‫الرئيسية‬ قراءات ومقالات الجزائر ما بعد رحيل بوتفليقة
قراءات ومقالات - أبريل 30, 2019

الجزائر ما بعد رحيل بوتفليقة

 


الجزائر ما بعد رحيل بوتفليقة

قراءة في تحديات المرحلة الانتقالية

 

تستمر تفاعلات ما بعد رحيل بوتفليقة دائرة في الجزائر. فيما لم تسفر بعد عن ملامح واضحة للنظام السياسي الجديد بعد ناجح الاحتجاجات في إزاحة النظام السابق. لكن يبقى التنافس الأقرب للصراع وتراجع الثقة بين الدولة، ممثلة في أقوى مؤسساتها الجيش ورئاسة الاركان، وبين قوى الثورة والمعارضة، هما الملمحين –أي التنافس وغياب الثقة- الأبرز للمرحلة.

في محاولة لاستكناه ملامح المرحلة واستشراف مآلاتها تتناول هذه الورقة بالدراسة محورين رئيسيين؛ الأول: القوى الفاعلة : قوى النظام ونخب المعارضة والمجموعات الثورية والشبابية (تعريفاتهم للفرص والتهديدات واستراتيجياتهم). الثاني: قضايا المرحلة الانتقالية وتحدياتها؛ سواء المتعلقة بالثقافة السياسية والهوية، أو المتعلقة بالدستور وبناء مؤسسات الدولة ما بعد رحيل بوتفليقة وتفكيك مراكز القوة المتحالفة معه، أو المرتبطة بالتحديات الاقتصادية الناجمة عن طول أمد التظاهرات وانعكاسات ذلك على الوضع الاقتصادي للجزائر.

تنطلق الدراسة من مقولات نموذج العملية السياسية the political process model لتشارلز تيلي وماك آدم عن الفرص والتهديدات واستراتيجيات الفاعلين وعمليات التأطير الثقافي framing. وهو نموذج يركز علي تحليل العوامل والمتغيرات المؤثرة في العملية السياسية؛ مثل: هيكل الفرص السياسية، والقوى والأطراف الفاعلة، والأبعاد الثقافية والقيمية والرمزية، دون إهمال أو تجاهل البعد الخارجي والإقليمي في مسارات التحول والانتقال[1].

قبل الاشتباك مع هذه النقاط تستعرض الدراسة عدد من الملاحظات حول أدبيات التحول الديمقراطي ونظرياته ومناهجه في التعاطي مع مراحل التحول عقب التغيرات التي تطرأ على هيكل السلطة. هذا الاهتمام بأدبيات التحول مبعثه أن الجزائر في الفترة الراهنة، تمر بمرحلة تحول ديمقراطي؛ وبالتالي فهذه الجزئية تهتم بالتساؤل عن قدرة أدبيات التحول الديمقراطي على فهم الواقع الجزائري الراهن، وأيضاً قدرتها على تصويب مساره.

 

ملاحظات منهجية حول أدبيات التحول الديمقراطي:      

ظهرت دراسات التحول الديمقراطي كتخصص ضمن حقل السياسة المقارنة في بداية ثمانينات القرن العشرين. ويتكون مركب "التحول الديمقراطي" من مكونين؛ التحول: هو  المرور من وضعية إلي أخرى، فيحمل معنى التغيير والحركة. الديمقراطي: تشير إلى عملية الانتقال من نظام سلطوي مهما كانت طبيعته (نظام الحزب الواحد، نظام عسكري، نظام شمولي، نظام أوليغارشي، نظام سلطوي..إلخ) إلى نظام يقوم على احترام المواطنة والحريات والمشاركة السياسية. أما مركب "التحول الديمقراطي" ككل، فيحيل إلى نهاية النظام السلطوي وإرساء نظام ديمقراطي ومنم ثم توطيد هذا النظام.

