‫الرئيسية‬ العالم العربي “عسكرة السياسة وتجديد السلطوية” .. ملخص حالة حقوق الإنسان في العالم العربي 2017 و2018
العالم العربي - أغسطس 18, 2018

“عسكرة السياسة وتجديد السلطوية” .. ملخص حالة حقوق الإنسان في العالم العربي 2017 و2018

 "عسكرة السياسة وتجديد السلطوية" .. ملخص حالة حقوق الإنسان في العالم العربي 2017 و2018

 

الملامح الرئيسية لحالة حقوق اﻹنسان في العالم العربي عام 2017 وبداية عام 2018 تشير إلى:

داخليا: استمرار سعي مشروعات الحكم السلطوية لتمكين نفسها وتصفية أي احتمالات لاندلاع انتفاضات شعبية جديدة أو تعبئة سياسية في مواجهتها.

خارجيا: استمرار تأزم إيجاد مخارج سياسية شاملة للصراعات في المنطقة كمدخل لإنهاء تداعياتها الإنسانية»..

 

هكذا لخص تقرير شامل عن حالة حقوق الإنسان في العالم العربي 2017-2018، أصدره "مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان" في العالم العربي عامي 2017-2018، تحت عنوان "عسكرة السياسة وتجديد السلطوية".

 

التقرير تناول حالة حقوق الإنسان في مصر، وعشر دول عربية أخرى هي: مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، والسودان، والسعودية، واليمن، وفلسطين، وسوريا، والبحرين.

 

وخلص إلى أن "استمرار تدهور اﻷوضاع في الدول العربية قد يهيئ المنطقة لـ "اضطرابات اجتماعية وسياسية عنيفة أخرى، وربما نزاعات مسلحة جديدة وكوارث إنسانية أكثر فداحة، وتعزيز بيئة إقليمية مواتية بصورة أكبر للأنشطة ذات الطبيعة الإرهابية".

 

مصر: كافة صور التضييق الأمني والقانوني

 

فيما يتعلق بمصر، أبرز التقرير حالة القمع وصور التضييق الأمني والقانوني التي تمارسها سلطة السيسي على منابر الحياة السياسية، وهشاشة الوضع الأمني في البلاد، وممارسة سياسة منهجية للإجهاز على القوى السياسية والمدنية التي ظهرت قبل وبعد ثورة يناير، وتركيز أدواتها اﻷمنية ووسائلها التشريعية ضد القوى السياسية والمدنية السلمية.

وشدد على أن سلطة السيسي تستغل الحديث عن الارهاب، "ذريعة لفرض إجراءات قانونية واسعة الصلاحيات بهدف توظيفها في التنكيل بالمعارضة السلمية، بدلًا من استهداف الإرهابيين الحقيقيين"، وهو ما رصدته وادانته بشكل متكرر منظمات وخبراء ولجان حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.

 

ففي مجال التشريع: أدخلت السلطات المصرية سلسلة من التغييرات الهيكلية في التشريع المصري، بهدف "تغليظ القبضة الأمنية على المجال السياسي، والأمني، والإعلامي، فضلًا عن تسييس القضاء والمحاكم.

وفي أعقاب التفجيرات التي استهدفت ثلاث كنائس في أبريل 2017، أدخلت السلطات المصرية عددًا من التعديلات القانونية في إطار الحرب على الإرهاب، ممثلة في قانون الإجراءات الجنائية، وقانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، وقانون تنظيم الكيانات الإرهابية والإرهابيين رقم 8 لعام 2015، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لعام 2015.

وقلصت تلك التعديلات، حسب التقرير، ضمانات المحاكمة العادلة، وضمان حماية المتهم، فأصبح للمحاكم الجنائية السلطة التقديرية في سماع شهود النفي، كما ألغت حق المتهمين في إعادة المحاكمة ونقض أحكامهم للمرة الثانية، كما سمح للمحاكم الجنائية بإدراج أفراد وكيانات في إطار لوائح الإرهاب بناء على تقارير أجهزة الأمن لمدة خمس سنوات.

