‫الرئيسية‬ العالم العربي السودان مظاهرات “الخبز” ضد البشير…تداعيات سودانية ومخاوف مصرية
السودان - ديسمبر 25, 2018

مظاهرات “الخبز” ضد البشير…تداعيات سودانية ومخاوف مصرية

 مظاهرات "الخبز" ضد البشير…تداعيات سودانية ومخاوف مصرية

 

يباع رغيف "الخبز المدعم" في السودان بجنية سوداني أي قرابة 38 قرشا مصريا، وبجواره يباع "خبر تجاري" بـ 3 و5 و7 جنية سوداني في المحال التجارية للقادرين، وبسبب الازمة الاقتصادية التي تداهم البلاد منذ استقلال جنوب السودان وسيطرته على حقول النفط في البلاد، سعت الحكومة – مثلما تفعل مصر – لتخفيض الدعم على الخبز تدريجيا عبر السماح للأفران ببيع الخبز غير المدعم بـ 3 جنيهات.

 

وحين بدأت السلطات بتسعير الخبز بالسعر التجاري الجديد في مدينتين فقط هما عطبرة وبورتسودان وفوجئ أهالي المدينتين باختفاء الخبز المدعم وعدم توافر سوي الخبز التجاري بدأت احتجاجات السودان التي امتدت تدريجيا لمدن اخري منها الخرطوم ووصلت الي مسافة كيلو متر من القصر الرئاسي وسط هتافات "الشعب يريد اسقاط النظام" و"ارحل"، وقتلت قوات الامن 8 سودانيين خلال تصديها لجحافل المحتجين، حتى صباح الجمعة.

 

ومنذ صباح الخميس 20 ديسمبر 2018م انتفضت عدة مدن سودانية في مظاهرات غضب هادرة ضد النظام بعد عطبرة وبورتسودان وانتقلت لبربر ودنقلا والدامر والمتمة والقضارف وسنار والحصاحيصا والأبيض كما شهدت بعض أحياء العاصمة في الخرطوم وام درمان وبحري مظاهرات.

 

شعارات المظاهرات السودانية التي استنسخت شعارات الثورة المصرية، والمطالبة بإسقاط النظام وليس فقط الغاء قرارات رفع الدعم عن الخبز، وتزامنها مع عودة الصادق المهدي الي السودان بعد فترة غياب وإقامة في الخارج، دفعت للتساؤل عما إذا كان السودان دخل مرحلة الربيع العربي؟ وما مستقبل الرئيس السوداني عمر البشير الذي تنتهي فترة رئاسته عام 2020 ويسعي لتعديل الدستور –مثل السيسي – ليبقي في السلطة فترات اخري؟

 

اما التساؤل الاخطر فهو: هل تؤثر مظاهرات الخبز في السودان على مصر خاصة أن سلطة الانقلاب تمهد بدورها لرفع الدعم عن الخبز العام المقبل 2019 او 2020 على أقصى تقدير؟ ولماذا لا تخرج الشعوب العربية لتحتج على القمع الامني والظلم والفساد بينما حين يُمس رغيف خبزها تبادر الي الثورة وتحطيم كل شيء؟

 

"الخبز التجاري" سر الثورة

 

جاءت الاحتجاجات والمواجهات مع الشرطة وأعمال العنف في مدينة عطبرة السودانية احتجاجا على اختفاء الخبز المدعم وعدم توافر سوي "الخبز التجاري" ما يعني ارتفاع سعر الرغيف 300%، ولكن الاحتجاجات العنيفة جاءت ايضا بسبب الفقر الشديد المنتشر بين السودانيين (نسبة الفقر 31.6% بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في السودان)، وتدهور احوال معيشة الكثير من أهل السودان.

 

وتمثل مدينة "عطبرة" تاريخيا إحدى معاقل الحزب الشيوعي السوداني حيث عرف الحزب هناك بنشاطه العميق وسط النقابات خاصة في السكة الحديد، التي للمفارقة لم يخرج عمالها للتظاهر حين مرت بها المظاهرة الشعبية الاولي.

