‫الرئيسية‬ قراءات ومقالات السياسة الروسية والتقارب مع معسكر الثورة المضادة في العالم العربي
قراءات ومقالات - فبراير 22, 2019

السياسة الروسية والتقارب مع معسكر الثورة المضادة في العالم العربي

 


السياسة الروسية والتقارب مع معسكر الثورة المضادة في العالم العربي


تعكس الجولة التي قام بها كبار مسؤولي الأمن الروس للمنطقة وشملت مصر والإمارات والسعودية السياسة الروسية الحريصة علي التقارب والتنسيق مع معسكر الثورات المضادة. وهو ما يكشف بدورة عن وجود درجة ما من التنسيق الضمني بين روسيا وأمريكا من خلال التقارب الروسي مع ذيول واشنطن في المنطقة، فالتعاون الاستراتيجي بين الطرفين الأمريكي والروسي يشمل مستويات عديدة بعضها يتم من خلال الدول التابعة لواشنطن في المنطقة وكذلك من خلال التعاون الروسي الإسرائيلي، ولكن ذلك لا ينفي وجود خلافات وصراعات حادة بين روسيا وأمريكا حول ملفات المنطقة بسبب التقدم الروسي علي حساب النفوذ الأمريكي. ونعرض فيما يلي ننقاش ونحلل التقرير الهام الذي نشرته المونيتور[1] عن زيارات مسئولي الأمن الروس للمنطقة وأبعاد التقارب الروسي مع دول الثورات المضادة.

في 31 يناير 2019 ، قام سكرتير مجلس الأمن الروسي، نيكولاي باتروشيف بزيارة إلى أبو ظبي للاجتماع مع مستشار الأمن القومي الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان. وقد تبادل الجانبان وجهات النظر حول الوضع في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، مع التركيز بشكل خاص على التطورات في ليبيا وسوريا.

وفي 29 يناير، شارك باتروشيف في المشاورات الثنائية حول القضايا الأمنية في القاهرة مع نظرائه المصريين. تمحورت المحادثات حول الوضع في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ومكافحة الإرهاب والقضايا المتعلقة بما يسمى "الثورات الملونة" لا سيما الاضطرابات التي تحدث في السودان، وعلاوة على ذلك، شمل جدول الأعمال التعاون العسكري والعسكرى الفني، وكذلك الجهود المشتركة في تطبيق القانون. ليقوم باتروشيف بعد ذلك بمقابلة رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي.

وجاءت المحادثات في مصر والإمارات العربية المتحدة في أعقاب زيارة سيرجي ناريشكين ، مدير دائرة الاستخبارات الخارجية الروسية إلى المملكة العربية السعودية. وكان رئيس المخابرات الروسية قد اجتمع مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهو أيضاً وزير دفاع البلاد، في 21 يناير 2019، وأجرى محادثات مع خالد بن علي بن عبدالله الحميدان، المدير العام لمديرية المخابرات العامة. وركزت الأطراف على تعزيز التعاون بين الوكالات في مكافحة الإرهاب الدولي، وتسوية الصراعات الإقليمية. ولم تكشف تفاصيل أخرى عن الزيارة.

سوريا

على الرغم من الجهود الروسية التركية المشتركة في سوريا، يبدو أن هناك اتصالات مكثفة بين أجهزة الأمن الروسية، المكلفة بالإشراف على تسوية نزاعات الشرق الأوسط، مع مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، التى تمثل قوة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وتتصارع حاليًا مع تركيا وقطر على النفوذ الإقليمي.

وفي الوقت الذي تسعى فيه موسكو إلى الحفاظ على تعاون رفيع المستوى مع تركيا حول سوريا، يبدو أن موسكو لا تزال تسعى إلى إضعاف نفوذ أنقرة فى الملف السوري، بمساعدة ثلاثية القاهرة وأبوظبي والرياض.

فقد شاركت مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لفترة طويلة نسبياً في شمال سوريا من خلال دعم القوى الديمقراطية السورية، وهو تحالف يهيمن عليه الأكراد معادٍ لتركيا. ويقال إن ممثلي الولايات المتحدة العسكريين والسياسيين قد زاروا مدينة منبج في ديسمبر،  وكوباني في نوفمبر، حيث جرت مشاورات مع ممثلي قوات الدفاع الذاتي، وقد يكون تم خلال هذه المناقشات طرح فكرة نشر وحدات عسكرية من هذه الدول فى شمال سوريا.

