‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر سياسة القتل خارج القانون في مصر.. الأهداف والمخاطر
مصر - يناير 11, 2019

سياسة القتل خارج القانون في مصر.. الأهداف والمخاطر

 سياسة القتل خارج القانون في مصر.. الأهداف والمخاطر

 

«إن أردت استجواباً جاداً، فإنك ترسل السجين إلى الأردن، وإن أردت تعذيبه، فعليك إرساله إلى سوريا؛ أما إن أردت أن يختفي شخص ما فلا يراه أحد مطلقاً بعد ذلك فإنك ترسله إلى مصر». [1]هكذا لخص روبرت باير المسئول السابق بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في مقال نشرته مجلة نيوستيتسمان تحت اسم “الجولاج 1 الأمريكي” بتاريخ 17 مايو 2004، ونقلته منظمة هيومن رايتس ووتش HRW في تقريرها بعنوان الفجوة السوداء سنة 2005م. كان هذا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، أما الآن فإن الأمر ازداد سوءا وبات الاغتيال خارج إطار القانون منهجية ثابتة لأجهزة  جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي؛ فقد تجاوزت مرحلة الاختفاء القسري إلى مرحلة القتل دون تحقيقات أو محاكمات.

في هذا السياق، يأتي إعلان وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب في مصر  صباح السبت 29 ديسمبر 2018م عن اغتيال "40" مصريا بعد ساعات قليلة من تفجير حافلة سياحية بالقرب من منطقة الأهرامات بالجيزة، مساء الجمعة قبل الماضية ، أسفر عن مقتل "3"سائحين  فيتناميين ومرشد سياحي مصري وإصابة 11 آخرين،  وهو ما يؤكد أن الاغتيال خارج القانون منهج سياسي ثابت يمثل أحد ركائز الأجهزة الأمنية في مصر بعد انقلاب 03 يوليو 2013م. كما يأتي متسقا مع الوظيفة التي يقوم بها النظام العسكري لخدمة مصالح قوى  دولية وإقليمية بناء على الثوابت والركائز الحاكمة للسياسات المصرية العليا على المستويين المحلي والإقليمي.

وكالعادة خرجت الرواية الأمنية تدّعي أنهم قتلوا في تبادل لإطلاق النار، وهي نفس الرواية الركيكة التي يتم بثها ونشرها عقب كل جريمة اغتيال خارج إطار القانون تقوم بها ميليشيات تابعة لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بالجيش والشرطة. هذه الرواية الركيكة مع تكرارها قوبلت بتشكيك كبير، أخذًا بعين الاعتبار النمط الذي تعتمده أجهزة السيسي الأمنية وعمليات التوثيق التي تقوم بها منظمات حقوقية غير حكومية للضحايا. وأمام مزاعم النظام الدائمة بأن الضحايا قتلوا في تبادل لإطلاق النار، تؤكد منظمات حقوقية مستقلة أن أغلب هؤلاء الضحايا من المختفين قسريا، تحتجزهم ميليشيات النظام داخل مقارها بشكل غير قانوني، وتقتل بعضهم في أعقاب وقوع أي حادث مسلح؛ بحجة أنهم متورطون في ارتكابه.

بخلاف ذلك، فإن الربط بين جريمة اغتيال "40" مصريا خارج إطار القانون وما يشابهها من جرائم النظام التي تزايدت بشدة خلال السنتين الماضيتين، بالسياسات الدولية والإقليمية، ليس عشوائيا بقدر ما هو استنتاج رصدته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في تقرير  لها  في سبتمبر 2017م، حيث رصدت تزايد الانتهاكات من جانب الطغاة العرب  بعد التفاهمات التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع السيسي في النصف الأول من سنة 2017م، خلال زيارة الأخير لنيويورك في إبريل ثم الزيارة التي قام بها ترامب للسعودية في 21 مايو من نفس السنة والتقى خلالها قيادات تحالف الثورات المضادة وما تلاه من حصار قطر.

