‫الرئيسية‬ العالم العربي السعودية دلالات التعديلات الملكية بالسعودية
السعودية - يناير 1, 2019

دلالات التعديلات الملكية بالسعودية

 دلالات التعديلات الملكية بالسعودية

 

أصدر العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، الخميس 27 ديسمبر 2018، أوامر ملكية بإعادة تشكيل مجلس الوزراء الذي يرأسه، إضافة لإعادة تشكيل مجلس الشؤون السياسية والأمنية الذي يرأسه ولي العهد محمد بن سلمان، وسط تساؤلات حول دلالة التغييرات الاخيرة، وهل هي مُقدمة للإطاحة بولي العهد بن سلمان أم تمهيدًا لتوليه العرش قَريبًا جدًّا؟

 

وبرغم أن الأوامر الملكية شهدت تغييرات في عدد من الوزارات الهامة، من بينها الخارجية والإعلام والحرس الوطني، بحسب وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس"، إلا أن أبرز "رسالة ضمنية" يُمكن قراءتها وراء الهدف من هذه التعديلات الروتينية، هو التأكيد على بقاء محمد بن سلمان في منصبه (وليا للعهد ووزير الدفاع) بالمعاندة لتركيا وقرار الكونجرس الأمريكي بإدانة بن سلمان بقتل الصحفي خاشقجي وهذه هي الاشارة الاولي ذات الدلالة.

 

فهي تشير لتمكين ولي العهد لا إبعاده، والابقاء على صلاحياته، وعلى منصبيه نائبا لرئيس مجلس الوزراء، ووزيرًا للدفاع، وترأسه إعادة تشكيل مجلس الشؤون السياسية والأمنية، رغم الاتهامات الكثيرة التي لاحقته ارتباطا بقضية "خاشقجي"، وأبرزها من الشيوخ الأمريكي، والذي رفضتها المملكة مؤخرا.

 

اما الاشارة أو الدلالة الثانية لهذه التغييرات (الاوامر الملكية) التي لا يُشك ابدا أن يكون ولي العهد وراء صدورها والملك وقعها فقط، فهي التخلص ممن لم يساندوا بن سلمان بقوة في مواجهة الاتهامات الدولية له بقتل خاشقجي، أو فشلوا في الدفاع عنه أو إدارة هذا الملف الخطير، مثل وزير الخارجية عادل الجبير الذي جري تخفيض وظيفته الوزارية ليصبح "وزير دولة"، ووزير الإعلام عواد بن صالح الذي لم ينجح في مواجهة الهجمة الاعلامية الدولية على المملكة.

 

أيضا جاء اعفاء "محمد بن نواف بن عبد العزيز آل سعود" سفير السعودية في لندن من منصبه، والذي كان أول من عبر في اكتوبر 2018 عن قلقه إزاء اختفاء خاشقجي، وهو مقرب من الأمير أحمد بن عبد العزيز الذي رفض مُبايعة الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد، وبات مُرشح بعض الأعْضاء في الأُسرة الحاكمة كبديل لولي العهد باعتباره ثاني أصغر أبناء الملك المؤسس، ويملك خبرة طويلة في الحُكم، ومِن الجناح السديري القوي، وكان السفير (المُقال) بصحبة الأمير أحمد عندما طالب الامير متظاهرين يمنيين بعدم تحميل الأُسرة الحاكمة مسؤولية الحرب، وإنما الملك وولي عهده.

 

بالمقابل جرت التضحية بالبعض ككباش فداء لبن سلمان ولترضية الرأي العام الغاضب، مثل خالد بن عبد العزيز العياف، وزير الحرس الوطني أحد أبرز مسؤولي الوزارات العسكرية السيادية والمعنية بالتدخل لحفظ واستقرار الأوضاع ومواجهة أي عدوان خارجي، ومحمد بن صالح الغفيلي مستشار الأمن الوطني من منصبه، لعلاقتهما بقضية قتل خاشقجي.

