‫الرئيسية‬ العالم العربي الجزائر قرارات بوتفليقة.. بين العشرية السوداء بالجزائر والثورة المصرية!
الجزائر - مارس 19, 2019

قرارات بوتفليقة.. بين العشرية السوداء بالجزائر والثورة المصرية!

  

قرارات بوتفليقة.. بين العشرية السوداء بالجزائر والثورة المصرية!

 

 

في تطور متوقع، وبعد احتجاجات شعبية واسعة منذ 22 فبراير الماضي، أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي يحكم الجزائر منذ 1999، في بيان رئاسي، الإثنين، سحب ترشحه لولاية رئاسية خامسة، وإرجاء تنظيم الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 إبريل المقبل، لأجل غير مسمى.

كما أقال بوتفليقة حكومة أحمد أويحيى، ودعا إلى تشكيل حكومة كفاءات، فضلاً عن الدعوة إلى مؤتمر وفاق وطني، وتنظيم الاستحقاق الرئاسي تحت إشراف حصري، تنظيماً ومراقبة، لهيئة انتخابية وطنية مستقلة، وذلك مباشرة بعد المؤتمر.

القرار رغم ما يمثله من انتصار شعبي ، إلا أنه لم يرض الشعب الجزائري الذي يخشى التلاعب بمستقبل البلاد لصالح ثلة العسكريين والمقربين من بوتفليقة من المستفيدين من ضعفه، فسادا وافسادا بالبلاد…

وأرجع بوتفليقة قرار إرجاء الانتخابات الرئاسية بسبب الظروف غير المساعدة، وذلك استناداً إلى المادة 107 من الدستور، التي تتيح له تأجيل الانتخابات تحت الظروف القاهرة.

 

وقال الرئيس الجزائري: "لن يُجرى انتخاب رئاسي يوم 18 إبريل المقبل، استجابة للطلب الملِحّ الذي وجهتموه إلي"، مشيراً الى أنه اتخذ القرار "حرصاً على تفادي كل سوء فهم في ما يخص وجوب وحتمية التعاقب بين الأجيال الذي التزمت به، وبتغليب الغاية النبيلة المتوخاة من الأحكام القانونية التي تكمُن في سلامة ضبط الحياة المؤسساتية، والتناغم بين التفاعلات الاجتماعية والسياسية؛ على التشدد في التقيد باستحقاقات مرسومة سلفاً"، مضيفاً أن "تأجيل الانتخابات الرئاسية المنشود يأتي إذن لتهدئة التخوفات المعبَّر عنها، قصد فسح المجال أمام إشاعة الطمأنينة والسكينة والأمن العام، ولنتفرغ جميعاً للنهوض بأعمال ذات أهمية تاريخية ستمكّننا من التحضير لدخول الجزائر في عهد جديد، وفي أقصر الآجال".

 

وتعد الخطة السياسية الجديدة التي طرحها بوتفليقة، نتيجة لرفض الشارع الجزائري تعهدات كان أعلن عنها في رسالة ترشحه في الثالث من مارس الحالي، والمتعلقة بتنظيم مؤتمر وفاق وطني وتعديل الدستور، في حال انتخابه لولاية خامسة.

وإثر صدور البيان، ذكرت وكالة الأنباء الرسمية أن بوتفليقة استقبل كذلك الدبلوماسي الجزائري ووزير الشؤون الخارجية الأسبق الأخضر الإبراهيمي، بهدف تكليفه برئاسة هيئة رئاسية تشرف على مؤتمر وفاق وطني.

فيما صرح مصدر حكومي لـ"رويترز"، بأنّ المؤتمر الذي سيرأسه الإبراهيمي، سيضم ممثلين للمتظاهرين بالإضافة إلى شخصيات لعبت دوراً بارزاً في حرب الاستقلال التي استمرت من عام 1954 إلى عام 1962.