ورصدت التقرير  "3" تحولات في مصر لها ما بعدها، أولا زيادة معدلات حملات الاعتقال المسعورة بحق المعارضين للنظام،  وكذلك غير المسيسيين. ثانيا، زيادة معدلات  تأميم الفضاء الإعلامي وحجب المواقع الإخبارية التي لا تتوافق سياستها التحريرية مع رغبات النظام وأجهزته الأمنية عبر إجراءات وتشريعات تصادر الحق في التعبيير. ثالثا، كما تزايدت كذلك معدلات أحكام الإعدام المسيسة والاغتيال  خارج القانون وسجل شهر يوليو2017  وحده، 61 حالة قتل خارج القانون، أي أكثر من ضعف العدد الإجمالي الذي تم رصده خلال الأشهر الستة الأولى من السنة ذاتها(2017)، وذلك وفقا للجنة المصرية للحقوق والحريات. وبعكس أوباما الذي دأب على انتقاد أوضاع حقوق الإنسان، في مصر فإن ترامب احتضن السيسي، ودعاه إلى البيت الأبيض، وهو أمر لم يفعله أوباما أبدا. واعتُبرت رحلة ترامب الى السعودية أنها إلى حد كبير ترسيخ لعلاقة جديدة تركز على مكافحة الارهاب.  كما اعتبرت كذلك تشجيعا للطغاة العرب وأوصلت لهم رسالة مفادها أن أي انتهاكات يقومون بها ضد شعوبهم ستكون مقبولة لدى إدارة ترامب وبذلك مُنح السيسي الضوء الأخضر الأمريكي حتى يفعل بالمصريين ما يشاء.[2]

وبناء على هذه التفاهمات التي تستهدف بالأساس ضمان بقاء واستمرار نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي للقيام بالمهام الوظيفية المحددة له محليا وإقليميا ودوليا كوكيل لقوى دولية وإقليمية نافذة ؛ فقد ارتفعت وتيرة القتل خارج القانون في مصر على يد قوات الأمن التابعة لجنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي، حتى منتصف ديسمبر 2018م، بأكثر من 27% مقارنة بالعام الماضي، 2017، وفق إحصاءات بيانات وزارة الداخلية عن أعداد القتلى في عام 2018 تحت مزاعم "تصفية إرهابيين". وبلغت حصيلة القتل خارج القانون في عام 2018 نحو 225 قتيلا مقارنة بنحو 177 قتيلا في عام 2017، توزعوا على محافظة شمال سيناء والقاهرة والجيزة والصعيد والدلتا.[3]

ويؤكد مدير منظمة «السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان» علاء عبد المنصف، أن 2018 كان الأكثر من حيث أحكام الإعدام وتنفيذها، وكذلك من حيث انتشار ظاهرة التصفيات الجسدية التي توسع فيها وزير داخلية الانقلاب محمود توفيق، الذي تم تعيينه في يونيو 2018. وخلال الفترة من 3 يوليو 2013 وحتى منتصف ديسمبر 2018، رصدت منظمة "السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان"، مقتل (3146) معارضا خارج إطار القانون، بخلاف الوضع في سيناء، بينهم 203 مواطنين نتيجة التصفية الجسدية المباشرة، كان أغلبهم في عام 2018م.  كما شهدت سيناء وحدها مقتل (4010) مواطنين، منهم (3709) مواطنين برّر الجيش قتلهم لمشاركتهم في مواجهات أمنية، والبقية بصورة عشوائية، ومنذ الانقلاب وحتى منتصف ديسمبر 2018م، فإن المحاكم المصرية أصدرت أحكاما بإعدام (1324) مواطنا بدرجات تقاضٍ متفاوتة، تم تنفيذ الحكم في حق (37) معارضًا، بينهم 10 في عام 2018، بالإضافة إلى تأييد الأحكام على (76) آخرين يمكن أن يتم تنفيذ الحكم عليهم في أي لحظة.[4]

 

الاغتيال برواية أمنية مفبركة

في يناير 2018م، وفي ذكرى الثورة، أصدر مركز «النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب»[5] -منظمة مجتمع مدني مصرية- تقريرا بحصاد القهر عن عام 2017، رصد فيه وقوع 1029 حالة قتل، و118 وفاة في أماكن الاحتجاز، و347 حالة تعذيب فردي، و212 حالة تعذيب أو تكدير جماعي، و277 حالة إهمال طبي، و1274 حالة اختفاء قسري، و1237 حالة ظهور بعد الاختفاء، و386 حالة عنف من قبل الدولة. وفي مقدمة التقرير (الأرشيف)، قال المركز: "ليس لدينا أي شك أن ما تمكنّا من تجميعه من انتهاكات رصدتها وسائل الإعلام المختلفة ما هو إلا قمة جبل الثلج.. فتحت السطح أو بعيدا عن رصْدِنا تجري أضعاف تلك الجرائم التي نعتذر لضحاياها بأننا لم نتمكن من الوصول إلى معرفتها". وتابع المركز: "مثلما حرصنا على رصد ما نُشر من حالات الاختفاء القسري حرصنا أيضا على توثيق أماكن ظهور هؤلاء المختفين، ذلك أنه بناء على هذا الأرشيف لم يظهر أحد من المختفين في دولة أخرى بين صفوف داعش كما ادّعى بعض المسؤولين والإعلاميين وأحد المتحدثين باسم المجلس القومي لحقوق الإنسان، بل ظهروا في النيابات وأقسام الشرطة والمحاكم وكلها مؤسسات تابعة وخاضعة للدولة".

