‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الكرة والسياسة فى مصر
مصر - يونيو 25, 2018

الكرة والسياسة فى مصر

 الكرة والسياسة

 

أصبحت كرة القدم جزءا من الثقافة المشتركة لشعوب العالم و مكونا رئيسيا لظاهرة العولمة، كما أصبحت مكون مهم في الدراسات السياسية، فبعض الصراعات بين الدول تبدأ من داخل الملاعب، وكثير منا يتذكر التوتر فى العلاقات المصرية الجزائرية الذى تصاعد بعد أحداث مباراة كرة القدم بينهما عام 2009 فى تصفيات كأس العالم، والتى جرت بمدينة أم درمان بالسودان. فى حالة أخرى أدت مبارة كرة قدم – عام 1969- الى اندلاع حرب حقيقية بين هندوراس والسلفادور، عرفت بحرب كرة القدم. البعض أيضا استخدم سلاح المقاطعة لمسابقات رياضية لمعاقبة دول على سلوك سياسى معين، مثل معاقبة الدول الغربية للاتحاد السوفيتى بعد غزوه أفغانستان بمقاطعة دورة الألعاب الأوليمبية التى أقيمت بموسكو. كما أصبحت الرياضة أداة لبناء الثقة بين الشعوب وتعزيز التعاون بين الدول، كما باتت أحد المكونات الرئيسية لإستراتيجية القوة الناعمة للدولة، والأهم مما سبق أن الرياضة أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية لبناء الأمة، وتعزيز الانتماء الوطنى وخاصة فى أثناء المنافسات الدولية، حيث يلتف الجميع حول علم البلاد، وتصبح فانلة الفريق القومى هى الزى الوطني[1].

وتقوم النظم بتوظيف الاحداث الرياضية والانتصارات لصالحها كما أن تسعي لصرف اهتمام الرأي الي القضايا الكروية بعيداً عن السياسة، ولكن الاحباطات والهزائم الكروية مثل تلك التي حدث للمنتخبين المصري والسعودي في كأس السعودي تشكل احراجاً للنظم الحاكمة وتظهر فشلها في جميع المجالات خصوصاً في ظل وجود معارضة تسعي لفضح الفشل.

كانت إصابة اللاعب المصري الدولي نجم ليفربول محمد صلاح خلال مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا أمام ريال مدريد قد أحدثت بدورها موجة جدل واسعة في مصر والعالم العربي، وأثارت الكثير من النقاشات. وعلى حوافها استعرت خلافات ومشادات وصدامات كلامية بين مشجعي اللاعب وبعض الساخطين على اللاعب والناقمين على مسيرته الكروية. قد يبدو الحديث حتى الآن رياضياً صرف؛ لكن حجم الاهتمام الواسع الذي حاذه اللاعب، واشتراك مسئولين (سعوديين[2]، وإمارتيين، وإسرائيليين) في مهاجمة اللاعب والتندر بإصابته وإظهار البهجة مع وجود احتمالات بعدم لحاقه بكأس العالم في روسيا جراء إصابته؛ كلها مؤشرات تدفع باتجاه التساؤل عن الأسباب الحقيقية التي جعلته مسار الحديث على مدار أيام بين مجموعات واسعة في منطقتنا العربية، ودفعت شخصيات مهمة ونافذة للمشاركة في الجدل حول اللاعب وإظهار السخط والرفض لهذا النموذج والفرح والابتهاج بما أصابه.