 

ومن هؤلاء ايضا رئيس هيئة الرياضة السابق، تركي آل الشيخ، المقرب من ابن سلمان من التغييرات، الذي أثار ازمة مع مصر ولاحقته انتقادات كثيرة في إدارة ملف الرياضة ببلاده وعربيا، والذي جري نقله لتسلم ملف "هيئة الترفيه" وهي هيئة تناسبه بحكم علاقته بالفنانين والفنانات المصريات، وكونه مؤلف للأغاني ومحب للحفلات ومشارك اساسي في الفساد.

 

ومن المفارقات أن يعلن تركي آل الشيخ، بعد توليه مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، عبر حسابه الرسمي على "فيسبوك" أنه سيبدأ مهمته الجديدة من مصر في منتصف شهر يناير المقبل بتوقيع عقود مسرحيات وحفلات، وزيارة المملكة المتحدة والولايات المتحدة والبرتغال للاتفاق على فعاليات ترفيهية، كأنه عُين مسئولا عن الترفيه في مصر قبل السعودية!

 

والاشارة والدلالة الثالثة للأوامر الملكية، هي تعيين المزيد من المقربين من بن سلمان في مناصب وزارية، خاصة من المسئولين الامنيين، وبعد الأوامر الملكية، انتشرت صور لمحمد بن سلمان رفقة عدد من الوزراء الجدد أعلى جبل اللوز في تبوك، أبرزهم وزراء الداخلية، الحرس الوطني، التجارة والثقافة.

 

https://twitter.com/RassdNewsN/status/1078372085787848705

وتُعدُّ هذه ثاني تغييرات تشهدها البلاد، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، لتحسين صورة المملكة واسترضاء العائلة المالكة، بحسب وكالة "الأناضول".

 

ومنذ مقتل خاشقجي، في أكتوبر 2018، أجرت السعودية تغييرات بعد أن أعلنت مسؤوليتها عن الجريمة في 20 من الشهر ذاته، وتم إبعاد عدد من المسؤولين بينهم سعود القحطاني، وهو مستشار بالديوان الملكي، ونائب مدير الاستخبارات، أحمد عسيري.

 

أهم الأوامر الملكية

وأهم ما جاء في الأوامر الملكية السعودية هو تعيين "إبراهيم العساف" وزيرا للخارجية، بدلا من عادل الجبير الذي عُين وزير دولة للشؤون الخارجية، و"العساف" عمل مع ثلاثة مُلوك وزيرًا للخارجيّة قبل أن يعين مؤخرا وزيرا للمالية ثم يجري احتجازه بتهمة الفساد، ثم إعادته وزيرا للخارجية للمرة الرابعة!

 

والمفارقة أن "العساف" وزير الخارجية الجديد كان أحد مسجوني فندق الريتز لمدة 100 يوم بتهمة الفساد، لهذا لا يُعرف هل تعيينه هو بمثابة تبرئة له واظهار التراجع عن اعتقالات الريتز، أم أنها رسالة للخارج بأن التغييرات تسترضي الغاضبين في الغرب، أم للاستفادة منه كرجل اقتصادي (كان وزير المالية السابق) مسؤول يتحدث بلغة المستثمرين في ترميم سمعة الاستثمار الذي تضرر في المملكة عقب اتهام بن سلمان بقتل خاشقجي وتضرر مشروع "نيوم"؟.

 

ايضا تم تعيين الأمير عبد الله بن بندر، نجل شقيق الملك سلمان الأكبر وزير للحرس الوطني (الجيش السعودي المُوازي)، خلفًا للأمير خالد بن عياف الذي مضى على تعيينه عام واحد فقط، ربما لمزيد من التأمين لـ "بن سلمان" ضد الغاضبين من العائلة المالكة، ولسد أي ثغرات أمنية.

 

وضمن هذه التعيينات للمقربين من بن سلمان جاء تعيين تركي الشبانة وزيرا للإعلام، وتعيين مساعد العيبان مستشاراً للأمن الوطني، وتعيين الامير سلطان بن سلمان رئيساً لهيئة الفضاء، وحمد آل الشيخ وزيرًا للتعليم بدلا من الوزير السابق المغضوب عليه شعبيا، وغالبيتهم من المقربين من "بن سلمان".