يستهدف التحول الديمقراطي تحقيق التنمية السياسية من خلال التغلب علي أزمات التنمية، مثل: الهوية، الشرعية، المشاركة، التوزيع، والتغلغل، مع تحقيق التمايز الوظيفي بين المؤسسات بديلاً عن سيطرة رأس السلطة، وتعظيم قدرة المؤسسات علي أداء وظائفها بكفاءة واقتدار، بالإضافة إلي تأسيس ثقافة سياسية ديموقراطية تتضمن قيم العدل والحرية والاحتواء المساواة والمواطنة واحتواء جميع القوي الراغبة في المشاركة بديلاً من تهميشها، وعدم الاكتفاء بآليات الانتخابات الصورية. هذا إلي جانب توجيه وإدارة عملية التنمية بمفهومها الشامل.

لكن يلاحظ أن عملية التحول الديمقراطي وفق هذه المضامين تثير جملة من الإشكاليات:

الأول: أن عملية التحول الديمقراطي ترتبط ارتباط وثيق بالشكل الليبرالي (في المجالين الاقتصادي والسياسي وفي مجال الحريات المدنية) فهي تستبطن التجربة الليبرالية الغربية كهدف وغاية. كما أنها تضع نصب عينها نموذج الديموقراطية الليبرالية، خصوصا من جهة تطبيق السياسات النيوليبرالية، أو من جهة الارتباط بالعولمة والرأسمالية العالمية، أو من جهة الحريات المدنية وحقوق الانسان في سياقها الحضاري من جهة أخيرة. هذا النموذج القياسي الذي تتحرك في إطاره عملية التحول الديموقراطي أدي إلي بروز خلافات حول الغايات والوسائل المتوخاة من المرحلة الانتقالية. كما أنه خلق أزمة في تحليل العملية نفسها؛ لأن أطراف العملية الانتقالية لا تعتقد في نفس المفاهيم والمرجعيات والأفكار حول التحول الديموقراطي وغاياته النهائية.

الثاني: مع غياب نماذج متعددة للتحول الديمقراطي تراعي الخصوصيات والظروف؛ يتم عادة التركيز علي الأبعاد الاجرائية والانتقالية في عملية التحول الديمقراطي؛ دون مناقشة الغايات والأهداف النهائية لعملية التحول الديموقراطي. هذا الاهتمام بالبعد الاجرائي يخلق حالة واسعة من التباين بين القوى الفاعلة في مرحلة التحول؛ فالفاعلون يستبطنون رؤى وتصورات ايديولوجية تؤثر في رؤيتهم للأوضاع وتحليلهم ولها وما يقدموه من تفسيرات وما يطرحوه من حلول للأزمات التى تواجه عملية التحول الديموقراطي.

الثالث: هل هناك قيمة حقيقية للحديث عن غايات التحول أو أهدافه النهائية، كما يجادل المؤمنين بنظريات "أو قل ايديولوجيات" التحول الديمقراطي، أم أن الواقع هو سيد نفسه، وان نتاج المرحلة الانتقالية هو حصيلة تفاعلات القوى السياسية القائمة، بصرف النظر عن اخلاقية هذا النتاج.

 

أولاً: خرائط القوى الفاعلة:

1-    نظام الحكم ومؤسسات الدولة:

نستخدم مفهوم النظام بمعنى شبكة التفاعلات والعلاقات والعمليات المرتبطة بظاهرة السلطة، تكون له جذوره وشبكات مصالحه الممتدة الي المجتمع، وبالتالي فإسقاط نظام سياسي يتبعه سقوط شبكة ولاءات علي مستويات مؤسساتية ومحلية ومجتمعة متنوعة. وعندما تلوح بوادر هذا السقوط تنزع هذه الولاءات والشبكات المحلية ذات الصلة الوثيقة بالنظام للتخلي عنه علي أمل بقاء مصالحها والحفاظ عليها بالتخلص من رأس النظام أو التضحية ببعض أجنحته. لكن السعي لإسقاط النظام فعلياً بكامله  يؤدي إلي صدام أوسع نطاقاً علي مستويات محلية ومركزية.