 

وعلى مستوي القضاء: اتهم التقرير السلطات القضائية بالتوسع في إصدار قرارات الحبس الاحتياطي طويل المدة، والذي يتجاوز ثلاث سنوات في الكثير من الحالات.

والتوسع خلال الأعوام اﻷربع الأخيرة في إصدار أحكام إعدام جماعية في قضايا معظمها لها طابع سياسي، حتى بلغ عدد المحالين لأخذ رأي المفتي قبل إصدار حكم بإعدامهم نحو 1487 متهمًا، بحسب بيانات "الائتلاف المصري لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام"، التي نقلها التقرير.

وارتكب النظام بأيدي القضاء "حالات قتل وتعذيب" وغطي على حالات الاختفاء القسري، ونفذ أحكام اﻹعدام، صدرت من محاكم عسكرية بحق 21 مدنيًا منذ 2013، إلى جانب ازدياد محاكمة المدنيين عسكريًا بالرغم من أن أغلب اتهاماتهم تتعلق بممارسة نشاط سياسي.

رصد تقرير للأورو-متوسطية للحقوق ولجنة حقوق الإنسان لهيئة محامين انجلترا وويلز جسامة المخالفات الإجرائية التي شابت التحقيقات وجمع اﻷدلة في محاكمة آية حجازي المصرية اﻷمريكية وباقي أعضاء مؤسسة بلادي، والذين بقوا في الحبس الاحتياطي ﻷكثر من عامين إلى أن حصلوا على البراءة في أبريل، بعد أيام قليلة من اللقاء اﻷول بين الرئيس السيسي والرئيس اﻷمريكي ترامب، فيما اتضح بعد ذلك أن إنهاء هذه القضية كان مثار ضغط من الجانب اﻷمريكي.

 

وفيما يتعلق بالحريات: تحدث التقرير عن ازدياد سجناء الرأي، وحصار الحقوقيين، وحجب المواقع، مشيرا إلى أن اللجنة الدولية لحماية الصحفيين صنفت مصر من ضمن أكثر الدول العالم في حبس الصحفيين والإعلاميين، كما رصد التقرير حجب المواقع الذي وصل لأكثر من 490 موقعًا إخباريًا، وحقوقيًا، ومراكز بحثية.

 

وحول القتل والتعذيب: أكد التقرير استمرار السلطات الأمنية في ارتكاب جريمة القتل خارج نطاق القانون، ورصدت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات وقائع تصفية جسدية لـ 115شخصا خلال عام 2017 في مختلف محافظات مصر، خارج سيناء.

وكان معظم الضحايا لحالات مختفية قسريا على مدار أسابيع وشهور، ورصدت أثار تعذيب وكدمات على جثث بعضهم.

ووثقت منظمة هيومان رايتس ووتش انتشار التعذيب وسوء المعاملة وسط المعتقلين والسجناء، والذي أصبح أمرًا منهجيًا وموجها ضد المصريين ومن بينهم أطفال سواء ناشطين سياسيين وسجناء رأي أو أشخاص ملاحقين في قضايا إرهاب أو في قضايا جنائية عادية.

وعادة ما يمارس التعذيب في مقرات اﻷمن الوطني ومراكز الشرطة، وأحياناً في المقر الرئيسي للأمن الوطني بوزارة الداخلية.

وفي العديد من الحالات، استخدم اﻷمن التعذيب ﻹرغام المشتبه فيهم على قراءة اعترافات مكتوبة مسبقًا أمام كاميرات اﻹعلام، والتي قادتهم إلى عقوبات الإعدام والسجن المؤبد في بعض القضايا.

وتتنوع تقنيات تعذيب المتهمين، ومنها التعرض للصدمات الكهربائية، والاعتداء الجنسي، وإصابة مناطق حساسة في أجسادهم ﻹلحاق أكبر ألم جسدي ونفسي بهم وإجبارهم على تقديم اعترافات أو ﻹذلالهم.