وقال المصدر الحكومي، لـ"رويترز"، الثلاثاء، إنّ "المؤتمر الجزائري سيضم أيضاً ممثلين للمتظاهرين وجميلة بوحيرد، وزهرة ظريف بيطاط، والأخضر بورقعة".

وظهر بوتفليقة، مساء الإثنين، للمرة الأولى بشكل علني منذ توجهه إلى سويسرا في رحلة علاجية في 24 فبراير الماضي.

وجاء ذلك في فيديو بثه التلفزيون الجزائري الحكومي، أظهر بوتفليقة وهو يستقبل عدداً من المسؤولين، وهم أحمد أويحيى، والأخضر الإبراهيمي، والفريق أحمد قايد صالح، ونور الدين بدوي، ورمطان لعمامرة.

وبموازاة البيان الرئاسي، أعلن رئيس الحكومة أحمد أويحيى، تقديم استقالته.

وكلف الرئيس الجزائري وزير الداخلية الحالي نورالدين بدوي بتشكيل حكومة جديدة.

وتعرّض أويحيى لانتقادات حادة من قبل المتظاهرين، ولمحاكمة شعبية بسبب تصريحاته التي وصفت بالمستفزة ضد المتظاهرين، خاصة بعد تصريحاته التي قال فيها إن الجزائر قد تتحول إلى سورية.

وأفاد بيان للرئاسة الجزائرية بأن بوتفليقة استقبل نور الدين بدوي ورمطان لعمامرة، حيث كلف بدوي بتشكيل الحكومة.

وفي السياق، وقع بوتفليقة مرسوماً رئاسياً يتضمن استحداث منصب نائب لرئيس الحكومة، وعين لشغله وزير الخارجية السابق رمطان لعمامرة.

وفي سياق آخر، اجتمع الرئيس بوتفليقة بالقيادات الأمنية والعسكرية، واستقبل الفريق أحمد قايد صالح، الذي قدم للرئيس الجزائري تقريراً حول الوضع الأمني على المستوى الوطني…بحسب وكالة الأنباء الجزائرية.

 

وقرر بوتفليقة في مرسوم رئاسي، سحب استدعاء الهيئة الانتخابية لانتخاب رئيس الجمهورية، وحل الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات وإنهاء مهام أعضائها.

 

 

ردود الفعل

وكرد فعل على القرارات، خرج جزائريون، مساء الإثنين، في احتفالات محدودة، لاسيما في العاصمة ومحافظة جيجل وقسنطينة، وفق ما نقلت وسائل إعلام محلية، وشبكات التواصل الاجتماعي.

بينما اختار البعض التريث في إعلان الأفراح.

كما انتشرت التعليقات على صفحات الفضاء الافتراضي، خاصة في "فيسبوك"، حول القرارات التي يراها البعض "خطوة ناجحة"، بينما رفض البعض الآخر هذه القرارات على اعتبار أن "بوتفليقة أعاد وجهين يمثلان النظام".

ويواجه بدوي انتقادات حادة بسبب منصبه وزيراً للداخلية، حيث توجه إليه قوى المعارضة انتقادات بالمسؤولية في التلاعب بنتائج الانتخابات النيابية التي جرت في مايو 2017 والبلدية التي جرت في نوفمبر 2018 والتجديد النصفي لمجلس الأمة في ديسمبر الماضي.

وعلق المحامي والناشط السياسي مصطفى بوشاشي، في تصريح صحافي، بأنه كان على الرئيس بوتفليقة أن يستشير في تعيين رئيس الحكومة، موضحاً أنه عيّن وزير الداخلية نورالدين بدوي كوزير أول وهو "من النظام ويمثل نفس الأشخاص".

وأضاف أن "إلغاء الانتخابات والعهدة الخامسة هو تلبية لمطلب الشعب، لكنه بطريقة ضمينة تمديد لرئيس الجمهورية، وفي نفس الوقت يعين وزير الداخلية كرئيس الحكومة دون أي استشارة للطبقة السياسية وللشارع الجزائري".

