‫الرئيسية‬ العالم العربي تهميش سنة العراق وسوريا .. ما بين الانتحابات والحرب على “الإرهاب”
العالم العربي - يوليو 17, 2018

تهميش سنة العراق وسوريا .. ما بين الانتحابات والحرب على “الإرهاب”

 تهميش سنة العراق وسوريا .. ما بين الانتحابات والحرب على "الإرهاب"

 

سنة سوريا والعراق في خطر .. هذه هي الخلاصة التي يمكن أن يخرج بها غالبية المراقبين للمشهد في البلدين عقب انتخابات العراق الاخيرة، 12 مايو 2018 لاختيار برلمان جديد، والتي غاب فيها التأثير السني كالمعتاد منذ الغزو الامريكي للعراق، واجتياح قوات الاسد "النصيرية" المدعومة من قوات إيران الشيعية والروس لأخر معاقل المقاتلين السنة وأهمها، وهي مدينة "درعا" التي انطلق منها الربيع العربي السوري.

 

وكذلك بتصدّر تحالف "سائرون" بزعامة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر نتائج الانتخابات التشريعية العراقية، وحلول ائتلاف رئيس الوزراء حيدر العبادي ثالثا، بحسب نتائج نهائية رسمية أعلنتها مفوضية الانتخابات، استمر تهميش سنة العراق، وبدخول الجيش السوري إلى ريف درعا آخر معاقل المعارضة السنية، تطوى آخر صفحات الملحمة الدموية التي دامت 7 سنوات للمقاومة السنية في سوريا وسعيها لتسطير نظام جديد غير طائفي.

سقوط درعا يعني ضمنا نهاية للثورة السورية، كقوة مستقلة، فكل المناطق التي لا تخضع للأسد، إما تخضع لسيطرة قوى أجنبية تدعم المعارضة أو تضم مقاتلين من غير العرب السنة، ولذلك هذه المعركة ستُختتم بنهاية الثورية السنية التي كادت أن تنتصر في 2013 لولا التدخلات الدولية لنصرة الاسد وشيعته.

واستمرار تهميش سنة العراق وتراجع مقاعدهم في البرلمان والسلطة العراقية لصالح الشيعة والاكراد وباقي الطوائف، يسدل الستار إلى حقبة طويلة من انفراد السنة بالمناصب الكبرى في العراق، وتحولهم لقوة سياسية هامة.

وصار السنة نتيجة سيطرة داعش على مدنهم وما تلاها من أزمات، غير قادرين على النظر إلى حقوقهم، فلم يعودوا متمكنين حتى من إبداء رأيهم في كثير من القضايا، ليس لأنّهم لا يريدون ذلك، بل لأن تشتتهم يمنعهم عنه.

هدفان للغرب

مراقبون كثر يرجعون تهميش سنة العراق وسوريا إلي عوامل داخلية تتعلق بالحرب على ما يسمي "الارهاب" وتصنيف قسم كبير من سنة العراق على انهم ارهابيون لمجرد أنهم سنة ويسكنون المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة السني (داعش).

فتحت ذريعة هذه الحرب على الارهاب، سحقت الأقلية في سوريا الأكثرية السنية المسلمة وشردتها داخلياً وخارجياً ودمرت مناطقها، وكبار الطائفيين في سوريا يقولون الآن أنهم لن يقبلوا بالمسلمين السنة في مناطقهم.

وتحت نفس الذريعة تم تصفية وقتل العديد من سنة العراق في المدن التي تم خروج داعش منها مثل الموصل وغيرها.

بيد أنه بالنسبة للمخططين في الغرب هناك هدفان استراتيجيان بمنطقتنا العربية يبدو انهما يلعبان دورا حيويا في هذا التهميش هما:

1-  ضمان انقسام المسلمين، سواء عبر المتطرفين الشيعة والسنّة، لأن هذا يحقق مصالحهم بضرب الطرفين بعضهم البعض، وتؤدي إيران هذه المهمة بترويجها التطرف والتطرف المضاد، ويدعمها الميليشيات الشيعية التي ارتكبت جرائم في المدن العراقية والسورية التي تم اخلاء داعش منها، بدعاوي ان سكانها "دواعش".

2-  حماية إسرائيل، وهذه المهمة مسندة إلى نظام الأسد وداعميه من "تحالف الأقليات"، لهذا لم يكن مستغربا أن تدعم تل ابيب سيطرة الاسد علي مدن سورية وترحب بذلك وتقول إنه رجلها في سوريا.

وضمن هذه التسويات الغربية يأتي لقاء ترامب وبوتين المرتقب، لتنسيق المواقف في سوريا، وضمنها جرت تسويات ايرانية امريكية في العراق وتحالف بين قوي الطرفين لإخراج داعش من المدن العراقية.

دلائل تهميش سنة العراق

كانت الانتخابات التي جرت في العراق يوم 12 مايو الماضي 2018، مؤشر جديد على تهميش السنة، فالانتخابات التي شارك فيها 86 ائتلافا وقائمة، وصوت فيها 44.5% من الناخبين، وهي أدنى نسبة مشاركة منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، انتهت بفوز ثلاثة تحالفات شيعية بالمراكز الاولي وحل تحالف "سائرون" الذي يجمع بين التيار الصدري والحزب الشيوعي وتكنوقراط مدنيين؛ في المرتبة الأولى بـ 54 مقعدا من أصل 329.

