‫الرئيسية‬ قراءات ومقالات محور الثورة المضادة.. السقوط مسألة وقت
قراءات ومقالات - مايو 28, 2019

محور الثورة المضادة.. السقوط مسألة وقت

      محور الثورة المضادة.. السقوط مسألة وقت

 

بقلم: حازم عبد الرحمن

 

بعد انطلاق موجة الربيع العربي الأولى التي بدأت في تونس, ثم تتابعت خلال عام 2011 في مصر واليمن وليبيا, تشكل محور الثورة المضادة بهدف الانقلاب على إرادة الشعوب, وكانت السعودية والإمارات هما العمود الفقري لهذا المحور الذي أدار الانقلاب العسكري في مصر, وسرعان ما أصبح قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ضلعا ثالثا في مثلث الثورة المضادة.

 

وما يجري الآن من سفك الدماء في مصر وليبيا واليمن ومحاولة الالتفاف على الثورة في السودان يمثل أحدث أبرز جرائم محور الثورة المضادة في حق الشعوب.

ويسخر العمود الفقري لهذا المحور إمكاناته المالية الهائلة لتقديم الرشاوى لضعاف النفوس من جنرالات الجيوش العربية, وكذلك في الاستحواذ على وسائل الإعلام للتأثير في الرأي العام وتوجيهه إلى تأييد الثورة المضادة.

   وفي الوقت نفسه تعاني دول هذا المحور من سوء السمعة, والسخط الشعبي, والفشل في السيطرة على الرأي العام في الشارع العربي, كما فشلت أكثر من مرة في دعم انقلاب عسكري على الديمقراطية الوليدة في تونس, مما يجعل مستقبله محفوفا بالمخاطر لأن خبرة التاريخ تؤكد أن الشعوب لا تنهزم, وأنها إذا أرادت الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.  

 

ومن أبرز سمات أنظمة الحكم في دول الثورة المضادة القمع, والاستبداد, والفساد, وانهيار القانون, وغياب العدالة, والتحالف مع العدو.. كل ذلك أمام وعي جماهيري كبير بالأحداث وخلفياتها, بسبب انهيار جدار القمع الإعلامي المتمثل في سقوط احتكار السلطة لوسائل الإعلام, وظهور الإعلام الاجتماعي البديل, الذي تصنعه الشعوب وليس السلطة.    

وقد أصبح معلوما كل ما تعانيه دول الثورة المضادة وأنظمتها كحقائق ساطعة من أبرزها:

1ـ سمعتها السيئة في القمع واضطهاد المخالفين واعتقالهم وقتلهم؛ ففي مصر يمارس قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي عن طريق أجهزته الأمنية جرائم القتل التي طالت الآلاف من الأبرياء, وكذلك اعتقال عشرات الآلاف.

وفي السعودية بلغ القمع حدا غير مسبوق باعتقال أعداد كبيرة من العلماء والدعاة ورجال الأعمال وتعذيبهم, ومطاردة من نجح في الهروب إلى الخارج, حتى يتم الإيقاع به وقتله وتقطيع أشلائه, كما حدث في جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول بتركيا.   

وفي الإمارات يرتكب محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي جرائم لا تقل بشاعة تجاه من تسول له نفسه أن يقول رأيا مخالفا, ومن أبرز جرائمه التآمر على صحة أخيه الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة ليظهره على فترات متباعدة منهكا, متعبا, وكأنه غائب عن الوعي في رسالة واضحة بأنه لا يقوى على الحكم, ليبرر لنفسة الاستيلاء على كرسي رئيس الدولة.     

 

2ـ الحكم المطلق وغياب المساءلة:

 ففي مصر لا توجد مؤسسات رقابة حقيقية على المسئولين, والبرلمان الذي أنشأته الأجهزة الأمنية بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو2013 لا يمارس دوره في الرقابة على السلطة, بل يتلقى الأوامر والتعليمات من قائد الانقلاب وأجهزة الأمن , والشواهد على ذلك كثيرة ؛ فقد تنازل عبد الفتاح السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية, وتنازل عن حقوق مصر التاريخية في مياه النيل, وحقول الغاز في البحر المتوسط للصهاينة.. كل ذلك دون مساءلة من المؤسسة التشريعية التي فاجأت الشعب بالموافقة على هذه التنازلات صراحة أو ضمنا, بل وصل الأمر إلى إهدار الأحكام القضائية التي صدرت ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.      

