‫الرئيسية‬ عالمي ايران حدود التصعيد الأمريكي الايراني في ظل تراجع ترامب عن الضربة العسكرية
ايران - يونيو 25, 2019

حدود التصعيد الأمريكي الايراني في ظل تراجع ترامب عن الضربة العسكرية

 حدود التصعيد الأمريكي الايراني في ظل تراجع ترامب عن الضربة  العسكرية

 

 

في اتباع لسياسة "حافة الهاوية " المعروفة امريكيا والمطبقة في اوقات عدة، عاشت منطقة الشرق الأوسط حالة من التصعيد غير محسوب العواقب، عندما أسقط الحرس الثوري الايراني طائرة أمريكية بدون طيار مسيرة، قالت طهران أنها اخترقت مجالها الجوي، وهو ما قوبل بتصعيد من ادارة ترامب نحو توجيه ضربة عسكرية امريكية فجر الجمعة الماضية، تم التراجع عنها ، قبل 10 دقائق من بدئها بحسب الدوائر الأمنية الأمريكية…

ثم تلى ذلك تغير جذري في الخطاب الامريكي بالدعوة لحوار مع ايران غير مشروط، ثم تلى ذلك العديد من التصريحات المتلاحقة بواشنطن لمعالجة الموقف الامريكي الذي بدا متضاربا الى حد كبير، بان الحوار يستهدف نزع قوة ايران والعمل على تحقيق اكثر مما كانت تحققه الضربة العسكرية التي كانت متوقعة..

فيما يذهب محللون إلى أن التراجع الأمريكي الذي جاء على عكس ما كانت تريده اطراف اقليمية كالسعودية والامارات، جاء لاسباب انتخابية، بعد ايام من اطلاق الحملة الانتخابية للرئيس الامريكي دونالد ترامب..

كما أن التسويغ الذي قدمّه بدا من الصعب تسويقه، ذلك أن حسابات الكلفة البشرية في عمليات من هذا النوع، تدخل في عناصر الخيار العسكري الذي يجري عرضه على الرئيس قبل اتخاذ قراره.

هذه قاعدة معمولٌ بها في صياغة القرار. وبالتالي، عندما زعم الرئيس أنه فطن إلى مسألة الضحايا في الدقائق العشر الأخيرة التي سبقت تنفيذ الضربة، بدا وكأنه يتوسل هذه الذريعة التي تناسى أنها واهية، لحجب الداعي الفعلي الذي حمله على إحباط العملية، والذي ما زال حتى الآن أقرب إلى اللغز.

ونال تراجع ترامب الكثير من الارتياح، ومن سائر الأطياف السياسية، لأنه "وفّر على الولايات المتحدة الدخول في مجازفة غير محسوبة ومرشحة للتحول إلى ورطة مديدة". أنصار الرئيس عملوا على تلميع الخطوة، ووضعوها في منزلة الحكمة وحسن التدبير. خصومه تنفّسوا الصعداء، مع الثناء على رجوعه عن قرار متسرّع. المحافظون أشادوا، لكن الصقور منهم، مثل النائبة ليز تشيني (ابنة نائب الرئيس السابق ديك تشيني)، فتحوا النار على ترامب من باب أنه تخاذل في التصدي لإيران.

وثمة من نظر إلى القرار من زاوية موضوعية، ورأى أن الرئيس "تهيّب" الموقف في النهاية، وصرخ أولاً في لعبة العضّ على الأصابع مع إيران.

 

كل هذه القراءات، لا تعدو كونها تكهنات وتقديرات. ربما يكون اتخذها ترامب كلها أو بعضها في الحسبان عندما انكفأ عن المواجهة. وربما فعل ذلك من باب التوجس بنوايا بعض  المسؤولين في إدارته، الذين لعبوا دور محامي الدفاع عن سياسة التصادم مع إيران، وذلك بعد أن أخذ بتحذيرات العسكريين. يضاف إلى ذلك، أن حساباته الانتخابية قد تكون ساهمت في دفعه إلى الاستدراك قبل فوات الأوان، على أساس أن الشعب الأميركي لن يتهاون مع حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة إذا كانت تهدد بكلفة خلال موسم الحملة الانتخابية الذي افتتحه الرئيس هذا الاسبوع. أو ربما همس أحد في إذنه في اللحظة الأخيرة، بأن هذا الخيار لا يجدي، وأن هناك خيارات أخرى، مثل مواجهة نفوذ وقوى إيران في المنطقة، بدلاً من الذهاب مباشرة إليها.

 

ثم  عاد ترامب من جديد إلى سياسة القفز وطرح ورقة الحوار "غير المشروط" مع إيران. كما قرر الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي. لكن من غير المعروف على أي أساس يقوم البيت الأبيض بهذا التحرك. التباين داخل الإدارة حول الملف الإيراني، على حاله. التجربة الأخيرة لم تحسمه، وهو مرشح لإعادة إنتاج سيناريو مشابه للحالي، إلا إذا انفجر الخلاف وأطاح برؤوس من تركيبة الإدارة، كما سبق وحصل على إثر خلافات ومناكفات بين الأجنحة.

ولعل أحطر ما في التصعيد الأخير، أن القرار "صار بيد المتشددين في واشنطن وطهران". في اليومين الأخيرين، ترددت في واشنطن وتكررت عبارة "نحن بدأنا" المشكلة ووضعنا إيران في الزاوية"، والبعض ذهب إلى حدّ القول إن طهران "هي التي تشعر بالتهديد"، كما يقول فرانك فيغليوزي، المسؤول السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي.

