‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قانون «حماية البيانات الشخصية».. جباية وتلميع السجل الاجرامي لحقوق الانسان
مصر - أغسطس 23, 2018

قانون «حماية البيانات الشخصية».. جباية وتلميع السجل الاجرامي لحقوق الانسان

 قانون «حماية البيانات الشخصية».. جباية وتلميع السجل الاجرامي لحقوق الانسان

في خطوة غريبة ومثيرة ومتناقضة، وافقت حكومة العسكر برئاسة المهندس مصطفى مدبولي، الثلاثاء 07 أغسطس 2018م، على مشروع قانون "حماية البيانات الشخصية"، والذي يتضمن عقوبة الحبس سنة وغرامة مليون جنيه حال تداولها دون إذن صاحبها أو في غير الأحوال المصرح بها؛ الغريب في  الأمر أن الحكومة التي  تقر  هذا القانون هي نفسها أول من ينتهك جميع حقوق المواطنين سواء كانت بيانات أو حريات أو  حتى حياتهم إن أردات قتلهم دون تحقيقات أو محاكمات.

 

إذ كيف للنظام الذي أجبر شركتي "أوبر"  و"كريم" لخدمات نقل الركاب، على تقنين أوضاعها  بإتاحة بيانات العملاء للأجهزة الأمنية كشرط للترخيص وتقنين الأوضاع ، أن يكون حريصا على بيانات المواطنين الشخصية فجأة وبدون مقدمات؟  وكيف لنظام أدمن انتهاك جميع حقوق الإنسان بشهادة مؤسسات حقوقية دولية رائدة بل باعتراف منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش من قتل واغتيال خارج إطار القانون وتعذيب وحشي وعدم وجود أي ضمانات لمحاكمات عادلة أن يكون حريصا على بيانات المواطنين ويسن تشريعا لضمان حماية هذه البيانات؟  وهل يمكن لنظام ارتكب أبشع مجزرة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر  قتل فيها في يوم واحد أكثر من 1500 مواطن ولم يقدم شخص واحد من المتورطين لأي تحقيق أو محاكمة حتى اليوم وبعد مرور 5سنوات على هذه الجريمة الوحشية أن يكون أمينا على بيانات المواطنين وحمايتها؟

 

أهداف خفية

 

إذا، وراء مشروع القانون أهداف أخرى بعيدة كل البعد عن الأهداف المعلنة من النظام؛ فالمعلن هو مجرد لافتة يتخفى وراءها النظام للتغطية على الأهداف الحقيقية من مشروع القانون والذي يستهدف به النظام تعظيم الفوائد الأمنية والاقتصادية وزيادة الإيرادات في ظل العحز المزمن في الموازنة العامة للدولة.

 

ويكتسب مشروع القانون أهمية كبرى للنظام أمنيا واقتصاديا، فاستخدامات شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي شابها مؤخرا مخالفات محلية وعابرة للحدود عبر شركات لها نفوذ واسع، ومن بينها التفريط في البيانات الشخصية الخاصة بالمستخدمين، وعلى سبيل المثال فقد تمكنت إحدى الشركات البريطانية من السيطرة على البيانات الشخصية لأكثر من نصف مليون أمريكي، وتم استغلال تلك البيانات في الانتخابات الأمريكية الأخيرة.

 

وتكمن أهمية المشروع بالنسبة للنظام في ضرورة إيجاد آلية تكنولوجية محددة تكون قادرة على الرصد الأمني لتلك المخالفات، وتشديد القيود على عمليات السطو أو الإفصاح عن البيانات الشخصية للغير، خاصة أن أجهزة الاستخبارات وبعض الجماعات التي يصنفها النظام إرهابية، تعتمد على البيانات الشخصية في عملها لتجنيد واستقطاب العناصر الجديدة، ولعل أبرز مثال على ذلك تلك الإحصائية التي كشفت عن أن 30 % من أعضاء داعش تم تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

