‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر نظام المعاشات المصري نموذج للافقار الممنهج
مصر - ديسمبر 31, 2018

نظام المعاشات المصري نموذج للافقار الممنهج

 نظام المعاشات المصري نموذج للافقار الممنهج

 

فى كل الدول المتحضرة يتزايد دخل المواطن بمجرد خروجه إلى المعاش، قد يحدث ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، قد يحصل على مميزات لم تكن من حقه حين كان فى الخدمة، كل الجهات الرسمية وغير الرسمية تتبارى فى تقديم المنح والخدمات، شركات الطيران تمنح المتقاعدين تذاكر سفر مجانية لمساعدتهم وتحفيزهم على السياحة والتجوال، شركات النقل العام تمنحهم بطاقات ركوب مجانية، فنادق الخمسة نجوم تمنحهم تخفيضات كبيرة، المتاحف والمسارح والملاهى ودور السينما أيضاً، عن الخدمات الصحية حدث ولا حرج، باختصار يمكن القول إن المواطن فى أوروبا وكندا والولايات المتحدة على سبيل المثال سوف يشعر بقيمته فى الحياة بمجرد أن يبلغ سن التقاعد عن العمل، وأيضا في دول الخليج العربي. أما في مصر، فالخروج إلى المعاش نوع من الإعدام أو الوفاة، وذلك بعد خدمة فى موقع العمل دامت عشرات السنين، فى الوقت الذى مازال يستطيع فيه العطاء، وليست هذه هى المشكلة، ذلك أن المشكلة الأهم تكمن فى مقدار المعاش الذى سوف يتقاضاه هذا الموظف أو ذلك العامل حال خروجه إلى التقاعد، أو الذى سوف تحصل عليه أسرته حال وفاته، والذى يصل أو يزيد بالكاد على ١٠٠٠ جنيه، فى ظل هذه الظروف بالغة السوء والغلاء التى تمر بها البلاد، إذا استثنيا طائفة الجيش والقضاء وبعض  المواقع القيادية في النظام الإداري للدولة؛ ليس من خلال قوانين نظمت ذلك عن طريق حوار مجتمعى واضح، وإنما من خلال امتيازات فى غفلة من الزمن[1].

وبين آخر  راتب وأول معاش فجوة كبيرة، تصيب أصحاب المعاشات بالصدمة، فبعد أن كان الواحد منهم يتقاضى آلاف الجنيهات شهريا، يلبى بها نفقات واحتياجات المعيشية لأسرته، يجد نفسه غير قادر على الانفاق على أسرته بسبب تدنى قيمة المعاش التى تقل عن 1000 جنيه شهريا أو يزيد قليلا، ولم يتوقع أحد من أصحاب المعاشات أنه سيواجه هذه الظروف المادية الصعبة بعد36 عاما فى العمل الحكومي, فأصبحت المعاشات لا تكفي, خاصة فى ظل الارتفاع الجنونى فى الأسعار, وزيادة نفقات الايجار, وفواتير المياه, والكهرباء.والمأكل, والملبس, والعلاج. بينما يحمل الكثيرون منهم هموم ذلك اليوم, الذى سيخرجون فيه على المعاش, فتنقطع عنهم المكافآت والحوافز, وتتدنى دخولهم لدرجة لا يستطيعون معها تلبية نفقات المعيشة خصوصا بعد قرارات التعويم في نوفمبر 2016م والتي أفضت إلى تأكل المرتبات والدخول إلى النصف وزيادة الأسعار إلى الضعف وهبوط قيمة الجنيه أمام الدولار وباقي العملات إلى أكثر من 150%!