يجب التمييز بين نظام الحكم والدولة؛ فالنظام مفهوم معنوي بالأساس وليس مادياً علي عكس مفهوم الدولة ذات السيادة داخلياً والشخصية القانونية خارجياً، النظام إذن "لا يعدو أن يكون مفهوماً تحليلياً يستخدم لفهم ظاهرة معينة ولا يعرف له وجود مادي في الواقع. بيد أن الدولة هي الوحدة  القانونية المستقلة ". وبالإضافة لذلك فإنه إذا كان  من الممكن تعيين حدود للدول فإنه لا يمكن تعيين حدوداً لنظمها السياسية. لكن مع هذا التمييز بين النظام والدولة؛ إلا أن تغلغل النظام في الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، قد يؤدي لانهيار الدولة في حال سقوطه بشكل سريع ومفاجئ.

بدأ خروج صراع الإرادات بين أجنحة النظام السياسي الجزائري –على تركة عبدالعزيز بوتفليقة- إلى العلن في صيف عام 2018، بسبب قضية الكوكايين الشهيرة، لقد كشفت هذه القضية لاحقاً تورّط العديد من القيادات السياسية والعسكرية وقيادات في سلك الشرطة، وكانت محصلتها استقواء المؤسّسة العسكرية بقيادة الجنرال القايد صالح، والذّي استغل القضية ليضرب بقوّة بعض الشخصيات النافذة في النظام صاحبة الطموح في الترشّح لخلافة بوتفليقة المريض فأبعدها عن اللعبة السياسية.

كشفت هذه القضية، وما تلاها من تطورات، عن مكونات النظام السياسي في الجزائر، وهي:

المكون الأول: متمثل في مؤسسة الرئاسة بصلاحياتها الكبيرة التي يكفلها لها الدستور، وزعيمها الرمزي المُقال "عبدالعزيز بوتفليقة، وزعيمها الفعلي السعيد بوتفليقة، والمدعومة بحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم وبعض الأحزاب الأخرى الموالية، بالإضافة إلى شبكةٍ من رجال الأعمال وأصحاب المال الجزائريين. هذا المكون جرى تفكيكه بعد إقالة بوتفليقة[2]؛ وكان من أبرز مؤشرات تفكيكه أيضاً: ما روج عن اعتقال السعيد بوتفليقة وعائلته، وهو ما نفاه مسئولين، مؤكدين أن "السعيد" جرى وضعه رهن الاقامة الجبرية. تفكيك شبكة رجال الأعمال المقربة من الرئيس المقال عبدالعزيز بوتفليقة؛ حيث القبض على الرئيس السابق لمنتدى رجال الأعمال الجزائريين، علي الحداد، أحد رؤوس "الأوليغارشية المالية" الأكثر نفوذاً في عهد بوتفليقة، وهو الذي كان يتولى تمويل حملات الرئيس الانتخابية، عبر "منتدى رجال الأعمال" الذي كان يرأسه. وإصدار مذكرات اعتقال طالت شخصيات بارزة من رموز "النظام البوتفليقي"، منها رئيسا حزب جبهة التحرير الوطني السابقان عمار سعيداني وجمال ولد عباس، ووزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوراب[3].

المكون الثاني: هيئة أركان الجيش وقائدها قايد صالح، وهي أكثر المؤسّسات قوّةً وهيراركيةً وثباتاً. مصادر قوته مستمدة من الخارج خاصة روسيا. حيث "تُعتبر روسيا المُورّد الرئيسي للسلاح الجزائري إذ يُمثّل السلاح الروسي أكثر من 75% من سلاح الجيش الجزائري، كما تستحوذ الجزائر على ما نسبته 52% من سوق السلاح الروسي في إفريقيا، ويقول خبراء في دراسةٍ عسكريةٍ أجراها مركز بحوث قوات الجو الأمريكية بأنّ: “طبيعة الأسلحة التّي تشتريها الجزائر من روسيا مؤخّراً أسلحةٌ استراتيجية على غرار منظومات الدفاع “أس 400 تريامف” التّي تُنصّبُ احتسابا لمواجهة قوى كبرى، وبأنّ قوات الجو الجزائرية للدفاع عن الإقليم باتت من بين أفضل 10 منظومات دفاعٍ في العالم[4]".

المكون الثالث: المخابرات بقيادة الجنرال البشير الطرطاق، بعد عزل الجنرال توفيق الذي كان على خلاف مع رئاسة أركان الجيش.