وأكد بوشاشي أن هذه القرارات هي "التفاف حول المطالب"، لافتا إلى أن "خروج النظام بطريقة سلسة وبانتخابات نزيهة، وذلك يتحقق من خلال رئيس حكومة محترم ويقوم بتشكيل حكومة وطنية، منوها بدور الجيش والذهاب إلى حكومة تصريف أعمال وتنظيم انتخابات بشفافية، و"حتى لمن عاثوا في البلد فسادا ليست لدينا رغبة في محاسبتهم".

وأضاف: "لدينا رغبة في نهاية نظام فاسد وتحرير الإنسان الجزائري"، لافتا إلى أن الحراك السلمي والحضاري يستهدف حوارا بنّاء وتقديم أشخاص ليسوا متورطين في الفساد والتزوير "وحتى إشراك شخصيات كانت في النظام ولكن تكون مقبولة من طرف الشعب الجزائري، بهدف اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي من قبل مؤسسات نزيهة"..

كما أعلنت كوادر الحراك الشعبي رفضها لقرارات الرئيس بوتفليقة، وتعيين وزير الداخلية نور الدين بدوي رئيسًا للحكومة، دون استشارة الحراك وقيادات المعارضة السياسية والنخب المستقلة والحوار معها، ودعت إلى مظاهرات حاشدة يوم الجمعة المقبل تحت اسم "جمعة الرحيل".

وقال القيادي في الحراك عبد الوكيل بلام ، في تصريحات لسائل اعلام جزائرية،  إن "السلطة ومحيط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يستمعوا جيدًا إلى الشارع أو لا يريدون، نحن لا نريد أن نذهب إلى حالة فراغ بالتأكيد، لكن ليس مقبولًا أن يتم تدوير المناصب والوجوه واستبدال وزير بوزير"، مضيفاً أن "الحراك متحفظ بشكل كبير على تولي وزير الداخلية نور الدين بدوي لمنصب رئيس الحكومة، وهو مسؤول عن قمع المظاهرات والاحتجاجات السابقة للمعلمين والأطباء ومعطوبي الجيش والصحافيين وغيرهم وسحل الناشطين"، واعتبر أن التعيين لم يكن موفقًا بالمطلق.

 

ويعتقد الناشطون أن مقترح عقد مؤتمر وفاق وطني قد يكون فخًا للالتفاف على الحراك الشعبي ومطالبه الرئيسة، خاصة في ظل غموض الموقف بشأن أرضية المؤتمر والأطراف السياسية التي تشارك فيه، وطبيعية التمثيلية المقررة، ويتخوف الناشطون من أن تعمد السلطة إلى عقد مؤتمر وفاق تستند فيه إلى تمثيلية مشكوك فيها لأكثر من 60 حزبًا صوريًا معتمدًا وتنظيمات موالية سيطرت السلطة على قرارها منذ عقود، وبما يعيد إنتاج مخرجات ندوة الوفاق الوطني عام 1994، التي لم تحل الأزمة الأمنية والسياسية للبلاد في التسعينيات.

ويتذكر الجزائريون أيضا سوابق نقض النظام السياسي الجزائري مع العهود والالتزامات السياسية، بما فيها تعهدات 2002 بإنجاز إصلاحات هيكلية انتهت إلى الإخفاق، وتعهدات 2012 بإنجاز إصلاحات سياسية لم يتم الوفاء بها، وتعهدات 2014 بتعديل عميق للدستور، وقد تمّت في فبراير 2016، لكن من دون أن تكون ذات أهمية تذكر على صعيد المنجز الديمقراطي.

ويدخل في سياق التفسيرات رفض الشارع الجزائري لوجوه النظام، والدعوة إلى القطيعة السياسية، وعدم تقبله فكرة تدوير المناصب والوجوه داخل السلطة نفسها، فضلًا عن غياب أية تمثيلية للفواعل الأخرى؛ كالمعارضة والحراك الشعبي، في الخطوات السياسية المعلنة.

