‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تصميم جديد للحياة الحزبية (2)
مصر - يونيو 12, 2018

تصميم جديد للحياة الحزبية (2)

 تصميم جديد للحياة الحزبية (2)

مقدمة

 بعد أيام من دعوة السيسي لدمج الأحزاب يشاء القدر لها أن تتفتت، ربما هذا التفتت هو المرحلة التى تسبق الشكل التحالفي والاندماجي الذي يشبع رغبات السيسي ولكن في ظل الاستجابة السريعة فقدت بعض الأحزاب رسميًا هويتها الليبرالية التى تشكلت من أجلها منذ سنوات طويلة كالوفد ولكن هذا غير مهم حيث أن كل شئ أصبح يصنع ، والأيديولوجيا أصبحت وليدة الموقف والحقبة.

المشهد الحزبي ومصائر الأحزاب الحالية

إذا ما قمنا بقراءة سريعة للأحزاب في مصر سنجد أن الوفد تمت عسكرته بانضمام المتحدث السابق باسم الجيش المصري مما دفع البعض من قياداته إلى الاستقاله، وبالنظر إلى حزب المصريين الأحرار وهذا أيضًا قد كان حزب مهم في المشهد فسنجد أن 51 عضوا استقالوا وذهبوا إلى مستقبل وطن مما صنع مشهدًا عبثيًا كتهديد رئيس المصريين الأحرار أعضائه بأن من يحضر الفطور المجمع في مستقبل وطن يعتبر مُقال. أما حزب النور فهو يظهر وقت اللزوم ووقت احتياج النظام له في كمخلب ضد الاخوان أو القوي السياسية التي تتجاوز خطوط حمراء معينة، ويعتبر حزب النور من أكثر الأحزاب الآمنة في مصر الآن فلا يتعرض إلى أى تهديدات ولا يمتلك النظام عليه أى تعليقات سلبية ووقتما يحتاجه سرعان ما يلبي النداء.

تعتبر اللحظة الراهنة للحياة الحزبية في مصر هى لحظة اللاشئ، ومن المتوقع أن المشهد القادم سيكون احترافي ودقيق من حيث خريطة التحالفات بعد ما يستقيل ويقال البعض، وبعد اعتزال البعض للمشهد سيتكون لدينا كتلتين، الأولى مؤيدة للنظام في شكل حزب وطنى جديد والثانية معارضة كرتونية تعارض النظام في المساحة التى حددها لهم وسمح لهم بها. ما يفرق هذا المشهد عن قبل 2011 هو عدم وجود جماعة الاخوان في الساحة.

 

جذور الضعف

من المؤكد أن الدافع وراء دعوة الدمج هى رؤية هذه الأحزاب الكثيرة غير مؤثرة، ولكن إذا ما بحثنا وراء عدم تأثير الأحزاب فمن المحتمل أن نجد السبب في السلطة الحاكمة التى تعمل على تحجيم البعض وتهميش البعض الأخر، ومحتمل أن نجد أن الضعف من قيادات الحزب وعادة ما يكون المشهد الحزبي مسيطر عليه من قبل حزب أن اثنان والباقي حسبما الوصف الدارج "كرتونية".[1]

تطورات المشهد

في الورقة السابقة كان الحديث عن تحويل إئتلاف دعم مصر صاحب الأغلبية في البرلمان إلى حزب سياسي يكون ظهير للرئيس، ولكن تطور الموقف وأصبح مستقبل وطن صاحب السيطرة ويستقبل الأعضاء من الأحزاب الأخري لينضموا إليه فجأة. ما يحدث لا يمكن تفسيره ببساطة حيث أنه من المتوقع أن تكون هناك أصابع تتحكم في المشهد لا يعلمها سوى من يجلس معهم في المطبخ.

ربما اختفت فكرة تحويل الإئتلاف إلى حزب بسبب العائق القانوني الذي يسبب إسقاط العضوية، بغض النظر عن اقتراحات تعديل الدستور التى كانت تخلق انطباعًا سيئًا عن السلطة التشريعية التى تفصل القوانين لتفعل ما تشاء. ولكن في النهاية اختفى دعم مصر وظهر مستقبل وطن الذي صار الفاعل الحزب الأساسي الذي يسيطر على الأغلبية في البرلمان مع تنقلات الأعضاء الأخيرة وذلك بالتعاون مع كتلة ائتلاف دعم مصر، وانطلاقًا ذلك فخطر سقوط عضوية أى نائب لم يعد خطر حيث إسقاط العضوية يتطلب موافقة ثلثي المجلس وهو أصبح يسيطر على الثلثين.

