‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قتل وانتحار وتشليح، ماذا يحدث في الكنيسة؟
مصر - أغسطس 27, 2018

قتل وانتحار وتشليح، ماذا يحدث في الكنيسة؟

 قتل وانتحار وتشليح، ماذا يحدث في الكنيسة؟

 

ما حدث في دير الأنبا مقار من جرائم قتل وانتحار وتبادل اتهامات ومحاولات التهرب منها ما هو إلا تجسيد لفكرة أمر النفس بالسوء حتى وإن كان أصحابها يدعون زهداً في كل متاع الدنيا، والوقوع في أمراض النفوس هو أمر وارد وخاصة حينما يرتبط الأمر بالسلطة والمال. كما أنه يعيد للنقاش العام حضور الكنيسة كممثل للاقباط وصورتها في المجال العام المصري خصوصاً بعد الدور الذي لعبته الكنيسة والنخب القبطية في توفير غطاء ديني لانقلاب عسكري ودعم عمليات اقصاء ومذابح غير مسبوقة في العصر الحديث.

 

الجذور التاريخية للخلاف[1]

 

ما يهمنا تاريخيًا للبحث في أصل الخلاف يبدأ من الستينات حيث برز فردان لامعان في ذلك الوقت وهو "متى مسكين" و "شنوده" ولكل منهم مذهب حياتي وإدارى معين . كان متى المسكين يرى أن دور الكنيسة يجب أن ينحصر في الشق الديني ومحاولة التقريب بين المسيحي والسماء، كان شنودة ابن عصره، يميل أكثر إلى فكرة الدولة ويؤمن بسلطة الكنيسة بمعناها الأوسع وأيضًا نظرتهم للكنائس الأخرى، فـ"متى" كان أكثر انفتاحًا وميلًا إلى التقارب في حين كان شنودة، على عكسه يخالف (ويمكن القول يعادي) الغرب وكنيسته. وبرغم قدم متى عن شنوده إلا أن الأخير فاز بأن يكون البابا الجديد وكان شنوده سياسياً لبقاً ومحبوباً بين الأقباط وتتميز لغة خطابه بشئ من الزعامة على عكس متى الذي كان يريد التقارب مع الآخر المسيحي.

 

من شنوده إلى تواضروس[2]

 

حينما تولى شنوده الباباوية عين الأكثر ولاءً له ويحملون أفكاره، وظلت تزداد الفجوة بينه وبين متى إلى أن اغتاله معنويًا. تأتى الصدمة بحلول السادات الذي عزله وتحفظ عليه في دير وادي النطرون ثم ظهر مره أخرى بمجئ مبارك الذي عقد معه اتفاقاً ضمنىاً بحمل مسئولية الأقباط في مصر ليخفف الحمل عن عاتقه وفي نفس الوقت تعد فرصة جيدة لإحكام قبضة شنوده وبالفعل حوّل شنوده الأقباط إلى ما يشبه دولة مصغرة حتى وفاته ، ثم جاء تواضروس الذي ينتمى ضمنيًا إلى تيار "متى" مما يحيي الصراع من جديد حيث أنه يؤمن بالتقارب مع الكنائس الأخرى، وتأكد ذلك حين سافر ليهنئ فرنسيس في مايو 2013 على كرسي القديس بطرس في الفاتيكان، ويتضح أن تحركات تواضروس صوب التجديد فاقمت الصدام داخل الكنيسة، فالرجل لا ينسف أفكارًا قديمة فحسب بل ويقصي نخباً ارتبطت بشنودة، وهو ما ينتج صدامًا عقائديًا، بل يخصم من نفوذ قساوسة ورهبان أصبحت لهم سلطات دينية ويحققون مكاسب دنيوية كبيرة، ويبدو أن ذلك الصراع ظل مكتومًا إلى أن انفجر بمقتل الأنبا إبيفانيوس، ورئيس دير أبو مقار الذي يعد من التلميذ النجيب لمتى وأهم رجال تواضروس.

ويؤكد العديد من المتابعين للشأن القبطى إلى أن مقتل الأنبا إبيفانيوس يعود بالاساس إلى تلكط الخلافات القديمة بين الأب "متى المسكين" و"البابا شنودة" ، فبرحيل البابا شنودة فُتح باب الترشح لخلافته. ولأسباب معقدة لها علاقة بطريقة انتخاب البابا، نُصّب تواضروس بابا. ولأنه محسوب على تيار متى المسكين، كان من الطبيعي أن تبدأ جولة جديدة من الصراع. فالشائع عن تواضروس أنه يؤمن بالتقارب مع الكنائس الأخرى، وهو ما بدا جلياً حين قام بزيارة البابا فرنسيس لأول مرة في 10 مايو 2013، لتقديم التهنئة له لجلوسه على كرسي القديس بطرس في الفاتيكان، ثم بدأ الحديث عن الاعتراف بتعميد الكنيسة الكاثوليكية، في خطوة وُصفت بأنها عظيمة للتقارب وإنهاء الخلاف بين الكنائس المتباعدة لسنوات.  لقد جاءت سياسات تواضروس في المجال الديني لتصطدم مع نخب ومصالح موالية للبابا السابق كما أنها تنسف أفكاراً قديمة ، وهو ما ينتج صداماً عقائدياً، ويخصم من نفوذ قساوسة ورهبان أصبحت لهم سلطات دينية ويحققون مكاسب دنيوية كبيرة.

