‫الرئيسية‬ قراءات ومقالات زيارة “بومينو” للمنطقة ومستقبل “سايكس بيكو” الجديدة
قراءات ومقالات - يناير 12, 2019

زيارة “بومينو” للمنطقة ومستقبل “سايكس بيكو” الجديدة

 


زيارة "بومينو" للمنطقة ومستقبل "سايكس بيكو" الجديدة

 

في الوقت الذي أعلنت فيه الادارة الامريكية تأجيل الاعلان عن تفاصيل "صفقة القرن" بسبب الانتخابات الاسرائيلية التي ستجري في مارس 2019، بسبب الخشية من تأثير "التنازلات المطلوبة من إسرائيل" ضمن الصفقة على نتائج المرشحين (وهي نفس حجة تأجيل سابق من أغسطس لنهاية ديسمبر 2018 بسبب انتخابات الكونجرس)، كان الحديث يجري عن مخططات خطيرة تهدد المنطقة أو "سايكس بيكو جديد".

وتزامن ذلك مع سلسلة خطوات مصرية إسرائيلية فلسطينية نحو المزيد من التضييق على المقاومة في غزة بالتزامن مع زيارة الرئيس الفلسطيني لمصر، هي: عودة غلق مصر لمعبر رفح في وجه المغادرين من غزة، وقيام "عباس" بسحب موظفي السلطة من معبر رفح، وقطعه رواتب دفعة جديدة من موظفي السلطة بالقطاع.

كما أوقف الاحتلال دخول الأموال القطرية إلى الموظفين في قطاع غزة في خطط يبدو انها تستهدف قطاع غزة الذي يعاني حصارًا خانقًا منذ حوالي 12 عام، استعداد على ما يبدو وتهيئة للأجواء قبل إعلان تفاصيل الصفقة.

هذه التطورات المتلاحقة والمتزامنة لا يمكن أن تأتي مصادفة خاصة في وقت بدأت تتحدث فيه الصحف الامريكية عن أنّ جون بولتون سيأتي في زيارة إلى العاصمة التركية أنقرة، ومعه "خريطة ملونة" لتقسيم المنطقة أعدّها المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا جيمس جيفري، تحدّد فيها الأماكن التي يُمنع فيها دخول القوات التركية إليها في الخريطة وذلك في تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.

وذكرت "وول ستريت جورنال" وصحيفة "يني شفق" التركية، أنّ مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، سيأتي في زيارة إلى أنقرة، ومعه خريطة ملونة لتقسيم سوريا أعدّها المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا، جيمس جيفري، تحدّد فيها الأماكن التي تعارض دخول القوات التركية إليها في الخريطة.

ووصف مسؤول أمريكي، تحدث للصحيفة، أنّ هذه الخريطة مشابهة لاتفاقية سايكس بيكو السرية بين بريطانيا وفرنسا، والتي قسمت الشرق الأوسط إلى مجالات استعمارية عديدة.

زيارة وزير الخارجية الأمريكي

ونبدأ بزيارة مايك بومبيو، وزير خارجية امريكا ورئيس مجلس الأمن القومي للمنطقة وخاصة مصر واسرائيل، والتي أكد بيان صادر عن الخارجية الأمريكية أنه سيزور مصر الخميس 10 يناير الجاري لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين المصريين "تدور حول العلاقات بين واشنطن والقاهرة والقضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك ومكافحة الإرهاب، ويبحث الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط".

إذ تأتي زيارة وزير الخارجية الأمريكي لمصر ضمن جولة بمنطقة الشرق الأوسط بدأت الاحد 6 يناير وتشمل اسرائيل والاردن ومصر، ودول الخليج: البحرين والإمارات، وقطر والسعودية وسلطنة عمان والكويت، ما يطرح تساؤلات حولها وهل هي مخططه فقط للتنسيق حول انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، كما يزعم موقع الإذاعة الصهيونية "مكان" أم أن لها علاقة بترتيبات صفقة القرن ككل؟.

صحيح أن الحديث يتركز حول سوريا وسعي أمريكا لترتيب الأجواء قبل انسحابها من سوريا بما لا يضر تل ابيب ولا يسمح لتركيا بضرب الاكراد حليف أمريكا وإسرائيل، بيد أن زيارة بومبيو لمصر والأردن ودول الخليج لا يبدو أن لها علاقة بملف سوريا، والأرجح أنها لتنسيق المواقف قبل إعلان تفاصيل صفقة القرن.

فقد سبق "بومبيو" الي إسرائيل، مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، الذي بحث تأثير انسحاب أمريكا من سوريا على إسرائيل وبحث خطة أميركا لإبقاء عددٍ من قواتها جنوبي سورية، مع مسؤولين إسرائيليين، ما يعني ان زيارة "بومبيو" هي لهدف اخر غير بحث سوريا.