وما يدلل على أهمية البيانات الشخصية أيضًا ما قاله أحد قادة وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، من أنه بعد سنوات من الرصد وإنفاق الجهود المادية والبشرية في سبيل التوصل إلى معلومات ما، فإنه بات من السهل الوصول إلى تلك المعلومات عبر شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

عموما هناك 4 خطوات تتبقى على إقرار مشروع القانون، الأولى تتمثل في إبداء مجلس الدولة ووزارة العدل بعض الملاحظات على مواد مشروع القانون وفقًا للدستور، أما الثانية فهي إعادة القانون إلى مجلس الوزراء للنظر في ملاحظات مجلس الدولة ووزارة العدل للأخذ بها من عدمه خاصة أن تلك الملاحظات ستكون غير ملزمة.

 

أما الخطوة الثالثة فتتمثل في إرسال مشروع القانون إلى مجلس النواب تمهيدًا لمناقشة مواده والتصويت للموافقة عليه، وعلى الأرجح سيكون ذلك في  أكتوبر المقبل، وذلك بعد أيام من دور الانعقاد الجديد لمجلس النواب. والخطوة الرابعة رفع المشروع إلى الجنرال السيسي للتصديق عليه، ثم نشره في الجريدة الرسمية لبدء العمل به.

 

محتوى مشروع القانون

وينص مشروع القانون

أولا: على عدم جواز جمع البيانات الشخصية، أو معالجتها أو الإفصاح أو الإفشاء عنها بأية وسيلة من الوسائل إلا بموافقة الشخص المعني، أو في الأحوال المصرّح بها قانونيًا.

ثانيا: يكون للشخص المعني الحق في الاطلاع والحصول على البيانات الشخصية الخاصة به الموجودة لدى أي حائز أو متحكم أو معالج، وكذلك العدول عن الموافقة المسبقة على معالجة بياناته الشخصية، وله أيضًا الحق في التصحيح أو التعديل أو المحو أو الإضافة أو التحديث للبيانات الشخصية.

ثالثا: نص مشروع القانون على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تتجاوز مليون جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من جمع أو تداول أو عالج أو أفصح أو أفشى أو أتاح بيانات شخصية بأية وسيلة من الوسائل في غير الأحوال المصرح بها قانونيًا أو بدون موافقة الشخص المعني.

رابعا:  تضمن  مشروع القانون إنشاء مركز حماية البيانات الشخصية بهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات يكون للعاملين به الذين يصدر بتحديدهم قرار من وزير العدل بناء على اقتراح الوزير المختص، صفة الضبطية القضائية في مجال عملهم، ويقوم المركز بصياغة وتطوير السياسات والخطط الإستراتيجية والبرامج اللازمة لحماية البيانات الشخصية والقيام على تنفيذها.

 

أهداف القانون

مشروع القانون ـــ بحسب وزير الاتصالات عمرو طلعت ـــــ  يهدف إلى رفع مستويات أمن البيانات داخل الدولة وتنظيم عمليات نقلها عبر الحدود وأنشطة التسويق الإلكتروني لضبط عملية المعالجة الإلكترونية للبيانات الشخصية، ولضمان حقوق المواطنين ومواكبة التشريعات الدولية في هذا المجال.

 

لكن الهدف الثاني من وراء مشروع القانون هو الإسهام في رفع تصنيف النظام في مؤشر حقوق الإنسان، لا سيما  في ظل الانتقادات الدولية لانتهاكات النظام لحقوق الإنسان ما يدفع النظام نحو  سن ما يحتاج من مشروعات قوانين أو إجراءات تسهم في تخفيف حدة هذه الانتقادات، مع ضمان استمرار النظام في سياساته القمعية الشمولية.