هذه الطريقة فى التعامل مع موظفى الدولة أشبه بالتعامل مع خيل الحكومة، الذى سوف يتم إطلاق الرصاص عليه بمجرد العجَز، ذلك أننا لن نستفيد منه فى الوقت الذى سوف يحتاج فيه إلى نفقات، على الرغم من المتغيرات الكثيرة التى شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة، والتى لم توضع فى الاعتبار خلال سن أى قوانين جديدة، ومن بينها ارتفاع معدلات الأعمار مقارنة بالقرون السابقة ما جعل سن الخروج إلى المعاش أيضاً فى حاجة إلى إعادة نظر، أضف إلى ذلك ارتفاع سن الزواج خلال العقود الأخيرة بسبب الأزمات الاجتماعية المختلفة، والتى جعلت نسبة ليست قليلة من المحالين إلى المعاش مازالوا فى طور تربية أطفال والإنفاق على مراحل تعليم مختلفة، ناهيك عن أن عملية التأمين الصحى لدينا لا تفى بالغرض تجاه أى مواطن، إلى غير ذلك مما يجعلنا أمام عملية قاسية شكلاً ومضموناً، تعانى منها ملايين الأُسر والأفراد.

 

"فوراق ضخمة بالأرقام"

نظام المعاشات في مصر ، يقوم على فلسفة شديدة الجور ويمكن وصفها بالسياسة الانتقامية من الخارجين على المعاش؛ حيث تتعامل معهم كل حكومات نظام 23 يوليو وفق قاعدة "خيل الحكومة" الذي يتم التخلص منه رميا بالرصاص بمجرد إصابته بالعجز وعدم القدرة على العمل.

وقد رصدت "الأهرام" في تحقيق موسع في أغسطس "2016" عدة نماذج تكشف الفوارق الضخمة بين آخر مرتب وأول معاش للموظف أو العامل[2]:

                 الحالة الأولى، مدير سابق لإدارة الحركة والصيانة لدي الشركة المصرية لتجارة الكيماويات والمعادن حيث خرج على المعاش المبكر سنة 2000 وكان آخر راتب تقاضاه "1800" جنيه أما أول معاش  فكان "478"جنيها.

                 الحالة الثانية، مهندس كيمائي لدى شركة الحديد والصلب بحلوان، خرج على المعاش المبكر فى عام 2001، وكان آخر راتب تقاضاه هو 2000 جنيه، وتقاضى 120 جنيها معاشا شهريا!

                 الحالة الثالثة، موظف بشركة العبوات الدوائية والمستلزمات الطبية، خرج على المعاش فى عام 2008، وكان آخر راتب تقاضاه 1500 كراتب شامل، بينما حصل على أول معاش شهرى بقيمة 1057 بعد 44 عاما فى الخدمة.

وحاليا فإذا كان متوسط الدخل يساوي  في  مستوى وظيفي معين هو "8" آلاف جنيه بينما يكون الحد الأقصى للاشتراك التأمينى حتى 31 ديسمبر 2015 (1830 جنيها للأجر المتغير) و(987٫5 للأساسي) يعنى 2800 جنيه، مع العلم بأن المعاش الكامل يساوى 80% من متوسط الأجر لمن اشترك فى التأمينات عن مدة كاملة تساوى 36 عاما، ويتضح من ذلك بأن أعلى معاش سيبلغ 80% من الـ 2800 جنيه! وبالطبع هو أقل كثيرا من مبلغ الـ8 آلاف!

 

أين الحد الأدني للمعاشات؟

لماذا لا تتم زيادة المعاشات بشكل تلقائى ودون الحاجة لإصدار قانون؟  فكبار السن معظمهم يعانون آلام المرض، وهم بحاجه للرعاية، والتأخير فى صرف العلاوة يؤذيهم ماليا، فالقوانين قد تتحمل التأجيل أو التأخير، لكن أصحاب المعاشات لا يتحملون أى تأخير فى صرف مستحقاتهم، ولماذا تجاهلت حكومة انقلاب 03 يوليو تفعيل نصوص الدستور والذي ينص على ضرورة إقرار حد أدنى للمعاشات؟  فالمادة  27 من دستور "2014" نصت على إقرار حد أدنى للأجور وأصحاب المعاشات فى نص واحد، ومع ذلك قامت الحكومة بإقرار الحد الأدنى للعاملين، وتغافلت عن تنفيذ ذلك مع أصحاب المعاشات، مخالفة بذلك ما نصت عليه المادة 53 من الدستور التى أكدت على عدم التمييز، وأكدت أيضاً على أن المصريين لدى القانون سواء، وأنهم متساوون فى الحقوق والواجبات، وأيضاً ما نصت عليه المادة 51،  والتى ألزمت الدولة بالحفاظ على كرامة الإنسان المصرى وإحترامه وحمايته!.