وفي عام 2017، لقي 15سجينا حتفهم نتيجة الإهمال الطبي داخل السجون، من بينهم محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين والذي توفي في سبتمبر في مستشفى قصر العيني بالقاهرة بعد صراع طويل مع المرض في السجن.

كما زادت ظاهرة الاختفاء القسري، والتي بدأت تتصاعد بشكل كبير في مصر منذ الربع اﻷخير من يونيه2013، والعديد من حالاتها تتعلق بقضايا سياسية وقضايا رأي. وغالبا، يتعرض اﻷشخاص المختفين لصور مختلفة من التعذيب والضغوط للحصول منهم على اعترافات أو معلومات تستخدم ضدهم أو ضد آخرين في المحاكمات الجنائية.

ورصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات 107حالة اختفاء قسري في الربع اﻷول من عام 2017.

ولم يسلم أيضاً النشطاء العاملين على هذا الملف من أن يكونوا هم أنفسهم ضحايا للاختفاء القسري مثلما حدث مع الحقوقيين الدكتور أحمد عماشة وإبراهيم متولي حجازي، الذين تعرضا للاختفاء القسري والتعذيب، ثم أعلنت السلطات عن حبسهما احتياطيًا في اتهامات تحت قانون مكافحة اﻹرهاب.

وألقي القبض على حجازي قبل اختفائه قسريا أثناء سفره لجنيف للمشاركة في اجتماع لفريق العمل المعني بظاهرة اﻻختفاء القسري في الأمم المتحدة.

 

وفي شمال سيناء: كذبت تحقيقات المنظمات الحقوقية العديد من بيانات وزارة الداخلية والجيش المتعلقة بمصرع إرهابيين أثناء الاشتباك مع قوات الشرطة أو الجيش. فبعض الحالات كانت لأشخاص رهن الاحتجاز قبل إعلان قتلهم، أو لضحايا من النشطاء السياسيين، مع عدم وجود أدلة على ارتباطهم بجماعات مسلحة أو أعمال عنف.

كما توجد حالات تصفية مباشرة لأشخاص دون القبض عليهم والتحقيق معهم، وفي مارس، نشر مقطع فيديو لعدد من المدنيين المتعاونين مع القوات الخاصة المصرية أثناء إعدامهم لأسري مدنيين، ولم يحقق في هذه الوقائع.

 

وحول سلوك سلطة السيسي: تناول التقرير الانتخابات الرئاسية، و«قلق» عبد الفتاح السيسي من إجراء انتخابات حرة ونزيهة، والذي انعكس بدوره في السلوك العدائي للسلطات التنفيذية وأجهزة الأمن تجاه كل مرشح أعلن نيته الترشح.

وفرض السلطات ضغوط على المرشحين المحتملين، واستبعاد بعضهم بأساليب أمنية «قهرية»، باعتقال البعض (سامي عنان واحمد قنصوه) لتجري انتخابات شكلية في النهاية رغم عدم وجود مرشحين حقيقيين، والاعتداء علي المستشار هشام جنينه ثم اعتقاله وسجنه.

ونتيجة الضغوط والتهديدات السافرة التي تعرض لها المرشحون وأعضاء حملاتهم، انسحب المحامي خالد علي من العملية اﻻنتخابية، بعد إعلانه نيته للترشح لرئاسة الجمهورية في نوفمبر.

 

وحول سعي السلطة للقضاء علي المنظمات الحقوقية: أوضح التقرير أن القضاء على النشاط الحقوقي في مصر كان هدفًا وضعته المؤسسة العسكرية واﻷجهزة اﻷمنية نصب أعينها منذ عام 2011، وأشرف على تنفيذه عبد الفتاح السيسي، بصفته آنذاك مديرًا للمخابرات الحربية والاستطلاع.

ففي يونيه2013، بدأت حملة قضائية لقمع مجموعة من المنظمات الأمريكية والألمانية الداعمة للديمقراطية، أحيل على خلفيتها 43 ناشطا أمريكيا ومصريا للمحاكمة.