 

المجتمع العربي والكرة:

يبدو الاهتمام العربي بالكرة والتشجيع واحتفاء الشارع بنجوم اللاعبين والفرق الكبيرة والقوية مبالغاً فيه لو اعتبرنا أن هذه الظاهرة كروية خالصة ولا تتعدى حدود ذلك للسياسة والاجتماع والإقتصاد، لكن الاهتمام الواسع بالرياضة في مجتمعاتنا هو في صميم اهتمام هذه المجتمعات بالشأن العام، فقد بات التشجيع مساحة متنفس تعبر فيه المجتمعات العربية عن ذواتها ومواقفها بعيداً عن رقابة السلطة وسطوتها واستبداديتها؛ وباتت مساحة تمارس فيه التجمعات دون تجريم أو قمع، كما باتت مساحة يعيش فيها أجواء الانتصار في وقت باتت فيه الانكسارات هي الثمة الغالبة، وأصبح نجوم الكرة يشغلون مساحة البطل في نفوس مشجعيه بعد عجز الساسة ورموز الشأن العام عن ملأ هذه المساحات وتأدية مهامها بجدارة واقتدار، خاصة مع أفول الموجات الثورية –الربيع العربي- وتكشفها عن واقع أشد سواء عن سابقه. بتعبير آخر، باتت كرة القدم تقدم لمجتمعاتنا حياة كاملة لكنها مثالية ومختارة بعناية شديدة.

في مصر على سبيل المثال، ينظر المصريون إلى أنفسهم، كمهدٍ للدنيا، فالتاريخ في المخيال الشعبي المصري يحوي الكثير من المفاخر. لكن الواقع الاجتماعي المصري الآن مرير عاجز. لا مكان فيه لأي أمل. كل الجهود تبذل من أجل توفير الحاجيات الأساسية فقط. وكل تفوق يُقتل في مهده. وسيرة "أم الدنيا" أصبحت مقترنة بأخبار غرائبية. وبلاد النيل، في طريقها لخسارة النيل. الشوارع مغلقة والأفق مظلم. وفي هذا كله يلمع "صلاح" وكرة القدم كنقطة نور أخيرة في عتمة محيطة، ولأن العتمة محيطة، فنقطة النور تلك تتحول إلى طاقة مهولة[3].

وتتعدد التفسيرات العلمية لما يمكن تسميته (الهوس بكرة القدم) على الصعيد العالمي كله، من هذه التفسيرات ما يهتم بـ البعد الاجتماعي في التفسير؛ فيرد هذه الهوس إلى قدرة التشجيع في كرة القدم على التخفيف من ثقل حالة اللايقين التي باتت تعيشه مجتمعاتنا؛ فإن القواعد في عالم الكرة واضحة، فأنت تعرف ما يعنيه تسجيل الهدف والطرد من الملعب والفوز أو الخسارة. فأنواع الرياضة تقلل من الغموض المؤلم للحياة وتمنحنا وضوحا وجوديا، كما أنها تحارب النمطية القاتلة التي تصبغ الحياة، وتمثل مصدرا هائلا للدراما والإثارة اللتين لا تنتهيان[4].

كما أن التشجيع من جهة أخرى يشبع بحث الإنسان عن معنى لحياته يتمركز حوله، فإذا أعياه البحث استعاض عن المعنى بالبحث عن إتنماء يحقق فيه وجوده الاجتماعي، وهو ما تمنحه كرة القدم لمشجعيها، فمفهوم التشجيع بالنسبة لمعظم المشجعين لا يدور أساسا حول الفوز، أو بصورة خاصة حول لعبة كرة القدم بذاتها، إنما يدور، بدلا من ذلك، حول المجتمع، أو بكلمات أخرى: حول الانتماء إلى جماعة. خاصة إذا كان المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد ضعيفا أو غير فعّال، أو غير موجود أساسا؟ يبدو أنه سيبحث حينها عن مجتمع/هواية لإشباع هذا الفراغ في مساحات الانتماء، لتحقيق احتياجاته الاجتماعية، "ويتوفر بها الوجود والفعالية والقوة". لذا فإنه سيختار على الأغلب ناديا اجتماعيا ذا شعبية وتاريخ يعوّضان غياب المجتمع الذي يفتقده، أو ناديا حديثا له من القوة والسيطرة ما يحقق له الفعالية التي تمنّى أن تكون. وربما تثبت أحداث ريو دي جانيرو، أثناء تنظيم البرازيل لكأس العالم 2014، ذلك الأمر، إذ كانت الجماهير المتظاهرة صباحا ضد حكوماتهم (بسبب تنظيم بلادهم لكأس العالم وإنفاق المبالغ الطائلة في ذلك) تتوافد بكثرة إلى المدرجات لمشاهدة منتخب "السامبا" البرازيلي في المساء[5].