ظل الصدام مكتوماً داخل أسوار الكنيسة، وبعيداً عن أعين الإعلام لسنوات وسنوات، إلى أن فوجئ الجميع بخبر مقتل الأنبا إبيفانيوس، أسقف ورئيس دير أبو مقار للرهبان، وهو يعتبر  من أهم رجال تواضروس وصاحب مكانة كبيرة.

 

قتل وامتناع عن الحديث وانتحار وتشليح

 

بعد مقتل الأنبا إبيفانيوس، قرر المجمع المقدس، بتجريد الراهبيْن يعقوب المقاري وأشعياء المقاري من الرهبنة والكهنوت وعزلهما نهائياً، وهو ما أعتبره البعض إشارة إلى تورط الرجلين فى جريمة القتل. ثم جاءت محاولة الراهب فلتاؤس المقاري الانتحار، وهو ما جعل أصواتاً أخرى تتعالى قائلة إن الراهب المحسوب على فريق شنودة تم تعذيبه وأجبر على الانتحار.

عقب قتل إبيفانيوس بأيام قليلة اجتمع المجمع المقدس (بقيادة تواضروس) ليصدر قرارات لعل أبرزها:
 
1- أمر الرهبان بالامتناع فوراً عن التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي

2- وقف قبول رهبان جدد أو ترقية الرهبان الحاليين لمدة ثلاث سنوات

3- حظر التعامل المالي على أي راهب.

 

هذه القرارت يراها الباحث القبطي إسحق ابراهيم الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في ملف حرية الدين والمعتقد، جيدة حيث "التوسع في قبول الرهبان كان الهدف منه تكوين فريق داعم لطرف على حساب طرف، والأمور كادت أن تخرج عن السيطرة، إضافة إلى أن فكرة أن يتعامل الرهبان ماديًا أو أن تكون لهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، تتنافى بالأساس مع فلسفة الرهبنة المبنية على ترك الحياة الدنيا".

ولم يقف البابا تواضروس عند هذا الحد. فلم يمضِ يومان حتى كان قد اتخذ قرارًا آخر بتجريد الراهبين "يعقوب المقاري وأشعياء المقاري" من الرهبنة والكهنوت وعزلهما مما أثار شكوك حول تورطهما في قتله.

ثم تفاقمت الأزمة مع إعلان اليوم السابع عن محاولة انتحار الراهب فلتاؤس المقاري حيث قالت أن الرجل حاول الانتحار بقطع شرايين يديه داخل مسكنه في الدير، وحين فشل قام باستقلال سيارته وتوجه إلى مبنى العيادات الطبية، وصعد إلى الطابق الرابع وقفز، ويجدر بالذكر أن هذا الراهب محسوب على شنوده مما يثير أيضًا شكوك حول إجباره على الانتحار ربما كى لا يتحدث فيما كان يدور، وربما لا.

 

الاتجاه المعاكس[3]

 

ثمة سؤال يظل عالقًا حول سبب الربط التاريخي لتلك الجريمة بالخلاف بين متى وشنوده، فمن المحتمل أن تكون تلك الجريمة يقف خلفها دافع  جنائي فردي مرتبط بالجاني، ولكن الكنيسة كمكان غامض بداخله أسرار وصراعات لا يعلمها سوى من هم بالداخل يضفي المزيد من الشكوك كما أنه لا يوجد بعد أدلة ومعلومات كافية لاستحضار صراع متي المسكين وشنودة وكون تواضرس يمثل امتداداً لمتي ضد نخب متنفذة كانت مرتبطة بشنودة.

وفي يوم 7 أغسطس انتشر بشدة على فيسبوك منشور يشرح بالتفصيل جذور الخلاف كما سبق الذكر أعلاه، ووضع احتمالية الاتجاه المعاكس ولكنه شكك فيها حيث أن التشليح أى العزل الكنسي لا يحدث سوى في حالات محدودة كالقتل أو التحرش الجنسي أو الهرطقة[4] مما يؤكد صحة احتمالية القتل على يدى واحد من الاثنين المعزولين من قبل تواضروس.

