‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر «دماء رابعة».. مخاطر مجتمعية وعدالة مفقودة
مصر - أغسطس 16, 2018

«دماء رابعة».. مخاطر مجتمعية وعدالة مفقودة

 «دماء رابعة».. مخاطر  مجتمعية  وعدالة مفقودة

 

رغم المحاولات المستميتة من جانب نظام انقلاب 30 يونيو  لقلب الحقائق والتهرب من المسئولية عن الدماء التي سفكها في اعتصامي ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر فجر 14 أغسطس 2013م، إلا أن وحشية الجريمة وإفلات الجناة من أي محاكمة أو مساءلة حتى اليوم؛ يدفع أصحاب الضمائر الحية محليا وعالميا إلى التذكير المستمر بالجريمة الأكثر وحشية في تاريخ مصر الحديث والمعاصر والمطالبة بتقديم المتورطين للعدالة لأن الجريمة من الحجم الكبير الذي لا يسقط بالتقادم مهما مضى عليها من سنين أو حتى عقود.

ودعت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية[1] في بيان أصدرته الاثنين 13 أغسطس 2018م،  إلى إجراء تحقيق دولي، في أحداث الفض الدموي لاعتصام أنصار الرئيس المنتخب، محمد مرسي، بميداني "رابعة العدوية" و"نهضة مصر"، من قبل قوات مشتركة من الشرطة والجيش. والتي خلفت قرابة ألف وخمسمائة قتيل بين صفوف المدنيين، بحسب منظمات حقوقية.

بيان المنظمة الدولية رغم أنه تبنى الرواية الرسمية لعدد الضحايا "نحو 600 شخص" إلا أنه نبه أن «الإطاحة بمرسي تمت عن طريق الجيش» ما يعد تأكيدا على وصف ما جرى بانقلاب عسكري،  عقب احتجاجات شعبية لحكمه الذي استمر عاما واحدا؛ ثبت فيما بعد أن وراءها الجيش بهدف الاستيلاء على السلطة، كما  تحفظ البيان على عدم تقديم السلطات أيا من عناصر الأمن للتحقيق أو المحاكمة على خلفية فض الاعتصام. وتحفظت سارة ليا واتسون،المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، على أن الرد الوحيد من جانب السلطات بعد مرور خمس سنوات على مجزرة رابعة، هو محاولة إفلات مرتكبي هذه الجرائم من المحاكمة.

وكانت منظمة العفو الدولية، قد اتهمت في أغسطس 2017 النظام العسكري في مصر بالإصرار على "محو أي ذكر لمذبحة" رابعة العدوية والنهضة، وترك مقترفيها دون عقاب أو مساءلة، وانتقدت المؤسسة الدولية تجاهل سلطات الادعاء "النائب العام" وقالت إنه كان من واجبها تقديم المسئولين عن مأساة 2013 للعدالة، لكن النيابة العامة بحسب منظمة  العفو الدولية لم تبد أي استعداد للتحقيق في تلك الجرائم وإحالة المسؤولين عنها إلى المحاكمة".[2] وقالت نجية بونعيم مديرة الحملات لشمال إفريقيا في منظمة العفو إن "النظام (المصري) مصمم على محو أي ذكرى لمذبحة صيف عام 2013"، وفق بيان المنظمة.

وإذا كان من الظلم عدم تقديم المتورطين في الجريمة الوحشية من عناصر الجيش والشرطة لأي محاكمة حتى اليوم؛ فإن الظلم الأكبر هو تقديم الضحايا لمحاكمات مسيسة باعتبارهم جناة متورطين في المذبحة التي تعرض فيها ذووهم وإخوانهم وأبناؤهم للقتل بوحشية مفرطة كشفت عن حجم الأمراض النفسية التي يعاني منها قيادات وعناصر الجيش والشرطة؛ إذ كيف يحاكم المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وقد قتل ابنه  عمار على يد عناصر الشرطة؟ وكيف يحاكم الدكتور محمد البلتاجي وقد شاهد العالم كله بثا حيا لقتل ابنته الشهيدة أسماء على يد عناصر الجيش والشرطة، التي قادت انقلابا على النظام الديمقراطي وأسست لدولة الخوف والاستبداد؟!