وهناك تفسيرات ذات طبيعة نفسية (سيكولوجية) لهذا الهوس؛ حيث يقول الأنثروبولوجي الأميركي "إرنست بيكر" أن الإنسان مدفوع طوال حياته بالخوف من الموت، وليستطيع التغلّب على ذلك الخوف فإن عليه أن يُدرج نفسه داخل نظام البطولة، ثم يشرح "بيكر" نظم اصطناع البطولة فيقسمها إلى ثلاثة أقسام: أولها البطولة الدينية (Religious Heroism) في عصر الحداثة الغربية تراجعت وانحسر دور الدين، وقلّ عدد المصدّقين به، وبالتالي خرج طلب البطولة عن نطاقه إلى نطاقات أخرى. ثانياً: البطولة الفردية (Personal Heroism)، وهو انفراد الإنسان بالإنجاز والبطولة والانتماء إلى ذاته بوصفه شخصا عصاميا لا يعتمد على أحد، وهو ما ينتهي عادة بالفشل لخروجه عن دائرة المجتمع، بالإضافة إلى افتقاد العديد من البشر لتلك المواهب التي قد تؤهلهم ليكونوا خارقين. الثالث والأخير: (cultural Heroism) أو الإطار الثقافي للبطولة. ذلك النوع من البطولة يعرّفه "بيكر" على أنه الدور الذي يعطيه المجتمع دور البطولة ويخلع عليه قيمتها، فلا يلعب الفرد هنا دور البطل الاستثنائي، وإنما يلعب دور الفرد الثانوي داخل المجموع المنجذب بصورة بطولية، وهو ما أطلق عليه "بيكر" لقب "آلة إنتاج البطولة" أو (Heroic Machine). من هنا (ربما) تنطلق الصناعة المجتمعية لنجوم الرياضة والفن لأغراض مختلفة تتمثل في الإلهاء تارة، أو في تعويض الفراغ البطولي للأمة الفقيرة في جوانب أخرى متعددة[6].

نجد الفكرة  ذاتها أيضاً عن التحول في مفهوم البطولة في مجتمعاتنا الحديثة، والقيمة الاجتماعية التي ترتبط بها، عند "زيجمونت باومان" حول الشهيد والبطل، وتحوّل قيمة البطولة من الشهيد الذي يفنى في مقابل فكرته، إلى البطل الذي يدافع عن قيمة ما يلتف حولها المجتمع وتُوهب له في سبيلها النياشين[7]. ولا يجب أن ننسى أن كرة القدم والتشجيع يمد الإنسان بزخات الأدرينالين التي تنتزع الفرد من ثقل الروتين ووطأة العادة[8].

وبالتالي، وفق هذه التفسيرات ، يمكن الوقوف على عدد من الدوافع الذاتية والسياقات الاجتماعية والسياسية التي تخلق كل هذا الشغف بـ (الساحرة المستديرة) في بلادنا، وهي دوافع وسياقات ليست خاصة بالتشجيع كنشاط رياضي خالص، إنما هي تعبير غير مباشر عن هموم وإكراهات تثقل كاهل الفرد وتضيق مساحات السياسة والاجتماع عن استيعابها.

نظرية المؤامرة ودخول (السعودية، الإمارات، إسرائيل) على الخط:

كان لنظرية المؤامرة وجاذبيتها حضور كبير في سياق الجدل المستعر إبان إصابة صلاح خلال مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا أمام ريال مدريد، وقد اكسب حضورها مشروعية حالة الانتشاء البادية على مسئولين عرب وإسرائيليين بإصابة اللاعب، وهو ما بدا مستغرباً وغير مبرر، وفتح المجال للتفسيرات المؤامراتية للإصابة من جهة، ولهذه السعادة غير المبررة بها من جهة أخرى. بالطبع كرة القدم جزء من الحياة مثلها مثل غيرها وليست مستثناة من هذه القاعدة، وتشهد مؤامرات وصراعات أبعد ما تكون عن روح الرياضة والتنافس الحر الشريف.