 

وجاء تطور هذه الاحتجاجات ليصل إلى إحراق مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم في مدينة عطبرة ومطاردة سيارات الشرطة بالحجارة، ومخاطبة رجال الشرطة علي طريقة ثورة يناير المصرية بالحسني احيانا بالهتاف في مواجهتهم: "خرجنا لأجلكم أنتم .. كم راتبك يا جندي؟"، وبالمقابل الترحيب بنزول قوات الجيش ودعوتهم للانقلاب علي البشير، وظهور ما يسمي "لجان المقاومة السودانية" لتظهر الاحتجاجات وكأنها تسير على نهج ثورة يناير المصرية!

 

وجاء الغضب الشعبي بسبب معاناة السودانيون من أوضاع معيشية صعبة حيث شهدت العاصمة الخرطوم ومدن سودانية أخرى شحا في الخبز وارتفاع أسعاره إن وُجد، وبالتزامن مع تقديم الحكومة موازنة 2019 التي تتضمن رفع الدعم عن بعض السلع لوقف تدهور الجنية السوداني.

 

وانطلقت شرارة المظاهرات الساخطة من مدينة عطبرة التي خرجت في تجمع غير مسبوق، بعد ارتفاع قيمة وجبة الفطور في المدراس لأكثر من الضعف واعلان المخابز عن رفع سعر قطعة الخبز لثلاثة جنيهات للخبز التجاري بدلا من المدعم الذي كان يباع بجنية سوداني واحد.

 

حيث لجأ السودان للطريقة المصرية في رفع اسعار الخبز ورفع الدعم جزئيا عن الدقيق خبز مدعوم واخر غير مدعوم في المخابز وتسليم حصص دقيق للمخابز بالسعر المدعوم واخر بالسعر التجاري، ولم يجد اهالي غالبية المدن الخبز المدعم بوفره وأنهم مضطرون لشراء الخبز التجاري بـ 3 جنية فانفجروا وخرجوا في مظاهرات عفوية تطورات للمطالبة بإسقاط النظام ورحيل الرئيس البشير، وعمد المحتجون الى إحراق مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم كما أشعلوا النار في مباني المحليات وسيارات شرطة، وطالبوا الجيش بتسلم الحكم.

 

علاقة المظاهرات بوصول الصادق المهدي

 

طرح تزامن انطلاق المظاهرات مع وصول زعيم حزب الأمة القومي "الصادق المهدي"، تساؤلا حول علاقة المهدي بالمظاهرات، بيد أن "المهدي" أشاع حالة من الإحباط الشديد وسط المئات من مؤيديه الذين تجمعوا لاستقباله بأم درمان بعد وقت وجيز من وصوله البلاد آملين في سماع كلمات تعبئ الحراك الجماهير.

 

حيث فوجئ انصاره بخطاب من المهدي يحذر من "الاحتباس الحراري" ويدعو أنصاره لزراعة ملايين الأشجار لمقاومة الاحتباس الحراري وتدهور البيئة، وعلى المستوي السياسي يدعو لحكومة برئاسة وفاقيه بين سلطة البشير الحالية وقوي المعارضة، ما دفع عدد من كوادر الحزب الشباب لإعلان استقالتهم من الحزب!

 

فقد تفاءل مؤيدو حزب الأمة بترافق عودة المهدي الى البلاد مع احتجاجات عمت عدة مدن سودانية تندد بالغلاء وتردي الأحوال المعيشية، خاصة وأن المهدي يتزعم تحالف (نداء السودان) الذي يضم قوى معارضة وحركات مسلحة معروفة بعدائها الشديد للنظام.

 

وبدلا من أن تجد الجماهير السودانية الراغبة في التغيير قيادة مجمع عليها توجههم وترشد المحتجين الى السبل الكفيلة بإنجاح التحركات المقاومة للسلطة، فوجئوا باكتفاء المهدي في خطابه بتقديم مقترح فضفاض يدعو لصيغة "عقد اجتماعي جديد للخلاص الوطني" يوقع عليه من أسماهم بأبناء الوطن ويتم تقديمه بصورة جماعية سلمية لرئاسة الجمهورية الذي خرجت المظاهرات ضده!

 

وأوضح المهدي أن الصيغة التي يقترحها تشمل التزام الجميع (يقصد القوي السياسية المعارضة التي يمثلها وبعضها يرفع السلاح) بوقف إطلاق النار ووقف العدائيات، وتسهيل مهمة الإغاثات الإنسانية، وإطلاق سراح المعتقلين والأسرى، وكفالة الحريات العامة بضوابط لتنظيم ممارستها، وتكوين حكومة قومية برئاسة وفاقيه، ودون أن يتطرق الي مظاهرات الخبز!