المكون الرابع: المخابرات القديمة برئاسة الجنرال توفيق، الذّي عُزل قبل بضع سنواتٍ –في 2015- بعدما ظلّ على رأس هذا الجهاز القويّ لمدّة ربع قرنٍ تقريباً الأمر الذّي مكّنه من تكوين شبكةٍ واسعةٍ من الموالين له ولخطّه السياسي، أمّا مصدرُ قوتّه الداخلية فيكمن في حجم المعلومات والملّفات التّي يمتلكها بالإضافة إلى شبكة العلاقات والولاءات الداخلية المنسوجة في العديد من مؤسّسات الدولة والمجتمع.

لكن يبدو أن المكون الثاني "الجيش ورئيس الاركان" هو الاكثر حضوراً في الوقت الراهن. وهو الطرف الثاني في المعادلة التي تجمع بينه وبين قوى الشارع والنخب المعارضة القائدة للحراك. وقد بدا العسكريين مترددين في الفترة الأخيرة وهو ما آثار القلق لدى المعارضة، والتي رأت في ذلك التردد مؤشر على عدم صدق الجيش في رعايته بشكل محايد لعملية انتقال السلطة. فبعد خطاب ألقاه قايد صالح هاجم فيه قوى المعارضة ورفض مطالب المعارضة بتنحية رئيس الدولة المؤقت "عبدالقادر بن صالح"، وحلّ حكومة "نورالدين بدوي"، وإرجاء الانتخابات الرئاسية المقررة في يوليو 2019[5]، عاد ودعا المعارضة إلى تقديم مقترحات حلّ سياسي للأزمة الراهنة، وأكد "التزام الجيش بالحفاظ على مكتسبات وإنجازات الأمة، وكذا مرافقة الشعب ومؤسساته، من خلال تفعيل الحلول الممكنة، ومباركته كل اقتراح بنّاء ومبادرة نافعة، تصبّ في سياق حلّ الأزمة والوصول بالبلاد إلى برّ الأمان"[6].

2-    قوى المعارضة:

هناك سمات ارتبطت بالدول في مراحل التغيرات الثورية والمفاجئة. فباتت هذه السمات ملازمة للدول التي تمر بلحظات تحول مفصلية في تاريخها؛ من هذه السمات:

الأولى: ظهور (قيادات ونخب وحركات) احتجاجية من خارج نطاق البنى المؤسساتية والسياسية القائمة. تنتهج هذه القوى الجديدة أساليب وأنماط احتجاج وضغط غير تقليدية. تستهدف هذه القوى الجديدة تغيير بنية مؤسسات القوة والنظام السياسي القائمة. يتراوح ذلك التغيير بين نمط اصلاحي تدريجي، وآخر جذري ثوري. غاية هذه القوى الجديدة نزع شرعية العملية السياسية القائمة.

الثاني: ظهور أنماط جديدة من الحركات الاجتماعية[7]، يشكل الشباب عصبها الرئيسي سواء على مستوي القيادة او العضوية. كما تتكاثر التنظيمات والمبادرات الشبابية وتتعدد أنماطها تنظيمياً وفكرياً وسياسياً بصورة غير مسبوقة. تتبع الطبيعة التنظيمية لهذه الحركات والكيانات الشبابية الجديدة نمطأً تنظيمياً وحركياً يختلف عن الأنماط المعروفة في الأحزاب والحركات السياسية التقليدية، حيث يرتبط أكثر بما يعرف بالمجتمع الشبكي network society.