وللتأكيد على تبني نظام العسكر خيار الدماء لتكريس حكمه الشمولي أصدر القضاء "المسيس" مؤخرا قرارا بإحالة أوراق 75 من قيادات الاعتصام  لمفتي النظام تمهيدا للحكم بإعدامهم ؛ إمعانًا منه في التنكيل بالمعارضين..

 

انعكاسات مخيفة

هذه المذابح التي نفذها العسكر ومؤسسات الدولة العميقة بوحشية مفرطة؛ تركت جروجا لا تندمل وانعكاسات شديدة الخطورة على مستقبل البلاد؛ وأدخلت مصر نفقا مظلما انعكس على جموع الناس يأسا وإحباطا؛ لا سيما بعد فشل النظام في إدارة البلاد ؛ ما أفضى إلى موجات من الغلاء الفاحش، طالت جميع أنواع السلع والخدمات بصورة ترهق  الجميع بشكل غير مسبوق، لا يراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية ومستويات الدخل  القليلة التي تآكلت بفعل قرارات وسياسات النظام؛ وهو ما خلق جبالا من الأحزان والهموم والغضب المكتوم الذي يوشك على الانفجار في أي وقت.

أولا،الانقسام المجتمعي الحاد:  يعد أول هذه المخاطر وأكثرها خطورة؛ فقبل انقلاب 30 يونيو والمذابح التي نفذت بوحشية مفرطة، بتحريض من  الأمريكان والصهاينة وعواصم خليجية متآمرة على مصر، كان الانقسام سياسيا وهو أمر طبيعي يمكن حله بالحوار والآليات السياسية المتعارف عليها، وبعد مرور 5 سنوات على الانقلاب ثبت أن المؤسسة العسكرية ـــ بتحريض دولي وإقليمي ـــ هي من كانت تقف وراء هذا الانقسام السياسي الحاد وهي من حفزت القوى المعارضة للرئيس مرسي بانحيازها لهم والقضاء على الإخوان ذاتهم وليس حكم الإخوان بحسب ما تردد وقتها؛ ما جعلهم يصعدون من لهجتهم متجاوزين جميع الأعراف والقيم الديمقراطية ويرفضون جميع دعوات الحوار مع الرئيس المدني المنتخب؛ طمعا في الحكم على ظهور دبابات الجيش بعد أن يئسوا من الفوز بثقة الشعب عبر الآليات الديمقراطية.  ولتعزيز  هذا الانقسام الحاد؛ شنت الآلة الإعلامية للنظام الانقلابي أكبر حملة دعاية سوداء بحق الإخوان والحزب الحاكم الذي تم الانقلاب عليه؛ وجاءت أغنية "انتو شعب واحنا شعب" للمغني علي الحجار لتؤكد الكارثة وبات الشعب شعبين؛ شعب ينتمي للنظام الجديد ويمثله الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة العميقة، وشعب ينتمي إلى مصر وثورة 25 يناير ويدعم المسار الديمقراطي،  وجلهم من الحركات الإسلامية التي تؤمن بالمسار الديمقراطي والانتخابات كآلية للوصول إلى الحكم. هؤلاء بالملايين وهؤلاء أيضا بالملايين حتى وصل الانقسام إلى كل بيت وكل أسرة وكل عائلة وفي الدووايين الحكومية والشركات وأصحاب المهن الحرة وبات التصنيف السياسي علامة على هذا الانقسام الحاد فهذا إخواني وهذا سيساوي.