كما لم يظهر أي دور رقابي يحاسب المسئولين عن الاعتقالات وقتل آلاف الأبرياء ممن يرفضون الانقلاب.

 

وفي السعودية لا يوجد في الدولة برلمان حقيقي له سلطة الرقابة والتشريع, ونظام الحكم مطلق تماما, يقوم بتسخير مقدرات الشعب لخدمة النظام؛ فلا أحد يعرف شيئا عن ثروة الدولة التي ينهبها أفراد السلطة الحاكمة, ولا يستطيع مواطن أن يسأل عن الثروات المليارية التي تنقلها العائلة الحاكمة إلى الخارج وتودع في بنوك أجنبية, في حين أن الفقر يغزو مناطق كثيرة بمملكة البترول الغنية. 

ولا يجرؤ أحد على مساءلة الحكومة التي يرأسها الملك نفسه عن خطأ ارتكبته, أو ظلم أوقعته على أحد من الرعية, ولا توجد خطط مستقبلية لمشاركة الشعب في مسئوليات الحكم.

وفي الإمارات تسير الدولة وفق الحكم المطلق أيضا بلا مؤسسات رقابية تحاسب أو تكشف عن اخطاء الحكم ويسيطر محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي على الدولة بوسائل شتى أهمها القبضة الأمنية الشديدة التي تمنع صدور أي رأي مخالف مع المبالغة في شراء الولاءات تمهيدا للقفز على كرسي الحكم.

وجرت هذه السيطرة الفاقدة للشرعية على دولة الإمارات مع تهديد من يحاول الاعتراض حتى لو كان أحد حكام الإمارات السبع التي تتكون منها الدولة.  

 

3ـ التحالف مع أعداء الوطن:

يرتبط محور الثورة المضادة بتحالف واضح مع الكيان الصهيوني العدو الأول للأمة؛ وتم إعلان العلاقات التي كانت تجري سرا بين الصهاينة وعواصم الثورة المضادة, وتجري المخططات لتصفية القضية الفلسطينية وتقسيم الدول العربية على طريقة (سايكس ـ بيكو ) التي يبدو أنها فشلت في تحقيق التمزيق الكامل للوطن العربي, ويتم ذلك تحت سمع وبصر حلف الثور المضادة الذي لم يعد أمينا على وحدة أراضي الوطن, وقد باتت هذه الخيانات واضحة معروفة متداولة. 

وأدركت الشعوب أن مثل هذه الأنظمة لا تبالي إلا بشيء واحد فقط هو بقاؤها في السلطة.

ليس هذا فقط بل تغلغل في السلطة عملاء وخونة مثل الفلسطيني محمد دحلان مستشار ولي عهد أبو ظبي, وصاحب التاريخ الطويل في التجسس على شعبه لصالح الصهاينة والمتهم بقتل رئيسه  ياسر عرفات.  

وفي السعودية يدير الحكم المطلق ولي العهد محمد بن سلمان بمعاونة مجموعة من أقرانه يرتبطون في الأساس بمحمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي وقاموا بتوريطه في جرائم وفضائح جعلت مكانة المملكة تنزلق إلى هوة سحيقة غير مسبوقة. 

وفي مصر تتجلى الخيانة في أوضح صورها ولا يستطيع أحد أن ينكر أن عبد الفتاح السيسي عميل للصهاينة, وقد وصفه المرجع الشيعي الشيخ صبحي الطفيلي بأنه ضابط مخابرات إسرائيلي يحكم مصر, يؤكد ذلك ما قام به السيسي من تخريب في البلاد طالت شظاياه غالبية الشعب بإفقاده حريته وكرامته ولقمة عيشه. 

