‫الرئيسية‬ قراءات ومقالات رئاسيات موريتانيا نحو العسكرة الدستورية
قراءات ومقالات - مايو 25, 2019

رئاسيات موريتانيا نحو العسكرة الدستورية

 


رئاسيات موريتانيا نحو  العسكرة الدستورية

هل تنجح المعارضة في وقف سيناريو بوتين /ميديديف بموريتانيا؟

 

 

تشهد الساحة الموريتانية منذ الربيع الماضي سجالا سياسيا، باتجاه الانتخابات الرئاسية المقررة 22 يونيو 2019، والتي لن يشارك فيها الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز، لانهائه ولايتين رئاسيتين، بنص التعديلات الدستورية المقرة في 2006…

 

أرقام

 

ويبلغ عدد المسجلين بالانتخابات الرئاسية المقبلة بـ1.544.132 ناخبا، بزيادة بلغت 127.214 ناخبا عن اللائحة الانتخابية التي جرى إعدادها سنة 2018، والجهوية التي تم تنظيمها شهر سبتمبر الماضي.

وصدر مرسوم استدعاء الهيئة الناخبة لانتخاب رئيس الجمهورية في موريتانيا يوم 16 إبريل الماضي ، محددا يوم 7 يونيو موعدا لافتتاح الحملة الانتخابية ويوم 22 يونيو يوم الاقتراع.

 

خريطة المنافسة

وانقسمت الساحة السياسية بين 6 مرشحين رجال مع غياب أي تمثيل للمرأة في السباق الانتخابي.

ويمتلك بعض المرشحين فرصاً متقدمة، كشفها مستوى الدعم الحزبي والشعبي قبيل الانتخابات، إذ يعتمد وزير الدفاع السابق محمد ولد الغزواني على دعم الرئيس المنتهية ولايته، والحزب الحاكم وبعض أحزاب الأغلبية الداعمة للنظام.

بينما يعتمد رئيس الحكومة السابق سيدي محمد ولد بوبكر على الدعم القوي من حزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" (تواصل) الإسلامي، وعدد من الأحزاب القومية والشخصيات المستقلة.

كما ينافس رئيس حزب "اتحاد قوى التقدم" اليساري محمد ولد مولود مدعوماً من "تكتل القوى الديمقراطية" وحزب "إيناد" المعارضين، بينما يعتمد المرشح الحقوقي بيرام ولد أعبيدي على دعم حزب "الصواب البعثي"، وبعض أنصاره في حركة "إيرا" الحقوقية التي يتولى رئاستها. ويراهن المرشح كان حامديو بابا، على دعم الفئة المعروفة بـ"الزنوج" (أي الموريتانيين الذين جاؤوا من أفريقيا) في انتخابات يونيو، فيما يسعى المرشح محمد الأمين المرتجي الوافي إلى كسب ثقة الشارع الموريتاني عبر برنامجه السياسي خلال الحملة الانتخابية.

 

 

وبذلك تكون وضعية الاصطفافات السياسية باتت واضحة، ما عدا حزبا أو حزبين، كحزب "التحالف الشعبي التقدمي" بزعامة مسعود ولد بلخير، الذي يقف  أمام خيارين "دعم مرشح السلطة محمد ولد الغزواني، أو دعم المرشح المعارض محمد ولد مولود، والأرجح هو الاحتمال الأول"…

 

مخاوف المعارضة

بينما تدعو المعارضة لإجراء انتخابات نزيهة تخضع لمراقبة محلية ودولية، وعلى الرغم من الارتياح السياسي والقانوني لبدء تنفيذ مؤسسة الرئاسة التعديلات الدستورية القاضية بالتزام الرئيس بحد اقصى ولايتين رئاسيتين فقط، إلا أن الأمور ليست بهذه البساطة عندما تُوضع في سياقات عدة أخرى، سياقات تبدأ مع تاريخ طويل مع الانقلابات العسكرية، ولا تنتهي عند كون مرشح الرئاسة الأوفر حظا الآن هو الجنرال "محمد ولد الغزواني"، الرجل المعروف بكونه اليد اليمنى لـ "ولد عبد العزيز"، وأحد مهندسي ومنفذي انقلابين عسكريين جريا في عامي 2005 و2008 على التوالي.

