‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تفجير المريوطية وقتل المختفين قسريا .. تسييس الأمن الجنائي يهدد المجتمع المصري
مصر - يناير 1, 2019

تفجير المريوطية وقتل المختفين قسريا .. تسييس الأمن الجنائي يهدد المجتمع المصري

 تفجير المريوطية وقتل المختفين قسريا .. تسييس الأمن الجنائي يهدد المجتمع المصري

 

كان البيان الذي اصدرته وزارة الداخلية المصرية  لتزف الي المصريين والعالم نبأ قيامها بمجزرة جديدة بقتل 40 من الشباب الابرياء بعد 12 ساعة فقط من تفجير أتوبيس  سياحي بمنطقة الهرم بالجيزة يوم الجمعة الماضية ، هو البيان رقم 58 في سلسلة البيانات التي اعتادت الداخلية اصدارها بهذا الشأن والتي بلغ ضحاياها خلال عام 2018 قرابة 265 ضحية، منهم 167 منذ سبتمبر 2018 وحتى ديسمبر من نفس العام بحسب الحقوقي المحامي أحمد مفرح.

 

فقبل المجزرة الاخيرة التي وقعت لعدد جديد من المختفين قسريا، بحسب "مركز الشهاب لحقوق الانسان"، بلغ عدد القتلى في مجازر الداخلية لعام 2018 فقط 225 ضحية، مقارنة بنحو 177 قتيلا في عام 2017، في محافظات شمال سيناء والقاهرة والجيزة والصعيد والدلتا، بحسب إحصائية صحفية، وارتفع بالمجزرة الأخيرة الي 265 ضحية، بخلاف من سقطوا بنفس الطريقة في عام 2017 بالعشرات.

 

ويبدو أن لافتة "مداهمة وكر إرهابي" أصبحت عنوانا لأوسع عمليات إعدام جماعي خارج إطار القانون، أخرها إعلان الداخلية قتل 40 مواطنا مصريا دفعة واحدة بدعوى أنهم كانوا يخططون لأعمال إرهابية.

 

فمجازر الداخلية – التي لا تختلف كثيرا عن مجازر رابعة العدوية والنهضة وتوابعها عقب انقلاب 3 يوليه 2013-اتسمت بعدة سمات تؤكد أنها "سياسية أمنية" تميز العقلية الأمنية المتبعة منذ الانقلاب، وتتلخص في مواصلة مجازر رابعة، ولكن بطرق مختلفة، هي القتل الجماعي لأعداد تتراوح بين 10 و15 بحسب البيانات الرسمية، ولذلك جاءت كلها مفبركة ونسخة طبق الأصل وصورة كربونية.

 

وهذه البيانات أظهرت العقلية الأمنية في التعامل مع الاحداث، وهي القتل لا بهدف ردع من يعارض النظام أو يرفع السلاح، ولكن القتل من أجل القتل استمرارا لسياسة "الردع المميت" و"الصدمة" التي اتبعها نظام عبد الفتاح السيسي وجعلها سياسية تنفذها أجهزة الامن والجيش، لذلك فهي بيانات أمنية مكشوفة ولا تحتاج لعناء لإثبات أنها مجرد "إعلان بالقتل" على طريقة إعلان الغرب الأمريكي في عصور الكاوبوي، وأن ما يجري ليس سوي تكرار وزارة الداخلية لتصفية المختفين قسريا بادعاءات كاذبة، حيث تميزت هذه البيانات بما يلي:

 

1-     العدد الهائل للضحايا في كل مرة والذي تدرج من 6 الي 9 الي 12 ثم 15 و20 وأخيرا 40 ضحية، والذي يعتبر مذبحة جماعية على غرار مجزرة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة وكل المذابح التي وقعت منذ الانقلاب العسكري حتى الآن مثل مذبحة الحي الراقي بالإسكندرية والتي راح ضحيتها 22 مواطنا.