وإزاء عشرات الحوادث التي أعلنت عنها بيانات وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب، والتي أسفرت عن اغتيال مئات المختفين قسريا؛ فإن كل هذه الجرائم تم تغطيتها برواية أمنية مفبركة وشديدة الركاكة وتعصف بها الأدلة والحقائق الدامغة من كل جانب. فدائما  ما تتضمن بيانات الداخلية أن هؤلاء الضحايا قتلوا في تبادل لإطلاق النار، حيث بدأ الضحايا بإطلاق الأعيرة النارية بمجرد اقتحام قوات الأمن لما تسميها بيانات الوزارة بأوكار إرهابية.. ويتم توزيع صور لبعض هؤلاء الضحايا مطموسة الوجه مؤخرا حتى لا يتم التعرف عليها، وبجوار كل منهم سلاحا آليا! لكن هذه الرواية الوحيدة التي تعتمد عليها الداخلية في تبرير  قتلها لهؤلاء الضحايا خارج القانون تعصف بها الأدلة والقرائن الدامغة:

أولا، إذا كان هؤلاء قتلوا في تبادل لإطلاق النار  كما تزعم الداخلية؛ فلماذا لا يتم الإعلان عن قتلى في صفوف الشرطة أو حتى مصابين فدائما هم يخرجون من هذا التبادل المزعوم لإطلاق النار سالمين؛ ما يؤكد أن الضحايا كانوا مختفين قسريا وتم التضحية بهم أمام فشل الأجهزة الأمنية في كشف الحقائق. فحتى لا تتهم بالفشل يتم قتل هؤلاء الضحايا باعتبارهم الجناة ويتم غلق  القضية دون مساءلة أو محاسبة الضباط المجرمين بل على الإرجح فإنهم يكافؤون ماليا وبالترقية على هذه الجرائم المروعة.

ثانيا، في البداية كانت تنشر بيانات الداخلية صورة الضحايا فيتم الرد عليها بأن هؤلاء تم الإبلاغ عن اختفائهم قسريا  بتواريخ محددة قبل ذلك بشهور أو حتى سنوات وهو ما تكرر كثيرا  وبات يفضح فبركة هذه البيانات وأكاذيب النظام ما دفع البيانات الأخيرة للوزارة إلى طمس الوجوه حتى لا تتعرض  لهذا الحرج مرة أخرى؛ وهو ما يعزز  ما ذهبنا إليه بأن بيانات الوزارة هي أكبر عملية تستر على جرائم ضباط الشرطة أو الجيش وممارسة القتل خارج القانون بمنهجية ثابتة لخدمة مصالح النظام وقوى إقليمية ودولية نافذة.

ثالثا، التشكيك  فيه هذه الرواية الأمنية المفبركة، لم يقف عند حدود الساسة الرافضين للنظام أو المؤسسات الحقوقية المستقلة؛ بل إن صحيفة “لو فيجارو” الفرنسية  فنَّدت ادعاءات ميليشيات العسكر الأمنية،  وشككت في روايتها المفبركة حول مقتل "40" مصريا بعد تفجير حافلة الهرم ووصفت الصحيفة الفرنسية هذه الرواية الأمنية بالزيف، وقالت في تقرير لها إن “وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية أرسلت إلى الصحفيين 31 صورة لجثث الضحايا، وقالت إنهم قتلوا في تبادل لإطلاق النار، رغم أن الصور تظهر آثار رصاصتين في الرأس لبعض الجثث، وإصابة آخرين في الظهر، وبقاء أشياء سليمة تماما إلى جوار الضحايا كزجاجات المياه، ما يؤكد أن ما حدث هو عملية قتل عمد”.[6]