 

4 ـ العزلة عن المرحلة التاريخية الراهنة:

يعيش عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب في مصر وكأنه في ستينيات القرن الماضي ويردد نفس شعارات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر" ما ناكلش إيه يعني ما ناكلش .. نجوع إيه يعني ما نجوع ونبني بلدنا .. إيه يعني شوية سكر وزيت", وهو خطاب قديم لا يصلح في هذا العصر, ولا يقبله شعب "السوشيال ميديا " الذي يسخر من هذا الخطاب الرديء, ويعلن رأيه صريحا بضرورة اقتلاع هذا النظام من جذوره. 

وفي السعودية يعيش ولي العهد محمد بن سلمان

حياة فتى مراهق أسكرته السلطة فرأى نفسه ملكا قبل الأوان, دون أن تتوفر له مؤهلات الملك, من حكمة وخبرة ودربة ورجال مخضرمين صادقين معه, فانقاد لمؤامرات أستاذه محمد بن زايد, وراح يخطط لغزو قطر عسكريا للاستيلاء على غازها, وأشعل حربا في اليمن فشلت في تحقيق أهدافها, واعتقل العلماء والدعاة والمثقفين ورجال الأعمال, بل اعتقل رئيس وزراء لبنان سعد الحريري وكذلك وزراء من الحكومة الشرعية باليمن وهي ممارسات غير مسبوقة في تاريخ المملكة تسيء إليها وتنال من مكانتها .  

وفي الإمارات يعيش حاكمها الفعلي محمد بن زايد في القرن التاسع عشر حيث ثارات القبائل والبدو والاغتيال والتآمر, وقد ضبطت سلطنة عمان خلايا تجسس إماراتية وأفشلت انقلابا خططت له أبو ظبي, واستدعى ابن زايد محور الثورة المضادة لحصار قطر, وهو لا يستوعب أن علاقات الدول لا تبقى أسيرة الثارات القديمة, فأوروبا التي حصدت حروبها أكثر من خمسين مليونا فيما بينها نسيت هذا التاريخ الدموي وتوحدت اليوم في الاتحاد الأوربي وهي الآن في قمة هرم الاقتصاد والحريات على مستوى العالم.   

 

5ـ العجز عن حماية الوطن:

يدرك الشعب المصري من أول الفلاح البسيط الذي يعاني من قلة المياه في حقله إلى المثقف المتابع للأحداث أن عبد الفتاح السيسي عاجز عن حماية الوطن بتنازله عن حقوق مصر في مياه النيل, وأن رؤساء مصر السابقين لم يكونوا يتهاونون في التهديد بشن حرب على أي دولة تمس حقوق مصر التاريخية في مياه النيل, أما قائد الانقلاب فهو العاجز المتهرب دوما من المواجهة لسبب بسيط هو شراء رضا إثيوبيا من أجل الاعتراف بشرعية زائفة .   

وفي السعودية يستنجد الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده بمؤتمرات قمة خليجية وأخرى عربية من هجوم جماعة الحوثي اليمنية بالطائرات المسيرة على المملكة التي تشتري صفقات السلاح الأمريكية بمئات المليارات من الدولارات.  

وفي الإمارات يصمت ولي عهد أبو ظبي أمام احتلال الجزر الإماراتية الثلاث طنب الصغرى والكبرى وأبو موسى, ويذهب بعيدا لتقسيم اليمن واحتلال جزيرة سقطرى وعدد من الموانئ والمواقع الاستراتيجية.

 

6 ـ شيوع الفساد وحمايته:

 

قبل وقوع جريمة الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 تلقى عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع وعصابة الجنرالات رشوة ضخمة من داعمي الثورة المضادة, السعودية والإمارات, وحسب التسريبات بلغ رصيد عبد الفتاح السيسي 30 مليارا (دون ذكر هل بالجنيه أم الدولار), وبعد اغتصاب السلطة شرع الانقلابيون في الهيمنة على اقتصاد مصر, وتجاوز حجم سيطرتهم الـ 60% من الاقتصاد, ودخل العسكر السوق المصري بكل قوتهم من الكعك والبسكويت إلى رصف الطرق وبناء الكباري ومزارع الأسماك والجمبري والتجارة في اللحوم والألبان, وإحياء ليالي الأفراح وتحويل المصانع العسكرية إلى الإنتاج المدني .. إلخ, مما لم يعد يتبقى معه للقطاع المدني إلا القليل من السوق, فظهرت علامات الفقر على الشعب, وتضاعفت دخول العسكريين مرات عديدة.          