الثالث: هذه القوى الجديدة التي تتولد من رحم التحولات تمثل وعي وضمير الأجيال الصاعدة التي تسعى لنشر أنماط من الهيمنة المضادة للخطاب المهيمن. أهمية هذه القوى لا تتأتي من قدراتها التنظيمية غير الهيراركية وانتماء قياداتها للطبقة الوسطي. لكن أهميتها تكمن في قدرتها على مقاومة هيمنة الخطاب السائد في المجال العام -بحسب تعبير غرامشي. فهي "تستبدل النسق الفكري والعقيدي السائد الذي يضفي شرعية على الوضع الراهن بنسق عقيدي آخر يدعم العمل الجماعي من أجل التغيير"، حيث يتم خلق هوية وقيم مشتركة وأهداف متوافق عليها، وعمليات تأطير وتعبئة وتوعية بالروابط المشتركة والرؤى النقدية للقوي المسيطرة، وبناء أطر العمل الجماعي التي تستهدف إزالة المظالم والشكاوى لحشد الأعضاء من خلال الفكر والعاطفة والرموز والأطر الثقافية.

الرابع: يلاحظ أن السويشال ميديا خصوصاً التويتر والفيس بوك هي وسائط التعبير عن مجال عام شبابي يحتوي علي مقومات بناء هيمنة مضادة. ويجسد التقارب فيما بينها في صياغة مفردات لغوية ومفاهيم مشتركة؛ لتجريد الواقع الذي ترفضه وتفكيك خطاب النخبة والسخرية منها ومن رموزها ونزع شرعيتها السياسية والأخلاقية.

في الجزائر: يضم تكتل المعارضة مجموعة أحزاب، كالعدالة والتنمية وحركة البناء وحركة مجتمع السلم، وطلائع الحريات، والحرية والعدالة، وحزب العمال، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وأحزاب أخرى، فضلا عن عدد من التنظيمات، كتكتل النقابات المستقلة الذي يضم 13 نقابة في قطاعات التربية والصحة والوظائف العمومية، وعدد من الشخصيات السياسية والمدنية المستقلة.

وقد نجحت قوى المعارضة الجزائرية في توحيد جهودها، وهو ما تمخض في النهاية عن توافقها على خطة للحل السياسي، تتضمن تشكيل هيئة رئاسية تضم بين ثلاث وخمس شخصيات وطنية ذات مصداقية، ولا تكون معنية بأية استحقاقات انتخابية مقبلة، تكلف بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، وتطرح وثيقة إعلان دستوري مؤقت، ووثيقة انتقال ديمقراطي، وتشكيل هيئة مستقلة للانتخابات تشرف على انتخابات رئاسية في فترة لا تزيد عن سنة. وتتوافق كل القوى السياسية والشعبية على هذا الخط السياسي، بما فيها القوى غير العضو في التكتل المعارض[8].

 وسيتحدد مستقبل التحول في الجزائر بقدرة المعارضة الجزائرية على الحفاظ على اصطفافها والحيلولة دون تفككه، فتوحد المعارضة في جبهة واحدة هو الضمانة الأولى للحيلولة دون سيطرة العسكريين على النظام الجديد في الجزائر.

 

ثانياً: قضايا المرحلة الانتقالية وتحدياتها:

إن كلا من الثورة نفسها والمرحلة الانتقالية تتحرك في سياق يؤثر فيه عوامل بنيوية ترتبط بظهور المظالم وجوانب ضعف البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

1-    إشكالية الثقافة السياسية والهوية:

يقتضي نجاح عملية التحول الديموقراطي وجود نوع من أنواع الثقافة السياسية الداعمة لهذا التحول، كما يرتبط كذلك بقيم ورؤى مختلفة للعالم. وتعبر الثقافة السياسية للمجتمع عن تراكمات عبر أجيال وحضارات مختلفة، وبها أبعاد ايديولوجية وسياسية متمايزة بل ومتناقضة، ومن داخل هذه التناقضات والاختلافات تظهر الحركات الاجتماعية التى تسعي للتغيير باعتبارها نتاج هذه الثقافة وتناقضاتها وساعية لتغييرها في نفس الوقت. أما الثقافة السياسية الداعمة للتحول فهي تقوم على تطوير الثقة بين النخب واحترام قواعد اللعبة الديموقراطية. حيث يشير لاري دايموند إلي أن عناصر الثقافة السياسية المناسبة لعملية التحول الديمقراطي تتضمن: الشك في السلطة، مبدأ الثقة، والفردية، وتوجه نحو السلطة يقوم على أساس رفض الخضوع المطلق، أو المعارضة والنقد العدائي، والتسامح مع الاختلاف ومع الغموض والانفتاح وقبول الآخر.