في سنة 1998، جرى التلاعب بقرعة كأس العالم بما يجعل حامل اللقب (البرازيل) على رأس المجموعة الأولى، ويضم الدولة المضيفة (فرنسا) للمجموعة الثالثة، حتى إذا تصدر المنتخبان مجموعتيهما -كما هو متوقع- بات من المستحيل أن يلتقيا قبل النهائي، بعد اكتشاف التلاعب اعترف "بلاتيني" وهو أحد رؤساء اللجنة المنظمة للبطولة بما حدث، وفي حواره مع (France Bleu) صرح قائلاً (هل تظنون أن هناك دولة مضيفة واحدة لم تفعل المثل). اللافت أن الأمر ليس متعلقًا بحقبة بلاتيني فحسب، بل أن ما سبق هو نفس ما وقع في مونديال 1966 ويورو 1996، عندما تم تصميم القرعة ليلعب الإنجليز كل مبارياتهم على ملعب ويمبلي الأكبر سعة بدوره، على أن الملعب لم يكن الأزمة الوحيدة في مونديال 1966 الذي فازت به إنجلترا، بل هناك فضائح تحكيمية مدوية على طول البطولة وعرضها لم تكتف بضمان تأهل الإنجليز بل تخطت ذلك إلى إبعاد متعمد للبرازيل -أبرز المرشحين- عن المنافسة، وقبل ذلك هناك مونديال 1978، ومباراة بيرو والأرجنتين المشبوهة التي ضمنت تأهل الأخيرة، بل حتى في 1990 عندما وصلت الأرجنتين إلى النهائي على حساب البرازيل كان ذلك بمساعدة زجاجة مياه مخدرة مُنحت لمدافع السيلساو برانكو، واعترف بها مارادونا نفسه لاحقًا[9].

المؤامرت التي تحاك في أروقة اللعبة لم تنحصر في منظميها، بل ثمة تدخلات سياسية رفيعة المستوى للتلاعب باللعبة ونتائجها. نظمت الأوروغواي أولى نسخ المونديال وفازت بها، كان ذلك على حساب رغبة ايطاليا في ظل حكم موسيليني، الفاشي الإيطالي الذي اعتبر الأمر صفعة على وجهه وقرر الانسحاب من المشاركة، عادت ايطاليا وطالبت بتنظيم البطولة في نسختها التالية، وقد نجحت في استضافتها، ولرغبة موسيليني في الفوز بالبطولة –وقد نجح في الفوز بها- حكام تم رشوتهم، وحكام تم تهديدهم، وحكام اجتمعوا مع الرجل على العشاء ليلة المباراة، أبرزهم كان "إيفان إيكليند" السويدي الذي أدار مباراتي نصف النهائي والنهائي، وصنع هدف إيطاليا الوحيد أمام النمسا، عندما اعترض كرة عرضية للنمسا برأسه "عن طريق الخطأ" ليضع "غايتا" اللاعب الايطالي في مواجهة المرمى، ولم يتوقف الأمر هنا بل تم دفع حارس النمسا بشكل فج حتى يُحرم من أي فرصة ممكنة للتصدي للكرة. حتى هتلر بعد اجتياحه النمسا، قام بتجنيس نجومها الذين هزموا فريقه بنتائج ثقيلة سابقًا. ويذكر أن "ماتياس سيندلر"، الذي اُختير كأفضل رياضي نمساوي في القرن العشرين، كان قد تم اغتياله على يد قوات الغشتابو وهو في السادسة والثلاثين من عمره، بعد أن رفض الانضمام للمانشافت وفقًا لتعليمات النازي، بل واحتفل بهدفيه في مرمى الألمان بالرقص في الملعب أمام ضباط الرايخ الحاضرين[10]. لكن يجب أن نؤكد في النهاية أن نظرية المؤامرة تبقى في إطارها النظري فقط ما دام لم يكن هناك حقائق تدعمها.