وتأتي زيارة "بومبيو" في اعقاب قول سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، ديفيد فريدمان، إن الإدارة الأميركية قررت تأجيل نشر تفاصيل "صفقة القرن"، لعدة أشهر إلى ما بعد انتخابات الكنيست وتشكيل حكومة جديدة في إسرائيل، أي أنها معدة وجاهزة ولكن سيؤجل نشرها فقط كي لا تؤثر على نتائج انتخابات إسرائيل.

ويدور الحديث عن تنازلات متبادلة بين إسرائيل والدول العربية بموجب صفقة القرن، اخطرها تخلي الفلسطينيين عن القدس ككل لتصبح (بشطريها الغربي والشرقي) عاصمة للدولة الصهيونية، وجعل مدينة "أبو رديس" عاصمة لفلسطين بدل القدس، فضلا عن إقامة مشاريع استثمارية في غزة وفي سيناء يعود ريعها لأهالي غزة، وهو إجراء يصعب تصور ان يعطي الامريكان والصهاينة وسلطة الانقلاب عوائده للمقاومة في غزة، لهذا يجري التمهيد له بخطوات الحصار الأخيرة التي تنفذها سلطة رام الله وسلطة الانقلاب وسلطة الاحتلال في توقيت واحد!

وكانت لفتة ذكية وذات مغزى أن يعبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن رفضه إجراء أي تقسيمات جديدة في المنطقة على غرار اتفاقية "سايكس بيكو"، وهو يحضر الاحتفال الاخير بذكري مرور 100 عام على الحرب العالمية الاولى.

إذ أن أكثر نتائج هذه الحرب مأساوية كانت تقسيم العالم العربي بين قوي الغرب وتفتيته الي دويلات بحدود مصطنعة تسببت في العديد من المشكلات العرقية والفئوية والدينية التي يعاني منها العالم العربي حاليا، ومهدت لحشر الدولة الصهيونية بين هذه الدويلات العربية المصنوعة.

لهذا كان تصريح أردوغان مؤشر واضح لرفض خطط تجري بالفعل لتأسيس لـ "سايكس بيكو -2"، بما تتضمنه من تفتيت المفتت، عبر اقتطاع اجزاء من تركيا لانشاء دولة كردية، فضلا عن سعي امريكا وروسيا لاتفاق مشابه يقسم سوريا والعراق وربما اليمن وليبيا.

بل أن اردوغان سعي لتذكير قادة الغرب المجتمعين في فرنسا بأنهم حين قسموا الدول الكبرى الي كيانات سياسية صغيرة، لم تستطع هذه الكيانات أو الانظمة الحاكمة بناء روابط قوية مع الشعوب التي حكمتها، ما أدى إلى معاناة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا طيلة القرن الـ 20 من حكم الأنظمة الاستبدادية والانقلابات العسكرية وحكومات الأقلية.

وحتى حين حاولت الحركات الشعبية الديمقراطية التي سميت بـ "الربيع العربي"، تصحيح الوضع "لجأ (الحكام الذين جاءت بهم تقسيمات سايكس بيكو) إلى شتى الوسائل المعادية للديمقراطية، بما في ذلك الانقلابات العسكرية، من أجل تحقيق أهدافهم، بل ويواصل هؤلاء اللاعبين اليوم أيضًا أنشطة الثورة المضادة، ويعرضون السلم والاستقرار العالميين للخطر من أجل مصالحهم الخاصة"، كما قال اردوغان.

وكانت اتفاقية "سايكس بيكو" الاولي التي اعقبت الحرب العالمية الاولي، سرية، وجرى توقيعها في عام 1946، بين فرنسا والمملكة المتحدة، بمصادقة روسيا، لاقتسام منطقة الهلال الخصيب أو الدول العربية شرقي المتوسط، بين فرنسا وبريطانيا، بعد تهاوي الدولة العثمانية، إبان الحرب العالمية الأولى.

وبدلا من الاحتفال بانتهاء عمر هذه المعاهدة، وامتلاك العرب إرادتهم، جاءت الذكري المئوية في ظل وضع أسوأ يهدد بتقسيم "المقسم"، وتحويل "دول" عربية إلى "دويلات".

حيث واكب الاحتفال بالذكري، الحديث عن معاهدة جديدة – غير رسمية هذه المرة – يجري وضعها سرا بالفعل، تعيد تشكيل ورسم حدود المنطقة العربية على أسس عرقية وطائفية، في ظل سعي إدارة ترامب لتثبيت اغتصاب الصهاينة للأرض المحتلة باتفاقات مع الأنظمة العربية وتطبيع للعلاقات ينهي مقولة "العدو الصهيوني".