وهو ما يراه المحلل السياسي زهير بوعمامة، بأن "رد فعل الشارع يمكن تفهمه، على اعتبار أن القرارات كانت أقل من سقف المطالب، فضلاَ عن أنها عملية استبدال بشخصيات من داخل النظام نفسه".

فعندما يتم تعيين نور الدين بدوي رئيسًا للحكومة، ورمضان لعمامرة نائبًا له وزيرًا للخارجية، وتكليف الأخضر الإبراهيمي باستدعاء والإشراف على مؤتمر وفاق وطني، فهذا يجعل المعارضة تشك وتدخل في حال من الريبة، لكون السلطة فكرت وقررت ونفذت الخيارات وحدها…

 

وفي سياق الرد الشعبي الرافض للتعهدات الرئاسية الجديدة، تجمعت النقابات المستقلة لقطاعات التربية والتعليم في ساحة أول مايو، وسط العاصمة الجزائرية، للتعبير عن موقفها الرافض، والتهديد بشل كامل المؤسسات التعليمية، وامتدت التظاهرات إلى عمال قطاعات خدمية، كالبنوك، حيث نظم موظفو البنوك وعمال شركة الكهرباء في العاصمة الجزائرية وقفة احتجاجية في مقرات عملهم تنديدًا بما اعتبروه تمديدًا للعهدة الرابعة، ورفعوا شعارات "لا تأجيل لا تمديد"؛ "ترحلو يعني ترحلو".…وذلممساء الثلاثاء، انتظارا لتظاهرات "جمعة الرحيل"…

 

 

 

 

المواقف الدولية من التريث إلى الترحيب

 

ودوليا، رحب وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، مساء الإثنين، بقرار بوتفليقة العدول عن الترشح لولاية رئاسية خامسة، و"اتخاذه إجراءات لتحديث النظام السياسي الجزائري".

 

وقال لودريان، في بيان، إنه "غداة التظاهرات الكبرى التي حصلت بهدوء واحترام في كل أنحاء الجزائر، تعرب فرنسا عن أملها في أن يتم سريعاً إطلاق دينامية جديدة من شأنها تلبية التطلعات العميقة للشعب الجزائري".

وفي اليوم التالي لبيان بوتفليقة، حيّا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، قرار بوتفليقة، داعياً إلى مرحلة انتقالية "بمهلة معقولة".

وقال ماكرون،  في مؤتمر صحافي مع نظيره الجيبوتي إسماعيل عمر غيلله، وفق ما أفادت "رويترز"، إنّ "قرار بوتفليقة التراجع عن الترشّح لعهدة خامسة يفتح فصلاً جديداً في تاريخ الجزائر".

 

ولم يقدّم ماكرون تفاصيل عما يعتبره "مدة معقولة" للفترة الانتقالية.

وكانت الخارجية الأمريكية قد أكدت في وقت سابق بأحقية الجزائريين في التظاهر السلمي لتحقيق مطالبهم..

 

العقدة الجزائرية

وتمثل التظاهرات الجزائية غير المتوقفة لغياب القناعة بالخارطة التيي رسمها بوتفليقة، مسرا مبيرا لحدار الخوف النتحكم في الجزائريين ، منذ العشرية السوداء،  فبحسب المفكر الجزائري محمد أحمد بنّيس، بمقاله "الجزائر.. سقوطُ جدار الخوف"، بالعربي الجديد: " تمثّل الجزائر حالةً تكاد تكون فريدة في خريطة الحراك الشعبي الذي شهدته المنطقة العربية قبل ثمانية أعوام، فحسابات العدوى الديمقراطية كانت تضعها في صدارة البلدان التي ستصل إليها، بسرعة، ارتدادات الثورة التونسية بحكم الجوار الجغرافي، لكنها ظلت ضمن البلدان القليلة التي لم تتطور فيها الاحتجاجات إلى حراك شعبي واسع ومنظم، كما في حالات عربية أخرى. فقد كان التأثير النفسي الذي أحدثته أعمال العنف والقتل التي شهدتها البلاد طوال التسعينات عميقاً؛ ففضلاً عن كلفتها البشرية الباهظة (حوالي 150 ألف قتيل)، أحدثت شرخاً مجتمعياً لا تزال آثاره باديةً على أكثر من صعيد، وهو الشرخ الذي حوله العسكر والطبقة الجزائرية الحاكمة، على امتداد العقدين الماضيين عائد سياسي تعيد إنتاجه وتستثمره، عبْرَ خطاب سياسي وأمني يُحيل، بشكل غير مباشر، إلى هذه العشرية السوداء، باعتبارها فزّاعةً كبرى على الجزائريين تذكرها وهم يستحضرون قضايا الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة والعدالة الاجتماعية".