ومع ذلك، فمن المتوقع أن قوات الدفاع الذاتى لن تكون قادرة على مواجهة الهجوم التركى، وأن وجود القوات الخليجية والمصرية لن يكون كافياً لتجنب مثل هذه العملية العسكرية. إلا أنه من المحتمل أن يقدم الممثلون العسكريون للإمارات العربية المتحدة ومصر ضمانات لقوات سوريا الديمقراطية من أجل التعاون مع دمشق، أي الحفاظ على الاستقلال العسكري والسياسي للتحالف الكردى العربى بعد استيلاء نظام الأسد على الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.

ولذلك تسعى كلاً من الإمارات ومصر – وفي مرحلة لاحقة ربما السعودية – إلى تطبيع العلاقات مع سوريا، وتمهيد الطريق لعودتها إلى جامعة الدول العربية، وذلك فى مقابل الحصول على ضمانات من قبل النظام السورى فى حماية مصالحهم الخاصة، والتى تتعلق في المقام الأول بالحد من الوجود الإيراني في سوريا، وتأثيره على صنع القرار في دمشق، وذلك من خلال الحفاظ على قوات سوريا الديمقراطية كجزء مستقل ذاتي من الجيش السوري، إلى جانب الحفاظ على الحكم الذاتي للأكراد في شمال سوريا، وهو ما قد يوفر الضمانات لعدم إقامة منشآت عسكرية إيرانية فى هذه المناطق. بل إن هذه القوات يمكن أن تتوسع في المستقبل لتشمل كل شمال سوريا، وذلك فى مقابل قيام أبو ظبي والرياض بالمشاركة فى عملية إعادة إعمار سوريا، وقد تبدأ عملية إعادة الإعمار فى الرقة في حال استعادتها دمشق.

وبالتالى، يمكننا القول أن هناك العديد من نقاط التقارب بين موسكو وكلاً من الإمارات ومصر والسعودية، وهو التقارب الذى يقوم على معارضة النفوذ التركي الأكبر في شمال سوريا، ومنع إنشاء منطقة عازلة على الحدود التركية وكذلك تقليل النفوذ الإيرانى في سوريا.

ليبيا

وكانت ليبيا تمثل البند الثاني على جدول أعمال القاهرة وأبو ظبي وباتروشيف. ومن الجدير بالذكر أن مجلس الأمن الروسي شارك منذ فترة طويلة في صياغة الاستراتيجية الروسية بشأن ليبيا، وهو ما يتجلى، من بين أمور أخرى، في الاجتماعات بين باتروشيف وخليفة حفتر، أقوى الأطراف الميدانية.

ويبدو أن الملف الليبي جزء من المحفظة الروسية-الإماراتية-المصرية-السعودية لتصفية الصراعات في الشرق الأوسط. وتتمثل المشاورات بينهم بالتحديد فى تعزيز الإمارات ومصر والسعودية مصالح روسيا في سوريا، بما في ذلك إعادة تأهيل الأسد، مقابل تقديم موسكو مزيد من الدعم لحفتر. على هذه الخلفية، فإن الحقيقة الكاشفة هي أن يفغيني بريجوزين ، الذي يُزعم أنه مسؤول عن مجموعة فاغنر المقاولة العسكرية الروسية الخاصة، حضر محادثات نوفمبر بين باتروشيف وحفتر في موسكو. والآن، تشير بعض التقارير إلى أن هؤلاء المرتزقة على استعداد لتدريب قوات حفتر التي تسمي بالجيش الوطني الليبي، وربما الانخراط في الهجوم الذي شنته القوات بقيادة حفتر في المنطقة الجنوبية الغربية من فزان، في سبها. حيث أنه إذا انتهت الحملة العسكرية بنجاح، فسيكون الزعيم الشرقي الليبي قادراً على السيطرة على حقل الشرارة، أكبر حقل نفطي في الغرب، ثم يشدد الخناق حول حكومة الوفاق الوطني في منطقة طرابلس في شمال غرب البلاد، ويمكن فيما بعد إسناد مهمة حماية حقول النفط الخاضعة للمقاتلين العسكريين الروس.

السودان

وأخيراً، ففي الإمارات ومصر، ناقش باتروشيف قضية مواجهة ما سمي "بالثورات الملونة" – وعلى رأسها التطورات الجارية في السودان. حيث تتلاقى مصالح موسكو والقاهرة وأبو ظبي والرياض على دعم الرئيس السوداني، عمر البشير. فالسودان لا تزال عضواً رئيسياً في التحالف المناهض للحوثيين في اليمن، حيث تتحمل قواته، أكبر وحدة عسكرية أجنبية على الأرض، أكبر عبء في القتال العنيف ضد الحوثيين. وبالتالى فإن انهيار نظام البشير والانسحاب السوداني من اليمن سيقوض بشدة التحالف الذي ترأسه الإمارات والسعوديون.