وكان الانقلاب الأخير عام 2008 هو الذي أتى بـ "ولد عبد العزيز" إلى السلطة، وإن حاول إضفاء بعض الشرعية عليه بانتخابات الرئاسة التي جرت في 2009 ليظل في الرئاسة من وقتها وحتى هذه اللحظة…

فيما مرشح السلطة محمد ولد الغزواني يبقى الأوفر حظاً، ليس فقط لأن السلطة التي تدعمه هي التي تنظم الانتخابات، ولكن أيضاً لأن تشظي المعارضة ممثلة في "المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة" أدى إلى التحاق عدد كبير منه بالمرشح ولد الغزواني، هذا إضافة إلى أن الكثير من الناخبين يرون أنه البديل الذي لا بد منه، والتحول الهادئ من حكم الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز.

ويتوقع كثيرون أن المرتبة الثانية في السباق الانتخابي ستكون من حظ المرشح سيدي محمد ولد بوبكر، المدعوم من تيار واسع من الإسلاميين، على الرغم من أن هذا التيار منقسم على نفسه، ما يرجح احتمال عدم دعم أنصار التيار للمرشح بحماسة كبيرة، فيما  يحضر في الصراع على المركز الثاني المرشح المعارض بيرام ولد أعبيدي، والمرشح محمد ولد مولود.

 

نحو العسكرتارية

وتتراوح جل الخيارات أمام الموريتانيين إلى اختيار عسكري أخر خلفا لولد عبد العزيز، أو شخصية حكومية مرتبطة ارتباطا كبيرا بالرئيس الحالي، والذي يلقي بثقله من أجل ضمان فوز وزير الدفاع محمد ولد الغزواني باعتباره  استمرارا لنهج النظام الحالي، وتعزيزا لمسار التنمية وصيانة وتعزيز ما تحقق من إنجازات على مختلف أوجه الحياة"، على حد تعبيره، في أخر تصريحاته، بمأدبة افطار حضرها سياسيون وقيادات محلية في 21 مايو الجاري، بالقصر الرئاسي…مطالبا رؤساء المجالس المحلية بالعمل على توفير دعم قوي لمرشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة..

كما صرح الرئيس الموريتاني في وقت سابق أن مستقبل البلاد في خطر إذا لم يفز ولد الغزواني المدعوم من الحزب الحاكم وأحزاب الأغلبية، وهو ما يفسره مراقبون بانتهاك دستوري وتلاعب بقواعد اللعبة السياسية، قد تضع موريتانيا على طريق ميديديف/بوتين في روسيا، حيث تبادلا موقع الرئاسة الروسية ورئاسة الوزراء، في تحايل على الدستور الروسي، الذي كان يمنع تتابع رئيس واحد لكثر من ولايتين في سدة الحكم….

 

من هو الغزواني؟

 

وزير الدفاع الحالي محمد ولد الغزواني هو فريق متقاعد من مواليد العام 1956، بمدينة بومديد شرق البلاد، وهو ابن لإحدى الأسر العلمية الصوفية المعروفة في البلاد. نال شهادة الباكلوريا، وشهادة جامعية في الدراسات القانونية، ثم ماجستير العلوم الإدارية والعسكرية.

 

انخرط ولد الغزواني في صفوف الجيش الموريتاني متطوعاً أواخر العام 1978، وتابع تكوين طالب ضابط بالمغرب، وبعد تخرجه عُين قائداً للمنطقة العسكرية الثالثة 1981، ثم قائداً للمنطقة العسكرية الثانية 1983، ومنها تنقل لكتيبة القيادة والخدمات، مسؤولًا عن الاستخدام والتدريب 1987، ثم كلف بمرافقة الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع سنة 1987، الذي أطاح به رفقة الرئيس الحالي وعدد من الضباط في انقلاب عسكري سنة 2005.

