‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر شعبية السيسي المتآكلة بين فرص الثورة وتحديات الواقع
مصر - سبتمبر 2, 2018

شعبية السيسي المتآكلة بين فرص الثورة وتحديات الواقع

 شعبية السيسي المتآكلة بين فرص الثورة وتحديات الواقع

 

استطلاع الرأي الوحيد الذي يمكن الوثوق في نتائجه والمعبر عن شعبية الجنرال عبدالفتاح السيسي والمؤسسة العسكرية أجراه مركز "بيو" الأمريكي في الفترة بين 10 إلى 29 أبريل 2014م.  وصدرت نتائجه في 22 مايو في ذات العام[1]، وبعد أقل من سنة على مرور انقلاب 03 يوليو 2013م، هذا الاستطلاع  أكد على الانقسام العميق  والحاد داخل المجتمع المصري، فبعكس ما كانت تروج له وسائل الإعلام الموالية للنظام، فإن الاستطلاع انتهى إلى النتائج الآتية:

أولا: شعبية السيسي لا تتجاوز 54%،  وعارض 43% من العينة إطاحة الجيش بالرئيس المدني المنتخب الدكتور محمد مرسي.

ثانيا، أعرب 72% من المصريين  عن عدم رضاهم عن الوجهة التي تسير نحوها بلادهم.

ثالثا، عبر 42% عن تصورات إيجابية للرئيس محمد مرسي بينما كان آخر استطلاع أجراه المركز قبيل الانقلاب بأسابيع بلغت 53% مايعني أن وقت الانقلاب كان الرئيس مرسي يحظيى برضا أغلبية المصريين.

رابعا، كشف الاستطلاع عن تراجع حاد في شعبية المؤسسة العسكرية؛حيث ذكر 56% وقتها أن للجيش تأثيرا جيدا في البلاد بينما اعتبر 45% تاثيره سلبيا، وللتأكيد على هذا التراجع كان استطلاع المركز قبيل الانقلاب بأسابيع كشف عن رضا 72% عن تأثير الجيش بينما رآه 24% سلبيا، وكان استطلاع المركز عقب ثورة 25 يناير قد كشف أن 88% من المصريين عبروا عن رضاهم عن التأثير الإيجابي للجيش مقابل 11% رأوه سلبيا ما يعني أن المؤسسة العسكرية تراجعت شعبيتها في 2014 من 88% إلى 56 فقط ما يؤكد التراجع الحاد في شعبيتها.

خامسا، تراجعت الثقة في مؤسسة القضاء المصري، حيث رأى 58% من المصريين أن للقضاء تأثيرا سلبيا على البلاد بنما رأي 41% العكس، وهي نتائج عكس ما جاء في استطلاع المركز قبل ذلك بعام حيث عبر 58% عن ثقتهم في مؤسسة القضاء بينما عبر 41% عن تصورات سلبية عنه.

سادسا، رغم الحظر والملاحقة وحملات الدعاية السوداء حازت جماعة الإخوان  على 40% من رضا المصريين بحسب الاستطلاع وهو ما صدم أبواق العسكر والانقلاب وقتها. وأن الذين يعارضون الإطاحة بمرسي هم الأكثر تفضيلا للديمقراطية لنظام للحكم من أولئك الذين يؤيدون الإطاحة به.

سابعا، كشف الاستطلاع عن مخاوف المصريين  العميقة بشأن الاقتصاد، حيث رأي (21%) فقط أن الاقتصاد بحالة جيدة بينما رأي (76%) عكس ذلك. كما كشف عن انقسام  بين أولئك الذين يعتقدون أنه سيتحسن في غضون الشهور الـ12 القادمة، ويمثل هؤلاء (31%) والذين يرون أنه سيزداد سوءا ونسبتهم (35%)، أما الذين يعتقدون أنه سيبقى كما هو فتمثل نسبتهم (31%)، ما عبر عن إحباط الشعب ويأسه من نظام 03 يوليو وهو ما تحقق تماما بعد مرور 4 سنوات على هذا الاستطلاع و5 سنوات عن مشهد انقلاب 03 يوليو 2013م.