وهذا جزء من الصورة الكاملة للفساد في مصر تحت حماية العسكر.

وفي السعودية يبدو جشع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في سلب رجال الأعمال وأبناء عمه الأمراء أموالهم بعد تعذيبهم وإذلالهم, دون مساءلة من أحد, وهو أسلوب قطاع الطرق واللصوص وليس أهل الحكم في دولة تزعم أنها في خدمة الحرمين الشريفين.

وفي الإمارات تؤكد التقارير الدولية أنها أصبحت من أخطر مراكز غسيل الأموال في العالم, وصنفت العديد من التقارير الإمارات على أنها مركز رئيسي لتمويل الإرهاب وعمليات تبييض وغسل الأموال، التي يقدر حجمها العالمي سنوياً بنحو تريليوني دولار، أي ما نسبته 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحسب تقديرات أصدرها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

7ـ السخط الشعبي على أنظمة الحكم:

منذ وقوع الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب في مصر, والسخط يتصاعد ضد حكم العسكر, وتراجع كثير ممن أيدوه معترفين بالخطأ الجسيم الذي وقعوا فيه, وطال الغضب فئات لا تهتم بالشأن العام إلا فيما يرتبط بلقمة عيشها, وقد عم الغلاء, وارتفعت الأسعار, وأغلقت المصانع, ونقصت مياه النيل, وقل الإنتاج, وأصبح لسان الشعب واحدا في الشكوى والسخط على الحكم العسكري.   

 

وفي السعودية تتصاعد موجات الكراهية لولي العهد محمد بن سلمان ووالده الملك بسبب ما جرى منذ صعودهما إلى سدة الحكم, وانفراد ولي العهد بالسلطة, واعتقال العلماء والدعاة والمثقفين وعدد من أبناء عمومته الأمراء وتعذيبهم والاستيلاء على أموالهم, والانقلاب على تيار الصحوة وتشويهه في وسائل الإعلام, وهناك توقعات بأن محمد بن سلمان لن يصير ملكا بسبب هذه الدائرة الواسعة من الكراهية.

 

وتتمدد الكراهية والسخط على محمد بن زايد بطول الوطن العربي فهو  صاحب لقب "شيطان العرب" وتورط في ارتكاب جرائم حرب مروعة في اليمن وليبيا والتدخل السافر في شئون دول أخرى مثل مصر وتونس والصومال والقرن الإفريقي.

 

ويتحمل ابن زايد مسئولية مآسي هذه الدول من معاناة الحرب والصراع الداخلي ونهب ثرواتها وما تعيشه من فوضى وتخريب بسبب التدخل الإماراتي السافر في شئونها الداخلية.

 

*سقوط هذه الأنظمة:

 

إن الشعوب العربية في القرن الحادي والعشرين تختلف عن الأجيال السابقة, فهي تتابع وتقرأ وتناقش وتحلل وأصبحت تعرف أنه لا صلاح لها إلا بسقوط هذه الأنظمة, وهي حتمية يؤكدها علماء السياسة والتاريخ, وقد قال ابن خلدون إن «الظلم مؤذن بخراب العمران», وعلى نفس المعنى يؤكد أبو حامد الغزالي أن «العدل أساس الملك», لذلك فإن سقوط محور الثورة المضادة مسألة وقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

برلمان الانقلاب وقانون منح الجنسية.. حصان طروادة الصهيوني

 برلمان الانقلاب وقانون منح الجنسية.. حصان طروادة الصهيوني بقلم: حازم عبد الرحمن وافق…