أما بالنسبة لروسيا، فإن موسكو تطور علاقات عسكرية وسياسية مع الخرطوم، التي من المتوقع أن تشمل استخدام الموانئ السودانية للسفن البحرية الروسية، وكذلك تقوم شركات الأمن الخاصة الروسية بتدريب الجيش السوداني. وقد اعترفت موسكو مؤخراً بأن هؤلاء المتعاقدين يعملون في السودان.

وبالتالي، فمن المتوقع أن تقوم روسيا بتنسيق الجهود مع الإمارات ومصر والسعودية لدعم النظام السوداني، وستكون موسكو مستعدة لمواصلة تقديم يد المساعدة لها في شكل مستشاريها العسكريين والمتعاقدين العسكريين الخاصين، في حين ستواصل أبو ظبي والرياض تزويد السودان بالتمويل اللازم.

الخلاصة:

يشير تقرير المونيتور إلى حالة من التقارب بين روسيا وكلاً من مصر والإمارات والسعودية، وهو التقارب الذى يمكن تفسيره بخوف هذه الدول من التراجع الأمريكى في منطقة الشرق الأوسط، وهو التراجع الذى بدأ يظهر بصورة كبيرة بعد الاعلان عن الإنسحاب الأمريكى من سوريا. وفى مقابل هذا الانسحاب، تسعى روسيا إلى الانخراط بشدة فى قضايا المنطقة، والتى جاءت بصورة كبيرة بعد تدخلها العسكرى فى سوريا عام 2015، وهو التدخل الذى مكن الأسد من البقاء فى السلطة، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من الرحيل عنها، ولم يتوقف التدخل الروسى على سوريا فقط، بل أصبح هناك تعاون عسكرى كبير مع ليبيا، وبالتحديد مع الرجل الأقوى عسكرياً، خليفة حفتر، وأخيراً، وليس أخراً، قيام روسيا باستضافة إجتماع للفصائل الفلسطينية فى موسكو، بعد أن فقدت هذه الفصائل الثقة فى الجانب الأمريكى نتيجة العديد من السياسات المتحيزة لصالح إسرائيل، والتى كان أخرها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ووقف تمويل الأونروا.

وعلاوة على ما سبق، تتميز روسيا عن الولايات المتحدة بكونها دولة سلطوية بدرجة كبيرة، لا تُلقى أى أهمية لحقوق الإنسان، فضلاً عن عدائها الكبير للحركات الإسلامية، العدو الأساسى لهذه الدول (مصر، الإمارات، السعودية).

وبناءً على العاملين السابقين (تصاعد القوة الروسية، وزيادة انخراطها فى منطقة الشرق الأوسط، مقابل الانسحاب الأمريكى من المنطقة. ووجود نوع من التقارب الأيديولوجى والفكرى المتمثل فى عداء الإسلاميين)، فإن دول التحالف الثلاثى ترى فى التعاون مع روسيا ضرورة ملحة فى هذا التوقيت.

إلا أن ذلك لا ينفى إمكانية حدوث خلافات فى التعاون مع روسيا، فمن غير المتوقع أن تسمح الولايات المتحدة لهذه الدول بالتعاون مع روسيا، العدو الرئيسى لها، بما يتعارض مع تحقيق المصالح الأمريكية. كما أنه من غير المتوقع أن تقوم روسيا بالتخلى عن كلاً من إيران وتركيا، وما لديهما من وجود عسكرى وتحالفات مع بعض الأطراف السورية الداخلية، من أجل تحقيق مصالح دول عربية لا تمتلك أى وجود عسكرى أو أى تأثير سياسى. وفيما يتعلق بليبيا، فمن غير المتوقع أن تسمح أى من فرنسا وإيطاليا، على الرغم من حالة التنافس بينهما، لروسيا بلعب دور قوى فى ليبيا، لأن من شأن ذلك أن يجعل الدول الأوروبية محاصرة من قبل روسيا من الشرق والجنوب.

 

 



[1]Kirill Semenov, Top Russian security officials tour Egypt, Gulf to discuss Syria, Libya, AL-MONITOR, February 5, 2019, available at: https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2019/02/russia-patrushev-ksa-uae-egypt-syria-libya.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

قانون التصالح على مخالفات البناء..اختبار صعب للسيسي وللشعب أيضا

  يأتي تصميم نظام عبد الفتاح السيسي على تطبيق بنود قانون التصالح على مخالفات البناء، …