 

ماذا عن شعبية السيسي اليوم؟

كان استطلاع الرأي الذي أجراه مركز "بيو" قبل رفع  أسعار الوقود للمرة الأولى  في 04 يوليو 2014 حيث وصلت نسبة الزيادة إلى 78% مرة واحدة! ثم المرة الثانية في 04 نوفمبر 2016م،  ثم الزيادة الثالثة في 29 يونيو 2017م، ثم المرة الرابعة في 06 يونيو 2018م، وخلال هذه السنوات ارتفع سعر بنزين 80 الذي يستخدمه أكثر من 80% من المصريين ويتحدد على أساسه تعريفة الركوب في وسائل النقل العام من "90 قرشا إلى  550 قرشا، ولتر السولار  من 110 قرشا إلى 550 قرشا  وأنبوبة البوتاجاز من 08 جنيهات إلى 50 جنيها!

وكانت نتائج هذا الاستطلاع قبل أن يصدر الجنرال قرارات تعويم الجنيه ، والتي أفضت إلى تآكل قيمة العملة المحلية ليرتفع سعر صرف الدولار من 8 جنيهات قبيل التعويم إلى 18 جنيها بعده وما أداه ذلك إلى موجات متتابعة من الغلاء الفاحش الذي طال جميع السلع والخدمات؛ فارتفعت أسعار المياة والكهرباء وتعريفة الركوب وتذاكر المترو وأكثر من 27 خدمة حكومية بنسبة تصل إلى 500% عما كانت عليه قبل عامين فقط!

وكان هذا الاستطلاع قبل أن يتوسع النظام في الديون حتى وصل حجم الديون الداخلية من 1,4 تريليونا إلى 3,4 تريليون جنيه والخارجية من 44 مليار دولار إلى 88.2 مليار بنهاية مارس الماضي 2018م. أي أن السيسي وحدة رفع حجم الديون من 1,7 تريليونا إلى حوالي 5 تريليونات جنيه مرة واحدة في أقل من 4 سنوات!

وكان هذا الاستطلاع قبل أن يتنازل الجنرال عبدالفتاح السيسي  عن جزيرتي "تيران وصنافير" المصريتين للجانب السعودي في إطار صفقة ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين في منتصف أبريل 2016م، ثم إهداره لحكم الإدارية العليا البات والنهائي بمصرية الجزيرتين تم التنكيل بكل من اعترض على تفريطه في السيادة المصرية والتراب الوطني ثم التنكيل بالقاضي نفسه الذي أصدر هذا الحكم التاريخي وهو المستشار  يحيى الدكروري وعدم تعينه رئيسا لمجلس الدولة رغم أحقيته في ذلك.

وكان هذا الاستطلاع قبل أن تتضح صورة عسكرة الدولة كما هي عليه اليوم في 2018م، وقد هيمنت المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد وهددت مصالح القطاع الخاص بصورة مخيفة؛ كما أن نظام السيسي العسكري أمم الفضاء السياسي والإعلامي وكمم الأفواه وقتل الشباب واعتقل المعارضين وصادر الحريات وأهدر جميع مكتسبات ثورة 25 يناير وعادت مصر عسكرية كما كانت بل أكثر وحشية وبشاعة مما كانت عليه أيام الديكتاتور حسني مبارك. وامتد قمع السيسي من الإسلاميين إلى العلمانيين واعتقل قادة سياسيين بارزين وجنرالات كبار لمجرد أنهم انتقدوه أو فكروا في منافسته سياسيا مثل الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح والفريق سامي عنان والمستشار هشام جنينة وحتى رئيس حملته في مسرحية 2014 الناشط حازم عبدالعظيم لم يسلم من قمعه وهو اليوم في سجون السيسي، وصولا إلى اعتقال السفير معصوم مرزوق والدكتور يحيى القزاز وغيرهم من آلاف الشباب من مختلف  القوى السياسية التي شاركت في ثورة 25 يناير.

كل هذه العوامل وغيرها أفضت إلى تأكل جذري في شعبية الجنرال عبدالفتاح السيسي ومنظومة الحكم العسكري القائم، ووفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية[2]، في فبراير الماضي فإن شعبية السيسي بدأت تتآكل، منذ أواخر عام 2016، بسبب المشاريع الكبرى "الفرعونية" الطابع، مصحوبة بمؤشرات ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والدواء وغيرها من السلع الحيوية المهمة لحياة المصريين.