ومنذ عام 2014، يتعرض أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية لحملة قمع واسعة النطاق، مارست خلالها الأجهزة الأمنية ضغوط أو تهديدات على ممثلي المنظمات غير الحكومية الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان لتدفعهم لمغادرة مصر.

واشتدت وتيرة المضايقات القضائية عام 2015 باتهام قادة وأعضاء 37منظمة مصرية للدفاع عن حقوق الإنسان بـ "تلقي تمويل أجنبي غير شرعي" و"العمل دون ترخيص قانوني".

وفي سياق هذه القضية نفسها، تعرض نحو 29ناشطًا حقوقيًا للمنع من السفر، واستجوبت السلطات عشرات آخرين، وجمدت الأصول المالية لـ 10حقوقيين و7منظمات حقوقية بارزة.

واليوم أغلب المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر إما ممنوعين من مغادرة البلاد أو مهددين بالقبض عليهم حال عودتهم.

 

وحول موقف الاتحاد الأوروبي من حقوق الإنسان في مصر: انتقد التقرير تعامل الاتحاد مع ذلك الملف، موضحًا أن انعقاد اجتماع مجلس الشراكة المصري الأوروبي في يوليو 2017 بعد أن توقفت مجالس الشراكة المصرية الأوروبية منذ أبريل 2010 مثل الانطلاق الرسمي لتجدد مشروع الشراكة المصرية الأوروبية. واعتبر التقرير أن عقد الاجتماع في الوقت الذي تشن فيه السلطات المصرية حملة مسعورة ضد الحقوق والحريات العامة شكل "مكافأة لا تستحقها حكومة عبد الفتاح السيسي".

وتراجع الملف الحقوقي في أولويات العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي على حساب ملف التعاون الاقتصادي والعسكري، وعلى الرغم من أن ألمانيا فقط من بين دول الاتحاد اﻷوروبي تُبدي تمسكًا بالملف الحقوقي في علاقتها مع مصر، إلا أن هذا لم يمنع حلحلة موقف برلين لصالح إبرام المزيد من صفقات التسليح مع مصر، وابرام دول اخري مثل فرنسا وبريطانيا اتفاقيات لتسليم معدات تعذيب وادوات تجسس الكترونية على المصريين.

ويشير التقرير لأن "دبلوماسيي دول الاتحاد الأوروبي يثيرون قضايا حقوق الإنسان لدى السلطات المصرية، إلا أن التصريحات والمواقف العلنية تؤكد على نية تعزيز التعاون والدعم المتبادل لمصر، مع التضامن مع مصر في حربها ضد الإرهاب"، الذي يستغله النظام في قمع الحريات!

ويرى التقرير أنه بالرغم من نجاح الضغط من جانب المجتمع المدني في ضمان انتباه الاتحاد الأوروبي، واهتمام دوله بالأوضاع في مصر، إلا أن" سياساته بقت مخيبة للآمال، مع استمرار التطبيع الكامل للعلاقات الثنائية الرسمية وتعزيز الدعم المالي لمصر، باستثناء الدعم المباشر للميزانية والمتوقف منذ صيف 2013".

 

حقوق الانسان في باقي الدول العربية

 

وحول حالة حقوق الانسان في باق الدول العربية التي تناولها التقرير، أشار إلى تدهور حالة حقوق الإنسان في أغلب البلدان، منتقدًا أوضاع الحقوقيون وأصحاب الرأي في السعودية بعد أن شهد عام 2017 سلسلة من الاعتقالات، والمحاكمات لحقوقيين ومدونين بارزين.

وأجمعت تحليلات تقرير مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان على "استمرار تأزم اﻷوضاع اﻹنسانية وحالة حقوق اﻹنسان في المنطقة العربية كنتيجة لتوسع عسكرة السياسة والفشل في إيجاد حلول سلمية وجذرية لنزاعات المنطقة الداخلية والدولية، وتجديد المشروعات السلطوية منذ تأزم ثورات الربيع العربي".