الثقافة السياسية الديمقراطية للشعب الجزائري حديثة للغاية؛ "فلم تشهد هذه البلاد موجة الديمقراطية إلاّ نهاية القرن المنصرم، فثقافة التداول على السلطة ثقافةٌ غير متأصّلةٍ في عامة الشعب، فلا تزال الشعب الجزائري عموماً يؤمن بفكرة الرجل المُخلّص ولم يتكوّن لديه بعد حِسٌ بأهميّة المؤسّسات، إذ لا تزال الجماهير عموماً تُؤمن بفكرة الرجل المناسب في المكان المناسب ولو قضى به عمراً كاملاً، كما لا تزال فئةٌ كبيرةٌ من الجزائريين يحنّون إلى أيّام الرئيس الراحل هواري بومدين كونه “رجلاً وطنياً صرفاً، توفي ولم يكن في حسابه شيئاً من أموال الشعب بخلاف من جاءوا بعده مثلما يقولون[9]".

كما لا تزال الذاكرة الأليمة لسنوات العشرية السوداء حاضرةً في المُخيّلة الجمعية للشعب الجزائري. و هناك قصصٌ مُروّعةٌ كثيرةٌ تحكي ليالي دامية في قرى عديدةٍ عبر ربوع الجزائر؛ ويتم توظيف ميراث هذه الحقبة –خاصة من جانب الخطاب الرسمي- في تخويف الجزائريين من مغبة التغيير؛ كمل يعمل ميراث هذه الحقبة كوابح للثورة والاحتجاج هناك.

 

2-    الأزمة الاقتصادية:

يلاحظ أن تعثر المرحلة الانتقالية وعدم قدرتها علي تحقيق إنجازات مقارنة بأوضاع ما قبل الثورة، يجعل الثورة وعملية التحول الديموقراطي نفسها موضع اتهام؛ حيث يضعف تعثر  الديموقراطية وضعف أدائها من شرعيتها ومن ثقة المجتمع فيها.

تعتبر المشكلة الاقتصادية أحد العوامل التي فجرت الوضع الاحتجاجي هناك؛ حيث تحتل الجزائر مراتب متأخرة في التصنيفات العالمية المتعلقة بظروف المعيشة، فقد جاءت في المركز 132 على ترتيب أكثر بلدان العالم غير القابلة للعيش، ضمن التصنيف السنوي لشركة "الاقتصادي الذكي" لسنة 2018، وهي مؤسسة مختصة في إعداد الأبحاث والتحليلات والتوقعات، تابعة لمجموعة "الاقتصادي" البريطانية. وتصنف الدراسة 140 دولة في العالم، حسب مستوى المعيشة الذي تقدّمه الدولة لسكانها من خلال مراعاة عدة عوامل تشمل الاستقرار، والصراعات الاجتماعية، النظام الصحّي، العوامل البيئية، مستوى الفساد، مستوى الرقابة، الحياة الثقافية، نوعية الغذاء، نوعية الخدمات، نوعية التعليم، البنية التحتية، وجودة الاتصالات والإسكان.

بينما تشير البيانات الحكومية، إلى أن معدل سعر صرف الدولار أمام الدينار عام 2012 بلغ 77.55 ديناراً، فيما بلغ المتوسط عام 2013 نحو 79.38 ديناراً، ليرتفع إلى 80.56 عام 2014، ثم 100 في 2015، ونحو 107 دنانير في 2016، ثم إلى 112 بنهاية 2017، قبل أن يغلق عام 2018 على 119 ديناراً، وسط توقعات حكومية بمزيد من الانخفاض لقيمة العملة المحلية في العام الحالي. وهو ما يعني فيما يعني انهيار القدرة الشرائية للمواطنين. وبالتوازي مع الغلاء وتراجع القدرات الشرائية، يخيّم شبح البطالة على يوميات المواطنين، فبات الحصول على منصب عمل دائم مجرد حلم لدى ما يقرب من مليون ونصف المليون شخص، وخاصة حاملي الشهادات. وتشير البيانات الحكومية إلى أن البطالة لم تتعد 11.6% نهاية 2018، إذ بلغ عدد العاطلين 1.456 مليون شخص، 35% منهم من حاملي الشهادات الجامعية، إلا أن محللين يشككون في شفافية هذه البيانات واصفينها بـ" السياسية" أكثر منها اقتصادية. وهناك مشكلة السكن؛ فحسب حصيلة فترات بوتفليقة في الحكم، فإن الحكومة تعهدت بتوفير 4.6 ملايين وحدة سكنية مدعومة السعر منذ عام 2000، فيما العجز المسجل يقارب 700 ألف وحدة، وهو رقم يراه الخبراء بعيداً جداً عن الواقع[10].