وهكذا يمكن القول أن هناك في محاولة لإعادة ترتيب مشهد الحياة السياسية في مصر.. حزبين أحدهما ذراع السلطة والآخر للمعارضة المروضة[2]. فقد صعد حزب (مستقبل وطن) ليصبح ذو الأغلبية البرلمانية بعدما كان في المرتبة الثانية بعد حزب المصريين الأحرار، وسط توقعات بأن يصبح هو الحزب الممثل لـ "السلطة"، وعلى الجانب الأخر يستعد "الوفد" ليمثل حزب المعارضة.

تؤكد هذه التغيرات التي شهدها حزب مستقبل وطن أن فكرة تحويل ائتلاف دعم مصر، ذو الأغلبية البرلمانية، لحزب سياسي يمثل السلطة باتت في طي النسيان؛ ولعل ذلك يرجع إلى الخلافات داخل الأحزاب المكونة للائتلاف ورفض بعضهم لتحوله إلى حزب سياسي، إضافة إلى القانون الذي يُقر إسقاط عضوية النائب حال تغيير صفته التي انُتخب على أساسها حيث ينص على أن (يُشترط لاستمرار عضوية أعضاء المجلس أن يبقوا محتفظين بالصفة التي انتخبوا على أساسها، فإذا فقد أحدهم هذه الصفة، أو غَيَّر العضو انتماءه الحزبي المنتخب عنه أو أصبح مستقلاً، أو صار المستقل حزبياً، تسقط عنه العضوية بقرار برلماني وبغالبية ثلثي أعضاء المجلس)، وهناك المادة 110 من الدستور التي تنص على أنه (لا يجوز إسقاط عضوية أحد الأعضاء إلا إذا فقد الثقة والاعتبار، أو فقد أحد شروط العضوية التي انتخب على أساسها، أو أخل بواجباتها، ويجب أن يصدر قرار إسقاط العضوية من مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء).

ومع تعثر تحويل "حزب دعم مصر" إلى حزب سياسي، اتجه العديد من النواب إلى الانضمام إلى حزب "مستقبل وطن"، مما يمكن معه القول بأن "مستقبل وطن" سيكون هو حزب السلطة بدلا من "دعم مصر"، فقد أصبح عدد النواب الذين انضموا إلى "مستقبل وطن" نحو 75 نائب، منهم علاء عابد، الذي كان يمثل الهيئة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار، وذلك بعد أن تقدم باستقالته للحزب وأصبح نائبا لرئيس حزب مستقبل وطن، ومنهم نواب عن حزب الوفد؛ ومع حركة التنقلات الجديدة بات حزب مستقبل وطن المسطير على الأغلبية البرلمانية.

يقود حزب الوفد تجربة مشابهة، فقد عقد الحزب اجتماع مع أكثر من 40 حزب داخل أروقة "بيت الأمة" على رأسهم أحزاب (النور، المؤتمر، التجمع، حماة الوطن، الغد)، توصلوا خلاله لقائهم رؤية جديدة بشأن الحياة الحزبية، وأن الاجتماع نجح في بلورة رؤية جديدة للحياة الحزبية في مصر، ليفتح الباب أمام ممارسة ديمقراطية حقيقية تساعد في النهوض بالدولة المصرية خلال الفترة المقبلة، وأن توصيات الاجتماع تمثلت في عقد اجتماع آخر للأحزاب من أجل تشكيل لجنة لإعداد وثيقة حزبية متكاملة، على أن تستعين بما تراه من خبراء وفنيين في هذا الشأن هذا، وتشكيل المجلس التنفيذي للتنسيق بين الأحزاب والحكومة.