ومنذ 2014 لم يعد مركز بيو  أو غيره من مراكز البحث المهنية يقوم باستطلاعات جديدة في مصر؛  لأن النظام بدأ يحول  دون ذلك من جهة كما أن المجتمعات التي يسود فيها الخوف بسبب الطغيان والاستبداد السياسي  يخشى الناس فيها من التعبير عن آرائهم بحرية ما يفقد أي استطلاع قيمته العلمية لغياب المعايير الصحيحة لإجرائه. لتبقى الساحة أمام مراكز البحث الحكومية تمارس التدليس والبهتان لتجميل وجه النظام المشوه، لكن تبقى اللجان الفارغة وعبثية ما تسمى بانتخابات الرئاسة أكبر دليل على تلاشي أي شعبية أو مشروعية للنظام القائم.

 

ماذا تبقى من تحالف 30 يونيو؟

فبالنظر إلى المشهد السياسي المصري اليوم، فإن السيسي يعادي الجميع دون استثناء، فمع الانقلاب دخل في عداء مع نصف الشعب وهم الإسلاميون الذين يمثلون القوى الشعبية الأكبر في البلاد، ثم بعد ذلك دخل في صدام مع مجموعات الألتراس؛ إضافة إلى عدائه مع ألتراس "أهلاوي" واعتقال عشرات الشباب؛ نفذت قوات السيسي مذبحة دموية بحق ألتراس الزمالك أسفرت عن مقتل 21 مشجعا واعتقال العشرات أيضا في مذبحة "الدفاع الجوي"؛ ما دفع المجموعتين إلى تجميد نشاطهما. وثالثا دخل النظام في خصومة مع الحركات الشبابية التي شاركت بقوة في ثورة 25 يناير وصنفت حركة 6 أبريل حركة إرهابية واعتقلت قادتها ورموزها وشنت بحقها حملات دعاية سوداء لم تتوقف حتى اليوم. ثم دخل النظام في عداء مع ما تسمى بالقوى المدنية وهي الأحزاب التي العلمانية التي حرضت الجيش على إجهاض المسار الديمقراطي والتدخل في الشأن السياسي، ثم ندمت على ذلك ندما شديدا بعد أن رأت وحشية واستبداد نظام 30 يونيو. وخسر النظام أي تعاطف شعبي بعد القرارات القاسية في الشق الاقتصادي والتي لم تراع أي بعد اجتماعي ولم تتحسب للانعكاسات المؤلمة على قطاعات كبيرة من الشعب باتت تئن كل يوم بفعل الغلاء الفاحش والأسعار الملتهبة.

فماذا تبقى من معسكر 30 يونيو؟

بحسب الكاتب المتطرف لنظام العسكر عماد جاد[3] فإنك «لا تحتاج إلى جهد كبير حتى تعرف أن رموزاً من أخلص مؤيدى وأنصار ٣٠ يونيو قد ابتعدوا أو أُبعدوا عن المشهد لسببين رئيسيين أولهما الإغلاق المبكر للدائرة المحيطة بالرئيس والثانى تغول المكون الأمنى على حساب السياسى ومن ثم جرى التعامل مع رموز مصرية وطنية بطرق خشنة وفظة فكان قرار الخروج من التحالف أو التنحى جانباً حزناً وألماً على طريقة الإدارة وإعادة إنتاج الأخطاء، والإصرار على الخطأ».

ويضيف تأكيدا على تففت تحالف 30 يونيو«انظر إلى قرارات القبض العشوائى، إلى التضييق على حرية الرأى والتعبير، إلى عدم التسامح مع الرأى الآخر، انظر إلى طريقة توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، وطريقة تمريرها فى البرلمان، الاستهانة الشديدة بمشاعر المصريين وغياب الحساسية للرأى العام، ثم انظر إلى توقيت الإعلان عن زيادة أسعار مواد الطاقة والمياه، وانتشار «المكارثيين الجدد» فى مصر الذين يخونون كل من يختلف مع النظام حتى ولو كان الخلاف من أرضية وطنية. انظر إلى كل ذلك لتعرف لماذا تفكك تحالف ٣٠ يونيو ولم يتبق منه سوى الفتات: الأجهزة الأمنية والمكارثيين الجدد».

