 2011، ووصفوا الثوار بالمتسلقين بقولهم: (ولن تَسمح الأُمَّةُ لبعض المتسلِّقين على أكتاف الجماهير – بل دمائهم – أن يُزايدوا عليها، ولن يَسمح بها الشعب ولا الجيش ولا الأزهر ولا الجماعات والاتجاهات الإسلامية جميعُها). ومنها كذلك الموقف من الجماعات الإسلامية المرتبطة بالتيار الوسطي ومدرسة الإخوان المسلمين؛ ففي مصر، وبعد سقوط نظام مبارك سارعت السلفية السكندرية في تدشين حزب النور؛ بغرض مجابهة الإخوان المسلمين ما اسفر عن تفتيت أصوات الإسلاميين في الإنتخابات البرلمانية ومنع الاخوان من تشكيل أغلبية قوية قادرة علي توجيه جهاز الدولة والحكومة، وبعد فوز جماعة الإخوان بانتخابات الرئاسة اتخذت الكتلة البرلمانية للنور السلفي مسار المعارضة للنظام وإختياراته، كما أثارت قضايا/ ادعاءات أخونة الجهاز الإداري للدولة، وإلغاء المادة الثانية من الدستور. أيضاً كانت قادة الحزب وكوادر السلفية السكندرية من المشاركين في مشهد الثالث من يوليو 2013؛ متجاهلين أدبياتهم المحرمة للخروج على الحاكم والمنددة بالمسار الثوري والناقدة لثورة يناير 2011 والتغييرات التي أحدثتها وهو ما يتطابق تماماً مع الدعم السعودي للانقلاب العسكري ضد حكومة مرسي. وبالتالي فرغم التحولات التي حدثت في السلفية السكندرية (على غرار تدشين حزب) والتي رآها مراقبون كبيرة وغير متوقعة بقي الحزب مخلصاً لخضوعه لنظم الحكم السلطوية ومتمسكاً بقيم المحافظة السياسية ورافضاً لحدوث تحولات في معادلات الحكم القائمة في الأقليم، وهو ما يوضح حجم التوافق الكبير بين السلفية السكندرية والرياض في مواقفهما مما يجري في المنطقة وفي القلب منها مصر.

ويمتد التطابق أو قلة تبعية المدرسة السلفية السكندرية إلي تبني موقف معادي للشيعة والخطر الايراني مع اعتباره اولوية قصوي في المواجهة والتصدي له علي حساب القضية الفلسطينية والقدس، فالنظام السعودي يخشي من خطر ايران علي نفوذه في المنطقة بشكل أقوي بكثير من اسرائيل، بما يمهد للتطبيع العلني الراهن بين النظام السعودي والدولة اليهودية. وتقوم السلفية السعودية والسكندرية بتبرير وترويج مقولات أن الأولي مواجهة ايران والخطر الشيعي ورفعه لمستوي الخطر العقدي بما يؤدي ضمناً إلي خلق عملية تطبيعية سياسية مع الكيان الصهيوني، ويتجاهل هؤلاء أن الخطر الشيعي تتحكم في امريكا والغرب وتستفيد منه في نفس الوقت، وبالتالي فالخطر الأكبر هو الكيان الصهيوني الذي يعد مقدمة للغزة الغربي والسيطرة علي العالم العربي والاسلامي، كما أن خطر التهويد وهدم المقدسات وعلو بني إسرائيل وعداوتهم جاءت بنصوص صريحة في سورة الاسراء، فيتجاهلون حقائق النص القرآني لمصلحة براجماتية وانتهازية للأسرة الحاكمة في المملكة.