وأشار الي "استمرار النزاعات المسلحة الداخلية والدولية مع تعقد وتشابك خريطة الفاعلين المتورطين في هذه النزاعات".

 

ففي السودان: أشار التقرير إلى تدهور أحوال حرية الرأي والتعبير، واحتلال الإعلام في السودان المرتبة 174 من أصل 180 دولة وفقًا لمؤشر حرية الصحافة العالمي، بجانب تضييق الخناق على حرية التجمع السلمي.

 

وفي البحرين: قال التقرير إن السلطات البحرينية واصلت استهداف جميع أشكال المعارضة السياسية والمدنية عبر التوسع في الاعتقال التعسفي، فضلًا عن استهداف الحقوقيين، وفرض قيود على حرية الرأي والتعبير.

 

وفي سوريا: لا تزال الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان تٌرتكب في سوريا من قبل الأطراف المتحاربة، من خلال الحصار واستهداف المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، باستخدام الأسلحة المحظورة والغازات الكيميائية والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري.

ومثَل التقدم العسكري الذي أحرزه نظام بشار اﻷسد في الغوطة الشرقية، على أنقاض الشعب السوري وفي إفلات كامل من المحاسبة، محطة بارزة في مسار تصفية الثورة السورية من خلال تغيير معادلة الصراع المسلح على اﻷرض خلال العام اﻷخير.

واستطاع الجيش السوري، مدعوماً عسكرياً من روسيا وإيران، في تنامي استعادته للسيطرة العسكرية على أغلب المناطق السورية، وعزز هذا التقدم العسكري من الخطاب السياسي البديل الذي ترعاه روسيا والمجهض للثورة السورية وتطلعاتها في التغيير السياسي الشامل، اﻷمر الذي تجلى خلال عام 2017 في تأزم المفاوضات السياسية التي ترعاها اﻷمم المتحدة والمعروفة بعملية جنيف.

وتحدث التقرير عن "ترك العالم مئات اﻷلوف من المدنيين السوريين للموت إما بقنابل النظام السوري وحلفائه أو جوعاً"، وتحميل الشعب السوري المجتمع الدولي مسئولية استمرار فشل وقف معاناتهم.

 

وفي اليمن: حول النزاع المسلح البلاد لواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، "كنتيجة حتمية ومباشرة للسياسات والأساليب والأفعال المتعمدة من قبل الأطراف المتصارعة ووكلائها في الصراع".

وصاحبت مختلف مراحل النزاع منذ اندلاعه انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني من قبل كافة أطراف النزاع، وقائع الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب، وتفجير المنازل، والهجمات العشوائية بأسلحة عديمة التمييز على أماكن مدنية

 ونشر القوات والمجموعات والأسلحة وسط أحياء سكنية، والهجوم على المدارس واحتلالها واستخدامها، وتجنيد الأطفال واستخدامهم، وزراعة الألغام، ووقائع الإعدام خارج نطاق القانون، ومنع وصول المساعدات الإنسانية.

وأدى الاستقطاب اﻹقليمي بين السعودية وإيران، والتدخل العسكري والسياسي الإماراتي إلى تعقد مشهد النزاع في اليمن وصعوبة حله سياسياً، كما استمرت صادرات السلاح اﻷمريكية والبريطانية والفرنسية إلى السعودية، واستمر تسليح إيران لجماعة الحوثيين.

 

وفي ليبيا، وعلى الرغم من التأييد المعلن لكافة القوى السياسية للاتفاق السياسي الليبي وخطة العمل التي اقترحها الممثل الخاص للأمم المتحدة في 20 سبتمبر 2017، فإن الواقع على اﻷرض يشير لصعوبة التوصل لحل سياسي في المستقبل القريب لأن المواجهات المسلحة مستمرة بين الجهات الفاعلة الرئيسية في ظل استقطاب إقليمي ونفوذ متنامي تمارسه القوى اﻹقليمية والتي تزيد من الفجوة بين اﻷطراف المتحاربة، فضلاً عن غياب التنسيق بين القوى الدولية.