ولعل استفادة الحراك السياسي السلمي بالجزائر من تاريخ العشرية السوداء بالتزام الثورية السلمية والتعامل الودود مع عناصر الشرطة،هو ما ضمن إلى حد كبير التعاطي السياسي الهادئ من قبل المؤسسات الجزائرية، وهو ما قد يضمن أيضا اكتمال المشهد الديمقراطي مستقبلا…

وأمام اصرار المتظاهرون على استكمال مسارهم الثوري لوقف اهدار مقدرات المجتمع الجزائري على يد العسكر المتحكمين بمفاصل البلاد، بات جدار الخوف الذي شيدته النخبة الحاكمة على وقع أحداث التسعينات يتداعى أمام إصرارهم على رفض استغبائها لهم، ووقوفها ضد إرادتهم في التغيير الديمقراطي السلمي الذي ينهي عقوداً من الحكم الشمولي.

وكان تقديم بوتفليقة، الذي يعاني من جلطة دماغية منذ 2013، ترشيحه لولاية خامسة، النقطة الفاصلة لما انطوى عليه ذلك من استخفافٍ بعقول الجزائريين، وتسفيهٍ لتطلعاتهم المشروعة نحو الحرية والديمقراطية، خصوصاً مع التحول الدالّ الذي تعرفه المعادلة السياسية الجزائرية، التي صارت أكثر ارتهاناً لتحالفٍ مشبوه بين السلطة والمال، مع ما يدل عليه ذلك من استشراء الفساد وتغلغله داخل مختلف مفاصل الدولة.

 

معادلة جديدة

عوامل كثيرة أسهمت في هذا التحول، أهمها بروز جيل جديد من الشباب، لم يعايش مآسي الحرب الأهلية، ويتطلع إلى تجاوز حالة الإفلاس الاقتصادي والاجتماعي والسياسي التي تشهدها البلاد، من خلال تغيير سياسي حقيقي، هذا من دون أن نغفل الأزمة العميقة التي يواجهها النموذج العسكري في المنطقة العربية، خصوصاً بعد الانقلاب العسكري في مصر.

 

كما مثل إعلانُ شخصيات سياسية بارزة دعمها الحراك الحالي، وانسحابُ بعض المرشحين من سباق الانتخابات الرئاسية، والتصدّعُ البادي داخل بعض مواقع النظام بعد تعهّد بوتفليقة، في حال انتخابه رئيساً، بتنظيم انتخابات مبكرة والقيامِ بإصلاحاتٍ مؤسساتية ودستورية واقتصادية، ومطالبةُ قوى المعارضة بعزل بوتفليقة، وإعلانِ شغور منصب رئيس الجمهورية وتأجيل الاقتراع الرئاسي إلى إشعار آخر، ذلك كله من شأنه أن يربك حسابات النظام، ويزيد من عزلته، من دون أن ننسى الظرف الإقليمي الذي لا يبدو في صالحه، في ضوء مؤشراتٍ معظمها يصب في الأزمة التي يواجهها محور الثورة المضادة في المنطقة.