 

وقال رئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي مخاطبا مستقبليه لدى عودته إلى الخرطوم بلهجة سودانية: "الانقلاب على الحكومة ليس حلا، فلنتفق على مكتوب ونوقع عليهو كلنا ونمشي جماعيا نسلمو للقصر (الرئاسي)، مكتوب فيهو مطالب اولها حكومة قومية برئاسة توافقية".

 

ودفع موقف المهدي بعشرات الكوادر لإعلان الاستقالة وتجميد العضوية في الحزب، معلنين خلال تغريدات على مواقع التواصل أن موقف المهدي الجديد لا يمثلهم وأنهم يؤيدون الحراك الشعبي والاحتجاجات التي بدأت في الشارع.

 

ومع هذا لم يمنع الصادق المهدي انصاره من المشاركة في المظاهرات والتعبير عن مشاعرهم بدون عنف وظهر فيديو يوضح خروج اعضاء حزب الامة في المظاهرات وهم يهتفون للحرية.

 

الاخوان المسلمون مع الشعب بدون تخريب

 

وعلى عكس موقف المهدي الذي لم يدع انصاره بوضوح للمشاركة في المظاهرات او يدلي برأيه بشأنها، كانت جماعة الاخوان المسلمين في السودان أكثر دعما ومساندة للسودانيين في مظاهراتهم قائله لهم: "عبّروا عن غضبكم دون أن تدمروا بلدكم".

 

حيث أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في السودان عن وقوفها صفا واحدا مع المواطن، الذي قالت إنه "يعبر عن غضبه بصورة حضارية دون عنف أو إحراق للممتلكات الخاصة بالدولة أو المواطنين".

 

وشدّدت الجماعة على أنها ترفض رفضا باتا ما وصفته بأحداث التخريب والاعتداء على الأرواح والممتلكات، وقال المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين بالسودان على جاويش، في بيان له، إن الجماعة "تتابع عن كثب الأحداث التي تجرى في البلاد، وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من ضيق وعنت مسّ قوت المواطن وأثّر سلبا على حياته المعيشية"، وتتابع "صفوف الخبز والوقود وانعدام السيولة وجنون الأسعار مع محدودية الدخل الشهري".

 

واتهم "جاويش" الحكومة بعدم الجدية فيما يخص الحوا الوطني الدائر حاليا "ومحاولتها كسب الوقت والتشبث بالحكم، ورمي الفتات لبعض من شارك في الحوار"، مؤكدا أن "هذا الوضع كان لا بد من أن يُحرك الشارع تعبيرا عمّا آلت إليه الأوضاع".

 

هل خسر البشير رهان تعديل الدستور؟

 

ربما يكون أبرز أثر لانتفاضة الخبز في السودان هو انها قد تجعل الرئيس السوداني عمر البشير يخسر رهانه على تعديل الدستور وتمديد رئاسته فترات اخري.

 

فرغم ان الانتخابات الرئاسية المقبلة في السودان موعدها عام 2020، ولا يزال أمام البشير، الذي ظل رئيسا للبلاد منذ يونيو 1989، عام اخر لانتهاء فترة ولايته، فقد بدأ الحزب الحاكم يطرح – على غرار مصر – فكرة تعديل الدستور لبقاء البشير فترات رئاسية اخري.

 

وفي 4 ديسمبر الجاري 2018، رفع 294 نائبا سودانيا عريضة موقعة الى رئيس المجلس الوطني السوداني (البرلمان) ابراهيم احمد عمر، تطالب بتعديل الدستور للسماح للرئيس عمر حسن البشير بالترشح لولايات مفتوحة، بدلا من حصرها بولايتين كما هو وارد في الدستور حاليا.

 

ويبلغ عدد أعضاء البرلمان 481 نائبا، من بينهم 325 نائبا من حزب المؤتمر الوطني الحاكم.

 

وطالب النواب في عريضتهم بتعديل المادة 57 من الدستور التي جاء فيها "يكون أجل ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات تبدأ من يوم توليه لمنصبه ويجوز إعادة انتخابه لولاية ثانية فحسب"، وهي نفس المادة تقريبا في دستور مصر 2014 التي يسعي أنصار السيسي لتعديلها في نفس التوقيت.