 

 

الثورة القادمة

هذه العوامل دفعت الإذاعة الألمانية "دويتشه فيله"[4] إلى التنبؤ  في نهاية 2014وليس 2018 بالثورة المقبلة في تقرير لها تؤكد فيه أنه «قد يسير الوضع على ماهو عليه لبعض الوقت، فمصر تحولت منذ مدة إلى دولة بوليسية. بيد أن الوضع المزري للاقتصاد ولحقوق الإنسان وتراجع قطاع السياحة واعتماد البلاد على أموال الخليج، بالإضافة إلى التضامن الأخير بين الإسلاميين واليساريين والليبراليين، من شأنها أن تترجم حالات الاستياء المتراكمة عاجلا أم آجلا إلى احتجاجات واسعة: الانتفاضة المقبلة إنما هي مسألة وقت فقط».

نفس الأمر توقعته صحيفة "الجارديان" البريطانية، في أبريل 2018م، بعد مسرحية الرئاسة الماضية، حيث اعتبرت افتتاحية الصحيفة فوز السيسي بفترة ولاية ثانية تدميرا لما تبقى من الديمقراطية، وأن السيسي الذي يرفع شعار "الاستقرار" لا يدفع مصر إلا نحو الأسوأ؛ وأن سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والإذعان لشروط صندوق النقد بتخفيض الدعم وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وسوء التعليم هي ضمانات فعلية لاستمرار  الفوضى مستقبلا؛  وأنه ـــ بحسب  الجارديان ـــ عندما يضاف إلى هذا المزيج ولع «السيسي» بعمليات الإعدام الجماعي، وعمليات الاعتقال، والاعتداءات الجارفة على الحريات المدنية، فلا عجب أن يتوقع المحللون أن تتجه مصر إلى ثورة أخرى[5].

بل إن مركز "ستراتفور" البحثي يذهب لما هو أبعد من ذلك بالتأكيد على أن «ولع «السيسي» بالقوة لابد أن يتسبب في زواله عاجلا أم آجلا. ومع كل يوم يبقاه في منصبه فإنه يعطي شعبه سببا جديدا للاعتقاد بأن التمرد هو السبيل الوحيد للتغيير السياسي»[6].

فالنظام لن يسقط إلا بطريقين:  الأول ثورة شعبية عارمة  ربما تؤدي إلى فوضى كبيرة تخرج عن السيطرة لسنوات،  والطريق الثاني أن يتدارك النظام نفسه خطورة استمرار الأوضاع الحالية فيقوم بعض مؤسساته ـــ قبل فوات الأوان ـــ بإصلاح الأمور وإعادة ترتيب معادلة الحكم بما يفضي إلى فتج المجال العام  ورفع المظالم ومشاركة الجميع في نظام سياسي دون إقصاء أو عنصرية وإقامة عدالة اجتماعية حقيقية تحاكم المتورطين في الدماء منذ 25 يناير حتى اليوم.

وتبقى المشكلة في أي الأمرين يحدث أولا، هل تندلع الثورة الشعبية أولا أم تتحرك مؤسسات في النظام لتدارك الأخطاء ووقف هذا المسار العبثي الذي يمضي فيه الجنرال نحو خراب البلاد مزهوا  بغرور  يعميه عن إدراك الحقائق والصورة الكاملة للمشهد البائس؟.

 

هل يسكت النظام؟

أمام هذه المعطيات فإن النظام يدرك حجم هذه التحذيرات وتنتابه مخاوف كثيرة تتعلق بالثورة القادمة؛ لذلك فإن النظام من جانبه يبذل قصارى جهده لمنع  الشعب من أي احتجاجات تفضي إلى ثورة لا يتمكن من احتوائها، لذلك قام السيسي بالإجراءات التالية:

أولا، شدد الجنرال قبضته على مفاصل مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، فأقصى كل رفقاء الانقلاب من المجلس العسكري الذي قاد انقلاب 03 يوليو 2013م، وبعد مرور خمس سنوات على الانقلاب العسكري لم يتبق من تلك القيادات سوي ثلاثة قيادات فقط (هم أمين عام وزارة الدفاع السابق ورئيس الأركان الحالي الفريق محمد فريد حجازي، ومساعد وزير الدفاع للشئون الدستورية والقانونية اللواء ممدوح شاهين، ورئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة المصرية اللواء محمد أمين نصر). ولمزيد من السيطرة جاء بقائد الحرس الجمهوري الذي شارك في الانقلاب واعتقال الرئيس مرسي وهو اللواء محمد زكي وزيرا للدفاع من خارج المجلس العسكري. كما كرس الجنرال قبضته على المخابرات العامة بتعيين اللواء عباس كامل رئيسا للجهاز، وعزز من نفوذ المخابرات الحربية التي ينتمي إليها السيسي وسيطر تماما على الأمن الوطني عبر عدة تغييرات جعلت الجهاز  في قبضته. كما يسعى النظام لضمان ولاء المؤسسة الدينية الإسلامية والكنسية على حد سواء عبر صفقات تتعلق بمساحات التحرك والنفوذ وتلبية بعض المطالب وتجنب الصدام، كما تمكن النظام من تشديد قبضته على مؤسسة القضاء والإعلام وتمكن عبر أجهزته الأمنية من شراء معظم إن لم يكل جميع الصحف والفضائيات التي تبث من داخل البلاد.

ثانيا،  أمام فقدان النظام شرعية الدعم الشعبي عبر انتخابات ديمقراطية سعى لاكتساب شرعية الخارج دون اكتراث للرفض الشعبي العارم لنظامه، فيقوم السيسي بأدوار وظيفية إقليمية من شأنها أن تجعل له أهمية كبرى للقوى الدولية والإقليمية وعلىى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني والسعودية والإمارات. وهو ما يتمثل في ضمان المصالح الأمريكية لأقصى مدى ممكن دون إبداء أي اعتراض حتى لو تعارضت هذه المصالح مع الأمن القومي المصري، ولعل موقف النظام من صفقة القرن خير دليل على ذلك، ثم دعمه للجنرال خليفة حفتر في ليبيا، ثم التوقيع على اتفاقية "CIS MOA" التي تجعل الجيش المصري وحدة تابعة للجيش الأمريكي وقت الحروب وهي الاتفاقية التي رفض مبارك والمجلس العسكري التوقيع عليها لعقود طويلة لما بها من تهديد للأمن القومي للبلاد.

ثالثا، استخدم النظام سياسة الصدمة والقمع المفرط لتخويف الشعب من أي ثورة قادمة، ولعل الوحشية المفرطة التي تعامل بها النظام مع اعتصام رابعة والنهضة وغيرها  خير مثال على ذلك، كما أن النظام لا يزال يمارس عمليات القتل  خارج إطار القانون باغتيال مئات الشباب  بذريعة تبادل إطلاق النار رغم أن الغالبية الساحقة من هؤلاء تم توثيق اعتقالهم قبل مقتلهم على يد عصابات النظام. وفي سبيل ذلك  مرر النظام قوانين منع التظاهر  والإرهاب  وتنظيم الإعلام والجرائم الإلكترونية وجعل من الحبس الاحتياطي في حد ذاته عقوبة توسع في استخدامها ضد عشرات الآلاف من النشطاء ويمارس قمعا وحشيا يستهدف زرع الخوف التي تلاشي بعد ثورة 25 يناير.

رابعا، يلح إعلام السلطة على التخويف المستمر من إسقاطه باعتبار ذلك إسقاطا للدولة ذاتها وليس للنظام فحسب ، وأن ذلك سوف يؤدي إلى فوضى ويوظف الإعلام كل ذلك من أجل تخويف الشعب من الثورة  أن ذلك سوف يفضي إلى عدم الاستقرار. كما يترك مساحات فساد كبيرة لأتباعه ومحاسيبه من أركان وقواعد الدولة العميقة ترضية لهم وضمانا لولائهم كما حدث في قانون الصناديق الخاصة حيث قنن النظام عمليات الفساد التي تقدر بمئات المليارات من أجل ضمان ولاء كبار ومتوسطفي الموظفين في الجهاز الإداري للدولة والجهات السيادية التي لا تخضع مطلقا لأي رقابة على ميزانيتها. وعمولات السمسرة على الصفقات الخاصة بكل منها.