ونتج عن وضعية الاقتتال الداخلي، تورط الجيش الوطني الحر وهو جيش حفتر والجماعات الثورية المسلحة الموالية لحكومة الوفاق الوطني في انتهاكات جسيمة لحقوق اﻹنسان والقانون الدولي اﻹنساني تمثلت في انتشار عمليات الاحتجاز التعسفي والاختطاف والتعذيب، واﻹعدام خارج نطاق القانون، وتورط جيش حفتر في تنفيذ هجمات عسكرية ضد المدنيين

وانتشار القمع الذي تمارسه بشكل خاص الجماعات السلفية في مراكز الاعتقال والسجون القابعة تحت سيطرتها. كما تصاعد استغلال المهاجرين ونشاط الاتجار في البشر، وتكررت حالات التعذيب الوحشي ضد المهاجرين واللاجئين اﻷفارقة.

 

وفي اﻷرض الفلسطينية المحتلة تستمر معاناة المدنيين جراء تبني الحكومة الإسرائيلية الحالية لسلسلة من قوانين وسياسات تعتدي على الفلسطينيين وحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومثَل عام 2017 الذكرى الخمسين للاحتلال الإسرائيلي والـ 69 للنكبة، وما زال أكثر من سبعة ملايين لاجئ فلسطينياً خارج فلسطين في انتظار تقرير حق العودة، ومازال الآلاف من الفلسطينيين يُهجرون قسراً من منازلهم على أيدي قوات الجيش الإسرائيلي داخل فلسطين، مما يساهم في تزايد نمط النزوح الداخلي الذي يشكل على الأرجح جريمة حرب

ويوجد حالياً أكثر من 260,000 فلسطيني يعانون من التهجير الداخلي وعلاوة على ذلك، يتوسع الاستيلاء الفعلي على الأراضي ونهب الموارد الطبيعية من خلال بناء المستوطنات في تجاهل صارخ للقانون الدولي.

 

وفي السعودية، مثلت ممارسات التضييق على حرية الرأي والتعبير وفرص بناء مجتمع مدني مستقل في المملكة استمراراً للنهج الذي اتبعته السلطات الحاكمة في العقد اﻷخير، والذي تصاعد مع اندلاع الانتفاضات والثورات العربية في إطار سلسلة من التدابير الوقائية، والسياسات الإقليمية لتحجيم هذه الثورات ومواجهة أي معارضة أو انتفاضات محتملة في المملكة.

وأخذ الصراع على السلطة داخل الأسرة الحاكمة أبعاداً جديدة خلال النصف الثاني من عام 2017، ونتج عنه سلسلة من الإجراءات التي استهدفت تمكين ولي العهد الجديد اﻷمير محمد بن سلمان من السلطة بشكل متسارع، والقضاء الكامل على خصومه داخل وخارج الأسرة الحاكمة.

واتخذت السلطات السعودية عدد من الإجراءات الإصلاحية المحدودة مؤخرًا، في خضم هذا الصراع الداخلي، في مجال حقوق المرأة، والتقليل من صلاحيات المؤسسة الدينية، إلا أنها تظل خطوات متناقضة تسعى في المقام الأول إلى تعزيز صورة السلطات الحاكمة وصورة ولي العهد وتسويقه دولياً باعتباره رجل معتدل ذي توجه إصلاحي، بينما جميع المؤشرات سواء المتعلقة بتدني وضعية الحقوق والحريات العامة والشخصية، ومحاصرة واضطهاد اﻹصلاحيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ومن بينهم المدافعات عن حقوق المرأة، واستمرار تفشي خطابات التشدد والتطرف الديني داخل المملكة

 

وفي المغرب: شهد عام 2011 سلسلة من الإصلاحات الدستورية والقانونية والمؤسسية والتي قلما نجد لها نظيراً في البلدان العربية، إلا أن الاحترام العملي للحقوق والحريات العامة والحقوق المدنية استمر في التراجع خلال عام 2017 بشكل يثير القلق على استمرار المغرب كنموذج بارز في المنطقة العربية للقبول بالتعددية السياسية والتسامح مع المجتمع المدني والحركات الاحتجاجية والإعلام النقدي.

