‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر «دعوة الإخوان للحوار» بين رسائل الطمأنة ومعادلات الحكم القائم
مصر - أغسطس 25, 2018

«دعوة الإخوان للحوار» بين رسائل الطمأنة ومعادلات الحكم القائم

 «دعوة الإخوان للحوار» بين رسائل الطمأنة  ومعادلات الحكم القائم

 وسط سياق داخلي وإقليمي ملتهب، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين يوم الثلاثاء 14 أغسطس، دعوة للحوار الوطني  بعنوان (تعالوا إلى كلمة سواء وطن واحد لشعب واحد)، تضع خريطة طريق للأزمة المصرية في محاولة للخروج من  النفق المظلم الذي دخلت فيه البلاد عقب انقلاب 30 يونيو 2013م، ويبعث بعدة رسائل طمأنة للشعب والقوى السياسية المختلفة والأقباط ومؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية  التي وصفتها الدعوة بـ"الوطنية" لأول مرة منذ مدة طويلة في بيانات الجماعة التي تعاقبت بعد  الانقلاب.

الدعوة تضمنت "10" بنود  ترسم ملامح  الإطار السياسي الذي تراه الجماعة «الطريق الأفضل» وليس الوحيد للخروج من النفق المظم الذي أدخل فيه انقلاب 03 يوليو  البلاد. ما يعني أن الجماعة لا تفرض رؤيتها على شركاء الوطن والقوى السياسية، بقدر ما تطرح تصوراتها عن المشهد، فإذا كانت الجماعة لم تصادر حق أحد في طرح ما يراه صوابا للخروج من الأزمة، واكتفت بإبداء تحفظاتها على بعض ما ورد في المبادرات السابقة التي أطلقها وطنيون  مخلصون، فبالمقابل لا ينبغي لأحد أن يفرض وصايته على الجماعة أو يضغط لفرض تصورات لا تتسق مع ما تراه صحيحا، أو يصادر حقها في الطرح الذي تراه مقبولا من جانبها باعتبارها طرفا أصيلا في المعادلة دون تطاول أو تجريح أو اتهامات جزافية؛  وإن كان ذلك لا يعني ثنائية الصراع الذي يحشر فيه النظام القوى السياسية والشعبية (ثنائية العسكر والإخوان)، بل هي معركة بين شعب يتطلع بكل فئاته وقواه الحية نحو الحياه الكريمة والحرية المصونة والعدالة الاجتماعية المنشودة، ونظام عسكري شمولي استبدادي، استباح كل شيء وأطاح بأحلام الشعب التي تعاظمت بعد ثورة 25يناير، بإجهاص المسار الديمقراطي الذي أقره الشعب في أنزه استحقاقات ديمقراطية في تاريخ البلاد.

بيان الاخوان الصادر بمثابة دعوة صريحة لحوار وطني جاد وشامل لا يقصي أحدا،  وتفعيل عقد مجتمعي جديد،  ما يمثل إشارة تصالحية لبدء صفحة جديدة  وطي صفحة الماضي مع أولئك الذين انخدعوا بالانقلاب ثم أدركوا اليوم كم آلت أوضاع البلاد إلى صورة بائسة وسط مخاوف كبيرة على مستقبل البلاد إذا استمر نظام الحكم الحالي بنفس الأشخاص والسياسات، فالجماعة تؤكد في  دعوتها أنها في العقد المجتمعي الجديد ستكون فصيلا من فصائل العمل الوطني والجماعة الوطنية التي قالت إن مشروعها هو مشروع وطني وحضاري وسياسي متكامل؛ يهدف إلى تحقيق لحمة وتماسك المجتمع بكل أطيافه وتنوعاته، وتحقيق الإجماع الوطني والتوافق السياسي. ما يُعد دعوة مباشرة للتوافق مع الآخر، أيا كانت مواقفه السابقة وأيا كان حجم الخلافات السياسية معه في الماضي ، وبعيدا عن الأوزان الشعبية للقوى السياسية، وهو ما يأتي تفعيلا لمبدأ الديمقراطية التوافقية وليست التنافسية.