 

2-     لم تعلن وزارة الداخلية عن أسماء أيا ممن قتلتهم بهذه الطريقة، باستثناء ثلاث أسماء فقط من هذا الرقم الإجمالي للضحايا، وجاءت اغلب بياناتها تقول: "وجاري التعرف على أسماءهم!!"، ما يؤكد أن القتل تم على الهوية وبدون تحقق من أنهم "إرهابيين" أم لا؟ أو أنهم يعرفون أسماءهم وانهم من المعتقلين المختفين قسريا ولكن الداخلية تحاول إظهار انهم ليسوا في يدها، بدليل أنها لم تعلن لاحقا أسماء من قتلتهم ولم تحقق النيابة ولا القضاء في الامر، ما يجعلهما شريكين في الجريمة.

 

 

3-     غالبية من تم قتلهم كانوا يرتدون "شباشب"، ما يشير لأنهم معتقلين، كما أن الأماكن التي جري تصوير جثثهم فيها خلت من أي رصاص على الحوائط برغم مزاعم "تبادل إطلاق النار" التي جاءت في كافة بيانات الداخلية المتشابهة (يبدو أن الداخلية أدركت انتقادات السوشيال ميديا لبياناتها وفضح جرائمها فسعت في عملية القتل الأخيرة لتصوير عدد قليل من الضحايا وبجوارهم قرابة 4 او 5 طلقات في الحائط).

 

4-     كل الصور التي تم التقاطها ونشرها على موقع الداخلية تبين أن الضحايا تم إطلاق الرصاص على رؤوسهم، لا أجسادهم ولم تظهر أي دماء على الأرض، ما يؤكد أنها عملية "إعدام" و"إغتيال"، وربما جري نقلهم لهذه الأماكن لتصويرهم فيها.

 

 

5-     أظهرت الصور الأخيرة لإعدام 40 ضحية، التي نشرتها الداخلية تناقضا كبيرا مع روايتها، حيث أظهرت بعض الصور أحد المقتولين ويديه خلف ظهره في وضع الكلبشة ومدرج في دماءه، قبل ان تظهر صورة أخرى وإحدى يديه أمامه وسلاح وضع بجانبه، ما يثير الشكوك حول رواية الداخلية، بحسب "مركز الشهاب لحقوق الانسان".

 

6-     من غير المنطقي أن يتم الاعلان عن قتل كل من "تشتبك" معهم الداخلية، دون اعتقال شخص واحد يدلي بمعلومات، وأن يتم نشر اخبار قتل الضحايا تحت عنوان "تصفية" كأن الهدف القتل لا الاعتقال ونقل المتهمين للنيابة للتحقيق معهم ومعرفة دوافع الجريمة لو كانت هناك اصلا جريمة، ما يؤكد أن الامر "جرائم قتل" لا تسقط بالتقادم لأنها جريمة قتل جماعي خارج القانون ونص ميثاق روما المنشئ للجنائية الدولية على أن مرتكبها يقع تحت طائلة المحكمة بهذه الجريمة، خاصة أن سلطة الانقلاب لها سوابق بعشرات حالات القتل الموثقة ومنها قتل 5 أبرياء بدعوي أنهم قتلة ريجيني، ويجب التحقيق فيها، وأن الهدف من عمليات القتل المنظمة هو إرهاب الشعب كله، وأن هذا مصير من يعارض.

 

 

أما دلالات هذه المجازر الامنية المستمرة منذ الانقلاب ولكن بوسائل وأساليب مختلفة منها: الإعدام، والقتل بالإهمال الطبي، والقتل بعد الاخفاء القسري، وغيرها، فهي تتلخص فيما يلي:

 

1-      أنها مؤشر على استمرار سياسة "القتل المنظم الممنهج" من قبل داخلية الانقلاب، كاستكمال لسياسة القتل في المجازر التي انتهجها السيسي ضمن سياسة "الصدمة والترويع" للجم أي معارضة ضد الانقلاب وإنجاحه بالقوة، لأن أي تعامل اخري أهدأ أو السماح ولو بقدر من حرية التظاهر أو التعبير كما فعل مبارك من قبل، معناه تقديمه للعدالة ومحاكمته وإعدامه بعدما تكشفت جرائمه ومؤامراته علي ثورة يناير والثوار.