وكانت اغلب الائتلافات المشاركة هي ائتلافات شيعية والقليل منها ضم اعداد من السنة والتيارات الأخرى، مثل ائتلاف "النصر" لرئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العبادي، وائتلاف "الفتح": يرأسه هادي العامري زعيم منظمة بدر وأحد أبرز قادة قوات الحشد الشعبي الشيعية التي لعبت دورا رئيسيا في قمع سنة العراق، و"ائتلاف دولة القانون" برئاسة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وكلها تحالفات شيعية.

بجانب تحالف "سائرون نحو الإصلاح" بين رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر والشيوعيين، والذي يجمع ست كتل أغلبيتها علمانية، بينها الحزب الشيوعي والعدالة، إضافة لحزب "الاستقامة"، وهو ممثل رئيسي للتيار الصدري الذي تمثله كتلة الأحرار (33 نائبا) في البرلمان الحالي.

وخاضت الأحزاب السنية الانتخابات من خلال قوائم متعددة، أبرزها "ائتلاف الوطنية" بزعامة الشيعي إياد علاوي نائب رئيس الجمهورية الذي يقدم نفسه باعتباره علمانيا، ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري، وكالعادة كان السنة الخاسر الأكبر في الانتخابات الاخيرة بسبب سيطرة تنظيم الدولة على مناطقهم خلال الأعوام الماضية، واتهامهم بأنهم دواعش.

وقد أعلنت المفوضية العليا للانتخابات العراقية نتائج الانتخابات البرلمانية، حيث حل "تحالف سائرون" الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر أولا بـ 54 مقعدا من أصل 329، وجاء "تحالف الفتح" الشيعي بزعامة هادي العامري ثانيا، و"ائتلاف النصر" بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي ثالثا.

وعلى الرغم من مقاطعة المكون السني الكبيرة للانتخابات ولاسيما في بغداد، إضافة لاتهامات الـ "تلاعب والتزوير" التي رافقت العملية، إلا أنها أظهرت تقدما بأربعة مقاعد عن عدد مقاعدهم في الدورة السابقة، وفقا لإحصاءات رسمية.

أيضا أظهرت النتائج حصول السنة على 71 مقعدا من أصل 329 في مختلف القوائم التي كانوا مرشحين عنها وهي: "النصر، الوطنية، القرار، تحالف بغداد، نينوى هويتنا، ائتلاف الجماهير، صلاح الدين هويتنا، ديالى التحدي، بيارق الخير، تمدن، وعابرون.

وبالمقابل، حصدت القوائم الشيعية مجتمعة على 177 مقعد ضمنها مقعدين للحزب الشيوعي العراقي، وهي "سائرون، النصر، الفتح، دولة القانون، الحكمة، إرادة، كفاءات، الحزب المدني، رجال العراق.

أما تحالف القوى الكردية، فقد حصل على 58 مقعدا توزعت بين الأحزاب التالية: "الديمقراطي، الوطني، الاتحاد الإسلامي، والجماعة الإسلامية، التغيير، الحراك الجديد، والتحالف من أجل الديمقراطية".

 في حين حصل المكون التركماني على ثلاثة مقاعد في محافظة كركوك، إضافة لمقعد واحد في محافظة صلاح الدين رشح ضمن قائمة "الفتح" المدعومة من الحشد الشعبي بقيادة هادي العامري.

وحصلت الأقليات على 9 مقاعد ضمن نظام الحصص، فنال المكون المسيحي خمسة مقاعد، وكل من المكونات التالية: الشبكي، والإيزيدي والصابئي، والفيلي على مقعد واحد.

وعقب كل انتخابات تشريعية تدخل الكتل الفائزة في مفاوضات طويلة لتشكيل حكومة غالبية، وليس بعيدا أن تخسر الكتلة الأولى الفائزة في الانتخابات التشريعية قدرتها على تشكيل الحكومة بفعل تحالفات بين الكتل البرلمانية (الكتلة الأكبر تحتاج إلى 165 مقعدا من إجمالي مقاعد البرلمان البالغة 329).

لكن يبدو أن المفاوضات الجديدة ستكون معقدة، وسط التوتر الراهن بين واشنطن وطهران بفعل الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني.

ولا يمكن للصدر أن يتولى رئاسة الوزراء لأنه لم يرشح نفسه في الانتخابات، لكن فوز كتلته يضعه في موقع يتيح له اختيار من سيتولى المنصب، والصدر خصم قديم للولايات المتحدة وطالما عارض أيضا النفوذ الإيراني في العراق.