ظل ولد الغزواني يتنقل بين الوظائف العسكرية (قائد المكتب الثاني 2004، مدير الأمن الوطني 2005، عضو المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية المنبثق عن الانقلاب العسكري سنة 2005، قائداً للأركان الوطنية 2008، وعضواً في المجلس الأعلى للدولة 2008، ورئيساً للمجلس الأعلى للدفاع 2009، وقائداً للأركان العامة للجيوش) منذ 2013.

 

عين ولد الغزواني وزيراً للدفاع في حكومة الوزير الأول الموريتاني الحالي محمد سالم ولد البشير نهاية شهر أكتوبر الماضي، وتم ترشيحه لرئاسيات 2019، خلفًا للرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز، الذي يحظر الدستور ترشحه لولاية ثالثة.

يحظى ولد الغزواني بثقة كبيرة لدى المؤسسة العسكرية، ويوصف بصديق الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز، ورفيق دربه، وقد ظلا يحكمان موريتانيا معاً منذ الانقلاب العسكري الذي أطاحا من خلاله أول رئيس مدني منتخب، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، يوم السادس من شهر أغسطس 2008.

 

هندسة المشهد

ومنذ مطلع العام الجاري، لم يأل نظام "ولد عبد العزيز" جهدا لأجل تمهيد الطريق أمام "الغزواني" للوصول للرئاسة، وفيما كانت الاحتفالية التي أُقيمتمطلع مارس الماضي  بهدف الإعلان عن ترشحه بشكل رسمي، في ملعب "شيخا ولد بيديه" بالعاصمة نواكشوط، هي أول خطوة رسمية علنية لدعمه في المرحلة القادمة، كانت الحكومة قد استبقت ذلك بعدة قرارات أعادت رسم الخريطة الانتخابية في موريتانيا من جديد، وفيها أطلقت يدها تجاه الحركات والجمعيات الإسلامية العاملة لإغلاق عدد كبير منها قبيل الانتخابات القادمة.

ولم يكتف النظام الحالي بذلك، وإنما تم تفعيل بند القانون المتعلق بالأحزاب السياسية والذي ينص على أنه "يتم بقوة القانون حلّ كل حزب سياسي قدم مرشحين لاقتراعين بلديين اثنين وحصل على أقل من 1% من الأصوات في كل اقتراع، أو الذي لم يشارك في اقتراعين بلديين اثنين متواليين"، وكانت النتيجة حل أكثر من 70% من الأحزاب السياسية العاملة في الداخل الموريتاني الآن باختلاف انتماءاتها سواء للحكومة أو المعارضة.

رغم ذلك، لا يُنظر للقرار الأخير بحل الأحزاب بالكثير من الاهتمام فيما يتعلق بكونه ممهدا للطريق أمام الغزواني للوصول للرئاسة، فأمام تشرذم المعارضة وتخليها عن دورها الطبيعي؛ تبدو قوة الغزواني ممثلة في "رفيق دربه الذي يُمسك بتلابيب الأمور في موريتانيا"، فبجانب "المنظومة التقليدية التي تدعمه من جيش وحزب حاكم"، فإنه لا يبقى أمام مرشحي المعارضة الكثير من الفرص في وقت تتناوب فيه على موريتانيا معارك أخرى اقتصادية واجتماعية لا تقل أهمية عن الانتخابات القادمة، وإن كانت تزيد من حدة الخلاف حولها في نهاية الأمر.