 

2-      على المستوي الشعبي والعالمي، هي محاولة من الداخلية للإقناع وإثبات سيطرتها حتى لو كان عن طريق قتل العزل أو المختفين قسريا.

 

 

3-      يبدو تسلسل الاحداث وكأنه اتفاق بين فريقين من الإرهابيين: (الأول) هاجم اتوبيس سياحي، و(الثاني) يعلن الثاني انه صفى 40 شخصا، ما يؤشر لأن من يدير البلاد ليست سلطة تحكم دولة وتحقق لمعرفة الحقيقة ومن هم الجناة الحقيقيون، وإنما "عصابة" تنفذ عمليات قتل بطريقة مخططة، والقصة برمتها تنافس عصابات على القتل دون محاكمة او تحقيق، وربما "مؤامرة" مدبرة لتبرير قتل الأبرياء، وأن القاتل في حادث المريوطية "مأجورا او مأمورا او رأس دولة"، بحسب الدكتور محمد محسوب وزير الشئون القانونية الأسبق.

 

4-      الانفجار يبدو وكأنه "صناعة النظام المصري"، بدليل أن الضحايا من دولة فيتنام الفقيرة وليسوا من أوروبا، وقتل 4 بينهم المرشد السياحي المصري، ثم تسريب معلومات لوسائل الاعلام والسوشيال ميديا تدعي أن المرشد السياحي (القتيل) ينتمي للإخوان ونشر شعار رابعة علي حسابه علي فيس بوك واستدرج السياح للقتل وهو معهم (!)، كما الانفجار بعيد عن أي منطقة سكنية لضمان التركيز على الاوتوبيس، وأعقبه – وهو الاهم – تصفية 40 شخصا دفعة واحدة بعد ساعات من الانفجار، ما يؤكد أنه "عمل مدبر" أو "شيء لزوم الشيء" كما يقال في الدراما المصرية لتبرير الجريمة.

 

تداعيات جرائم القتل

ألف باء قوانين الكشف عن الجريمة هو السعي للتحقيق وضبط المجرمين المحتملين أحياء وعدم قتلهم بقدر الامكان لمعرفة الفاعل الحقيقي، بينما ألف باء جرائم القتل من أجل القتل، هي تعاطي العقلية الامنية مع الحدث باستسهال قتل المعتقلين ما يترتب عليه إخفاء الفاعل الحقيقي.

 

وهوما يثير تساؤلات حول أيهما اسوا للسياحة في عيون الاعلام الغربي؟: تفجير ارهابي لأتوبيس سياحي وقتل 3 سائحين، أم ارهاب دوله وقتل 40 شخصا لا علاقة لهم بالانفجار وبدم بارد في بيوتهم بحجه الاشتباه بهم بلا محاكمه او تحقيق؟، ويؤكد أن ما جري لا علاقة له بحادث الاتوبيس السياحي وإنما هي سياسة أمنية معتمدة تقوم على القتل العشوائي أو الاعدامات، ومثل هذه الحوادث هي المحفز لتحديد مواعيدها فقط.

 

وهو ما يطرح بدوره سؤال: إذا كانت الاجهزة الامنية تعرف "أوكار الارهابيين" كما وصفت أماكن من قتلتهم، فلماذا تنتظر لحين وقوع تفجير او هجوم كي تبادر بالتحرك؟، ولماذا تقتل 40 شخص ولم تصيب او تعتقل واحد فقط حي لتتعرف منه على ما زعمت أنه "جرائم وهجمات كانوا يخططون لتنفيذها"؟، ما يؤكد أيضا فرضيات أن ما جري ليس "مداهمة أوكار" وليسوا "إرهابيين" وإنما ضحايا ومختفين قسريا ينتظرون دورهم في التصفيات الدموية التي تقوم بها سلطة الانقلاب.