دائرة القناعات والمبادئ والقيم الأساسية الحاكمة:

نجد هناك اتفاق ضمني بين السلفية السكندرية والمملكة السعودية حول عدد من المبادئ المنظمة للمجال السياسي؛ منها مثلا: أن المجال السياسي ومنظومة الحكم هي مسئولية ولي الأمر، وعلى القوى الدينية الإلتزام بحدود المجال الديني وعدم اختراقها، بينما على القوى السياسية اعتزال المجال العام والانصياع لرغبة الحاكم؛ ففي دراسة تحت عنوان "السلفية ومناهج التغيير" كتب ياسر برهامي في مجلة صوت الدعوة الناطقة باسم الدعوة السلفية بالإسكندرية، يتبرأ من العمل السياسي ويقلل من أهميته، ويصوره ككتلة من الظلام والخروج عن قواعد الشريعة، ويبرر ذلك بالقول بأن "الحكم العلماني الديمقراطي مصدر السلطة عنده هو الشعب، وتشريعاته تنبني على إرادته وهواه، فلابد للسلطة من الحفاظ على رغبة الشعب ومرضاته، ولا يمكن لها أن تعدل عن إرادة الشعب وهواه، حتى لو أدى ذلك إلى تحليل الزنا واللواط والخمر، فالمبادئ والتشريعات كلها عرضة للتغير والتبديل في الحكم العلماني والديمقراطي، حسب ما تطلبه الأغلبية، وأن المجالس التشريعية التي تسن قوانين مخالفة للشرع يلزمون بها العباد، وأن للأغلبية أن تفرض رأيها حتى ولو كان مخالفاً للشرع، أما الأحزاب التي تقوم على مبادئ العلمانية والديمقراطية والاشتراكية والشيوعية وغيرها من المبادئ الوضعية التي تخالف أصل الإيمان والإسلام، من فصل الدين عن الدولة، وأنظمة المجتمع والمساواة بين الملل كلها، واحترام الكفر والردة وقبولها، كتعدد الشرائع لا يفسد للود قضية كما يزعمون، كل هذا من العصبية الجاهلية والولاء للكافرين والمنافقين مما يستوجب على كل مسلم رده وهجره ومحاربته والتبرؤ منه". لذلك فالتصور السياسي نظرياً للسلفية البرهامية يقوم على تكفير المؤسسات الديمقراطية، والاستنكاف عن المشاركة السياسية، ورفض مبدأ التعددية الحزبية، ولهذا فأنه "من السياسة ترك السياسة"، وذلك نظرا لاختلاف مضمون الحياة السياسية الحالية بالكلية عن التصور الإسلامي للسياسة حسب ما ورد من اقتباسات[4].

ورغم أن هذه التوجهات تبدو أصيلة ومستقلة إلا أنها في الصورة النهائية تصب في مصلحة نخب الحكم المحافظة والسلطوية القائمة، وتبرر تفردهم بالحكم، وتعتبره قدر لا يمكن تغييره، ثم تشرعن وتنَظر للاستسلام لهذا الواقع، والانسحاب من المشهد العام بحجة أن المصلحة تستدعي هذا الإنسحاب، وأن ليس في الامكان أفضل مما كان؛ ورغم ذلك وفي نفس الوقت نجد السلفية السكندرية تلتزم –رغم مقاطعتها العمل السياسي بحجة الظروف غير المواتية- بالتعاون مع الحكومة المصرية، سواء في عهد مبارك أو السيسي ضد خصومهم السياسيين، سواء من جماعة الإخوان المسلمين أو حتى الحركات السلفية الأخرى؛ ذا ما أكده برهامي نفسه على قناة الحياة في لقائه المشهور والذي صرح فيه من معاونته لجهاز الأمن المصري حتى عام 1994م في القضاء على تيارات العنف السياسي "السلفية الجهادية"، وما كشفته مواقف الدعوة السلفية السكندرية وحزب النور بعد الثالث من يوليو 2013، وقبلها أثناء فترة حكومة الإخوان المسلمين[5]. وكذلك ما تم تسريبه عن لقاء بين برهامي وأحمد شفيق مرشح النظام القديم أثناء انتخابات 2012 وكذب برهامي في البداية نافياً حدوث اللقاء ثم عاد لتأكيد حدوثه بعد ذلك.