وتؤكد الجماعة أن دعوتها  تأتي «انطلاقا من عقيدة الإخوان المسلمين بأن مقاومة الظلم دين، والعمل لمصلحة الوطن واجب، وحرصا على إخراج الوطن من النفق المظلم الذي أدخله فيه الانقلابيون». ودعت إلى حوار  وطني مجتمعي شامل في مناخ صحي يسمح بتحقيق البنود الواردة في المبادرة لاستعادة اللحمة الوطنية والانطلاق نحو واطن واحد لشعب واحد وحرصا على أن يحيا الجميع تحت سماء وطن واحد يسع الجميع تحت مظلة القانون والدستور.

 

رسائل طمأنة

وتضمنت دعوة الحوار  عدة رسائل تلبي تطلعات الصف من جهة والقوى السياسية المختلفة من جهة ثانية والأقباط من جهة ثالثة وأخيرا مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي يراد تصديرها في العداء مع الشعب بكل أطيافه لحماية نظام شمولي ديكتاتوري محسوب عليها وتتحمل خطاياه وأوزاره ما يحمل المؤسسة عبئا كبيرا هي في  غنى عنه باعتباره مؤسسة الشعب كله وليس لخدمة كبار القادة والجنرالات يوظفونها لخدمة مطامعهم وأغراضهم الشخصية في الحكم والثروة.

أولا،الشرعية والقصاص:..  تؤكد المبادرة على أهمية عودة الشرعية والقصاص من القتلة المتورطين في الدماء باعتبار ذلك من الثوابت التي لا استقرار بدونها، وهي رسالة للصف الداخلي المؤمن بالشرعية أنه لا تجاوز عن الثوابت، وبحسب المبادرة فإن "أفضل طريق للخروج من هذا النفق المظلم هو عودة الرئيس محمد مرسي إلى سدة الحكم على رأس حكومة ائتلافية يتم التوافق عليها من القوى الوطنية لمدة محددة وكافية، يتم خلالها تهيئة البلاد لإجراء انتخابات حرة نزيهة تشرف عليها هيئة قضائية مستقلة، تتوافق عليها القوى الوطنية دون إقصاء لأحد".

وهو ما يعني أن الجماعة تجاوزت فكرة عودة الشرعية كاملة بصلاحيات كاملة لكنها تؤكد على ضرورة عودة الرئيس المنتخب لإدارة حكومة ائتلافية تدعوة لانتخابات حرة وذلك تأسيسا على وصف ما جرى بالانقلاب ولا يجوز البناء على انقلاب على الشرعية والدستور، فرمزية عودة الرئيس المنتخب رسالة لكل جنرال معتوه طامع في السلطة أن الشعب يدفع دماءه من أجل حماية إرادته الحرة وإعادة الرئيس المنتخب. وهي أيضا رسالة إعلاء لقيمة الديمقراطية ووضع الإرادة الشعبية باعتبارها مصدر السلطات في المرتبة العليا التي يتعين الالتزام بها من الجميع وعدم تجاوزها تحت أي ظرف.

كذلك فإن البيان أحال مسألة القصاص لدماء الشهداء والجرحى إلى مبدأ "العدالة الانتقالية"، وجعل المطالبة بها ليس من اختصاصها بقدر ما هو حق أصيل لأولياء الدم حيث يؤكد البيان ( لا يمكن لفرد أو حزب أو جماعة أن تفتئت عليهم بأي حال من الأحوال)، ثم تشير إلى "رعاية الجرحى وأبناء الشهداء وتكريمهم واجب على المجتمع والدولة"، ما يعد دعوة للدولة برعاية وتكريم الجرحى وأبناء الشهداء. واستطردت قائلة:" تحقيق العدالة الناجزة، سواء في قضايا الدماء والأموال والأعراض والجرائم السياسية؛ ما يقتضي إعمال مبادئ العدالة الانتقالية في الأحداث التي مرت بالبلاد منذ ثورة يناير حتى الآن بواسطة هيئة قضائية مستقلة متوافق عليها بين القوى الوطنية".

ونجد هنا   أن البيان تناول مسألة الشهداء والجرحي بشكل مطلق دون وصف أو تخصيص، ما يعني تضمين كل الدماء التي سفكت ظلما منذ ثورة يناير وحتى اليوم  في الصراع الذي أشعله الجنرال عبدالفتاح السيسي للسطو على الحكم تنفيذا لأجندات خارجية لا علاقة لها بالوطن أو مصلحة الشعب.