 

ثانيا، فقدان الثقة في الجيش ومؤسسات الدولة، ويعد أحد المخاطر التي تولدت عن الانقلاب وما تبعه من مذابح وحشية مفرطة، فالانقلاب جعل نصف الشعب على الأقل يكفر بالمؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة العميقة، وتراجعت شعبية المؤسسة العسكرية لمستويات قياسية وغير مسبوقة بعد الانقلاب مباشرة خصوصا وأن الجيش كشف عن وجه قبيح بتوجيه السلاح لصدور الشعب بدلا من الأعداء، ومع مرور الشهور والسنوات؛ ومع فشل النظام في إدارة شئون  البلاد، ما أفضى إلى تدهور مالي واقتصادي حاد أفضى إلى تضخم الديون بصورة مخيفة حتى بلغت 5 تريليون جنيه "دين محلي" وأكثر من 88 مليار دولار من الخارج، وفق الأرقام الرسمية الصادرة من البنك المركزي، وفرض رسوم وضرائب بشكل جنوني حتى زادت بعض الخدمات خلال السنوات  الأربع الماضية بنسب تقترب من 500% كالمياه والكهرباء وتذاكر المترو وتعريفة ركوب السيارات وكثير من السلع والخدمات؛ وتزامن مع ذلك توجهات احتكارية من جانب المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد وسيطرتها على حوالي 60% من إجمالي الاقتصاد المصري وفق تقديرات مؤسسات متخصصة. كل هذه العوامل أفضت إلى تراجع حاد وشديد الخطورة في شعبية المؤسسة العسكرية التي باتت عنوانا للاستبداد السياسي والاحتكار الاقتصادي، والتحالف مع الصهاينة العدو التاريخي اللدود للشعب المصري. كما فقد الشعب الثقة في باقي مؤسسات الدولة، فالشرطة محل كراهية الشعب منذ عقود طويلة لكن المذابح الدموية أكدت لملايين المصريين أنهم أمام مؤسسة يتوجب تطهيرها كاملا وإقامة جهاز أمني جديد على أسس سليمة إذا أرادت مصر النهوض والتقدم وإقامة نظام ديمقراطي سليم. كما فقد الشعب أي ثقة في القضاء المسيس والمؤسسة الدينية الرسمية التي كشفت عن نفاق مزمن متؤصل في نفوس قادتها للنظام العسكري السلطوي،

أما المؤسسة الكنسية فانحازت لمؤسسة القوة "الجيش والشرطة" على حساب ملايين المسلمين الذين يعيشون مع الأقباط منذ مئات السنين في سلام ووئام دون مشاكل. متناسية أن النظم حتما تتغير ولكن الشعوب لا تتغير وتبقى مواقف الكنيسة الداعمة للانقلاب ثم سفك الدماء شرخا لن يندمل بسهولة على مر العقود والقرون المقبلة، سيولد ملايين المسلمين مدركين أن الكنيسة تنحاز لأي قوة أو تيار ضد الإسلاميين المطالبين بالشريعة حتى لو كانوا سلميين مؤمنين بالديمقراطية والانتخابات. ولن تزول هذه الصورة  المشينة للكنيسة إلا بمواقف مغايرة من قادة الكنيسة يمكن أن تخفف حدة المشاعر نحو الكنيسة.

 