خامسا، أمام النقد المستمر لغلق الفضاء العام يصنطنع النظام شكلا سياسيا يقوم على تأسيس حزب يمثل السلطة وحزب أو حزبين يمثلان المعارضة، وكلاهما "حزب السلطة والمعارضة" من نفس المعسكر لكن يراد لها أداء مسرحية عبثية توحي بأن ثمة  شكلا سياسيا في البلاد رغم أنهم جميعا يؤيدون النظام. على غرار الكومبارس الأخيرة موسى مصطفى الذي كان قبل ترشحه المفاجئ أحد أعضاء حملة دعم السيسي!

 

مستقبل النظام

رغم أن النظام يشدد قبضته عبر أنماط مختلفة من السيطرة على مؤسسات الدولة ومجمل الأوضاع في البلاد، لكن  بنظرة أكثر عمقا يمكن الجزم بأن هذه الأدوات التي يعتبرها النظام مصدر قوته هي في حد ذاته دليلا ضعف وهشاشة تؤكد استحالة استمرار النظام على المديين المتوسط والطويل، وذلك لعدة أسباب:

أولا،  أغلب مظاهر سيطرة النظام  بوسائل لا ترجع لعوامل مستمدة من قوة ذاتية كمشروعية النظام والدعم الشعبي له ، بقدر ما تعتمد على عوامل غير ذاتية تتعلق بالقمع والدعم الخارجي؛ وهي عوامل يمكن أن تتغير بحسب الظروف والأحداث والمصالح كما حدث مع مبارك تماما.  فالدعم الأمريكي للنظام يمكن أن يتغير  إذا تمت الإطاحة بترامب من الرئاسة أو إذا خسر الانتخابات المقبلة في 2020 فإذا جاء الديمقراطيون فربما يؤدي ذلك إلى تغيرات في بنية النظام المصري في ظل المعطيات الراهنة.

ثانيا، تعاظم مستويات الغضب الشعبي واتساع نطاق الرفض للنظام لتخرج من إطار المعارضة السياسية إلى دائرة المعارضة الشعبية على خلفية الغلاء الفاحش والفقر المدقع.

ثالثا، استمرار الممارسات القمعية وتأميم الفضاءين السياسي والإعلامي والضغط بشدة على المواطنين سياسيا واقتصاديا ربما تفضي إلى انفجار مفاجئ  يخرج عن السيطرة ولا يتوقع أحد صداه أو مداه وإلى أي مستوى يمكن أن يصل. فعندما يتساوى الألم الناتج عن الفقر والجوع مع الألم الناتج عن الظلم والاستبداد تبدو المخاطرة أكثر قربا والانفجار  أكثر توقعا.

رابعا، هناك حالة تململ داخل المؤسسة العسكرية يتعلق بتآكل شعبيتها ووصفها من جانب النشطاء بأحط الصفات التي تتعلق بالخيانة وقتل الشعب من أجل مصالح كبار الجنرالات والتفريط في السيادة الوطنية على أرض مصرية كما حدث في جزيرتي تيرن وصنافير، إضافة إلى التقارب الحميم مع الكيان الصهيوني والتبعية المطلقة لرغبات الإدارة الأمريكية والموقف الخانع من صفقة القرن  والسكون المشين على نقل السفارة الأمريكية للقدس. وكلها عوامل ربما تؤدي إلى تغيرات غير محسوبة ومفاجئة داخل المؤسسة الأكثرة أهمية وخطورة في البلاد.

خامسا، «عدم قابلية الطبقة المتوسطة الموالية للنظام من أفراد المؤسسة العسكرية والاجهزة السيادية والأمنية والقضاة للاستدامة واستمرار الحصول على المزايا، وذلك لسببين رئيسيين، ضعف القدرة الاقتصادية في ظل تراجع إمكانيات الدولة مع الوقت، وتضاؤل القدرة الاجتماعية للدولة للقيام بوظائفها الرئيسية لمستقبل أبناء الوطن بما فيه ابناء هذه الطبقة»[7].

سادسا، الأجيال التي استنشقت هواء الحرية بعد الربيع العربي يستحيل أن ترضي بالاستبداد من جديد،  وأن تعود إلى القمقم مجددا، فلا تزال هذه الأجيال تحلم بالحرية وبنظام ديقمراطي تعددي يتم فيه مشاركة الجميع دون إقصاء وتتداول سلمي للسلطة يستند إلى صندوق الانتخابات لا صندوق السلاح والذخيرة كما فعل العسكر بانقلابهم.