 

وشملت التغييرات الملكية أمراء المناطق، حيث تم إعفاء الأمير فيصل بن خالد من إمارة منطقة عسير، وتعيين تركي بن طلال، وتعيين بدر بن سلطان نائبًا لأمير مكة المكرمة، وفيصل بن نواف أميرًا لمنطقة الجوف.

 

وبموجب الأوامر الملكية، أُعفي سلطان بن سلمان من رئاسة هيئة السياحة وتم تعيينه رئيسًا لهيئة الفضاء التي صدر أمر ملكي بإنشائها تحت اسم "الهيئة السعودية للفضاء".

 

كيف يري الغرب التغييرات الاخيرة؟

يقولون في المملكة أن الاوامر الملكية حين تأتي "عصرا" لتغيير مجلس الوزراء والمحليات، فهي تأتي في هذا التوقيت ليتابعها الشعب السعودي، لكن عندما تكون "فجرا" – مثل القرارات السابقة بالتخلص من ولي العهد السابق وتعيين بن سلمان وليا للعهد -فهي تكون موجهة لأمريكا والغرب "لمراعاة فروق التوقيت".

 

أي أن التغييرات الاخير موجهة للداخل وللاستهلاك المحلي، ومع هذا اهتم بها بشدة الإعلام الغربي ونظر لها من زاوية أن الملك سلمان يطهر الديوان الملكي لإرضاء الغرب بعد قضية خاشقجي وبعد التخلص سابقا من بعض المتهمين بالتورط في جريمة قتل خاشقجي.

 

فصحيفة "واشنطن بوست"، التي عمل بها "خاشقجي" وكانت اول من أطلق الرصاص علي بن سلمان مطالبة بمحاكمته، رأت أن التعديل الحكومي السعودي يساعد في تقوية الأمير (محمد بن سلمان) المستمر في السلطة".

 

وشددت على أن التعديلات "لم تحد من سيطرة محمد بن سلمان المطلقة تقريبا على السياسة الخارجية والداخلية للمملكة، واحتفاظه بمنصبه القوي وزيرا للدفاع".

 

وأكدت أن "الأوامر المكية شملت تعزيز شأن حلفاء ابن الملك، ولي العهد محمد بن سلمان، وجعلهم يترأسون وكالة أمنية حساسة، وغيرها من المناصب".

 

أيضا نظرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية للتغييرات من زاوية أنها تأكيد على بقاء بن سلمان، وقالت في عنوان تقريرها أن "الملك سلمان يحدث تغيرات ضخمة في مجلس الوزراء، ويحافظ على السلطة في يد ابنه".

 

وقالت إنه "رغم الرقابة الدولية الشديدة التي مارستها الدول على ولي العهد بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول مطلع أكتوبر الماضي، لم يظهر الملك (83 عاما) أيه علامات على الحد من سيطرة ابنه الكاملة على المملكة".

 

أيضا اعتبرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أنّ التعديل الوزاري السعودي من شأنه "تعزيز ولي العهد"، مؤكده أن الملك سلمان "تحرك من أجل تعزيز ابنه وولي عهده، واحتواء التداعيات السياسية بعد مقتل خاشقجي، إضافة إلى رفع شأن عدد من الموالين لولي العهد، وإحاطته (محمد بن سلمان) بعدد من المستشارين ذوي الخبرة".

 

بالمقابل رأت شبكة سي إن بي سي" التليفزيونية الأمريكية أن الأوامر الملكية لها وجهين: "رفع شأن عدد من أعضاء الحرس القديم للمملكة ممن تم تهميشهم عقب تولي الملك سلمان سدة الحكم من جانب، وتقوية عدد من الحلفاء المقربين من محمد بن سلمان من جانب آخر".

