‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر النظام المصري وسياسات تهجير السكان في الخطاب الإعلامي
مصر - فبراير 19, 2019

النظام المصري وسياسات تهجير السكان في الخطاب الإعلامي

 


النظام المصري وسياسات تهجير السكان في الخطاب الإعلامي


محاولة للفهم والتفسير


تأخذ التغطيات الإعلامية والكتابات البحثية عن المشهد السياسي في مصر منحنى متذبذب، فهي متبدلة بشدة وبغير بوصلة؛ فبينما تصب جل اهتمامها على دراسة حدث، فجأة تتجاهله وتتجاوزه إلى غيره، فباتت تغطيات الأحداث عبارة عن "ماركات" "موضة" تتبدل بتبدل رغبات المتابعين وأذواق الجماهير المستهلكة لهذه الكتابات والمتابعات الإخبارية والبحثية لما يجري في مصر.

تتبدى هذه الملاحظة بشكل واضح في التغطية الإعلامية والصحفية والبحثية لعمليات التهجير التي تمت في منطقة مثلث ماسبيرو تمهيداً لبيع المنطقة لمستثمرين؛ فمن اهتمام واسع، ومتابعة يومية، وتضخيم في التداعيات السياسية للحدث، إلى تجاهل تام لمتتالياته، ومآلاته؛ وذلك بعد – ما يمكن وصفه – بنجاح الدولة في تفريغ المنطقة من قاطنيها، وانتهاء عمليات الهدم والاستعداد للبناء.

في الوقت الحالي أخذت قضية الصراع بين الأهالي والدولة في منطقة الوراق، على خلفية سعي الأخيرة إلى تهجير الأهالي تمهيداً لبيعها لمستثمرين، المكانة التي كانت لماسبيرو سابقاً في التغطيات، ولو سارت قضية الوراق في نفس المسار الذي سبقتها إليه منطقة ماسبيرو، فسيكون النسيان والغياب والتجاهل هو المصير المتوقع للوراق.

والسؤال الذي نحاول مقاربته في هذه السطور، يتعلق بالعوامل والأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة من زاويتين:

الأولى: من زاوية المراقبين والمتابعين (سواء من مجتمع الإعلاميين والصحفيين، أو من المجتمع البحثي) للأحداث الجارية في مصر. وذلك بغرض محاولة تصور الأسباب التي تقف وراء تسيد منطق الموضة على المتابعة الإعلامية والبحثية للأحداث في مصر؛ ما يجعل هذه المتابعة وقتية متغيرة تتسم بالخفة وقصر النفس.

الثانية: من زاوية الدولة والنظام السياسي. وذلك بهدف فهم المنطق الذي يدفع الدولة باتجاه تبني سياسات تهجير السكان وبيع مناطقهم للمستثمرين، وهل هذه السياسة ناتجة عن تفكير عقلاني رشيد، يبحث عن المصلحة العامة ويسعى لتحقيقها، وكيف يرى النظام التداعيات التي يمكن أن تنجم عن هذه السياسات القسرية العنيفة، وكيف يضمن ألا ينجم عن سياساته القاسية ردود أفعال غاضبة قد تهدد الاستقرار.

سيادة منطق السوق في تغطيات الأحداث:

كلمة "منطق السوق" نشير بها إلى (تكثيف وتكثير المعروض من المنتجات بغرض جذب الجماهير، مع تسارع وتيرة تبديل السلع، أو بطريقة أخرى قصر عمر السلعة، بغرض الحفاظ على انتباه المستهلكين وتغذية ميولهم للاستهلاك غير المرتبط باجتياج حقيقي)، هذه السلع في هذا السياق نشير بها للتحليلات والتفسيرات والتغطيات الصحفية والإعلامية للتطورات في مصر.

 وفي الوقت الراهن هناك سيولة في المعروض من التغطيات والتحليلات للأحداث المتجددة على الساحة المصرية، لكن هذه التغطيات والتحليلات تتسم بأنها قصيرة النفس، سرعان ما تختفي لتحل محلها أحداث جديدة بتفسيرات جديدة، دون أن تترك أي أثر، كأنها لم تكن.

فمع حلول ذكرى الثورة، تتناسل التحليلات والتغطيات المطروحة عن الثورة، وعن تعاطي النظام مع ذكرى الثورة، وموقف المعارضة منها، وبمرور يومين أو ثلاثة يتلاشى كل هذا الزخم، لصالح قضية جديدة وحدث جديد يحتل الصدارة، ليمر في الدورة العمرية نفسها، التي لا تتعدى -في كثير من الأحيان- أيام.