 

أين خارطة الطريق؟

خلاصة القول أنه حتى اليوم، لا يوجد خارطة طريق توضح كيفية الخلاص من الحكم العسكري الشمولي، لأن المعارضة بكل أطيافها لا تملك أدوات تمكنها من التغيير المنشود، فلا هي تملك القوة الكافية لذلك ولا تملك حشد الملايين في ظل عمليات القمع الوحشي المفرط من جانب النظام؛ وحيال ذلك، فإن أفضل من يدفع الشعب إلى الثورة هو الجنرال السيسي نفسه، الذي يضغط وبشدة على المواطنين اقتصاديا وسياسيا، ولعلنا نأمل أن تصل هذه الضغوط مداها الكافي لاندلاع شرارة ثورة جديدة نتمنى ألا تكون ثورة جياع لكنها ثورة تدفع مؤسسات القوة في النظام إلى التسليم الفعلي وليس الشكل للسلطة في إطار بناء معادلة جديدة لطبيعة العلاقات المدنية العسكرية.

وفي ظل هذه التوقعات ومع عدم قدرتنا على وضع تصور لكيفية إسقاط النظام الشمولي الفاسد، ، لكن ذلك لا يمنع من وضع تصورات لمرحلة ما بعد السيسي إذا حدث هذا السيناريو المفاجئ، تجنبا لما حدث بعد الإطاحة بمبارك من تسليم السلطة للعسكر.

فإضافة إلى وضع تصورات لمعادلة جديدة لطبيعة العلاقات المدنية العسكرية، فإنه من الضروري وضع تصور لطبيعة ومراحل العدالة الانتقالية  وتحديد الآليات المناسبة لمنظمات المجتمع المدني والجهات القضائية التي تمكنها من تحقيق العدالة واستيفاء الحقوق وصياغة سياسات المساءلة والمصالحة الوطنية. وثالثا صياغة عقد اجتماعي جديد قائم على تحقيق التنمية والحفاظ على الحريات العامة والكرامة الإنسانية.

ورابعا صياغة سياسات اقتصادية واجتماعية قادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية على المستوى الكلي، وفي نفس الوقت تحسين معاش المواطنين وتوسيع نطاق الاستفادة من الثروة. واستعادة لحمة المجتمع بكافة طوائفه والخروج من حالات الاستقطاب الشديدة بمظاهرها المختلفة.

خامسا، ضرورة صناعة الكوادر في جميع المجالات وعدم استنفاذ قدرات الشباب في معاناة يومية ومعيشية مستمرة. مع استثمار قدرات المعارضين والمقاومين في الداخل والربط بينهم وبين حركة الخارج بقدر الإمكان، مع توزيع الأدوار والاستفادة بقدرات كل من يعمل على إحداث التغيير المنشود[8].

 


[1] مركز أبحاث أمريكي: أغلبية ضئيلة من المصريين تؤيد السيسي/ رويترز  22مايو 2014م/// تقرير أميركي: شعبية السيسي محدودة/ الجزيرة نت 29 مايو 2014

 

[2] "وول ستريت": شعبية السيسي تتآكل نتيجة مشاريعه "الفرعونية"/ إضاءات صحفية العربي الجديد 13 فبراير 2018

 

[3] عماد جاد/ماذا تبقى من تحالف ٣٠ يونيو؟/ الوطن الأحد  02 يوليو 2017

 

[4] الانتفاضة المقبلة في مصر مسألة وقت فقط/ دويتشه فيلة 12 ديسمبر 2014

[5] «الغارديان»: ولاية «السيسي» الثانية تضع مصر على مشارف ثورة جديدة/ الخليج الجديد 01 أبريل 2018

[6] «ستراتفور»: الثورة القادمة في مصر.. لماذا سيسقط حكم «السيسي»؟/ الرأي اليوم  12 فبراير 2018

 

[7] د. عمرو درّاج/ المشهد المصري: التحولات وفرص التغيير/ المعهد المصري للدراسات 06 أغسطس، 2018

 

[8] المصدر السابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المناورات المصرية السودانية – هل تضرب مصر سد النهضة؟

تُعد المياه من العناصر التي قد تفجر حروبًا في المستقبل؛ فقد تجمعت عوامل متعددة تجعل قيمة ا…