ولماذا تتذرع الحكومة بأن الموازنة العامة للدولة لا تسمح بزيادة المعاشات رغم أن الموضوع في كثير من أبعاده وزواياه لا يرتبط كثيرا بموارد الموازنة العامة للأسباب الآتية:

أولا،  تصل أموال المعاشات لأكثر من "684" مليار جنيه بحسب تصريحات رسمية للمسئولين في وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة المالية وأموال المعاشات تدفع من استثمار هذه الأموال وتؤكد تقارير  رسمية أن وزارة المالية تسطو فعليا على حوالي "162" مليارا من هذه الأموال منذ أكثر من 10 سنوات دون أن تدفع أي فوائد عن هذه الأموال والتي لو تم دفعها بحسب القوانين لوصلت هذه الأموال إلى "500" مليار جنيه.  ما يعني أن أموال التأمينات ستصل إلى تريليون جنيه حال دفعت الحكومة ما عليها للتأمينات.

ثانيا، هناك ما يقرب من 400 مليار جنيه من أموال التأمينات أغلبها فائدة 8% والباقى 9%!  في الوقت الذي وصلت فيه الفوائد البنكية أو حتى أذون الخزانة فوائدها تتخطى 16%.. والفوائد طويلة الأجل تصل إلى 20%..! قبل أن يتم تخفيضها إلى 15% مؤخرا.  إذاً.. ما حدث ويحدث لأصحاب المعاشات من تجويع ممنهج وعجز نسبة كبيرة منهم عن شراء الدواء والعلاج ما هو إلا انعكاس لما حدث لأموالهم.. وعمليات السطو  من جانب الحكومة من جهة وغبن أصحاب المعاشات حقهم في فوائد مرتفعة بحسب تعاملات الحكومة والبنوك بعيدا عن مشروعية هذه الفوائد من عدمها..

 

 ثالثا، من المعلوم أن أصحاب المعاشات يتقاضون معاشاتهم من إيرادات التأمينات، حيث يدفعها 18 مليونا من العاملين فى كل مؤسسات الدولة العامة والخاصة..  وهؤلاء يدفعون باستمرار  وما يدفعونه أكثر  بكثير من الأموال المخصصة لأصحاب المعاشات في معادلة دورية مستمرة لا تتوقف ودائما يكون من يدفعون من موظفي القطاعين العام والخاص أكثر من المستحقين من أرباب المعاشات، وهو ما يعصف بجميع ذرائع وحجج الحكومة؛  بخلاف مصادر أخرى لأصحاب المعاشات مثل فوائد الأموال التى تُستثمر فى عدة مجالات، أهمها الخزانة العامة، حيث تحتوى على صكوك غير قابلة للتداول وسندات.. وهناك ما يقرب من 120 مليار جنيه.. استثمارات فى بنوك وشركات استثمارية، تتهم نقابة أصحاب المعاشات الوزيرة وأنصارها بالسطو على مكافآت هذه الاستثمارات بالمخالفة للقوانين، إضافة إلى اتهامات من جانب النقابة بأن أسهم هذه الاستثمارات قديمة ويصل عمرها إلى سنوات طويلة، أى أن قيمة هذه الأسهم ارتفعت عدة مرات.. لكن عائدها  لا يزال مجهولا.[3]