 

وإزاء الممارسات السلطوية التي يهندس من خلالها ولد عبد العزيز الانتخابات الرئاسية المقبلة، طالبت المعارضة خلال وثيقة وجهتها سابقا للحكومة بإشراكها في اللجنة المستقلة للانتخابات، وتهدئة الأوضاع وخلق مناخ سياسي طبيعي، إضافة إلى التخلي عن منطق المجابهة والصدام والكف عن شيطنة المعارضة وقمع الحركات السلمية والسجن التعسفي.

 

 

موازين القوى

ويعيش المشهد السياسي في موريتانيا بشقيه الموالي والمعارض حالة حركية ستزيد من غموضه قبل الانتخابات الرئاسية، في ظل هجرة بدأت فعلياً من بعض المعارضين نحو الأجنحة الموالية، مع تململ داخل الموالاة، كما لا يُستبعد حصول حركة نزوح من الموالاة أو منافسة داخل صفوفها.

وبحسب تقرير لوكالة الصحافة المستقلة الموريتانية، فإن تعاطي السلطة في موريتانيا مع المعارضة خلال العقد الأخير، وما طبع ذلك التعاطي، جعل المعارضة في وضع لا تحسد عليه، كان أبرز نتائجه المسار الذي أخذت في مقاطعة الانتخابات أو المشاركة فيها أو تشتت الموقف إزاءها". واعتبر أن "أكثر المعارضين اليوم تفاؤلاً في موريتانيا لا يمكن أن يتوقع حصول المعارضة على نتيجة ذات قيمة بدون التحالف مع طرف من خارجها، خصوصاً من الأطراف المحسوبة على النظام، سواء في شكله الحالي أو في أطواره الماضية التي تشكل المرحلة الحالية امتداداً لها، وهو ما يعرف في أبجديات المعارضة بـ(فترة الحكام العسكريين)".

ويتوقع خبراء أن محدودية عدد المرشحين سيزيد من حجم التنافس، وربما يُسهّل كذلك عملية الحسم في الشوط الأول لمصلحة المرشح الأوفر حظاً، في ظل محدودية المرشحين وعدم تشتت الأصوات بين أكثر من مرشح كما حصل في تجارب سابقة..

وأبرز القوى المعارضة في موريتانيا، هي حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) الإسلامي، لقوته في زعامة المعارضة لكونه القوة الثانية تمثيلاً في البرلمان بعد الحزب الحاكم، ثم هناك حزب تكتل القوى الديمقراطية، بما لديه من تجربة سياسية، أساسها رمزية رئيسه أحمد ولد داداه، ومواكبته المسار الديمقراطي في البلد منذ انطلاقته في عام 1991، فضلاً عن حزب اتحاد قوى التقدم برئاسة محمد ولد مولود، بما يرمز له من نضال ومواكبة لنشأة الدولة ومعارضة أول نظام حكم البلاد وهو نظام الرئيس الراحل المختار ولد داداه".

وأيضا هناك حزب التحالف الوطني الديمقراطي برئاسة يعقوب ولد أمين، وحزب التحالف الشعبي التقدمي برئاسة رئيس البرلمان السابق مسعود ولد بلخبر، كما لا يمكن تجاوز المعارض والناشط الحقوقي بيرام ولد أعبيدي، وإن كان تحالفه مع حزب الصواب القومي الذي أوصله للبرلمان قوياً لدرجة دخوله مرحلة تمسك الحزب به مرشحاً للانتخابات الرئاسية المقبلة. وهي معارضة يمكن القول إنها مشتتة لا تملك ناظماً لرؤاها، وحجم التقاطع بين بعض الأحزاب المكوّنة لها مع الموالاة أكبر من حجم التقاطع مع المعارضة الجادة..