ثانيا،السلمية ثوابت الحركة، المبادرة كذلك، تؤكد على سلمية الجماعة والتشديد على رفض العنف بكل صوره وأشكاله بغض النظر عن مبرراته أو ذرائعه؛ وللتأكيد على السلمية التي أعلنها فضيلة المرشد العام فوق منصة رابعة العدوية "سلميتنا أقوى من الرصاص"، تجدد المبادرة إصرار الجماعة على التمسك بالسلمية التي وصفتها الجماعة بخيار الشعب في ثورته وخيار الإخوان في التغيير وتؤكد المبادرة (أن "السلمية ثابت أصيل له جذور عميقة في منهج الإخوان وتاريخهم، ويتطابق مع مبادئهم الثابتة التي يستوحونها من فهمهم للإسلام ومنهجه وتشريعاته، التي تؤكد حرمة الدماء والأموال والأعراض، ولا تجيز العدوان عليها بأي حال من الأحوال، أو بأي ذريعة من الذرائع).

إذا السلمية هنا ــ وفق دعوة الحوار ــ  ليست خيارا سياسيا بقدر ما هي التزام ديني أيضا يتعلق بضرورة الانصياع لأوامر الشرع ونواهيه المتعلقة بتحريم  الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض. وخيار السلمية عند الإخوان رغم الاعتداءات الوحشية التي تعرضوا ولا يزالون يتعرضون  لها، ورغم مشروعية رد  الاعتداء،  تؤكد الحرص الكبير على مستقبل البلاد وعدم الانجرار إلى سيناريوهات الجزأرة أو السيناريو السوري أو اليمني؛ حفظا على سلامة وأمن  البلاد حتى وإن كان على حساب النفس والجماعة التي تتعرض لأبشع صورة التمييز والعنصرية.

ثالثا، إعلاء قيمة المواطنة، الرسالة الثالثة في دعوة الجماعة هي إعلاء قيمة المواطنة، وهي بذلك تبعث رسالة طمأنة لمن يتخوفون من عودة الجماعة للمشهد مرة أخرى مثل الأقباط من ناحية والقوى السياسية التي شاركت في مشهد الانقلاب وبدأت تفيء إلى الحق وتدرك حجم مخاطر استمرار النظام العسكري على مستقبل البلاد من ناحية أخرى.

فالدعوة تؤكد أن (أعضاء الإخوان جزء أصيل من النسيج المجتمعي، ولا يرون أنفسهم بديلا عن الشعب، أو ممثلا وحيدا له، ولا يحتكرون الوطنية ولا العمل الوطني، ويعتقدون أن الوطن يسع الجميع، ويحتاج في بنائه إلى الجميع، وأن التهميش والإقصاء سوأة نفسية وفكرية وخسارة اجتماعية ووطنية في آن واحد، وهم لا يفرقون بين مصري وآخر تحت سماء الوطن أو في خارج أراضيه، ويرون أن المواطنة هي القاعدة الصلبة لبناء الدولة المدنية الحديثة التي تسعى لها ثورة يناير).

واستخدام مصطلحي "المواطنة والدولة المدنية الحديثة"، تستهدف طمانة الأطراف المقصودة بالمبادرة، وهم الأقباط والقوى السياسية المختلفة. ما يمثل أيضا تجاوزا للمواقف السابقة التي أدت إلى تصنيفات سياسية عنصرية وتفشي الكراهية بصورة انعكست على البلاد بعد مشهد انقلاب 03 يوليو، وأفضت إلى الفشل واليأس والإحباط فلا يقوم وطن تتفشى فيه معاني الكراهية والعنصرية ولا بد من سلام اجتماعي ينعم به الجميع دون إقصاء أو تمييز.

رابعا، طمأنة مؤسسات الدولة، الرسالة الرابعة، في الدعوة  هي طمأنة مؤسسات الدولة وخصوصا المؤسسة العسكرية، فالدعوة تؤكد على (حرص الجماعة المتين على الدولة ومؤسساتها التي هي ملك للشعب المصري وحده، ومن بينها المؤسسة العسكرية الوطنية).  وتؤكد الدعوة  على (حرص الجماعة على المؤسسة العسكرية وتماسكها ووحدتها واحترافيتها، مؤكدة أنها "إحدى مؤسسات الدولة المهمة التي يتكون قوامها من أبناء المجتمع المصري كافة ومن كل أطيافه عامة، وأنهم (الإخوان) حريصون على استمرارها في أداء مهامها التي ينص عليها الدستور والقانون؛ في حماية حدود الوطن وأمنه القومي والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيه؛ ما يقتضي إيقاف توغلها في الحياة السياسية والاقتصادية، وهو ما ألقى عليها مهمة غير مهمتها، وهي إدارة شؤون الحكم في البلاد، كما يحتم عليها التحول إلى مؤسسة احترافية بعيدة عن تجاذبات السياسة ومصالح رأس المال والاقتصاد).