 

أما الهدف  الثالث والأهم من مشروع القانون هو سيطرة الحكومة على هذه البيانات واستثمارها أمنيا واقتصاديا، فمنظومة حماية المواطن من كافة الاستخدامات غير الآمنة لمواقع التواصل الاجتماعي ـــ بحسب اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات ـــ  لا تكتمل إلا من خلال 3 قوانين تمثل بمثابة منظومة ثلاثية ضرورية هي: قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية، وقانون حماية البيانات الشخصية، وقانون حرية تداول المعلومات. وبالنسبة لقانون حماية البيانات الشخصية، سيكون له دور بارز في حماية خصوصية كل مواطن، التي تحولت إلى سلعة يمكن أن تباع وتشترى، ويمكن استغلالها في كثير من الأغراض المشروعة وغير المشروعة، ومن ثم تأتي أهمية ضرورة إلزام الجهات المقدمة للخدمات التكنولوجية بالحفاظ على سرية البيانات الشخصية لمستخدميها والمحافظة عليها. ولكن ما الذي يضمن ألا تستغل الحكومة ذاتها  هذه البيانات خصوصا وأن توجهات النظام تستهدف فرض ضريبة على إعلانات مواقع السوشيال ميديا لزيادة إيرادات الدولة في ظل الأزمة المالية المتفاقمة والعجز المزمن في موازنة الدولة والذي بلغ في الموازنة الحالية "438مليارا"؟

 

وعلى المستوى الاقتصادي فإن النظام يحاول ضمان حماية حقوق المستثمرين عموما القادمين من الخليج خصوصا وعلى رأسهم أبو ظبي والرياض ، و وحماية أنشطتهم الاستثمارية والمالية، خاصة أن عملية الاستثمار ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن والأمان والتي من بينها منظومة حماية تكنولوجية تسهم في حماية البيانات الشخصية والمهنية الخاصة بالمستثمر. وأن تكون هناك قوانين تجرم أي محاولة لكشف بيانات المستثمر الشخصية وطبيعة صفقاته وهو ما يفتح بابا واسعا للفساد تحت مزاعم حماية البيانات الشخصية.

 

كما يستهدف النظام  زيادة حصيلة إيرادات الخزانة العامة للدولة من وراء مشروع القانون فى حالة قيام إحدى المحلات التجارية بالحصول على بيانات الأشخاص كمثال وإرسال رسائل نصية إعلانية بطريقة غير مشروعة قد يعرضهم للمسائلة القانونية فالأمر هنا لا يعد اختراق بيانات ولكن اعتداء على خصوصية المواطنين من الحصول على بياناتهم بطريقة غير مشروعة؛ ما يعرضهم لغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد عن مليون جنيه، ومع بشاعة الانتهاكات وتجاوز الشركات والمحلات التجارية فإن ذلك سوف يضخ مليارات للخزانة العامة للدولة. فليس الهدف إذا هو حماية البيانات الشخصية للمواطنين بقدر ما هو توظيف لهذه البيانات من أجل زيادة موارد الدولة وفرض نوعية جديدة من الغرامات تضاف إلى عشرات بل مئات الرسوم والضرائب التي لجأ إليها النظام  من أجل زيادة الإيرادات في ظل تراجع معدلات الإنتاج واعتماده على التوسع في الاستدانة وفرض الضرائب. يؤكد على هذا المعنى أن  مشروع القانون يتضمن ضرورة الحصول على تراخيص بالنسبة للمتحكم فى البيانات ومعالجتها حسب كل نشاط من الأنشطة؛ ما يعني أن المشروع سوف يوفر مزيدا من الجباية من جانبين الأول الغرامات الباهظة والثاني رسوم الترخيص للشركات الراغبة في استخدام بعض البيانات لأهداف تسويقية.

 

وفي إطار سعي النظام لتخيف مستويات  العجز في الموازنة وفقا لشروط صندوق النقد الدولي، فإن النظام في ظل فشله في إدارة موارد الدولة بشكل صحيح لزيادة معدلات الإنتاج ومصادر الدخل؛ فإنه يلجأ إلى مثل هذه القوانين من أجل فرض نوعيات جديدة من الغرامات لتلبية شروط الصندوق.

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…