 

ونقلت الشبكة عن علي الشيهابي، مؤسس معهد الجزيرة العربية، والمقرب من دائرة الحكم السعودي، إنّ "عدد من حلفاء محمد بن سلمان تم إسنادهم مناصب وزارية (دون تحديد أسمائهم)".

 

وأيدت صحيفة "إندبندنت" البريطانية فكرة أن على التعديل الحكومي السعودي جاء ليعطي مناصب رفيعة لحلفاء ولي العهد محمد بن سلمان، مؤكده أن "الملك وضع الوزارات الرئيسية، والمناصب العسكرية، وغيرها من المناصب الحكومية في يد الأعضاء الأصغر سنا من العائلة المالكة، وغيرهم من الشخصيات المقربين كحلفاء من ولي العهد".

 

الخلاصة

برغم أن الأوامر الملكية تبدو غامضة في أهدافها وجري النظر لها من جانب بعض المحللين على انها مُقدمة للإطاحة بولي العهد بن سلمان فيما راي أخرون إنها تمهيدًا لتوليه العرش قَريبًا جدًّا، يبدو أن هذه التغييرات استهدفت ضخ  من مياه لإطفاء حريق مقتل الصحفي خاشقجي، من زاوية إحاطة الامير بن سلمان بالمزيد من المقربين والخبراء والامنيين لحمايته، وإعادة تدوير مقربين منه بتولي مناصب خلاف اخري، وتهيئة الاجواء ايضا لإبعاده حال لم تأت هذه التغييرات برضاء الغرب.

 

فالهدف الاول الظاهر من وراءها هو التأكيد علي رفض المملكة تغيير ولي العهد، وتهيئته ليصبح الملك المقبل خلفا لوالده الملك سلمان، والهدف الضمني ارسال رسائل للغرب تحديدا (صاحب قرار بقاء بن سلمان أم لا) بأن المملكة تخلصت من القسم الثاني من الشخصيات المثيرة للجدل لاتصالها بقضية قتل خاشقجي (كأكباش فداء)، وتري ان يطوي الغرب الصفحة بذلك ويقبل ببقاء بن سلمان.

 

خاصة وأن الملك استبق هذه التغييرات بتغييرات اخري تخلص فيها من متهمين في الامن السعودي بالمسئولية عقب قتل خاشقجي وأحال 16 للمحاكمة، وأعاد هيكلية جهاز الاستخبارات، كما أعلن ميزانية سنوية هي الأضخم في تاريخ المملكة (تريليون ريال) تتضمن مزايا للسعوديين، برغم أنها تتضمن أيضا عجزا مقدارُه 35 مِليار دولار.

 

وربما يكون هناك هدف اخر – إذا اخذنا في الاعتبار وقوف ولي العهد نفسه خلف هذه التغييرات والاوامر الملكية – هو التمهيد لإعفاء الملك سلمان بحجج واسباب صحية ومرضه، كي يتولى بن سلمان الحكم مباشرا كملك جديد، ويستبق بذلك انتظار تقرير الغرب والعائلة الحاكمة لمصيره، وأي محاولات لعزله من ولاية العرش ومن ثم وضع الجميع بالداخل والخارج أمام الأمر الواقع.

 

ولكن ما سيحسم الامر في نهاية الامر، ليس قادة الغرب مثل الرئيس ترامب أو غيره، وإنما المؤسسات التشريعية، خاصة وأن غالبية قادة الغرب باتوا تحت مقصلة المجالس التشريعية الغربية باتهامات مختلفة ما يقيد تحركتهم ويجعلهم أكثر حرصا على عدم التصادم مع الكونجرس او مجلس العموم أو البوندستاج أو النواب الفرنسيين، وهو امر ليس في صالح "بن سلمان" في ظل قرارات الكونجرس وبرلمانات اوروبا بإدانته.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التصعيد الحوثي بالصواريخ الباليستية ضد السعودية…الأهداف والدلالات

واصلت ميليشيا الحوثي تحدي الدفاعات السعودية بإطلاق صاروخين مجددا على جازان والرياض، قبل أن…