ثالثا، فقدان الأمل في التداول السلمي للسلطة، ومن أخطر الانعكاسات على مستقبل مصر جراء الانقلاب والمذابح الوحشية التي نفذها الجيش والشرطة، هو غلق باب الأمل في أي تداول سلمي للسلطة، فالانقلاب يمثل رسالة واضحة أن صناديق  السلاح والذخيرة هي من تحسم الصراع وليست صناديق الانتخابات وإرادة الشعوب، فمرسي قد انتخب قبل عام من الانقلاب في أنزه انتخابات في تاريخ مصر، ورغم ذلك نظمت المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة العميقة حشودا مصطنعة بفعل توظيف الخلاف السياسي والتحريض الإعلامي الذي استخدم جميع الوسائل غير الشريفة وغير المهنية وبتحريض من واشنطن وتل أبيب وعواصم خليجية مولت الانقلاب بمليارات الدولارات وكافأت الجنرال السيسي بعشرات المليارات من الدولار على قيامه بهذا الانقلاب السافر والمذابح الوحشية. فبعد 30 يونيو تأسس نظام شمولي استبدادي يستحيل أن يتم تغييره بالوسائل والآليات الديمقراطية، لكن الأكثر خطورة أن ملايين الشباب من الإسلاميين وغيرهم وصلتهم الرسالة؛ فلا مكان لكم في مصر ولا حكمها حتى لو فزتم بثقة الشعب؛ وهو ما أفضى إلى بث الروح في أفكار التنظيمات الراديكالية المسلحة التي لا تؤمن بالديمقراطية أو الانتخابات طريقا للحكم والتداول السلمي للسلطة، فقد فشل مسار الإخوان المؤمنين بالانتخابات ووصلوا لأكثرية البرلمان فانحل بحكم قضائي مشبوه، وسنوا دستورا وافق عليه الشعب  بالأغلبية فتم تعليق العمل به وتغييره قبل حتى أن ينفذ، ثم فازوا بالرئاسة فانقلب الجيش عليهم واعتقل الرئيس وأركان الحكومة! فأي سبيل أمام ملايين الشباب حتى يحققوا تصوراتهم التي يحلمون بها في وطن ينعم بالحرية والعدالة وفق مرجعية الشريعة الإسلامية؟!  وبهذا يمكن اعتبار الجنرال السيسي هو  القائد الفعلي لتنظيم داعش  والقاعدة وبيت المقدس وولاية سيناء؛ فلولا انقلابه المشئوم لماتت أفكارهم المتطرفة التي تراجعت بقوة خلال مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير2011، ولكن السيسي سد النوافذ الديمقراطية والمسارات الطبيعية للتداول السلمي للسلطة؛ فأحيا أفكار القاعدة وداعش وغيرها، وهو بذلك أيضا جعل أفكار الإخوان والحركات الإسلامية المؤمنة بالديمقراطية والانتخابات أمام اختبار قاس، وفقد خطاب الجماعة والحركات المؤمنة بالديمقراطية أي بريق أو ثقة حتى تتشكل ملامح جديدة وفق التطورات  الحادثة بعد الانقلاب؛ لذلك لا أمل في عودة الروح لهذا الخطاب الإخواني القديم بالدعوة إلى الاحتكام للانتخابات والشعب  إلا بإسقاط الانقلاب  حتى يسترد هذا الخطاب قيمته وتأثيره بين ملايين الشباب المحبط اليائس. ـ و«ساهم إسقاط حكومة مرسي المنتخبة في تشجيع النظامين السوري والعراقيّ مما ساهم في انتشار تنظيم «الدولة الإسلامية» ودفع اتجاهات كان «الإسلام السياسي» قادراً على احتوائها نحو التطرّف، يأساً من إمكانيات التغيير الديمقراطي أو انتقاماً لما يحصل في مصر والعراق وسوريا»[3].

 

رابعا، غياب الاستقرار وهروب الاستثمار، فالحكم الاستبدادي والمجازر الوحشية والانقسام الممجتمعي الحاد، وفقدان الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة التي سطت على الحكم عبر انقلاب غير شرعي ، وتأميم الفضاء السياسي والإعلامي واحتكار الجيش لمفاصل الاقتصاد في  البلاد؛ كلها عوامل أدت إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار لا تزال تضرب بحدة جوانب المجتمع المصري، فأفضى ذلك إلى هروب الاستثمار وتوقف المصانع وزيادة معدلات البطالة وتفشي الغلاء الفاحش؛ فانتشرت الجريمة وبات العنف منهج حياة في تعاملات المصريين مقتدين بالجنرال السيسي الذي سيطر على الحكم بقوة السلاح وظهور الدبابات.

 

 

هل يمكن محاكمة القتلة؟

لا يتوقف انتقاد النظام الشمولي في مصر على منظمة العدل الدولية وهيومن رايتس ووتش، وعشرات المؤسسات الحقوقية الدولية، بل امتد إلى الأمم المتحدة، حيث دعا الأمين العام  السابق للأمم المتحدة بان كي مون  السبت 13 أغسطس 2016م إلى ضرورة إجراء تحقيقات كاملة بشأن مقتل مئات المدنيين على أيدي قوات الشرطة والجيش المصري خلال فض اعتصام ميدان رابعة العدوية شرقي القاهرة في 14 أغسطس2013.

وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة ومعظم دول العالم المهتمة بمصر دانت بشدة أحداث المذبحة وأبدت قلقها من سلوك السلطات المصرية من شرطة وجيش ضد المدنيين، إلا أن أحداث السنوات الماضية لم تنبئ بأي مساءلة أو محاسبة، بل إن بعض الدول التي دانت ما حدث بلهجة قاسية في حينه، كفرنسا وإيطاليا، فتحت ذراعيها في ما بعد استقبالاً لصاحب قرار الفض، الجنرال عبدالفتاح السيسي.

ومنذ اليوم الأول بعد المذبحة، كان السيسي قلقاً للغاية من تدويل القضية أو نجاح جماعة "الإخوان" في استصدار أوامر قضائية بحق السيسي كقائد عام للجيش المصري الذي قام بالتغطية وإدارة مداخل ومخارج الموقع، وعدلي منصور كرئيس مؤقت للجمهورية، ومحمد إبراهيم كوزير للداخلية وقائد لقوات الشرطة التي اقتحمت الموقع، وحازم الببلاوي رئيس الوزراء الذي اعترف بأن قرار الفض اتُخذ في اجتماع لمجلس الوزراء.

وسارع السيسي، مدعوماً بآراء عدد من مستشاريه القانونيين، إلى البحث عن طرق لتأمين موقفه أمام أي احتمالات لتدويل القضية، فتم تشكيل لجنة حكومية لتقصي حقائق الأحداث في محاولة لاصطناع استقلال التحقيقات في القضية أمام الرأي العام العالمي، ودرست الحكومة آنذاك إصدار قانون لمحاسبة المتهمين في جرائم الإبادة الجماعية والوقائع غير الإنسانية لتحصين المسؤولين المصريين من المحاكمة الدولية المحتملة. كما أعاقت الحكومة بين عامي 2015 و2016 جهود المنظمات الحقوقية الضاغطة للتصديق على معاهدة روما بشأن المحكمة الجنائية الدولية، والتي وقّعت عليها مصر عام 2001 لكنها لم تصدّق عليها حتى الآن.

وبحسب خبراء في القانون الدولي، هناك طريقان لإيصال قضية المذبحة إلى المحكمة الجنائية الدولية لمباشرة التحقيقات فيها وتحديد المسؤولين بغض النظر عن تلكؤ مصر في التصديق على معاهدة روما:

الأول من خلال مجلس الأمن الذي يمكنه إحالة أي جريمة يعترف بارتكابها إلى المدعي العام، فالسودان ليس عضواً مؤسساً في معاهدة روما، ولم يصدق عليها، لكن المدعي العام الدولي اتخذ قراراته بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير بناءً على قرار إحالة مباشر من مجلس الأمن بسبب قضية دارفور"،  وهذا طريق صعب لوجود قوى دولية وإقليمية تدعم النظام العسكري في مصر في إطار معادلة المصالح وضمان حماية إسرائيل. ويمكن لعائلات ضحايا المذبحة وقيادات الجماعات والتيارات المتضررة منها ممارسة الضغوط السياسية من خلال دول حليفة لهم للضغط على مجلس الأمن في هذا الموضوع، وعلى الأقل، وحتى إذا لم يحرك مجلس الأمن أمر إحالة للمدعي العام، فسوف يكون العالم قد أحيط علماً بهذه المذبحة وبرغبة ضحاياها في تدويلها".

أما الطريق الثاني فمن خلال علم المدعي العام للمحكمة بنفسه بوقوع جرائم تدخل في اختصاص المحكمة.  وذلك  بالتواصل والضغط على المدعي العام نفسه، لتصبح هذه الجريمة واقعة أمامه بكل تفاصيلها، وهذا لن يتأتى إلا بعمل إعلامي وسياسي كبير في الأوساط الأوروبية تحديداً، للتأثير على الادعاء بما يدفعه لمناقشة طرح القضية على المحكمة أو هيئتها العليا الداخلية التي تقرر مدى إمكانية المضي قدماً في نظرها، وفق المسؤول نفسه. وهو أيضا طريق محفوف بتشابكات المصالح السياسية والاقتصادية في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط تحالف الثورات المضادة بالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

 

ويعزو  خبراء ومتخصصون أسباب الفشل في تدويل القضية حتى اليوم إلى عدة أسباب[4]:

أهمها الدعم القوي الذي يحظى به نظام السيسي من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لما يقدمه لهم من مصالح وضمان حماية الكيان الصهيوني، كما يحظى بدعم واسع من جانب قوى إقليمية خليجية مؤثرة.