وعبرت التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية عن قلق بالغ لتطور الوضع الحقوقي بالمغرب خلال هذا العام مستندة في ذلك إلى جملة من الخروقات والانتهاكات التي مست مجالي الحريات والحقوق الأساسية.

وصعدت السلطات المغربية من التضييق على الحركة الحقوقية والديمقراطية وعلى المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان وكانت السمة البارزة لعام 2017 هي اندلاع الاحتجاجات الاجتماعية في منطقة الريف وغيرها من المناطق المهمشة شمال شرق وجنوب المغرب، والتي تعاني لعقود طويلة من الفقر وسوء الخدمات العامة، وارتفاع نسب البطالة.

وواجه المنخرطون في هذه الاحتجاجات ترهيباً وتدخلات أمنية نتج عنها اعتقالات واسعة لنشطاء الحراك وللصحفيين المتابعين للأوضاع هناك، وتحريك المحاكمات الجنائية ضدهم.

 

وفي تونس: لا تزال هي قصة النجاح الوحيدة فيما سمي بالربيع العربي إذ حققت العديد من المكاسب السياسية والدستورية، إضافة إلى الاستقرار النسبي الذي عرفته البلاد: انتخابات رئاسية وتشريعية في مناسبتين(2011-2014)، شهد المراقبون الدوليون بنزاهتها وشفافيتها، ودستور تونسي ضامن للحريات الأساسية بما فيها حرية الضمير والمعتقد ومدنية الدولة، ومقراً بمبدأ المساواة بين المرأة والرجل في كل المجالات، بما فيها المجالس المنتخبة.

كما تضمن الدستور العديد من الحقوق الأخرى، مثل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعتبر بعض فصوله محاكاة للعهود الدولية بما فيها العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر سنة 1966.

ومع ذلك، تخفي قصة النجاح هذه مصاعب كثيرة تهدد كل ما تحقق إلى الآن، بل ويعتقد العديد من الملاحظين أن هناك تراجعات عديدة على مستوى القوانين المنظمة للحياة العامة تعكس مدى هشاشة الاستقرار الذي تعيشه البلاد.

كما أن الخوف من عودة الديكتاتورية يؤرق العديد من التونسيين، خاصة مع عودة العديد من رموز النظام السابق إلى السلطة في حكومة يوسف الشاهد.

 

النظام الدولي والنزاعات المسلحة

 

وحول الصراع في مناطق الصراعات المسلحة مثل اليمن وليبيا والعراق والسودان واﻷراضي الفلسطينية المحتلة، شدد التقرير على "فشل النظام الدولي لحقوق اﻹنسان في مواجهة النزاعات المسلحة، بداية من التدخل المبكر لمنع تصاعدها وتعقدها، أو مواجهة تداعياتها اﻹنسانية الخطيرة، أو إظهار قيادة سياسية في إيجاد حلول سلمية لها وإنفاذ هذه الحلول".

وأشار التقرير لأن "هذا الفشل، وإن تنامى في السنوات اﻷخيرة، فهو لصيق ببنية آليات اتخاذ القرار الدولي منذ تأسيس منظومة اﻷمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والتي تخضع للحسابات السياسية واﻷمنية والجيو-إستراتيجية الضيقة للحكومات على حساب اﻷبعاد الإنسانية والحقوقية".

وعلى الرغم من التوسع المؤسسي والقانوني لمنظومة حقوق الإنسان، والتدخل المتأخر سواء العسكري أو السياسي، أو عبر آليات العدالة الجنائية الدولية لحماية المدنيين في بعض مناطق الصراعات المسلحة خلال العقد الذي تلا انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، فالمجتمع الدولي في معظم اﻷوقات يقف مشلولاً أمام النزاعات المسلحة، وتداعياتها الإنسانية الكارثية والدموية على الشعوب، بحسب التقرير.