رابعا، أزمة أصحاب المعاشات أن من يقوم على إدارة أموالهم الضخمة (نظام العسكر في وزارتي المالية والتضامن) هي نفسها العصابة التي تسطو فعليا على بعض أموالهم منذ سنة 2006 (حوالي 162مليارا دون فوائد) وتمارس بحقهم الغبن والظلم بمنحهم فوائد منفخضة أقل من المعمول بها في البنوك بمقدار من "3 حتى 6% على أقصى " وهي أيضا ذات الجهة التي تفشل في  استثمار هذه الأموال بصورة صحيحة تحقق العوائد المرجوة لرفع المعاشات بشكل يتناسب مع حجم التضخم والأسعار الملتهبة من جهة ويحفظ كرامة هؤلاء من جهة أخرى. الأكثر ألما أن هذه العصابة ترفض حتى تشكيل لجنة قضائية مستقلة للتحقيق في هذه الجرائم أو حتى التحقيق في اتهامات نقابة أصحاب المعاشات التي تؤكد أنها تملك جميع الأدلة التي تدين النظام في هذه الجريمة، وتؤكد كذلك أن أموال التأمينات وصلت فعليا إلى تريليون جنيه؛ ما يعني أن مجرد الحصول على فوائد هذه الأموال سوف توفر معاشات كبيرة تحفظ كرامة المتقاعدين جميعا ما يضع علامات استفهام كبرى حول سياسات وتوجهات النظام الذي يصر  على حماية المتورطين في هذه الجريمة.

 

 

أحكام قضائية بلا تنفيذ 

أولا، صعَّد أصحاب المعاشات من قضيتهم وحصلوا في مايو 2017 على حكم برقم "61 لسنة 30 قضاء دستوري" من الدستورية العليا [4]يقضى الحكم بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة «23» للقانون «79» لسنة 75.. قانون التأمينات الاجتماعية. كما تضمن الحكم إسقاط الجدول رقم «8» فى القانون نفسه.. هذا الحكم من المحكمة الدستورية يقضي بإعادة كل حقوق أصحاب المعاشات المبكرة، حيث أجبر مئات الآلاف من العاملين لشركات القطاع العام للخروج إلى المعاش المبكر أثناء خصخصة وبيع هذه الشركات. كانت الكارثة هى خصم 15٪ من كل أصحاب المعاشات المبكرة الذين هم أقل من 45 عاماً من عمرهم.. وخصم 10٪ لمن هم أقل من 50 عاماً.. وخصم 5٪ لمن هم أقل من 60 عاماً. كما تضمن الحكم إذ ذاك كل الآثار التى ترتبت على ذلك الخصم.. وهذا يعنى استعادة الأثر الرجعى لكل من تم الخصم منهم أثناء خروجهم وحتى الآن..!. ومن خرجوا على المعاشات المبكرة تقاضوا عشرات العلاوات الاجتماعية والتى لم تضمن حقوقهم التى نزعت منهم بسبب تطبيق مادة فى القانون تم إعدامها دستورياً. وهذا يعني أن مئات الآلاف من أصحاب المعاش المبكر يتقاضون معاشاتهم حاليا بشكل مخالف للدستور حيث تصر حكومة الانقلاب على عدم تنفيذ الحكم حتى ا ليوم.

ثانيا، قضت محكمة القضاء الإداري، برئاسة المستشار عبدالله عبدالنبي، في 30 مارس 2018م، بإلزام مجلس الوزراء ووزارة التضامن الاجتماعي بصرف مستحقات أصحاب المعاشات المتمثلة في أن تضاف إلى أجورهم المتغيرة نسبة 80% من قيمة العلاوات الخمس التي كانوا يتقاضونها خلال خدمتهم. وهو ما يعني استفادة "9" ملايين هم أصحاب المعاشات من هذا الحكم التاريخي؛ وجاء منطوق الحكم – بقبول الدعوى شكلا، وفِى الموضوع بإلغاء قرار جهة الإدارة المدعى عليها السلبى بالامتناع عن زيادة المعاش عن الأجر المتغير لأى محال للمعاش بنسبة 80% من قيمة العلاوات الخاصة "الخمس" الأخيرة من حياته، غير المضمومة للأجر الأساسي دون تحمله عبء الحصول على حكم قضائي مع ما يترتب على ذلك من آثار، وأمرت بتنفيذ الحكم بمسودته الأصلية دون إعلان وألزمت جهة الإدارة المصروفات، حيث أن المحكمة تقدر  درجة الإلحاح العالية للاحتياجات الاساسية والضرورية لأصحاب المعاشات والذين هم في أمس الحاجة إلى سرعة وزيادة أنواع الرعاية حتى يتمكنوا من مواجهة احتياجاتهم وما يعانوه من عجز ومرض.[5] لكن حكومة العسكر ــ كعادتها ـــ التفت على الحكم بالطعن عليه أمام محكمة "الأمور المستعجلة" وهي محكمة لا اختصاص لها في النزاع ولا ولاية لها على النزاع الإداري الذي تختص به المحكمة الإدارية دون غيرها؛ وقضت الأمور المستعجلة بوقف  تنفيذ حكم القضاء الإداري؛  لكن سلوك الحكومة يعكس حالة ازدراء والتفاف على أحكام القضاء وإصرار على  أكل أموال أصحاب المعاشات بالباطل.