في ذات السياق. واصلت احتياطات النقد الأجنبي في الجزائر تهاويها، لتصل إلى 82.12 مليار دولار، نهاية نوفمبر 2018، مقابل 97.33 مليار دولار نهاية 2017، أي خسارة تعادل 15.21 مليار دولار في غضون 11 شهراً، حسب أرقام البنك المركزي الجزائري. وقد شهد احتياطي النقد الأجنبي نزفاً متواصلاً، خلال الولاية الأخيرة لعهد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة؛ فقد فقدت الجزائر أكثر من نصف احتياطها، خلال السنوات الخمس الماضية، إذ بلغ نحو 194.01 مليار دولار عام 2013، ليتهاوى إلى نحو 82.12 مليار دولار، نهاية نوفمبر 2018[11]. وتشير توقعات الحكومة إلى استمرار تآكل احتياطي النقد الأجنبي، ليصل في نهاية العام الحالي إلى 79.7 مليار دولار، ثم 76 ملياراً في 2020، و33.8 ملياراً نهاية 2021[12].

وقد توقع صندوق النقد الدولي أن يواصل الاقتصاد الجزائري انكماشه، متأثرا بتواصل الأزمة الاقتصادية، يضاف إليها امتداد الأزمة السياسية التي تعيشها الجزائر منذ 22 فبراير 2019. وحسب الصندوق، فإن التضخم في الجزائر الذي ظل سنة 2018 محصوراً في حدود 4.3%، سيرتفع إلى 5.6% سنة 2019 وإلى 6.7% سنة 2020. وتتقاطع توقعات صندوق النقد المتشائمة مع تقرير مركز الأبحاث الأميركي "كابيتال إكونوميكس"، الذي أشار إلى دخول الجزائر في حالة ممتدة من عدم الاستقرار بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. كما توقع المركز أن "يكون هناك على الأقل ضعف في النمو الاقتصادي للبلاد، مع وجود احتمالات لتعرض الجزائر لأزمة حادة في ميزان مدفوعاتها خلال العامين المقبلين[13].

هذا الوضع الاقتصادي الحرج يمثل وقود للاحتجاجات وللمعارضة، وفي نفس الوقت قد يمثل ورقة ضغط تستخدمها قوى الدولة العميقة في الضغط على الاحتجاجات وقيادتها، باعتبار ان استمرار الاحتجاج يعني مزيد من النزيف الاقتصادي.

 

الخاتمة:

بدأت المقالة بتحديد المنظور الذي ستتناول عبره قضية التحول في الجزائر؛ فحددت مقولات نموذج العملية السياسية the political process model لتشارلز تيلي وماك آدم عن الفرص والتهديدات واستراتيجيات الفاعلين وعمليات التأطير الثقافي framing، كمقاربة تنظر من خلالها لتطورات المشهد الجزائري.

كما أثارت المقالة جملة من الملاحظات بشأن منظور التحول الديمقراطي، باعتباره المقاربة الأكثر شهرة وحضوراً في التعامل مع المراحل الانتقالية. واستعرضت عدد من الاشكاليات التي يثيرها استخدام هذا المنظور.