رابعا، يؤكد مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان خلف بيومي، أن "الداخلية قامت خلال الشهور الأخيرة بارتكاب 54 عملية تصفية ميدانية، مشيرا إلى أن قتل جميع الضحايا تم من دون الإعلان عن أسمائهم، وأنه تم تصويرهم جميعا دون آثار دماء إلى جوار جثامينهم".[7]، بينما تؤكد الخبيرة في الشبكة العربية للصحة النفسية شيرين فؤاد، فبركة الصور التي تداولتها وزارة الداخلية في شهر نوفمبر 2018 الماضي بشأن تصفية 19 مواطنا مجهولي الهويات، بزعم تورطهم في الهجوم المسلح على حافلة الأقباط بالمنيا. وتشدد على أن الضحايا تم قتلهم بعيدا عن موقع التصوير، وتم إحضار الجثث إلى هذا المكان للإيحاء بوقوع اشتباك مسلح أسفر عن مقتلهم خلال تبادل لإطلاق النار، موضحة أن صور الجثث التي تم نشرها في بيان الداخلية، تم معالجتها ببرنامج "فوتوشوب" بطريقة ركيكة، تكشف الاستخفاف بعقول الناس". بينما اتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش"في بيان لها أن العديد من حوادث التصفية الجسدية في مصر بدا أنها عمليات قتل خلال إطلاق نار مُدبر خارج إطار القانون، شملت أشخاصا كانوا قد احتجزوا سابقا على أيدي قوات الأمن". أضف إلى ذلك أنه لم يتم اعتقال شخص واحد من هؤلاء الضحايا لمعرفة شبكاتهم وتمويلاتهم وهو ضرورة أمنية إذا كانت الأجهزة ترغب في الحصول على معلومات مهمة لكن القضاء على الجميع بهذه الطريقة يؤكد أن الأمر كله مفبرك وملفق للتغطية على فشل الأجهزة. كما أن سرعة التحرك والقدرة الفائقة على الوصول للجناة عقب كل حادث إرهابي، هو أمر يثير الشكوك، فلو كان الأمن بهذه الكفاءة العالية، فلماذا لم يتحرك الأمن طوال السنوات السابقة لمنع الجرائم قبل وقوعها إذا كان يعلم أماكنهم بهذه الكفاءة والسرعة؟!.

خامسا،زاد من وتيرة هذه الجرائم من جانب مليشيا النظام إفلات الضباط الجناة من أي عقوبة، ومشاركة القضاء ممثلا في النيابة العامة ليس فقط في التستر  على جرائم المجرمين من ضباط الشرطة وصولا إلى التورط المباشر بعدم إجراء أي تحقيقات جادة بعد أي جريمة اغتيال خارج إطار القانون، كما لم يقدم ضابط واحد منذ 30 يونيو 2013 في أي قضية اغتيال خارج القانون؛ وهو ما يأتي متسقا مع سياسات النظام والتي عبَّر عنها جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي في تسريب له  في أكتوبر 2013م ،مع عدد من قيادات وضباط الجيش أنه لن يكون هناك توقيف أو محاكمة لأي ضابط يطلق الرصاص أو الخرطوش  على متظاهرين.[8]

سادسا، شواهد وسوابق مليشيا وزارة الداخلية تؤكد أنهم مدمنون في الفبركة والكذب، وأنهم على استعداد لقتل أبرياء من أجل التستر على جرائم الضباط، ولعل أكبر برهان على ذلك ما جرى من  اختطاف الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في يناير 2016م، ثم قتله تحت التعذيب الوحشي ونفي  الداخلية علاقتها بالجريمة ثم قتل 5 مواطنين أبرياء "سيارة الميكروباص" باعتبارهم عصابة سرقة للأجانب وأنهم من ارتكبوا الجريمة وأنه تم العثور على جواز سفر ريجيني وبعض متعلقاته في شقة أحد هؤلاء الضحايا، ثم تكشف بعد ذلك أن ما جرى كان أكبر عملية  تستر على الفضيحة راح ضحيتها هؤلاء الأبرياء الخمسة ولم يتم التحقيق في هذه الجريمة الوحشية حتى اليوم ما يؤكد أن منظومة القضاء المصري جزء من عصابة الحكم لا تحتكم إلى معايير القانون والعدالة بقدر ما تصدر قراراتها بناء على أوامر  النظام ومصالحه الخاصة.