موقع المخابرات في الخريطة "تعليمات أم قوى تنافسية"

ثمة علاقة تربط المخابرات بالأحزاب، ولكن ما هى العلاقة التى تربط هذا بذاك ؟ ففي الحقيقة أن المخابرات سواء الحربية والعامة تلعب دورًا في تجنب التهديدات الأمنية التى تأتي من أى جهة، ومن هنا نستطيع أن ندرك أن السياسة أصبحت مصدر قلق أمنى للنظام، فيرتبط تحقيق الأمن من منظور هؤلاء بعدم وجود من يعارضهم.

منذ أسبوع تم القبض على حازم عبدالعظيم الذي كان مسئولًا عن لجنة الشباب في حملة ترشح السيسي رئيسًا لمصر في مدته الأولى، ثم انقلب عليهم واعتذر لكل رفقاء الثورة، بمن فيهم الإخوان المسلمون، على دخوله في ركاب السيسي، "قبل اكتشاف حقيقة سياساته "، فكان عبدالعظيم تحدث من مدة عن كيفية صناعة البرلمان داخل أروقة الأجهزة الأمنية، إذ كان حاضرًا اجتماعًا ضم ضباطاً بأجهزة مختلفة وسياسيين لتشكيل قائمة "في حب مصر" التي حازت أغلبية مقاعد البرلمان لاحقًا[3]. وهنا يمكن الارتكاز على هذه المعلومات حيث أنه كان داخل النظام وقتذاك، ونستخلص معلومة الإشراف الأمنى على مآلات أنشطة الأحزاب.

المستقبل القريب للمشهد الحزبي

بعد مباركة السويدي رئيس إئتلاف دعم مصر انتقال العشرات من الأعضاء لمستقبل وطن يبدو أن الشكل النهائي للمشهد يقترب من ترأس ذلك الحزب للساحة حيث أن السويدي لا يستطيع الاعتراض على دعوة السيسي لدمج الأحزاب. ثم أعلن رئيس مستقبل وطن النائب أشرف رشاد انضمام جمعية "معاك من أجل مصر" لهم، ويجدر بالذكر أن هذه الجمعية تحت قيادة محمد هيبة أمين لجنة الشباب في الحزب الوطنى المنحل ويشغل منصب الأمين العام للحملة، وأحد الناجين من المسؤولية الجنائية عن موقعة "الجمل"، بوصفه متورطًا في حشد "البلطجية" للاعتداء على المتظاهرين السلميين إبان ثورة يناير.[4]

المشهد اقترب من الاكتمال، الحزب الوطنى يعود في ثوب جديد تحت اسم "مستقبل وطن" وهناك أحاديث عن تغيير الاسم إلى "مستقبل مصر" وقد ذلك الكيان الجديد مجلس أمانته تماشيًا مع الأعضاء الجدد والاستفاده بهم.[5]

خاتمة

يأتون بالمرض للناس ثم يعالجونهم ويقولون ها نحن قد عالجناهم، لا شك في أن حالة الفراغ السياسي من صُنع النظام، وحالة التفتت وعدم الاتحاد جاءت بعد موجات تخوين نبعت من اختلافات أيديولوجية استطاع النظام أن ينحي البعض منها جانبًا .

الآن النظام يريد صناعة حياة سياسية بالقوة، يصنع حزبًا حاكمًا ويصنع معارضة من داخل النظام، المشهد الحزبي في المستقبل القريب أشبه بالمشهد التنافسي في انتخابات الرئاسة الأخيرة التى توجه بعدها السيسي بالشكر لمنافسه موسي مصطفى موسي الذي وضعه هو بنفسه، ثم توجه بالشكر للناخبين الذين أرسلهم هو في أتوبيسات شركاتهم ومؤسسات الدولة المختلفة جبرًا.

الآن يستطيع النظام الحاكم بسيطرته على الجهاز الإعلامي و المكنة التشريعية والقبضة الأمنية أن يفعل ما يشاء ووقتما شاء.

 



[1] الأحزاب السياسية..  «دمج واستقالات» لتحقيق دعوة السيسي، 27مايو 2018، مصر العربية، الرابط :

[2] مصر العربية، الأحزاب السياسية.. «دمج واستقالات» لتحقيق دعوة السيسي، 27 مايو 2018، الرابط: https://bit.ly/2si4Uxd

[5] المرجع السابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…