 

تحديات مستقبلية

وعلى أية حال، فإن الرئيس القادم سيتواجه بالعديد من التحديات الداحلية والخارجية…

وفي مقدمتها، التعاطي مع الارهاب وحركات التطرف وموازنة علاقات موريتانيا بالولايات المتحدة الامريكية من جهة وفرنسا من جهة ثانية، وانجاز تنمية اقتصادية تنتظرها موريتانيا…

 

ففي الوقت الذي لا يزيد فيه سكان موريتانيا عن 4 ملايين نسمة بقليل، اتمتد الصحاري الموريتانية المفتوحة، لتصبح موريتانيا ممرا مفتوحا لجماعات التهريب عبر جنوب القارة لشمالها، وكذا عناصر الجماعات المسلحة التي نفّذت جزءا من عملياتها في موريتانيا ذاتها. وهو ما عمل على مواجهته من قبل الجنرالين ولد عبد العزيز والغزواني، عبر  لتشكيل مجموعة "التدخل الخاصة"، وهي مجموعة مكونة من 200 فرد من عناصر الجيش الحاصلين على تدريب عسكري استثنائي، ولديهم مهمة واحدة: تعقب مواقع الجماعات المسلحة ومجموعات التهريب في الصحراء والقضاء عليها، مزودين بأسلحة أميركية شديدة الحداثة ضمن حزمة تسليح قوات "الأمن الرئاسي"، وهي حزمة أتت ضمن مساعدات من واشنطن مهّدت لدخول موريتانيا ضمن ما يُطلق عليه تحالف الولايات المتحدة العالمي للحرب على الإرهاب وقتها، ثم التحالف العسكري الفرنسي للقضاء على التمرد في مالي منذ عام 2013، وهو ما عُرف بعد ذلك بقوات "مجموعة الساحل"المعروفة اختصارا بـ (G5).

وعلى جانب اخر، تقف موريتانيا أمام تحدي تحقيق معدلات نمو اقتصادية، لمواجهة الفقر المتصاعد، حيث وصلت معدلات النمو الاقتصادي في موريتانيا، عام 2017 إلى 3.5%..

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني "هشام جعفر مولاي"، لـ موقع "ميدان"، "كانت البلاد لتخطو خطوات مهمة لو تم توجيه عائداتها من العملة الصعبة إلى مشاريع مدرة للدخل تنهض بالاقتصاد، بدلا من توجيهها لقطاعات جامدة كتعبيد الطرق و بعض البنى التحتية، رغم الحاجة إليها…

بجانب الجفاف الذي يهدد الآن موريتانيا، وكذلك التوترات الدائمة في دول الجوار وخاصة "مالي"، حيث تذهب العديد من القوات الموريتانية للخدمة ضمن تحالف الـ (G5) الذي تستضيف نواكشوط مكتب الأمانة العامة له منذ نشأته، وبرعاية باريس التي تمتلك الكثير من النفوذ في دول الساحل الأفريقي.

 

أفاق مستقبلية

 

وإزاء استعراض المشهد الموريتاني، يبقى مرشح السلطة محمد ولد الغزواني الأوفر حظاً، ليس فقط لأن السلطة التي تدعمه هي التي تنظم الانتخابات، ولكن أيضاً لأن تشظي المعارضة ممثلة في "المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة" أدى إلى التحاق عدد كبير منه بالمرشح ولد الغزواني، هذا إضافة إلى أن الكثير من الناخبين يرون أنه البديل الذي لا بد منه، والتحول الهادئ من حكم الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز.

ويتوقع كثيرون أن المرتبة الثانية في السباق الانتخابي ستكون من حظ المرشح سيدي محمد ولد بوبكر، المدعوم من تيار واسع من الإسلاميين، فيما  يحضر في الصراع على المركز الثاني المرشح المعارض بيرام ولد أعبيدي، والمرشح محمد ولد مولود.