سابعا، تتابع حوادث الإختفاء القسري والتصفية الجسدية لم يكن ببعيد عن تغطية المنظمات الحقوقية الدولية، وكان من أبرز تلك التقارير ما تم رصده ونشره عقب الفيديو والبيان الذي نشرته وزارة الداخلية بتاريخ 13 يناير 2017، عن تعقب مجموعة من مقاتلي تنظيم الدولة المشتبه بهم وقتلهم بمنزل مهجور في مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، حيث قامت منظمة هيومان رايتس ووتش بتحليل الفيديو الذي نشرته وزارة الداخلية المصرية ونشرت تقرير ضمنت فيه شهادات أهالي القتلى وتوثيقهم لتعرض ابنائهم للإعتقال على يد الأجهزة الأمنية قبل اعلان قتلهم، المنظمة في تحليلها للفيديو اثبتت كيف انه يحتوي على مشاهد مفبركة للإيهام بالإشتباك المسلح، أيضاً اصدرت منظمة العفو الدولية بيان عاجل للتحقيق في جرائم التصفية الجسدية في مصر.

 

الأهداف والمخاطر

أولا، يمارس النظام العسكري جرائم الاغتيال خارج القانون اتساقا مع دوره ووظيفته المحددة محليا وإقليميا، فالوظيفة الأساسية للنظام وفق معادلة التفاهمات مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ اتفاقية كامب ديفيد هو ضمان حماية أمن الكيان  الصهيوني فهذه الوظيفة بمثابة الواجب. وهذه قمة أولويات المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة مع ضمان حماية هذه المصالح ومواجهة كل يا يهدد بقاءها واستمرارها. ووفقا للقاعدة الفقهية التي تؤكد أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فإن ضمان استمرار  نظام حكم عسكري استبدادي غير منتخب بنزاهة من الشعب المصري هو بالتالي ضرورة ويأخذ حكم الواجب في إطار  الرعاية الأمريكية لنظام العسكر في مصر. ولعل ذلك يفسر  أسباب الانقلاب على المسار الديمقراطي في مصر  وإعادة إنتاج النظام الاستبدادي بانقلاب 03 يوليو 2013م برعاية أمريكية وإقليمية، وبالتالي فإن سحق "الإخوان المسلمين" باعتبارها الفصيل الشعبي والإسلامي الأكبر  في مصر  هو صب مباشر  في تحقيق أهداف الأدوار الوظيفية للنظام.  إلى ذلك فإن تكريس الاستبداد والاغتيال خارج إطار القانون والمحاكمات المسيسة والأحكام القضائية الانتقامية ومصادرة الفضاء السياسي والإعلامي وتمهيد الأجواء لبقاء الجنرال السيسي في الحكم مدى الحياة كلها تصب في خانة القيام بالأدوار الوظيفية للنظام.

ثانيا، يتعامل النظام مع المختفين قسريا باعتبارهم "رهائن" وبتحليل بعض حوادث الاغتيال  نلاحظ أن كثير من الحوادث بسبقها عمل مسلح ضد قوات الأمن أو سياح أو غير ذلك، وبتتبع معظم بيانات وزارة الداخلية عن قتل ما أسمتهم “ارهابيين” في اشتباكات مسلحة، فإن معظم الأشخاص الذين يتعرضوا للقتل هم أشخاص تم اعتقالهم مسبقاً على يد جهاز الأمن الوطني قبل أن يتم قتلهم، إذا،  فإن وزارة الداخلية سارت تعتبر المختفين قسرياً أداة يتم الرد بها على "تنظيم ولاية سيناء والمسلحين، لترسل رسالة واضحة، كلما قمتم بعمل مسلح ، سنقوم بقتل مجموعة من الشباب الذين أخفيناهم قسرياً  دون احترام لقانون أو عدالة أو حرمة للدماء المعصومة.

ثالثا، تستهدف الداخلية أيضا طمأنة عناصرها بأنها تأخذ بثأرهم بأقصى سرعة وبذلك يبقي الإختفاء القسري سلاحا يستخدمه النظام كأداة لنشر الخوف بين أفراد المجتمع، ولكن هذا سلاح ذو حدين أخطرهما هو تحويل الكتل الحرجة من الشباب الذين شاركوا في معركة تغيير مصر في ثورة يناير للإيمان بالعنف المطلق دون قوانين في ظل ما صار النظام يرسخه من دولة الغابة.