 

ثانيا، شاب المبادرات الفردية التي حركها "الإخوان" وغيرهم من معارضي النظام لتوسيع مساحة الإدانة الدولية لمذبحة رابعة، عدد من الأخطاء من حيث الشكل والمضمون،  هي عدم مركزية التحرك، وعدم وجود إدارة موحّدة تضم عدداً من السياسيين والقانونيين والدبلوماسيين المختصين والإعلاميين لأداء الرسالة المتكاملة وصولاً إلى الهدف المنشود.

 

ثالثا، عدم ترتيب الأولويات وفقاً لإمكانية قيد القضية في أي من المحاكم الدولية والأوروبية بشرط أن تكون مختصة ابتداءً بالواقعة، حتى تكون القرارات الصادرة عنها مؤثرة وذات مصداقية، وليست مجرد بيانات إعلامية. والاحتمال الأفضل للتجريب في الفترة المقبلة هو محاولة ممارسة الضغوط على كل من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سياسياً، والمدعي العام في المحكمة الدولية، سياسياً وقانونياً، مع ترجيح إمكانية التأثير الأقوى على المدعي العام.

 

وعلى أية حال، تبقى دماء الآلاف من ضحايا مذبحة رابعة والنهضة وغيرها من ميادين مصر التي نفذها الجيش والشرطة بوحشية مفرطة لعنة تلاحق القتلة والمتورطين في الدماء، الأمر الذي أفضى إلى انعكاسات مخيفة منها الانقسام المجتمعي الحاد، وفقدان الأمل في مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش والشرطة والقضاء والمؤسسة الدينية. كما أفضى ذلك إلى وأد أي أمل في تداول سلمي للسلطة بعد أن تأسس بالانقلاب نظام شمولي استبدادي لا يعترف بالديمقراطية ولا حقوق الإنسان ويمارس القتل بشراهة منقطعة النظير..

ورغم المبادرات المتعددة التي تستهدف تجاوز دماء ضحايا رابعة وغيرها إلا أن النظام لا يزال يخشى يوما يحاكم فيه على هذه الجريمة الوحشية وهو ما دفعه إلى إصدار مشروع قانون "تكريم قادة القوات المسلحة" من أجل تحصين كبار القادة المتورطين في المذابح والدماء من أي محاكمة أو مساءلة في الفترة التي تلت 30 يونيو 2013 حتى يناير 2015.

ويبقى أمام الضحايا طريقان لتدويل القضية أمام الجنائية الدولية، الأول بالضغط عبر عواصم مؤثرة لإصدار قرار من مجلس الأمن بالتحقيق في القضية  وهو أمر صعب لدعم النظام من جانب قوى دولية وإقليمية مؤثرة كالولايات المتحدة وإسرائيل وعواصم خليجية كالرياض وأبو ظبي. أما الطريق الثاني فإقناع المدعي العام للجنائية الدولية بالتحقيق في القضة وهو أيضا محفوف بمصاعب كبيرة لكنه يمكن عبر تنظيم صفوف الفريق القانوني ومركزية الحملة السياسية والإعلامية والقانونية.

 



[1] "هيومن رايتس ووتش" تطالب بتحقيق دولي في مجزرة فض رابعة/ العربي الجديد الإثنين 13 أغسطس 2018

[2] أمنستي: مصر تسعى لمحو "مذبحة" رابعة من الذاكرة/ الجزيرة نت 15 أغسطس 2017

 

[3] «رابعة العدوية»: المذبحة ونتائجها/ القدس العربي 15 اغسطس 2016

[4] "3" سنوات على "رابعة والنهضة": عجز عن تدويل القضية/ العربي الجديد 14 أغسطس 2016

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع المنصرم   أولا…