 

 

ومثل التحاق بعض القوى السياسية المؤيدة لبوتفليقة بالحراك السلمي، علامة فارقة في المشهد الجزائري، حيث أعلنت جمعية قدماء وزارة التسليح والاتصالات العامة (استخبارات ثورة التحرير)، التي يترأسها وزير الداخلية الأسبق دحو ولد قابلية، دعم الحراك الشعبي ضد الولاية الرئاسية الخامسة لبوتفليقة، وأكد بيان الجمعية أنهم "يشاركون قلق وغضب الشعب أمام الاحتقار والرفض الذي أبدته السلطة في وجه مطالبه بالتغيير".

 

وأكد بيان قدماء وكوادر جهاز الاستخبارات أنه "في مواجهة هذا الاندفاع الذي لا يقاوم وهذه الإرادة المعلنة، ليس هناك مجال للتسويف والتأخير والمناورة لإدامة نظام يقود البلاد إلى المغامرة والأخطار".

 

ولفت البيان، الذي وقعه ولد قابلية، وهو بين الشخصيات التي كانت تدعم سياسات الرئيس بوتفليقة، قبل أن يزيحه من الحكومة عام 2014، إلى أن "التعبئة التي لم يسبق لها مثيل، أظهرت إعلان الشعب رفضه التام للعهدة الخامسة"، مشيدا بالتزام الجزائريين بسلمية المظاهرات.

 

وتعد منظمة قدماء وكوادر جهاز الاستخبارات، ثاني منظمة ثورية تعلن تخليها عن دعم ترشيح بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، بعد خطوة مماثلة لكبرى المنظمات والمرجعيات الثورية في الجزائر، منظمة المجاهدين (قدماء المحاربين) التي أعلنت أيضا عن دعمها للحراك الشعبي، واتهمت بوتفليقة بالتأسيس لمناخ من الفساد.

 

وفي السياق، أعلنت القيادية البارزة في ثورة التحرير، زهرة ظريف بيطاط، عن قرارها المشاركة في المسيرات رفضا للعهدة الخامسة لبوتفليقة.

 

ونشرت بيطاط، وهي زوجة رابح بيطاط، رئيس أول برلمان جزائري منتخب في 1976، بيانا، جاء فيه "سأسير من أجل جزائر حرة ديمقراطية، لأنني ملتزمة باليمين التي أديتها للشهداء الشجعان، وأرفض المساعدة في ارتكاب جريمة القتل التي تتشكل بتفويض العهدة الخامسة".

وكذلك المناضلة المعروفة جميلة بوحيرد شاركت في المسيرات.

 

وفي وقت سابق، أعلنت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهي مرجعية دينية بارزة في الجزائر عن دعوتها إلى سحب ترشح بوتفليقة ووقف المغامرة السياسية بالبلاد.

 

 

هل الجيش يمهد لتصدّر المشهد؟

ولعل ما يثير المخاوف حول مستقبل الجزائر، ما ذهب إليه البعض ، بأن اطالة الفترة الانتقالية للرئيس بوتفليقة حتى نهاية 2019، تستهدف هندسة المشهد السياسي لاستمرار سيطرة العسكر، كما جرى في مصر، عقب ثورة 25 يناير 2011…حيث تمحورت مواقف مجمل أحزاب المعارضة، حول المطالبة  بتفعيل المادة 102 من الدستور التي تنص على نقل صلاحيات الرئيس إلى رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح لمدة 45 يوماً يليه إجراء انتخابات رئاسية مقبلة في غضون 90 يوماً، وجاء اعلان بوتفليقة متحاوزا تلك المطالب.