وهو ما يكشف عن رؤية الجماعة باعتبارها الفصيل الشعبي والسياسي الأكبر  في  البلاد والذي حاز على ثقة الشعب في كل الاستحقاقات النزيهة بعد ثورة 25 يناير 2011م، فالجماعة ترى المؤسسة العسكرية مؤسسة "وطنية" وهو وصف يستخدم للمرة الأولى في بيان رسمي للجماعة منذ فترة طويلة، رغم الدور الرئيس الذي قام به الجيش في الانقلاب،  لكن الجماعة ترى أن ثمة فارقا بين الجيش كمؤسسة وطنية لها دور وطني مشرف، وبين كبار القادة والجنرالات الذي اختطفوا المؤسسة لصالح مطامعهم الشخصية وخدمة أجندات خارجية؛ وقد ثبت باليقين عمالة الجنرال السيسي للأمريكان وهو ما كشف عنه الصحفي الأمريكي المخضرم "كير كيباتريك" مدير مكتب النيويورك تايمز بالقاهرة إبان ثورة يناير والانقلاب، في تحقيق صحفي على درجة عالية من التوثيق والمهنية، والذي لم يتم نفي أي معلومة وردت فيه حتى اليوم ما يؤكد صحة ما جاء فيه جملة وتفصيلا.

كما تؤكد الدعوة على ضرورة حماية المؤسسة ورد الاعتبار لها واسترداد شعبيتها التي تآكلت، بوقف أطماع كبار القادة والجنرالات في الحكم واحتكار الثروة وضرورة قيام المؤسسة بدورها الذي نص عليه الدستور  وهو حماية حدود البلاد دون التدخل في السياسة والصراع على الحكم.

 

ردود الأفعال

من الطبيعي أن تتباين ردود الأفعال حيال الدعوة، وكان أول  رد فعل من جانب الدكتور أيمن نور،  الذي أشاد بالبيان  منوها إلى أن مسألة عودة مرسي وإن كان مسألة خلافية إلا أنه أشاد قائلا: «بيان الإخوان يساهم في نشر روح الاطمئنان ليس فقط لدى القوى السياسية، لكن لدى المواطن المصري الذي بات يخشى من أي تغيير بفعل ترهيب السيسي وإعلامه من أن التغيير أصبح الآن مرادفا لهدم الدولة ومؤسساتها، ويأتي بيان الإخوان ليتحدث بصورة أكثر وضوحا وأكثر تطمينا للعديد من الشركاء في الحياة السياسية، وتطمينا لمؤسسات الدولة، وقطاعات من المواطنين المتخوفين من فكرة التغيير».

كما أثنى نور على فقرات البيان «من أهم الفقرات التي توقفت أمامها في البيان، الفقرة الأخيرة التي تحدثت عن أهمية التعايش تحت سماء وطن يتسع للجميع وتحت مظلة القانون والدستور، والدعوة بصورة صريحة وواضحة لحوار شامل يسمح بتحقيق الكثير مما ورد في هذا البيان بهدف استعادة اللحمة الوطنية والانطلاق نحو وطن واحد لشعب واحد»، كما أثنى كذلك على اعتبار الإخوان أن «المواطنة هي القاعدة الصلبة لبناء الدولة المدنية الحديثة، وأن أحدا لا يحتكر الوطنية أو يرى نفسه بديلا عن الشعب أو ممثلا وحيدا له، فالوطن بالفعل يسع الجميع، وبالفعل يحتاج للجميع دون تفرقة بين أي مصري وآخر».

بينما تجاهل النظام تماما المبادرة، واكتفي بتسليط بعض صبيانه على الفضائيات بالتطاول والتجريح والتشهير بالجماعة وبكل من يعارض النظام ويرى في استمراره خطورة على مستقبل البلاد. 