لكن استبعاد نظرية المؤامرة وعدم اللجوء إليها في تفسير هذا الانتشاء غير المفهوم لا يعني بقاء المسألة دون تفسير ودون فهم؛ بل يمكن تفسيره أيضاً عبر مقاربات اجتماعية وسياسية؛ المقاربة الأولى (الاجتماعية): يعتبر محمد صلاح ابن للطبقة الفقيرة في المجتمع المصري ومع احترافه في النادي الانجليزي العريق صعد اجتماعياً إلى مصاف الفئات الأكثر ثراء، لكن مع ذلك ظل مخلصاً لقيم طبقته الأصلية، وتعاملت معه الطبقة المتوسطة والفقيرة في مصر باعتباره معبراً عنهم وعن قيمهم وهمومهم وتطلعاتهم لمستقبل أفضل، هذا الانتماء والتقدير المتبادل بين اللاعب والطبقات الفقيرة والمتوسطة في مصر، اعتبرته الطبقة الأكثر ثراء أنه تجاهلاً لهم ولامتلاكهم وسيطرتهم المعتادة على أدوار البطولة والنجومية والأضواء، واعتداء على قيم وتقاليد راسخة؛ فاللاعب بات من الناحية التقنية في مصاف الأثرياء ومن الناحية الواقعية ظل معبراً عن الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وهو ما تلقاه أصحاب النفوذ بشئ من الرفض والنفور؛ هذا المدخل يفسر حالة الرفض التي يعرب عنها عدد من المسئولين تجاه اللاعب، وهو رفض دوافعه اجتماعية وطبقية وليست وليدة موقف سياسي بالضرورة كما يظهر. المقاربة الثانية (سياسية) يظهر اللاعب تمسكاً بقيم الدين واخلاقياته ويبدي اعتزازاً بقيمة الأسرة والانضباط الاخلاقي في المجتمع، هذا النموذج من التدين، وقدرته على جذب شرائح وفئات واسعة من المجتمع خاصة الشباب، مدفوعين بحبهم للاعب وتقديرهم له، مرفوض من نخب الحكم العربية الحالية (محور الاعتدال: مصر، السعودية، الإمارات)، التي باتت تحارب وبكل وضوح وضراوة هذا النمط من التدين من جهة، وتقود عملية إحلال أنماط تدين أكثر حداثة وأكثر ارتباطاً بقيم الرأسمالية (التنافس غير الاخلاقي، الاستهلاك، التملك.. )، وتقود عملية استئصال واسعة بحق حركات الإسلام السياسي، وهي الحركات التي تدعم التدين بجميع اشكاله، وبالتالي نظرت هذه النظم للاعب باعتباره امتداد للحركات الاسلامية وقناة هامة تساعد في ضخ دماء جديدة في التدين . وهو ما يسلط الضوء على تفسير آخر للعداء الذي يظهره مسئولين عرب وإسرائيليين للاعب محمد صلاح.    

صلاح والإسلاموفوبيا:

الجدل الذي أثاره اللاعب الدولي في مصر والعالم العربي، سلط الضوء على حالة الكبت التي تعيشها المجتمعات العربية والمجتمع المصري، وبحثهم المستمر عن متنفس، عن مساحة حرة للتفكير والحركة والحلم بعيد عن سطوة الدولة وتسلط الأجهزة الأمنية، مساحة تعبر فيها عن ذواتها الحقيقية بعيداً عن (الذات المتخيلة) التي تحاول باستمرار أجهزة الدولة الايديولوجية (التعليم والإعلام) فرضها قهراً وتعميمها على كل المجتمع دون نظر لتبايناته وتعدد تكويناته، مساحة تخلق فيها الرمز والايقونة بعد فشل الربيع العربي في إنتاج أيقونات ذات مصداقية وحضور، رموز وأيقونات تمثل فقراء المجتمع وطبقته المتوسطة، وليست ايقونات مفروضة من الفئات المتنفذة الأكثر ثراء. تعاملت الطبقة البرجوازية  بشئ من الحساسية بل والاستياء من تلبية اللاعب المصري محمد صلاح احلام وتطلعات الأغلبية في المجتمع، ورأت فيها افتئات على دورها التقليدي في انتاج الرموز وانتاج القيم والرؤى المعبرة عن هذه المجموعات المسيطرة على السلطة في المجتمعات العربية –وفي غيره من المجتمعات أيضا- خاصة أن اللاعب ظل متمسكاً بقيم الطبقات الفقيرة والمتوسطة ولم يسعى لكسب رضا وهوية برجوازية تتناسب مع وضعه الجديد، هذه السياقات هي التي تولد عنها هذا الرفض للاعب لدى مسئولين عرب، خاصة أن اللاعب من جهة أخرى يسوق أنماط من التدين ترفضها نخب الحكم العربية الراهنة، وتتعامل معها باعتبارها قنوات لتغذية جماعات الإسلام السياسي التي تناصبها نظم الحكم في دول (مصر، السعودية، الإمارات) العداء.

أما في السياق الأوروبي؛ فقد أصبح اللاعب المصرى محمد صلاح يمثل نموذجا للمسلم المعتدل و المسالم الذى يعيش فى أوروبا، وهو بالتالى نموذج تتمنى الدول الأوروبية أن ينتشر بين مواطنيها من الشباب المسلم، والذى بدأ بعضه ينجذب الى أفكار تيارات العنف و التطرف باسم الدين[11]. وهو من جهة أخرى قلص من مصداقية خطاب الإسلاموفوبيا، والخطابات الشعبوية المنددة بالمهاجرين واللاجئين والداعية إلى أوروبا خالية من الأجانب، والمعتمدة على آليات تعبوية في تحقيق اجتذاب الجماهير حتى لو على حساب استقرار المجتمعات الأوروبية. 

 



[1] محمد كمال، قدم صلاح والسياسة الدولية، الأهرام، 3 يونيو 2018، الرابط: https://bit.ly/2M4NJaN

[2] قناة العالم، آل الشيخ يغضب المصريين بـ "تغريدة" حول محمد صلاح، 25 مارس 2018، الرابط: https://bit.ly/2LDOI0w

[3] أحمد مجدي رجب، محمد صلاح.. انتصارات المهزومين!، ميدان، 16 يناير 2018، الرابط: https://bit.ly/2Edp92F

[4] طه محمد، كتب كرة القدم..هل تحتاج الرياضة للأدب؟، 14 مايو 2018، الرابط: https://bit.ly/2JkwX9K

[5] سامح عودة، هروب من الواقع.. لهذه الأسباب يشجع الناس كرة القدم، ميدان، 15 مايو 2018، الرابط: https://bit.ly/2Ks7B5X

[6] طه محمد، كتب كرة القدم..هل تحتاج الرياضة للأدب؟، 14 مايو 2018، الرابط: https://bit.ly/2JkwX9K

[7] سامح عودة، هروب من الواقع.. لهذه الأسباب يشجع الناس كرة القدم، مرجع سابق.

[8] طه محمد، كتب كرة القدم..هل تحتاج الرياضة للأدب؟، 14 مايو 2018، الرابط: https://bit.ly/2JkwX9K

[9] لؤي فوزي، تاريخ من المؤامرات.. كيف يتم التلاعب بنتائج المستديرة؟، ميدان، 20 مايو 2018، الرابط: https://bit.ly/2Js6bZ2

[10] لؤي فوزي، تاريخ من المؤامرات.. كيف يتم التلاعب بنتائج المستديرة؟، ميدان، مرجع سابق.

[11] محمد كمال، قدم صلاح والسياسة الدولية، الأهرام، مرجع سابق.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الدعوة لحراك 20 سبتمبر 2020 ..تقدير موقف

تتصاعد يوما بعد الاخر مظاهر الغضب الشعبي بمصر، على كافة الأصعدة والمستويات، سواء بين الجما…