وأشار التقرير لأن "استمرار النزاعات المسلحة في المنطقة العربية خلال العقد اﻷخير ترجمة وامتداداً لهذا الفشل، والذي ضاعف منه جملة من المتغيرات الدولية، مثلت أهمها في تصاعد الدور الروسي والصيني في العلاقات الدولية، وقدراتهما في حشد التحالفات ودعم أصدقائهما من الحكام المستبدين في مختلف مناطق العالم".

وكذا اضمحلال الدور القيادي الذي يمكن أن تلعبه الدول الغربية اﻷكثر انفتاحا على حقوق اﻹنسان في العلاقات الدولية، فضلاً عن الانقسامات السياسية الحالية في الديمقراطيات الغربية بفعل تدهور اﻷوضاع الاقتصادية وتصاعد قوى اليمين المتطرف.

وتشكل دور سياسي وعسكري واقتصادي ملحوظ لقوى إقليمية في المنطقة مثل تركيا وإيران والسعودية والإمارات تملاً هذا الفراغ، وتدخل في مواجهات عسكرية مباشرة أو بالوكالة لتوسيع دوائر نفوذها، ومواجهة بعضها البعض، وتعزيز مصالحها الجيو-سياسية.

وأكد التقرير "تحمل هذه القوى الإقليمية مسئولية كبيرة في استمرار تعقد الحل السياسي للصراعات المسلحة في سوريا واليمن وليبيا.

 

 

هل نجحت السلطوية في فرض قمعها؟

 

لم يفلح تصاعد السلطوية في المنطقة العربية في كبح المطالب الاحتجاجية ذات البعدين الاقتصادي واﻻجتماعي، أو منعها من التعبير العلني عن نفسها، بحسب التقرير في العالم العربي.

فخلال عام 2017، استمرت الاحتجاجات في مناطق الريف والحسيمة وجرادة في المغرب، وبعض المناطق في الجزائر خاصة المأهولة بالجماعات اﻷمازيغية، والسودان، والعراق، واﻷردن، والمناطق الشرقية في السعودية، وفي شبه جزيرة سيناء شرق مصر والنوبة جنوب مصر.

وجري إفراز قيادات مدنية وحقوقية وسياسية جديدة استخدمت تقنيات التكنولوجيا الحديثة في الحشد والحملات، وواجهت حكومات هذه الدول قيادات وأفراد هذه الاحتجاجات، خاصة الشباب منها، بالعنف والاعتقال والاتهامات المفبركة والمحاكمات ذات الطابع السياسي.

وتعكس هذه الاحتجاجات، بحسب "مركز القاهرة"، فشل بنيوي في إدارة اقتصاديات هذه الدول، وفي تلبية نخبها الحاكمة للاحتياجات الرئيسية للشعوب، واختلال توزيع وإدارة الثروات، فضلاً عن تهميش مناطق وأقاليم بأكملها في كثير من البلدان العربية، على الرغم من توافر ثروات طبيعية في بعض هذه الاقاليم، لكن يحرم أهلها من عائداتها.

 

وقد دفع هذا الوضع الاجتماعي المتأزم بعض المحللين للحديث عن موجة جديدة قادمة لثورات الربيع العربي، حيث لم يمنع القمع المنهجي للمجتمع المدني ونشطاء حقوق الإنسان في معظم البلدان العربية استمرار هذه الاحتجاجات وغيرها من صور مقاومة الاستبداد السياسي وانتهاكات حقوق اﻹنسان، وإن كانت في نطاقات جغرافية محدودة وبأهداف قصيرة المدى، لكنها مؤهلة للتصاعد مع توافر ظروف سياسية محلية ودولية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المناورات المصرية السودانية – هل تضرب مصر سد النهضة؟

تُعد المياه من العناصر التي قد تفجر حروبًا في المستقبل؛ فقد تجمعت عوامل متعددة تجعل قيمة ا…