وفيما يتعلق بقضية تهجير السكان: فجأة يحتل حدث تهجير الأهالي من منطقة "مثلث ماسبيرو" صدارة المشهد، وتدور حوله النقاشات، والتغطيات الإعلامية والصحفية، ويستقطب أقلام المتابعين؛ ويراهن المختصين على قوة الحدث وقدرته على التأثير وانعكاساته الجوهرية على المشهد السياسي، وفجأة يتلاشى الاهتمام بالحدث، ويتوارى عن أعين الناس، ولا يُحدث أياً من التأثيرات التي اكتظت بها كتابات المتخصصين، ثم يحل مكانه حدث جديد ليمر في نفس الدورة. فتصبح كل التحليلات والقراءات المطروحة عن الواقع في مصر وقتية وقصيرة الأجل، تصبح كاسدة بمرور أيام معدودة، مما يزيد من ضبابية المشهد وغموضه.

وهو ما يغذي اتجاهات اليأس والأحباط بين الناس؛ فمع مرور الأحداث في هدوء، رغم التحليلات والتغطيات التي تصورها بأنها مفصلية وخطيرة ولها ما بعدها، يفقد الناس الثقة في القدرة على التغيير، وتتنامى لديهم قناعة بأن الوضع باقي على ما هو عليه، وأن السلطة قادرة على الاستمرار، وأن الأزمات المتجددة تزيد النظام قوة، وتضيف هزائم جديدة لتاريخ المنكسرين من المتضررين من السياسات الجائرة.

ولعل ذلك يعود في جزء كبير منه، إلى التغطيات الصحفية والإعلامية، التي تميل إلى المبالغة أو التهوين، بحسب التحيزات المسبقة للنافذة الإعلامية أو الصحفية التي تقوم بالتغطية، فالحدث لا يُقدم للمشاهد بصورة محايدة، إنما تتغير تركيبته وهيئته بتبدل الجهة التي تقدمه واختلاف تحيزاتها.

وقد بات التحيز جزء لا يتجزأ من المشهد الإعلامي والبحثي العربي. وهي ليست تحيزات تتغذى على الميول الفكرية أو الأيديولوجية فقط، إنما تتغذى أيضاً على الاستثمارات الضخمة التي تضخ في عملية صناعة الرأي العام وتوجيهه.

المثير أن هذه التغطيات الإعلامية والبحثية للتطورات، ليست مستقلة عن الأحداث، بل هي تتفاعل معها وتؤثر فيها؛ بل قد تؤدي إلي تغيير في الواقع نفسه سلباً أو ايجاباً من خلال تغيير وعي وإدراكات الناس. ويلاحظ أن تغطية قنوات المعارضة للتطورات داخل البلاد تمنح أحياناً دعاية للنظام لاتهامها بأنها "موجهة من الخارج"، و "مدعومة من الإخوان"، وتنفذ "أجندات أجنبية".

من جهة أخرى، المبالغة في تقييم الحدث وتوقع مآلاته تخيف المشاركين وفيه، وتوهمهم بأنهم في صدام غير مسبوق مع الدولة؛ ما يدفع بعضهم للتراجع خوفاً من التداعيات السلبية للتصعيد، وتدفع البعض الآخر للتصعيد غير المحسوب توهماً بقوة موقفهم وخطورته.

من جهة ثالثة، قد تدفع المبالغة في تقييم الحدث وتفسيره، بالدولة وأجهزتها للتصعيد خوفاً من أن يكون للحدث ما بعده، أو أن تفلت من يدها زمام الأمور.

بقي أن نشير في هذه الجزئية إلى تساءل مركزي عن القيمة الفعلية للحدث في ظل المزايدات، وفي ضوء التنافس المحموم على كسب الرأي العام والتأثير في الشارع، فتتلاشى معه القدرة على التقييم الحقيقي للأحداث؛ في ضوء التهوين أو التهويل بحسب القائمين على المتابعة والتحليل.

منطق التوحش أو تبني الدولة لسياسات عارية من الشرعية:

تبني الدولة لسياسات التهجير ضد السكان في مثلث ماسبيرو، ومن بعده في منطقة الوراق، دون خوف من تداعيات هذه السياسات على الاستقرار، ودون خشية انفجار الوضع، أو تمرد قطاعات من السكان على السياسات المجحفة التي تضر بحياتهم وتنتهك حقوقهم، يثير تساؤلات لا تقل أهمية عما سبق، تتعلق: بالمنطق الحقيقي الذي يقف وراء هذه السياسات، وهل هي نابعة عن تفكير عقلاني رشيد، وهل هي تحقق الصالح العام فعلياً، أم هي تحقق مصالح نخبة زبائنية تلتف حول نخبة الحكم.