 

أجيال جديدة من المتطرفين تُصنع في السجون

أما أخطر تداعيات هذه التصفيات الدموية فهي تشكل "أجيال" وليس جيل واحد من "الارهابيين الحقيقيين" داخل السجون كرد فعل على جرائم الانقلاب والتعذيب والقتل داخل وخارج السجون، وتحول العديد من الشباب داخل السجون لاعتناق الافكار التكفيرية.

 

فقد كشفت تقارير صحفية أن السجون المصرية تحولت الي مفرخه لجهاديين جدد، بسبب حالة اليأس والإحباط في السجون في ظل تعذيب الشباب المسجونين وإهانة كرامتهم والتضييق عليهم وعزلهم التام عن العالم الخارجي ومنع الزيارات عنهم لشهور.

 

وأن سلطة الانقلاب لا تفرق بين المعتقلين وتضعهم في عنابر واحدة، ما سهل لمنتمين لفكر داعش وتكفيرين العمل على تجنيد الشباب الضعيف والغاضب داخل السجون بسبب القمع والتعذيب والحانق على السلطة المجتمع ككل.

 

وأشار رصد تقرير "صُنع في السجن" الذي أعده صحفيون استقصائيون من "أريج" و"مدي مصر" كيفية صناعة "جيل ثالث" من "الجهاديين" في السجون المصرية بسبب تكدَّس السجون بما يفوق طاقتها الاستيعابية مرة ونصف المرة"، حسبما أكد المجلس القومي لحقوق الإنسان حال سجون مصر في تقريره، عن الفترة ما بين عامي 2013 و2017، واستمرار التعذيب والقتل داخل السجون.

 

فقد امتلأت السجون المصرية منذ انقلاب يوليه 2013، بآلاف الشباب، الذين أدي اختلاطهم بعناصر من الجماعات التكفيرية والجهادية، لتجنيد بعضهم وانضمامهم إلى تلك الجماعات، سواء في أثناء فترة العقوبة أو بعد خروجهم من السجون، وتجاهل سلطة الانقلاب لمخاطر ذلك مستقبلا برغم اعتراف النائب العام بوجود عمليات تجنيد داخل السجون المصرية، حين اتهم نزيلان في سجن جمصة العمومي، بالترويج والدعوة للانضمام لتنظيم "ولاية سيناء" بين المودعين معهم في السجن.

 

وروي التحقيق الاستقصائي قصة تحوّل 4 شباب إلى الفكر الجهادي، وكيف تحوَّلت سجون مصر إلى بيئة خصبة للأفكار المتطرفة، ومركز تجنيد الشباب للجماعات التكفيرية، بسبب التعذيب والقمع، في مخالفة للائحة السجون التي تنصّ على ضرورة تصنيف المساجين بعد دراسة كاملة لحالة كل متهم، النفسية والشخصية والصحية والاجتماعية.

 

وأوضح التقرير الشامل عن حالة حقوق الإنسان في العالم العربي 2017-2018، أصدره "مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان" في العالم العربي عامي 2017-2018، تحت عنوان "عسكرة السياسة وتجديد السلطوية"، أن "استمرار سعي مشروعات الحكم السلطوية لتمكين نفسها وتصفية أي احتمالات لاندلاع انتفاضات شعبية جديدة أو تعبئة سياسية في مواجهتها"، تضمن تصعيد حالة القمع والتضييق الأمني والقانوني الذي تمارسه سلطة السيسي على منابر الحياة السياسية.

 

وتحدث التقرير عن استمرار السلطات الأمنية في ارتكاب جريمة القتل خارج نطاق القانون، ورصد التنسيقية المصرية للحقوق والحريات وقائع تصفية جسدية لـ 115 شخصا خلال عام 2017 في مختلف محافظات مصر، خارج سيناء (177 حالة بما فيها سيناء بحسب إحصائية اخري).

 

وهذا بخلاف الـ 265 الذين قُتلوا هذا العام 2018 علي يد الداخلية في عدة محافظات مصرية بما فيها سيناء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…