رابعا، يريد النظام أن يثبت لأمريكا والغرب أنه ذراعهم ضد الحركات الإسلامية عموما بل  أي توجه إسلامي حتى لو كان سلميا،  وأنه يقود قاطرة ما تسمى بالحرب ضد الإرهاب وهو العدو الوهمي الذي اخترعه النظام من أ جل ضمان تمرير  انتهاكاته بدعوى الأمن القومي من جهة وتسويق نفسه خارجيا من جهة ثانية. لضمان استمرار  الدعم الدولي. وربما يفسر ذلك أسباب الرد الفاتر من جانب الحكومات الغربية بشأن انتهاكات نظام السيسي الوحشيةالتي فاقت كل حد فالمصالح فوق القيم والبيزنيس أهم من الأخلاق.

خامسا، تؤكد  جريمة "الاغتيال" خارج القانون من جانب أجهزة السيسي أن مصر باتت أبعد ما تكون عن دولة القانون فالنظام بات هو الخصم والحكم، وبات هو من يصدر الأحكام بعيدا عن بيروقراطية القضاء ونفسه الطويل فلماذا يتم القبض على متهمين وتقديمهم لمحاكمات دون أدلة أو بأدلة ملفقة إذا كانت الداخلية قادرة على قتله برصاصه وتبرير جريمتها باعتباره إرهابيا قتل في تبادل لإطلاق النار؟!.  كما تؤكد أن القوة الغاشمة لا تحقق سوى مزيد من الدماء وأكبر دليل على ذلك هو "العملية الشاملة" التي كان مقررا أن تقضي على ما يسمى بالإرهاب في 3 شهور فقط لكنها دخلت الشهر العاشر و لا يزال الضحايا من الجيش والشرطة يتساقطون كان آخرهم 5 من عناصر الجيش في سيناء بينهم طابطان.

سادسا، هذه السياسة تغذي نزعات الثأر والانتقام عند المواطنين عموما، وتدفعهم لتجاوز القانون وأخذ حقوقهم بأيديهم، وبذلك نصبح أمام صناعة حكومية للإرهاب الذي ستنتشر نيرانه لتحرق الجميع، كما أن السيسي نفسه هو من بث الروح في أفكار التنظيمات المسلحة بانقلابه على الديقمراطية وسد أي نوافذ سلمية للتداول السلمي للسلطة، فقد فاز الإخوان بثقة الشعب فماذا جرى بعد ذلك؟ تم الانقلاب على كل المؤسسات المنتخبة وقتل واعتقال عشرات الآلاف من أنصار الحزب الحاكم وهي رسالة مفادها أن الحكم في مصر يقوم على  صناديق السلاح لا صناديق الانتخابات.

 

 

 



[1] هيثم غنيم/مصر: تصفيات واغتيالات .. الدوافع والرسائل/ "المعهد المصري للدراسات 10 أغسطس، 2017 0

[2]  عادل رفيق ترجمة من واشنطن بوست  / ما بعد ترامب: ارتفاع معدلات القتل خارج القانون في مصر/ المعهد المصري للدراسات 8 سبتمبر، 2017

[3] ارتفاع حصيلة ضحايا تصفيات الشرطة المصرية في 2018 (إنفوغراف)/"عربي 21" الخميس، 27 ديسمبر 2018

[4] عبدالله المصري/مصر 2018.. 317 حكما بالإعدام ضد معارضين منها 67 نهائية/ "عربي 21" 26 ديسمبر 2018

[5] مصر: 1029 حالة قتل و1274 مختفيا قسريا عام 2017/العربي الجديد 25 يناير 2018

 

[6] "40" ضحية جديدة للأمن المصري: رواية متكررة وتشكيك مستمر/العربي الجديد 30 ديسمبر 2018

[7] ارتفاع قياسي في عمليات التصفية خارج إطار القانون بمصر/"عربي 21" السبت، 15 ديسمبر 2018

[8] السيسي: الضابط اللي حيضرب قنابل غاز وخرطوش وحد يموت أو يحصله حاجة في عينه مش حيتحاكم/ شبكة رصد 03 أكتوبر 201

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أزمة الرسوم المسيئة .. موقف السيسي!؟

تفجرت الأزمة بين فرنسا والعالم الإسلامي يوم أول أكتوبر2020م، عندما أطلق الرئيس الفرنسي إيم…