وعلى أية حال، وفي ظل حرث المشهد السياسي لصالح المرشح العسكري، رغم سعي المعارضة لتقوية جبهتها، يبقى الفوز المرجح لغزواني في الانتخابات المقبلة انتصارا لمشروع الرئيس الحالي و فلسفته في الحكم و الإدارة، خاصة مع كونه المرشح الأقوى على الساحة حاليا، فهو في النهاية لا يعني سوى استمرار سلطة الانقلابات العسكرية في موريتانيا، وامتدادها لخمس سنوات أخرى، خاصة مع كون أغلب الإصلاحات الاقتصادية للنظام الحالي مرتبطة ارتباطا وثيقا من حيث تمويلها مع قدرته على الحفاظ على تحالفاته الدولية، خاصة انخراطه في الأنشطة العسكرية ذات التخطيط الفرنسي، وهي خارطة تحالفات لا يتوقع أن تتغير بحال مع صعود الغزواني المرجح، لتستكمل موريتانيا على ما يبدو سلسلتها الطويلة من الحكم العسكري ذي الصبغة المدنية، وهو حكم لم تقدم المعارضة حتى الآن للموريتانيين ما قد يُعدّ بديلا متماسكا له لإقناعهم بتغييره بأي حال.

حيث حكمت موريتانيا من قبل المؤسسة العسكرية، منذ عام 1978، باستثناء فترة ولد الشيخ عبد الله، حيث سبق أن حكم موريتانيا، كلا من:

مختار ولد داداه (28 نوفمبر/1960 إلى 10 يوليو 1978)، وهو رئيس مدني أطاح به انقلاب أبيض من قبل الجيش.

 

ومصطفى ولد محمد السالك (10 يوليو 1978 إلى 3 يونيو 1979)،  وهو قائد للجيش الموريتاني. استقال بعد ضغوط من زملاء له، بعد أزمة حرب الصحراء الغربية.

 

ومحمد محمود ولد لولي (3 يونيو 1979 إلى 4 يناير 1980)، وهو رئيس اللجنة العسكرية الدائمة. تنازل عن السلطة وانسحب من الحياة العامّة.

 

ومحمد خونه ولد هيداله (4 يناير 1980 إلى 12 ديسمبر1984)، وهو رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني. أطيح به بينما كان يشارك بقمة منظمة الوحدة الإفريقية، بالعاصمة البوروندية، بوجمبورا. حوكم لدى عودته إلى نواكشوط وسجن حتى نهاية عام 1988.

 

ومعاوية ولد سيدي أحمد الطايع (12 ديسمبر 1984 إلى 3 أغسطس 2005)، وهو قيادي عسكري، وصاحب أطول مدة حكم في تاريخ موريتانيا. أطيح به في انقلاب أبيض، بينما كان بالسعودية للمشاركة في مراسم دفن العاهل السعودي، فهد بن عبد العزيز. لجأ إلى النيجر في بادئ الأمر قبل أن يستقرّ لاحقا في قطر.

 

وعلي ولد محمد فال (3 أغسطس 2005 إلى 19 أبريل 2007)، وهو رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية. سلّم السلطة بعد انتخابات حرّة كما تعهّد.

 

ومحمد ولد الشيخ عبد الله (19 أبريل 2007 إلى 6 أغسطس 2008)، وهو أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد. أطيح به في انقلاب بعد عزله قادة عسكريين حاولوا التدخّل في إدارة شؤون البلاد.

 

ومحمد ولد عبد العزيز (6 أغسطس 2008 إلى 15 أبريل 2009)،  وهو قيادي عسكري. أطاح بسلفه قبل تقديم استقالته للترشح للانتخابات الرئاسية.

 

وبا مامادو إمباري (15 أبريل 2009 إلى 5 أغسطس 2009)، وهو رئيس مدني. أشرف على فترة انتقالية سبقت انتخابات 18 يوليو 2009.

 

ومحمد ولد عبد العزيز (5 أغسطس 2009 إلى اليوم)، وبعد تولي رئاسة البلاد، في أعقاب الانقلاب العسكري في عام 2008، عاد إلى الحكم عبر الانتخابات.