إذ ما الذي يدفع النظام إلى التجاوب مع دعوة تفضي إلى إسقاطه؟ كما أنه لا يجد ضغوط لا داخلية ولا خارجية تجبره على الإذعان والتسليم في  الوقت الذي يفرض هو تصوارته الخاطئة على جميع الشعب بالحديد والنار، ويكرس قبضته السلطوية باستخدام "القوة الغاشمة" إذا لزم الأمر دون اكتراث لانتقادات منظمات حقوقية دولية أو حتى مؤسسات دولية في ظل الحماية والدعم الذي تسبغه عليه الإدارة الأمريكية والحكومية الإسرائيلية وعواصم خليجية شديدة الثراء؟

 وفي ذات السياق لم يصدر أي رد فعل من جانب أولئك الذين أطلقوا مبادرات سابقة كثير منها كانت تستهدف الاعتراف بشرعية النظام وتجاوز مبدئي عودة الشرعية والقصاص لدماء الشهداء.

 

الخلاصة

دعوة الإخوان للحوار الوطني سعت إلى طمأنة الصف الداخلي للجماعة بالتأكيد على عودة الشرعية وضرورة القصاص للشهداء والجرحي، وبعثت برسالة طمأنة للأقباط والقوى السياسية الأخرى بالتأكيد على مبدئي المواطنة كأساس للتعامع مع الجميع دون تفرقة والدولة المدنية الحديثة فلا حكم عسكري ولا ثيوقراطية في الإسلام تعلي من شأن رجال الدين وتجعلهم متحكمين في مفاصل الدولة كما كان حال الكنيسة في العصور الوسطى بأوروبا. كما ترسل تطمينات لمؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية بأن الهدف هو حمايتها والحفاظ على وحدتها وتماسكها وذلك لا يكون إلا بتحريرها من قبضة أولئك الذين استغلوها لتحقيق أهدافهم الخاصة وأطماعهم في الحكم واحتكار الثروة، وضرورة أن تنأى المؤسسة بنفسها عن العمل السياسي والتنزه عن الحكم لأن الجيوش التي تحكم لا تحارب ولا تدافع عن أوطان وذلك بالعودة إلى الثكنات وحماية حدود البلاد ضد أي أعتداء أجنبي كما نص الدستور.

يبقى الأكثر صعوبة هو وضع خريطة طريق للتخلص من النظام الاستبدادي العسكري،  وهو ما لم تشر إليه الدعوة مطلقا سوى بالتأكيد على سلمية الحركة والمسار، دون أن تجيب المبادرة عن كيفية الخروج من النفق المظلم بالتحرر أولا من قبضة النظام العسكري الشمولي، إذ كيف سيتم ذلك؟ وما هي أدواته؟ وهل تملك فئات  الشعب الرافضة للنظام ومنها الجماعة آليات عملية تؤدي إلى الإطاحة بالنظام؟.

بل إن الاخوان  عندما تدعو إلى (تصحيح مناخ الاستقطاب عبر إجراءات بعينها تتمثل في "الوقف الفوري للتعذيب الممنهج، والقتل خارج نطاق القانون، والإخفاء القسري، ومداهمات البيوت، وكافة الممارسات التي تزيد من الاحتقان الشعبي، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، وإلغاء وشطب وإسقاط كل التهم الملفقة والأحكام الجائرة الصادرة بحقهم، ورفع كل ما ترتب عليها من مصادرة للأموال أو فصل من الوظائف أو منع من السفر أو غير ذلك، والأمر نفسه بالنسبة للمطاردين والملاحقين أمنيا داخل الوطن وخارجه، وذلك كخطوة أولى لتهيئة مناخ الحريات)؛ فمن هذا الذي سيقوم بهذه الإجراءات؟ وهل سيقوم بها النظام من تلقاء نفسه؟

كما أن النظام يتآكل بشدة وربما يفضي فشله في جميع الملفات إلى خلل في معادلة الحكم القائمة ما يجعله عبئا على  الجميع يتوجب الخلاص منه.

عموما كل هذه التحفظات لا تمنع من أن الدعوة خطوة على الطريق، قد أكدت على ملامح تصور الجماعة لمرحلة ما بعد الانقلاب؛ فقد وضعت الجماعة تصورها عن «تصميم البناء»  وإن كان الشعب لم يحصل بعد على «الأرض المغتصبة» التي يقيم عليها البناء المأمول لنظام ديمقراطي ودولة مدنية حديثة تسع الجميع دون إقصاء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مذكرة تفاهم بين السيسي والجامعة الأمريكية.. قراءة في الأبعاد والمخاطر

  أقدم رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي في منتصف أكتوبر 2020م على خطوة مثيرة للجدل تكرس…