ثالثا، من جهة أخرى، تمارس الحكومة تقليصا فجا لمخصصات معاشات التضامن الاجتماعي؛ وذلك ترجمة لشروط صندوق النقد الدولي واتساقا مع توجهات النظام الرامية لسد العجز  المزمن في الموازنة ومعالجة الخلل الكبير  في أرقام الاقتصاد  والتي يسعى النظام لإصلاحها على حساب الفقراء والمهمشين بتقليص الدعم والمنح المخصصة للفقراء والمحتاجين. حيث ألغت الحكومة معاش "التضامن الاجتماعي" للفقراء (معاش السادات ومبارك سابقا)، وهي المساعدات التي تتراوح بين 100 جنيه مصري (5.60 دولارات أميركية) و150 جنيهاً (8.35 دولارات) شهرياً، وحوّلتها إلى معاش "تكافل وكرامة" والمخصص له "21" مليار جنيه سنويا في الموازنة العامة للدولة. هذه الخطوة هلل لها البعض، باعتبارها تزيد مخصصاتهم الشهرية، لكنّ ذلك كان لاستبعاد أكثر من 70 في المائة من المستحقين من المشروع الجديد، ما أصاب هؤلاء بحالة من الغضب. وتذرعت الحكومة بأن الذين توقف معاشهم  "لا تنطبق عليهم الشروط" بالرغم من ظروفهم الاجتماعية المتدهورة.[6]  وهو ما يتسق مع تصريحات رئيس الحكومة مصطفى مدبولي حول إلغاء الدعم نهائيا عن الأطفال ما فوق اثنين في الأسر؛ وكذلك توجهات الحكومة نحو تخفيض مخصصات تكافل وكرامة إلى أقل من النصف رغم أن هذه المنظومة تضم حاليا 3 ملايين أسرة، ولديهم أطفال يصل عددهم إلى 5 ملايين طفل، منهم مليونا طفل ما دون 6 سنوات.

 

امتيازات العسكر وكبار المسئولين

بالتزامن مع تعسف الحكومة وأكلها أموال أصحاب المعاشات بالباطل متذرعة بأسباب واهية عبر الطعن أمام محكمة لا اختصاص لها في النزاع، يبسط النظام يده مع الجيش وكبار المسئولين عبر إجراءات مستفزة والأكثر استفزازا أنها تزامنت مع الموقف المشين للنظام تجاه أصحاب المعاشات وعدم تنفيذ أحكام القضاء.

أولا، مرر  مجلس نواب النظام خلال شهر أبريل 2018م، القانون رقم 28 لسنة 2018م بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 100 لسنة 1987م بشأن تحديد مرتبات نائب رئيس الجمهورية ورئيس مجلسي الشعب والشوري ورئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء  والذي يقضي بأن يرتفع مرتب هؤلاء إلى الحد الأقصى للأجور "42" ألف جنيه، والمعاشات إلى 80% من هذا المرتب  "حوالي 37 ألف جنيه" وهي التعديلات  التي صدق عليها الجنرال السيسي في 26 إبريل 2018م. قرار البرلمان برفع رواتب الوزراء ، ورفع معاشاتهم لتكون 80% من الأجر الجديد الذي حدده، أتى بعد أسبوع واحد من صدور حكم القضاء الإداري بإنصاف ملايين المصريين الفقراء برفع معاشاتهم المستحقة مائة جنيه ، فقط، ورغم ضعف قيمة المبلغ، قامت الحكومة بالطعن على حكم المحكمة مطالبة بإلغائه! وهو ما يبعث رسالة واضحة مفادها أن النظام يهتم بالكبار  وأركان النظام بينما يسحق عامة الشعب ولا يعبأ بآلامهم ومتاعبهم وفقرهم وبؤس حالهم.