 

وتُعتبر الانتخابات الرئاسية الحالية حاسمة نظراً لما تمثله من انتقال سلمي للسلطة، إذ لن يشارك فيها الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، على الرغم من أنه وحزب "الاتحاد من أجل الجمهورية" الحاكم وبعض أحزاب الأغلبية يدعمون المرشح محمد ولد الغزواني. إلا أن عدم مشاركة الرئيس في الانتخابات يمثّل لدى بعض المراقبين تحولاً في المشهد السياسي في البلد.

 

تقديرات استراتيجية

ويرى مراقبون أن التحوّل الديمقراطي المحتمل في موريتانيا خلال الانتخابات المقبلة، سيمر عبر عدة سيناريوهات محتملة، أبرزها تعويل القوى السياسية على تنظيم عملية انتخابية سلسة يتم التوافق قبلها على تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات، والإجراءات المصاحبة لعمل هذه اللجنة، إضافة إلى السماح للمراقبين الدوليين بالوصول إلى البلاد، وتهيئة المناخ لانتخابات يتفق الجميع على أنها ديمقراطية شفافة ونزيهة. ويأمل الشارع الموريتاني في أن تتجاوز القوى السياسية خلافاتها الآنية وتسعى للتمهيد لتحوّل ديمقراطي في البلد من خلال تنظيم انتخابات يتم الاتفاق فيها على المسار الممهد لتنظيمها بمشاركة كافة القوى السياسية، سواء في السلطة أو المعارضة.

 

 

 

 

 

3 سيناريوهات محتملة

 

وقد حدد المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية ثلاثة سيناريوهات رأى أنها محتملة للانتخابات الرئاسية، وحصر المركز في تقريره الاستراتيجي السنوي (تقرير يتناول الحالة العامة للبلاد في أبعادها السياسية والجيواستراتيجية والاقتصادية والأمنية)، هذه السيناريوهات في ثلاثة، هي الانتقال الكامل، الانتقال الجزئي، وتعثّر الانتقال.

وفي السيناريو الأول، رأى التقرير أن الانتقال الكامل يتوقف على عدة أمور، منها إجراء الانتخابات بإشراف لجنة انتخابية مستقلة تتمتع بالصلاحيات والإمكانات المطلوبة، مع تراضي الأطراف السياسية، وحياد الإدارة، وهو ما سيمكّن من تحصين نتيجة هذه الانتخابات من الطعن في شرعيتها. ويُرجح هذا السيناريو، وفق التقرير، "الآفاق الاقتصادية التي يعد بها اكتشاف الغاز"، لأنها ستدفع السياسيين، خصوصاً في معسكر النظام الذي يثق في كسب الانتخابات، إلى تلطيف الأجواء السياسية بإجراء انتخابات توافقية.

أما السيناريو الثاني، حسب التقرير، فهو انتقال جزئي يحقق بعض آمال الانتقال السلمي المؤمل، وهو ما سيتحقق "بإجراء انتخابات تشارك فيها المعارضة من دون ضمانات جديدة" تعزز شفافيتها. ورجح التقرير هذا السيناريو بحرص الأطراف الحاكمة على عدم النزول عن هذا الحد وعدم رغبتها في تجاوزه، لأن وثوقها في ضعف المعارضة "لا يصل إلى درجة تجعلها قادرة على الذهاب بعيداً في المنافسة الشفافة".

 

أما السيناريو الثالث الذي يتوقّعه التقرير، فهو تعثّر الانتقال إذا لم تجرِ الانتخابات بصورة تُخرج البلاد من حالة الشك في الشرعية "التي عانت منها الأنظمة الوطنية طيلة تاريخها". ويعطي التقرير مثالاً على ذلك في حال نجاح الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، في تقديم مرشح يتحكّم فيه بطريقة تجعل مغادرته للرئاسة أمراً شكلياً...كما حصل في روسيا بوتين/ميديديف…

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المذابح الجماعية والمجتمع الدولي.. المصالح تهزم الإنسانية

بقلم: حازم عبد الرحمن الإبادة الجماعية هي سياسة القتل المنظمة, التي عادةً ما تقوم بها حكوم…