 

وفي هذا السياق، جاءت  رسالة رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، قبيل اعلان بوتفليقة سحب ترشجه، بأن المؤسسة العسكرية ستؤمن وصول بوتفليقة مجدداً إلى السلطة، عبر تعهده بحماية الاستحقاق الانتخابي الذي تطالب جهات متعددة بتأجيله وترفض ترشح الرئيس فيه. وهو ما اعتبر كتمهيد من الجيش لتصدّر المشهد في البلاد، حيث بقي رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، محور الاهتمام، فبعدما وجّه رسالة، الثلاثاء قبل الماضي، بدت كأنها مسعى لتثبيت النظام بقوله إن "الجيش سيبقى ممسكاً بزمام ومقاليد إرساء" الأمن والاستقرار، عاد في تصريحات نشرتها وزارة الدفاع، السبت الماضي، لإعلان التزام المؤسسة العسكرية "بتمكين شعبنا من ممارسة حقه وأداء واجبه الانتخابي في كنف الأمن والاستقرار"، في موقف يؤكد إصرار قائد الجيش على تأمين الاستحقاق الانتخابي الذي يُتوقع أن يوصل بوتفليقة مجدداً إلى السلطة في حال حصوله.

 

وقال قايد صالح، وفق بيان نشرته وزارة الدفاع ، إن الجيش "سيعرف كيف يكون في مستوى المسؤولية المطالب بها في كافة الظروف". وبعدما ذكّر بمخاطر تحيط بالبلاد، أوضح أن "إدراك الجيش الوطني الشعبي لكل ذلك، سيجعله في غاية الفطنة والتيقظ، وسيكون دوماً حارساً أميناً للمصلحة العليا للوطن وفقاً للدستور ولقوانين الجمهورية". وتابع أن الجيش "يعي جيداً التعقيدات الأمنية التي تعيشها بعض البلدان في محيطنا الجغرافي القريب والبعيد، ويدرك خبايا وأبعاد ما يجري حولنا، وما يمثله ذلك من أخطار وتهديدات على بلادنا التي تبقى دوماً مستهدفة من أعدائها، لأنها محسودة على نعمة الأمن التي يتمتع بها شعبها".

لكن مواقف قائد الجيش الغامضة، دفعت أكثر من طرف سياسي وفاعل في الجزائر إلى توجيه رسائل له. وفي السياق، اتهم القائد البارز في ثورة تحرير الجزائر، لخضر بورقعة، قايد صالح بالوقوف ضد خيار الشعب، وطالبه برفع يده والاستجابة للحراك الشعبي.

كما نشر رئيس حركة "مجتمع السلم"، (إخوان الجزائر)، عبد الرزاق مقري، رسالة توجّه بها إلى قايد صالح عبر صفحته على "فيسبوك"، قائلاً له إن "المتابعين لخطابك (الثلاثاء)، اختلفوا هل هو منحاز للشعب أم تهديد له"، مضيفاً "مهما يكن قصدك، فإن الذي يجب أن تعلمه هو أن الخطر الوحيد على النظام العام وعلى استقرار البلد هو النظام السياسي، سواء الذي أنت جزء منه وتقوم الآن بحمايته، أو الذي تحاربه وتوجه له رسائلك بأساليبك غير المباشرة".

ولعل أكثر ما يقلق الجزائريين والمراقبين للشأن الجزائري، هو تحالف جنرالات الجيش مع رجال المال، وهو ما يضع الجزائر أمام احتمال تكرار السيناريو الذي مرّت فيه مصر، بدءاً بالانتخابات، أو من دونها، مروراً باحتدام الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ووصولاً إلى ظهور نسخة جديدة من عبدالفتاح السيسي، يضع حداً للثورة المرتقبة بالجزائر ، ويعيد الوضع إلى ما قبل المربع الأول، بالحديد والنار.

وهو ما يمكن استقرائه في حاطى طريق بوتفليقة، حيث  بدا خطابه الأخير، متوجها لذلك السيناريو، فكان مباركيًا بامتياز، شكلًا ومضمونًا، حتى التغيير الذي أعلنه لم يختلف عن التغيير الذي اضطر له مبارك في محاولته اليائسة للاحتفاظ بدولته العميقة في العام 2011، إذ لا يختلف الوزير الأول، الجنرال  نور الدين بدوي، الذي عيّنه بوتفليقة في الرمق الأخير، عن نائب مبارك الاضطراري، الجنرال عمر سليمان، أو رئيس الحكومة الجنرال أحمد شفيق، بل إن فكرة الالتفاف على المطالب بالإعلان عن لجنةٍ للوفاق أو الحوار الوطني تبحث تعديل الدستور والانتخابات، لا تختلف، في جوهرها، عن حيلة نظام مبارك الأخيرة، منعًا للسقوط.