ويسعي الاحتلال الصهيوني للمشاركة في هذا التقسيم الجديد وتثبيت وجوده ضمن التقسيم الاول للاتفاقية، بل وبدأت تل ابيب تناقش ما سمي "الاستراتيجية الإسرائيلية لحقبة ما بعد سايكس بيكو عبر سلسلة دراسات نشرها "معهد دراسات الأمن القومي"، للباحث "رون تيرا"، وهو رجل أعمال ويخدم في الاحتياط في قسم التخطيط لحملات سلاح الجو الإسرائيلي.

وكان من الملفت قيام الباحثون الصهاينة في نهاية بعض هذه الدراسات – مثل دراسة "أصول اتفاق سايكس بيكو الملامح الرئيسية" لـ "إيتامار رابينوفيتش" -بكتابة توصية تقول: "يجب على إسرائيل أن تكون مستعدة لوضع الأفكار من أجل حل ترسيم المنطقة لأنه عندما يحين الوقت لخلق "سايكس بيكو" جديد، سوف يتضمن الامر أيضا الصراع الإسرائيلي الفلسطيني".

ولا يمكن في هذا الإطار فصل هذه الاستعدادات الصهيونية عما قالته القناة الثانية بالتلفزيون الاسرائيلي 6 يناير 2019 من أن دولة الاحتلال اعدت وعرضت، للمرة الأولى، تقديراتها بشكل رسمي لسعر الممتلكات اليهودية المتبقية في الدول العربية وقدرتها بربع تريليون دولار (250 مليار دولار) استعدادا لصفقة القرن!.

زيارة عباس لمصر وتضييق حصار غزة

إذا كان الدور الامريكي هو التخطيط لمسارات صفقة القرن، والدور الصهيوني هو الترتيب وتهيئة الاجواء للحصول على الجائزة الكبرى لهذه الصفقة، فقط أظهرت زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للقاهرة ولقاؤه عبد الفتاح السيسي وما سبقها ولحقها من قرارات أن دور العرب هو التنفيذ.

وجاء تقرير "وول ستريت جورنال" عن احتمالات توجه نتنياهو إلى الرياض قريبا واستقبال ولي العهد السعودي له ليؤكد ليس فقط سعي ادارة ترامب لترتيب ذلك من اجل استعادة "بن سلمان" بريق ما فقده في قضية قتل خاشقجي، وإنما تمهيده الطريق للتطبيع الشامل مع الاحتلال كجزء من صفقة القرن.

فزيارة عباس والحفاوة المصرية به لحد إشراكه في افتتاح مسجد وكنيسة العاصمة الادارية– على عكس ما يشاع عن خلافات بينه وبين السيسي-وما سبقها وتبعها من قرارات، واستباقها زيارة وزير الخارجية الامريكي، تبدو موجهة ضد حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) وغزة، ولا يمكن ان تكون جاءت مصادفة، وإنما هي تمهيد لشيء ما، ربما هو ترتيبات صفقة القرن.

ولا يمكن قراءة تحركات عباس والسيسي سوي في سياق الاجهاز على القضية الفلسطينية، فما يقوم به عباس من ممارسات منها؛ قطع رواتب، وسحب موظفيه من معبر رفح ومحاولة إثارة الفوضى عبر منتسبي حركة فتح في غزة، يأتي ضمن خطة تهدف للفصل بين غزة والضفة الغربية، وزيارته لمصر والعقوبات القادمة ستؤكد هذا الفصل.

فقد كانت مفاجأة للصحفيين المصريين حين التقاهم عباس بالقصر الرئاسي الذي ينزل فيه قولهم لهم أن القضية الفلسطينية لن تُحل ولو بعد 10 أو 15 عاما، وسعيه للزعم أن جماعة الإخوان تعمل مع الأمريكيين بصورة وثيقة، وصار لهم وجود مهم ومؤثر في غالبية مواقع القرار الأمريكي، ما يخدم حماس!.

وبدا من محاولات عباس حصار حماس انه يسعي ايضا للوقيعة بينها وبين سلطة الانقلاب والتحريض عليها، بيد أن حاجة سلطة الانقلاب لحماس في حماية امن سيناء ولأنها رقم صعب في المعادلة الفلسطينية تعقلان فكرة التضييق الشامل علي حماس، لهذا تسعي سلطة الانقلاب لمشاركة عباس خطته ولكن بما لا يضر مصالحها مع حماس.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الصراع الأرميني الأذربيجاني بين الدوافع التاريخية وأجندات اللاعبين الدوليين

    منذ 27 سبتمبر الماضي، تفجر أحد أقدم النزا عات في العالم، وهو النزاع الإقليمي…