دائرة العلاقات المباشرة:

ترجع العلاقات المباشرة وتاريخ الإتصال بين السلفية المصرية -بشكل عام- والدولة السعودية إلى فترة نشوء جمعية أنصار السنة المحمدية والتي تعد الحاضنة الأولى للفكر السلفي في مصر، وباستعراض مؤسسي الجمعية الأوائل نلاحظ إقامتهم جميعًا في السعودية للتعلم والتدريس، بداية من الشيخ محمد حامد الفقي، الذي مكث فيها ثلاث سنوات، بعد التأسيس مباشرة عام 1926، ثم الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الذي عُيِّن نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وعضوًا في مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة، ثم الشيخ عبد الرحمن الوكيل والذي قبلها انتدب للعمل بالمعهد العلمي بالرياض، ثم التدريس في كلية الشريعة بمكة المكرمة، وهو ما يؤكده عبدالمنعم أبو الفتوح في مذكراته حيث أشار إلى أن السلفية السعودية أقحمت على المشروع الإسلامي في مصر، عن طريق رحلات العمرة، فقد كان بعض الطلاب يتخلف حتى موعد الحج، فيلتقي بعلماء السعودية، ليعود من الرحلة حاجًا معتمرًا وشيخًا سلفيًا[6].

وقد ورث ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية في الأسكندرية، والسلفية السكندرية، المذهب السلفي السعودي ككثير من السلفيين عن مشايخ جماعة أنصار السنة المصرية، ثم سافر "برهامي" عدة مرات إلى السعودية لأداء الشعائر وتلقي العلوم الشرعية والدعم المادي  غير المباشر، ولكن لا تتوافر معلومات كافية عن تفاصيل تلك الزيارات وما حدث فيها من لقاءات وترتيبات خاصة سرية وغير معلنة وهو ما يحتاج إلي مزيد من البحث والدراسات الاستقصائية.

وحديثاً، أشارت مصادر مقربة من حزب النورفى يونيو 2015، إلى قيام وفد من الحزب والدعوة السلفية برأسة "برهامى"، ويونس مخيون، رئيس حزب النور السلفي (المحسوب على السلفية السكندرية)، بزيارة السعودية؛ لأداء العمرة، وإجراء لقاءات بمجموعة من الجمعيات الخيرية، ورجال أعمال سلفيين، لبحث الحصول على تمويلات للتخديم على الأعمال الخيرية التى يقوم بها الحزب، ولدعم مرشحى الحزب فى الانتخابات البرلمانية المقبلة[7]، وهو ما رجحه مراقبون (رغم نفي الحزب رسمياً)، مؤكدين أن الجمعيات السلفية فى السعودية تعمل على استخدام قيادات الدعوة السلفية للقيام بحملات دعوية فى عدة مناطق وعلى رأسها أفريقيا مقابل الدعم المادى لكيان الدعوة[8]. بل أشارت تقارير روسية إلى أن السبب الحقيقي فى موقف حزب النور السلفي من حراك 30 يوليو المناهض لجماعة الإخوان المسلمين جاء نتيجة وعود من وزير الداخلية السعودي بتلقي الحزب دعم سعودي يقدر بـ 150 مليون دولار[9].

 

الخاتمة.. مستقبل العلاقة:

يبدو أن هناك إتجاه فى السعودية إلى تقليل النفوذ السلفى الوهابى، وهو ما تمثل فى تقليص نفوذ المؤسسات الدينية الرسمية، والتي جسدت بصورة رمزية التحالف التاريخي بين آل سعود والوهابية، كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهيئة كبار العلماء، والمنظمات الخيرية والدعوية ذات الفروع الدولية كالندوة العالمية وهيئة الإغاثة، مع تغيير المناهج الدراسية، وإعطاء دور أكبر لكليات القانون على حساب كليات الشريعة، وتشجيع الانفتاح الاجتماعي المرتبط بقضايا المرأة وصورتها، مع إجراءات أمنية قمعية متمثلة في الحملات الواسعة لسجن الدعاة والعلماء المحسوبين على الوهابية والإسلام السياسي عموما[10]، بالإضافة إلى السماح بإقامة الحفلات الغنائية، وإنشاء هيئة للترفيه تهدف للوصول إلى خمسين ألف فعالية فنية بحلول 2030، ومنح تراخيص إنشاء دور سينما لأول مرة، إضافة للسماح بتصوير الأفلام السينمائية على أراضي السعودية، وإنشاء أول (دار أوبرا) في مدينة جدة، وكذلك إقامة أول مهرجان لموسيقي الجاز[11].

بالطبع ستؤثر هذه التحولات التي يقودها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على علاقات الرياض مع حلفائها السلفيين وتزداد المسافة والهوة بين السعودية وربيباتها من الكيانات السلفية، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً، هو كيف ستؤثر هذه التحولات السعودية على الحركات والقوى السلفية نفسها (أيديولوجيتها، مؤسساتها، تفاعلاتها) فهل ستشهد هذه الحركات تحولات في نفس الإتجاه الذي سلكته الرياض أو ستشهد تحولات عكسية -أكثر يمينية- وكيف سيؤثر على نفوذ الرياض -عبر وكلائها- في المنطقة وما بدائل السعودية للقوى السلفية، هذا بالطبع بعد السؤال شديد الأهمية عن مستقبل شرعية الحكم في السعودية مع تخليها عن الشرعية الدينية التي بنت عليها هيمنتها على السلطة هناك.  



[1] محمد يسرى، "بين العلمية والجهادية والجامية:من هم السلفيون اليوم؟"، رصيف22، 16/11/2016، الرابط التالى: https://bit.ly/2s4HfjT

[2] أنس حسن، في نقد حزب النور! (1) البدايات، عربي 21، 3 يناير 2014، الرابط: https://bit.ly/2KQlKu5

[3] أنس حسن، في نقد حزب النور! (1) البدايات، عربي 21، 3 يناير 2014، الرابط: https://bit.ly/2KQlKu5  

[4] أحمد فتحي هنداوي، تنظيرات السلفية البرهامية والانفصام بين النظرية والتطبيق، مدونات الجزيرة، 30 أبريل 2018، الرابط: https://is.gd/iHeHkF

[5] المرجع السابق.

[6] أحمد فتحي هنداوي، السعودية وتصدير السلفية المخابراتية.. السلفية البرهامية نموذجًا، ساسة بوست، 20 مايو 2018، الرابط: https://is.gd/FI4aMw

[7] محمد الفقى،""النور" يحصل على دعم من الغريمين "السعودية وإيران"!"، مصر العربية، 21/6/2015، الرابط التالى: https://is.gd/5SCB9X

[8] سعيد على وأخرون، "مصادر: وفد سلفى فى السعودية لتمويل «النور»"، المصرى اليوم، 21/6/2015، الرابط التالى: https://bit.ly/2KSJvlo 

[9] بوابة الشرق الإلكترونية، "تقارير روسية كشفت تمويل الرياض معارضي مرسي والسلفيين"، 10/8/2017، الرابط التالى: https://bit.ly/2x7ox03

[10] بسام ناصر، "التدين السلفي إلى أين بعد تحول السعودية وفشل نماذج سلفية؟"، عربى21، 19/10/2017، الرابط التالى: https://is.gd/Fl6ux3

[11] عماد الدين حسين، " مغزى زيارة محمد بن سلمان للكنيسة المصرية"، dw، 8/3/2018، الرابط التالى: https://bit.ly/2knq2Ot  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

قمم السعودية الثلاث.. الفشل في الحشد ضد إيران

 قمم السعودية الثلاث.. الفشل في الحشد ضد إيران   بقلم: حازم عبد الرحمن   بع…