 

وكان البشير انتخب عام 2010 وسط مقاطعة من أحزاب المعارضة، وأعيد انتخابه عام 2015 في انتخابات وصفها الاتحاد الأوروبي بانها "لم ترق للمعايير الدولية"، وقاطعتها احزاب المعارضة الرئيسية.

 

ومن المقرر أن تجري الانتخابات الرئاسية المقبلة في أبريل 2020، وترفض احزاب المعارضة تعديل الدستور لمنح البشير فترة رئاسية اخرى بعد أن انتخب مرتين.

 

وزاد من الجدل أن الرئيس البشير سبق أعلن ترشيحه لاحد السياسيين السودانيين خليفه له في انتخابات 2020 وأنه سينهي فترة حكمه (31 عاما) عام 2020 ولن يخوض الانتخابات مرة أخري، وتشكيك المعارضة في ذلك لأن ذات السيناريو سبق أن تكرر في انتخابات أبريل 2015 وأعلن البشير عدم ترشيح نفسه ثم ترشح، وهو ما حدث بطرح نواب الحزب الحاكم فكرة تعديل الدستور!

 

ويطرح معلقون سياسيون تساؤلات حول احتمالات أن يكون التغيير السياسي في السودان، بانتهاء حكم البشير ومجيء رئيس جديد، هو أحد تداعيات انتفاضة الخبز الحالية.

 

الخلاصة

 

إذا كانت مظاهرات السترات الصفراء في فرنسا قد اقلقت سلطة الانقلاب لأنها ابرزت احتجاج الفرنسيين – على ثراءهم – ضد ارتفاع اسعار الوقود فقط، وبعثت برسائل ضمنية للمصريين: لماذا لا تتظاهرون احتجاجا علي رفع اسعار كل شيء وليس الوقود فقط؟ ودفعت النظام في مصر لحظر بيع السترات الصفراء، فلا شك ان مظاهرات السودان ستشكل رعبا أكبر للانقلاب ليس لقرب السودان من مصر، ولكن لأن السودانيين استلهموا واستنسخوا نفس شعارات واساليب ثورة يناير 2011، التي تجتهد سلطة الانقلاب لدفن أثارها.

 

الاكثر رعبا للانقلاب بمصر  ان الانتفاضة الشعبية السودانية عبرت عن امرين:

 

(الاول): هو انها كانت نتاج نفس السياسات التي يتبعها النظام في مصر حاليا مثل السودان فيما يخص السعي لرفع الدعم عن الخبز، ما يبعث برسائل ومخاوف مرعبة لسلطة الانقلاب من أن ينفجر غضب المصريين كالسودانيين والفرنسيين.

 

(الثاني):  أن السودانيين – مثل المصريين – يصبرون منذ فترة علي سياسات التقشف ورفع الاسعار والغاء الدعم السودانية، وحين جاء اوان رفع الدعم عن الخبز انفجروا، وهو امر غير بعيد ولا غير متوقع في مصر خاصة ان أبرز ما يتوقعه دليل بلومبرج المتشائم لعام 2019 هو حدوث مظاهرات خبز في مصر بعد أن يدفع الارتفاع الكبير في أسعار القمح الحكومة إلى إلغاء دعم الخبز، فيما يشبه انتفاضة الخبز عام 1977.

 

اما السودان فهو يتجه بخطي حثيثة نحو إعادة الربيع العربي الي دائرة الضوء مرة اخري ولكن هذه المرة بمظاهرات غاضبة وعنيفة عنوانها تدهور الاحوال الاقتصادية في العديد من البلدان العربية ورفع الاسعار وإلغاء الدعم.

 

هذا الربيع، يتوقع أن يعود لبلدانه الاصلية أيضا خاصة مصر في ظل فشل سلطات الانقلاب وأنصار الثورة المضادة في حل مشاكل المواطنين التي برروا انقلابهم على حكومات الربيع العربي بفشلها في حل مشاكلهم خلال عامها الاول والوحيد التي تولت فيه السلطة، لتثبت الايام أنهم هم الفاشلون بعد 8 أعوام كاملة قضوها في السلطة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

السودان وقائمة الدول الراعية للإرهاب

  بعد تحويل الخرطوم مبلغ 335 مليون دولار إلى واشنطن كتعويضات متفق عليها؛ ينتظر السودانيون …