ولكن أصدرت الكنيسة بياناً تنفي ذلك المعنى الذي يساوى بين تجريدهم وادانتهم حيث أن الكنيسة تركت الأمر لأجهزة الدولة حتي يتم التعامل مع المتهمين بصفتهم المدنية[5].

 

ماذا لو ؟

 

في عظة تواضروس نصح المستمعين بتجنب الشائعات واستشهد بمقولات السيسي بألاف الإشاعات التى تنتشر في مدة قصيرة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي وقال أن الأمر يتم التحقيق فيه[6]. لكن نطرح مجموعة أسئلة غاية في البساطة ماذا لو صدقت الرواية الأولى المتعلقة بإحياء الخلاف القديم ؟ في هذه الحالة أنه سيحدث فجوة بين قادة الكنيسة والأقباط ويتم خلق مناخ من عدم الثقة. وماذا لو كانت جريمة كأى جريمة تنبع من دوافع فردية جنائية ؟ إن ذلك يفتح بابًا جديدًا للتحقيق الكنسي حول مدى قيام دور الرهبان بدورهم الديني الذي من المفترض أن ينأى بجدرانها عن كل ما هو دنيوى، إذن فكيف القتل في هذه البيئة في ظل الصراع علي المال والادارة والوظائف. لقد تجاوزت الحداثه أبواب الرهبان وسحرتهم بالسوشيال ميديا وخلافه .

 

 

أدى هذا الحادث إلى ظهور الخلافات داخل الكنيسة لأول مرة على العلن، وهو ما دفع البعض إلى التأكيد على أن الكنيسة والشرطة حاولوا التغطية على هذه الخلافات، من خلال محاولة تفجير كنيسة مسطرد ، وما يدعم هذا الرأى هو عدم وقوع أى إصابات فى الحادث، إلى جانب تراجع مثل هذه العمليات الإنتحارية فى الأونة الأخيرة وظهورها مرة أخرى بالتزامن مع مقتل الأنبا إبيفانيوس.

ربما ما حدث، حدث ليصحح مسار خاطئ كانت تسير فيه الكنيسة المصرية، ولكن الأبواب التى فُتحت لا يسهل غلقها حيث أنها تركت أسئلة تحتاج إلى أجوبة كثيرة من قبل القيادة الكنسية وهى تدور في فلك الرهبنة وأنشطة الدور واقتصادها وحياتها الاجتماعية فأيًا كانت نتائج التحقيقات و سواء كان القاتل من الدير أم لا، فإن تلك الأسئلة تحتاج إلى أجوبة من وإلى الأقباط أنفسهم ثم إلى الدولة والنظام والمجتمع؟ فضلًا عن منطقية واتساق سياسة تواضروس الذي يعتبره البعض خليفة لمتى ولكنه في الحقيقة في عظته الأخير يستشهد بمقولات رأس السلطة السياسية الاستبدادية الأمر الذي يعكس اضطرابات عقيدية وأيديولوجية أيضًا، فليس معنى زيارة تواضروس لفرنسيس أنه يتفق مع مبادئ متى المسكين في الانفتاح علي الآخر المسيحي بل في الغالب هو أشبه بشنوده الذي كان مرتبطاً بالسلطة ويربط ما بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية. على أية حال، تلك الواقعة تستحق أن تظهر لعموم الناس، ولكن يسهل التكتيم عليها من قبل القيادة الدينية المسيحية ومن قبل الدولة في مقابل خلق روح من الاستقرار المزيف الذي هو عادة أحد أهم أسرار الانفجارات غير المتوقعة كالثورة المصرية ، وكجريمة القتل الأخيرة.


[1] قتل و"انتحار" وعزل رهبان وتبادل اتهامات… ماذا يحدث في الكنيسة القبطية المصرية؟،ماجد عاطف،7أغسطس2018،رصيف22، الرابط : https://raseef22.com/politics/2018/08/07/%D9%82%D8%AA%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%B9%D8%B2%D9%84-%D8%B1%D9%87%D8%A8%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%85%D8%A7/

[2] المرجع السابق.

[3] مقتل الأنبا أبيفانيوس: فهم الكنيسة انطلاقًا من الأسطورة،شادي لويس12أغسطس2018،مدي مصر، الرابط : https://www.madamasr.com/ar/2018/08/12/opinion/u/%D9%85%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%A8%D8%A7-%D8%A3%D8%A8%D9%8A%D9%81%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%88%D8%B3-%D9%81%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D8%B7/

[5] الكنيسة: تجريد راهب «أبو مقار» لا علاقة له بتحقيقات النيابة في مقتل رئيس الدير،مدى مصر،6اغسطس2018، الرابط : https://www.madamasr.com/ar/2018/08/06/news/u/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%B1%D8%A7%D9%87%D8%A8-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1-%D9%84%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9/

[6] المرجع السابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…