ثانيا، تزامن مع ذلك زيادة معاشات العسكريين 9 مرات منذ انقلاب 03 يوليو 2013م، وفي يونيو 2018  وبعد أزمة حكم القضاء الإداري لأصحاب المعاشات بشهرين، أصدر الجنرال عبدالفتاح السيسي القانون رقم "98" لسنة 2018م[7]، بزيادة المعاشات العسكرية بنسبة 15%، اعتباراً من 1 يوليو/تموز 2018، وذلك بعد إقراره من مجلس النواب، بحيث تعد الزيادة جزءاً من المعاش، وتسري في شأنها جميع أحكامه، مع ربط الحد الأدنى لها بواقع 125 جنيهاً شهرياً، والحد الأدنى لإجمالي المعاش بقيمة 750 جنيهاً شهرياً. وتعد الزيادة هي التاسعة على معاشات ورواتب العسكريين منذ اغتصاب السيسي  الحكم في انقلاب 03 يوليو 2013م، في مقابل 4 زيادات فقط للمدنيين، بواقع زيادة واحدة كل عام.  كما صدق الجنرال على قانون تحصين كبار القادة الذي يمنحهم امتيازات واسعة على مستوى النفوذ والمرتبات والمعاشات.

الخلاصة،  نظام انقلاب 30 يونيو  يمارس أبشع صور الحصار والتضييق بحق الفقراء وأصحاب المعاشات ويمتنع عن تنفيذ أحكام القضاء التي أنصفتهم بذرائع واهية  في الوقت الذي يبسط يده بسخاء شديد للجنرالات ولواءات وضباط الشرطة والقضاة في تمييز فاضح وتكريس للطبقية في المجتمع.

استمرار هذه السياسات دون مراجعة ينذر بمخاطر شديدة،  ويؤكد أن الانقسام داخل المجتمع  ليس سياسيا فقط بل يمتد إلى أعماق المجتمع، وسط توقعات بانفجار واسع يضم عشرات الملايين من المصريين الذين يئنون من الفقر وتدهور الأوضاع واحتكار طبقة الحكام وشبكة المصالح لثروات البلاد دون اكتراث لمخاطر هذه السياسيات العنصرية على مستقبل البلاد ووحدتها وأمنها القومي في غياب الحرية والعدالة الاجتماعية وهما ضمانة أم أي مجتمع ينشد التقدم والاستقرار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] عبد الناصر سلامة/ معاش الحياة والموت/ المصري اليوم  الأربعاء 06 سبتمبر 2017

[2] سيد صالح/ محنة أصحاب المعاشات/ الأهرام اليومي  الأحد 21 أغسطس 2016

 

[3] البدري فرغلي/ جريمة العصر فى فوائد أموال المعاشات!!/ المصري اليوم السبت 14 أغسطس 2017

 

[4] البدري فرغلي/ المحكمة الدستورية.. أحكام المعاشات ممنوع تنفيذها!!/ المصري اليوم الخميس 24 أغسطس 2017

[5] محمود الشوربجي/ لهذه الأسباب قضت المحكمة بقبول دعوى إضافة 80% من العلاوات لأصحاب المعاشات/ مصراوي السبت 31 مارس 2018

 

[6] وقف الإعانة الشهرية عن ملايين "الغلابة" في مصر/العربي الجديد 11 ديسمبر 2018

[7] السيسي يصادق على الزيادة التاسعة لمعاشات العسكريين/العربي الجديد 24 يونيو 2018

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مذكرة تفاهم بين السيسي والجامعة الأمريكية.. قراءة في الأبعاد والمخاطر

  أقدم رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي في منتصف أكتوبر 2020م على خطوة مثيرة للجدل تكرس…