أولاً: نظرة على تاريخ التهجير لقطاعات من السكان والاستيلاء على أراضيهم بغرض تطويرها وإدخالها في السوق الرأسمالية كسلعة رائجة، تُظهر أنها سياسات مستقرة، سبق تنفيذها في باريس والولايات المتحدة وفي الهند وفي الصين، وهي مستمرة ومتجددة في بقاع كثيرة من العالم.

ثانياً: هذه السياسة تتغذى على طموح النخبة الرأسمالية في تسليع كل شئ، تمهيداً لطرحه في الأسواق، ومن ثم تحقيق الربحية التي تضمن استمرار التراكم الرأسمالي، الذي يحافظ على عجلة الرأسمالية دائرة دون توقف. ومع مرور الوقت تكتسب الرأسمالية ونخبها أرض جديدة، وتتطلع إلى بسط سيطرتها على مساحات جديدة، كانت في السابق خارج نطاق هذه السيطرة، في متوالية لا تنتهي.

وفق هذا المنطق، فمن المتوقع مستقبلاً أن تنتزع ملكية مدن مثل (السادس من أكتوبر، الرحاب، العبور) من مالكيها الحاليين، وتطويرها وإعادة طرحها في السوق لمالكين جدد قادرين على دفع مقابل مادي أكبر. وهو ما يضمن لهذه العملية أن تستمر ويضمن لعملية التراكم الرأسمالي أن تدوم ولعجلة الراسمالية أن تظل في حالة دوران.

ثالثاً: لهذه الأسباب يتبنى النظام المصري هذه السياسات؛ لأنها من جهة، جزء من توجه سائد على الصعيد الدولي، ولأن النظام من جهة أخرى، يرغب في استقطاب مستثمرين جدد لسوق العقارات والتنمية العقارية الصاعد في مصر؛ مع طرح هذه المناطق المنتزعة من أهلها في السوق، مع ما لها من موقع جغرافي متميز.

رابعاً: بالرغم من أن تهجير السكان من مساكنهم تمهيداً لطرحها في الأسواق للمستثمرين، تعد عملية عارية من أية شرعية، وغير مقبولة على الصعيد الداخلي، إلا أنها تكتسب شرعيتها من القبول الخارجي (الدول الكبرى) ومن المستثمرين التي تفتح لهم هذه السياسات أسواق جديدة واعدة في مجال الاستثمار العقاري.

لذلك يمكن وصف هذه السياسات بأنها عقلانية، تستهدف تحقيق مصالح نخبة الحكم والنخب المرتبطة بها والشبكات الزبائنية المتحلقة حولها. أما وصفها بأنها تحقق "المصلحة العامة" فهي قضية موضع جدل، خاصة مع ظهور اتجاهات تنفي وجود "مصلحة عامة" للمجتمع ككل. وتعتبر أن فكرة تعبير النظام عن المجتمع، قد تم تجاوزها، وباتت من مخلفات الفكر السياسي في التصور الكلاسيكي، وأن النظام يحقق مصلحة النخبة المخملية التي تسيطر على مقدرات الدولة وتحتكر الحكم والإقتصاد. وبالتالي فسياسات التهجير عقلانية رشيدة لكنها لا تحقق المصلحة العامة، مع اعتبار "المصلحة العامة" مقولة زائفة. 

 أما عن التكلفة فهي تبقى في حدود المعقول، ما دامت الدولة قادرة على تفكيك جبهة المتضررين؛ من خلال سياسات الإغراء لبعض الشخصيات ذات التأثير، والمحركة للأحداث، وسياسات التخويف للعناصر المشاغبة التي يصعب استقطابها، مع تشتيت الجموع بعد التخلص من قياداتها. إضافة إلى شيطنة المعترضين، ونزع الشرعية عن تحركاتهم، عبر وصمهم بالإرهاب والعمالة للخارج والأخونة.

الخاتمة:

سلطت الورقة الضوء على مشكلة التغطيات الإعلامية والصحفية والبحثية، (الوقتية وقصيرة الأجل)، للأحداث وتطورات المشهد السياسي في مصر. وهيمنة منطق السوق على هذه التغطيات؛ فهي تغطيات تتاجر بالأحداث ولا تفهمها.

كما حاولت استجلاء المسكوت عنه في سياسات التهجير التي تتبناها الدولة ضد سكان مناطق مثلث ماسبيرو والوراق وغيرها.

ويبقى سؤال (ما الحل؟) بدون إجابة، ما يفتح الطريق أمام مقاربات جديدة لفهم الظاهرة، ومعالجات جديدة تستهدف تجاوزها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…