ولعل ما يمكن التحصن به جزائريا من المرور بالتجربة المصرية، هو الوعي الجماهيري وعدم الانجرار للعنف والتشبث بالشارع كحامي لارادة الجزائريين…

فخطوة بوتفليقة بعدم الترشح لولاية خامسة "حكيمة"، إلا إن ما سيحسم ما إذا كانت ستتحوّل إلى التفاف من الدولة العميقة أو لانتقال ديمقراطي تدريجي هو وعي الحركة الجماهيرية لعدم ترك الشارع، وأن تخرج قيادات قادرة على التفاوض وعدم الارتكان إلى العفوية. وهو ما أشار إليه المفكر الفلسطيني عزمي بشارة، في حواره مع قناة الجزيرة ، مساء الثلاثاء 12 مارس الجاري ،  بأن استمرار حراك الشارع المدني السلمي "ضمان لكي لا تنحرف الأمور إلى سيناريو مصري"، في إشارة إلى انقلاب الجيش على ثورة يناير. واعتبر بشارة أن الواقعي في الجزائر هو تقاسم السلطة والتحوّل الديمقراطي والانتقال التدريجي، "لذلك من الضروري جداً التعلم من تجربة الربيع العربي".

 

فالنهوض العربي في موجة 2011 لم يكن ثورات جذرية لإحلال أنظمة جاهزة مكان أخرى، بل رُفعت شعارات إصلاحية تطالب الأنظمة بالإصلاح، وانتهت في تونس بأن النظام دخل في انتقال تدريجي بشرخ الطبقة الحاكمة والدخول في توافقات مع المعارضة.

مشيرا إلى أنه في مصر، ما استغله السيسي هو توق الناس إلى الاستقرار "لذلك يجب ألا يحصل شيء مماثل في مكان آخر، وما سهل حصول ما حصل في مصر هو عبث القوى المدنية وصراعاتها، وهذا من أساسيات التعلم من التجربة المصرية".

ويبقى يوم الجمعة الذي تعوّد الجزائريون النزول فيه إلى الشارع للتظاهر، سيكون حاسما لمعرفة رد فعل المحتجين الذين كانوا يطالبون بإسقاط النظام، على القرارات التي أعلن عنها بوتفليقة بهدف تهدئة الشارع، فالمتظاهرون كسبوا الجولة الأولى فقط في نزالهم مع السلطة، فإلى أي حد سيمنحهم نصرهم الحالي القوة على مواصلة المعركة التي تبدو أشواطها طويلة؟ أم أن السلطة العميقة في الجزائر، وعلى غرار دول الربيع العربي التي التفّت على مطالب شعوبها، ستنجح، هي الأخرى، في سرقة ثورة شعبها؟

قلم يسقط النظام القديم في الجزائر، فهو ما زال قائما على الرغم من اهتزازه، وهو ما يدفع إلى التساؤل إن كان على الجزائريين إيقاف مظاهراتهم، أو الاستمرار في الضغط من أجل تغيير حقيقي.

فيما يبقى التخوفات الكبى من تلاعب دول الثورات المضادة في مسارات الخداع التي قد تنصب على الجزائريين من قبل دول الامارات ومصر والسعودية، التي تحدثت تقارير صحفية عن دور محتمل لهم لتفويت الفرصة على الشعب الجزائري….

ويبقى 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أبعاد التصعيد الدبلوماسي بين الجزائر والرباط بعد سحب القنصل المغربي في ضوء التوترات التاريخية

تفاقمت الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب بعد محاولات ثنائية لطي قضية قنصل المغرب R…