بعدها تناولت المقالة محورين سعت إلى بلورتهم بشكل يجلي حقيقة المشهد الجزائري بشكل يمكن من استشراف مستقبله والتنبؤ بمآلاته؛ المحور الأول: خرائط القوى الفاعلة في المشهد؛ سواء في الترويكا الحاكمة، أو في المعارضة والقوى الاحتجاجية والنخب القائدة للحراك. المحور الثاني والأخير: قضايا المرحلة الانتقالية وتحدياتها. مع التركيز على التحديات التي تثيرها الثقافة السياسية. إلى جانب التحديات الاقتصادية.



[1]  المقولات النظرية (التفسيرية والتحليلية) في الدراسة مأخوذة عن: أحمد تهامي عبدالحي، إدارة المرحلة الانتقالية بين استراتيجيات الفاعلين وتحديات الواقع: دراسة تقويمية لتجربة دول الربيع العربي، مصر: جامعة الاسكندرية، المجلة العلمية للدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، العدد الرابع، يوليو 2017.

[2]  عائد عميرة، إجراءات الجيش الجزائري.. استعداد للمستقبل أم بحثاً عن كبش فداء، نون بوست، 25 أبريل 2019، الرابط: http://bit.ly/2IGWR70

[3]  اندبندنت عربية، سعيد بوتفليقة في الإقامة الجبرية وعلي حداد في السجن… والقضاء يصدر مذكرات دولية للقبض على 3 مسؤولين خارج الجزائر، 3 أبريل 2019، الرابط: http://bit.ly/2Pvtcy5

[4]  جلال خشيب، صِدامُ الإرادات: التقاطعات المحليّة والدولية في حِراك الجزائر، مرجع سابق.

[5]  العربي الجديد، قائد الجيش الجزائري يهاجم المعارضة ويتمسك بموعد الانتخابات الرئاسية، 23 أبريل 2019، الرابط: http://bit.ly/2IG51wr

[6] خطوة، تخبط بخطابات الجيش الجزائري يُقلق المعارضة السياسية والحراك الشعبي، 25 أبريل 2019، الرابط: http://bit.ly/2GC4Xup

 [7]  ليس هناك شكل محدد للتنظيم السياسي للحركة الاجتماعية، فهناك تداخل وتعدد في النخب والجماعات الثورية علي أسس (ايديولوجية واقتصادية واجتماعية). وتشترك هذه الجماعات فيما بينها في معارضة النظام والسعي لتغييره، لكنها تختلف فيما بينها في نقاط أخرى كثيرة، تبدأ بكيفية إحداث التغيير وشكل البديل المطروح، وصولاً إلي مسار إدارة المرحلة الانتقالية، ودورها في النظام وفي الائتلاف الحاكم، غير أن الإعلان عن هذا التنافس الضمني والمؤقت بين الجماعات الثورية المختلفة يتأجل حتى تنجح الثورة ويستبدل النظام السياسي.

[8]  العربي الجديد، المعارضة الجزائرية تطرح اليوم خطة بشأن المرحلة الانتقالية، 25 أبريل 2019، الرابط: http://bit.ly/2PszIWx

[9]  جلال خشيب، صِدامُ الإرادات: التقاطعات المحليّة والدولية في حِراك الجزائر، 12 أبريل 2019، الرابط: http://bit.ly/2UE3g4n

[10]  العربي الجديد، حراك الجزائر… أزمات معيشية في عمق الاحتجاجات ضد بوتفليقة، 3 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2W9YhKo

[11]  العربي الجديد، الجزائر: طبع 6.5 تريليونات دينار منذ إقرار "التمويل غير التقليدي"، 28 فبراير 2019، الرابط: http://bit.ly/2UFdjGi

[12] العربي الجديد، ارتباك نقدي في الجزائر…البنك المركزي يواجه ضغوطاً بفعل العجز وخلو منصب المحافظ، 16 أبريل 2019، الرابط: http://bit.ly/2VsMaLj

[13]  العربي الجديد، توقعات بانكماش اقتصاد الجزائر في المرحلة الانتقالية، 13 أبريل 2019، الرابط: http://bit.ly/2XNZdER

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

قانون التصالح على مخالفات البناء..اختبار صعب للسيسي وللشعب أيضا

  يأتي تصميم نظام عبد الفتاح السيسي على تطبيق بنود قانون التصالح على مخالفات البناء، …