تفتت السنة مشكلة

ربما لهذا تسعى جهات سنيّة إلى تأسيس زعامة دينيّة موحّدة لسنّة العراق، تمهيداً لقيام السنّة بدور أقوى مستقبلا، منهم الداعية السني أحمد الكبيسي الذي عاد للعراق، قبل الانتخابات بعد قطيعة طالت أكثر من عقد، ودعا إلى تأسيس مرجعيّة دينيّة موحّدة لسنّة العراق، على نظير ما يتمتّع به الشيعة ومعظم الأقليّات، لا سيّما أنّ لديهم زعامة دينيّة موحّدة تجمع صفوفهم ليس دينيّاً فقط، بل سياسيّاً في بعض الأحوال.

وقال أحمد الكبيسي في الأوّل من فبراير في بغداد بحضور رئيس ديوان الوقف السنيّ الشيخ عبد اللطيف الهميم: "إنّ الأكراد لديهم مرجعيّة، والشيعة، والتركمان، واليهود، والنصارى، والإيزيديّون كذلك لديهم مرجعيّة"، ثمّ انتقد عدم وجود زعيم لدى سنّة العراق، واقترح تنصيب "عبد اللطيف الهميم" مرجعاً عامّاً لسنّة العراق.

ولكن الأحزاب والشخصيّات السياسيّة السنيّة اعتبرت أنّ دعوة الكبيسي لتنصيب عبد اللطيف الهميم مرجعاً لسنّة العراق هي محاولة سياسيّة لدعم أحزاب سنيّة مرتبطة بالهميم مقابل منافسيها، ومدعومة إماراتيا وسعوديا.

ولفتت إلى أنّ الهدف من زيارة الكبيسي هو "قطع الطريق أمام الإخوان المسلمين والأحزاب السنية الإخوانية"، في إشارة إلى الحزب الإسلامي، الذي كان له دور قيادي في المشاركة السنية بعد عام 2003 حتّى الآن، وتولّت قياداته مناصب سياديّة، منها رئيس مجلس النوّاب سليم الجبّوري.

وأعلن الحزب الإسلاميّ وقت سابق رفضه تعيين "الهميم" رئيساً لديوان الوقف السنيّ، لكنّ رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي أصرّ على تعيينه، رغم أنّ رئيس الوقف يجب أن يرشّح من قبل المجمع الفقهيّ حسب القانون.

ويحظى الكبيسي بشعبيّة دينيّة واجتماعيّة واسعة بين سنّة العراق، وليست لديه سمعة سيّئة لدى الشيعة أيضاً بسبب مواقفه المناهضة للطائفيّة. وإنّ الشخصيّات الدينيّة السنيّة في العراق بمعظمها تخرّجت على يديه أو هي ممّن تخرّجت على يد تلامذته. ويقيم الكبيسي في الإمارات منذ تسعينيّات القرن الماضي، ويحظى بدعم إماراتيّ واسع. كما شغل منصب مستشار في ديوان حاكم دبي ومقرّر للجنة صياغة قانون الأحوال الشخصيّة في الإمارات.

دلائل تهميش سنة سوريا

جاءت انتصارات الاسد الاخيرة بدعم وضح من موسكو وطهران وعشرات الميليشيات الشيعية القادمة من دول أسيوية وافريقية، لتعيد سنة سوريا الي المربع صفر الذي حضرهم فيه نظام الاسد (الاب والابن).

وزاد المعارك الاخيرة خطورة على المستقبل السياسي أن الاسد وانصاره باتوا أكثر عداء للسنة لحد رفض عودة المهجرين منهم الي مدنهم وقراهم، بالتزامن مع توطين ميليشيات وعائلات شيعية وايرانية في سوريا لتغيير التركيبة السكانية.

وأثرت طبيعة المنتصر (قوات الاسد) على مسار المفاوضات السلمية والخطط الدولية المطروحة لوضع دستور جديد أو تقليص صلاحيات الاسد في مواجهة مطالب المعارضة السنية التي باتت أضعف سياسيا بعد ضعفها العسكري وهزائمها.

وزاد الوضع بؤسا ادراك المعارضة السنية من تطورات الاحداث الاخيرة أن الأمريكان والأوربيين غير جادين بإسقاط الأسد وخاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي وموقف الدول الأوربية من داعش في سوريا والعراق وخشية تركيا من تدفق ال3 مليون نازح جديد من حلب إلى أراضيها في حال توجه الجيش السوري إلى هناك.

وهو ما سيجعل المكون السني أمام خيارين أحلاهما مر: (الاول) قبول التسوية على دماء ملايين مئات الآلاف من الشهداء وهو ما قد يتسبب في خلق جو مهيأ لصراعات سنية-سنية، وإطالة أمد الصراع بعد تغيير وجهته من صراع طائفي مذهبي إلى صراع مذهبي داخلي نتيجة رفض قسم وقبول قسم أخر للمبادرة

و(الخيار الثاني) رفض التسوية والبقاء في دائرة القتال حتى أجل غير مسمى، وفي هذه الأثناء من الممكن أن تكون المبادرة السلمية قد وصلت إلى مفاصلها الأخيرة والقسم الأكبر من المكون السني لا يزال يقف عكس التيار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اغتيال العالم النووي الإيراني “محسن زادة” – الرسائل والتداعيات وسيناريوهات المستقبل

وفق مساعي ترامب لعرقلة فترة بايدن الرئاسية المقبلة، وافتعال الأزمات مع إيران، فقد لجأ عبر …