 

اسقاط الطائرة

فعلتها إيران، وكانت رسالتها واضحة، إذ أسقطت طائرة استطلاع متطورة يقول الحرس الثوري الإيراني إنها اخترقت المجال الجوي الإيراني، وذاك خط أحمر بالنسبة لطهران تجاوزته الطائرة فأُسقطت.

لم يكن الحدث عاديًا، فهذه المرة الأولى التي تسقط فيها طائرة أمريكية من هذا النوع في المنطقة وتحديدًا في مضيق هرمز وليس سواه، ومَنْ أسقطها هو إيران التي تهدد، الأمر الذي رشَّح الحادث ليصبح مفصليًا في وقائع ما يجرب أخيرًا في المنطقة.

الطائرة بالغة التطور، وقادرة على التحليق بشكل متواصل لنحو 30 ساعة أو يزيد بحسب بعض التقديرات، وعلى ارتفاعات عالية نسبيًا، والأهم أن بمقدورها التقاط وجمع صور عالية الجودة لمناطق واسعة في الليل والنهار وفي مختلف حالات الطقس.

 

رسائل ايرانية

 

اسقاط الطائرة، كان رسالة واضحة ودقيقة للولايات المتحدة، وهذا ما هرع قائد الحرس الثوري إلى تأكيده، فالمستهدَف هي واشنطن التي عليها أن تعرف أن طهران سترد بطريقة شاملة وحاسمة على أي تدخل، فالعدو الذي ينتهك حدود إيران كما قال لن يعود وسيتم تدميره.

وكشف قائد القوى الجوية في الحرس الثورى تفاصيل تتعلق بتحذير مكرر للطائرة التي قال إنها انطلقت من قاعدة الظفرة في الإمارات، مشيرًا إلى أن طائرة أخرى محملة بـ35 جنديًا أمريكيًا من طراز "B8" كانت ترافقها ولم يتم استهدافها بعد استجابتها للتحذيرات

حديث استندت إليه طهران في حراك دبلوماسي أبرزه استدعاء السفير السويسري الذي ترعى بلاده المصالح الأمريكية، وحملته رسائل لواشنطن بأن إيران لا تريد حربًا ما لم تُفرض عليها، كما أطلعته على ما لديها من أدلة على خرق أجوائها، وهي رسالة احتجاج لم تكن بعيدة عمَّا وجَّهه المبعوث الإيراني في الأمم المتحدة إلى أمينها العام، وقال فيها إن بلاده لا تسعى للحرب، لكنها تحتفظ بحق اتخاذ كل الإجراءات المناسبة ضد أي عمل عدائي ينتهك أراضيها.

 

في مقابل الرواية الإيرانية، بث البنتاغون صورًا قال إنها تظهر لحظة استهداف الطائرة الأمريكية التي كانت تبعد 17 ميلاً عن أقرب نقطة يابسة على الساحل الإيراني، ويعني ذلك أن إسقاط الطائرة استفزازٌ غير مقبول على الإطلاق، وذاك في رأي البعض تكييف يضع الولايات المتحدة في وضع المعتدَى عليه، ويجعل من أي رد فعل لها دفاعًا عن النفس، وهو ما يقول كثيرون إنه يأتي في سياق أعرض تُختبر فيه تكتيكات ما قبل الحرب، وتُمتحن وربما تُكيّف وتُحوّر لتجعل من الحرب – في حال نشبت – ضرورة أُكرهت عليها واشنطن.

 

ادارة الازمة في الدوائر الامريكية

 

وفاجأ ترامب كثيرين بلغة عوَّمت الموقف فإذا هو مفتوح على احتمالات عدة.

قال ترامب إن ما فعلته طهران خطأ فادح، وموقفه كان سيكون مختلفًا لو كانت الطائرة مأهولة، مؤكدًا أن لدى واشنطن أدلة تثبت أن الطائرة كانت تحلق فوق المياه الدولية، والأهم أنه أشار إلى احتمال أن يكون "شخص أحمق" وراء الحادث، ما يعني أنه ترك الباب مواربًا أمامه للتراجع إذا شاء.

 

تصريحات ترامب جاءت بعد وقت وجيز من إعلان قائد القوات الجوية في القيادة الوسطى الأمريكية جوزيف غاستيلا أن الطائرة المسيَّرة كانت تحلق في مهمة مراقبة في الأجواء الدولية فوق خليج عُمان ومضيق هرمز عندما أسقطتها صاروخ للحرس الثوري الإيراني، ووصف الهجوم بأنه "غير مبرر"، وقال إن الطائرة لم تخترق الأجواء الإيرانية.

 

التراجع الأمريكي

 

التراجع قبل اللحظة الأخيرة بـ10 دقائق حدث فعلاً لأن ثمة احتمال كبير لسقوط 150 ضحية إذا وقع عمل عسكري، وهو ما يجعل الضربة العسكرية غير متناسبة مع إسقاط طائرة مسيَّرة

كما جاءت التصريحات أيضًا في غمرة حالة الشد والجذب الراهنة بين طهران وواشنطن، التي بدت واضحة حلال إحاطة للكونغرس يوم الخميس، حيث وصفت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي الوضع مع إيران بأنه "خطير"، قائلة إن الولايات المتحدة لا ترغب في خوض حرب معها، بينما حذَّر السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام مما سماه "خضوع واشنطن للابتزاز الإيراني". 

 

وفي الليلة التي استقبل فيها ترامب رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، التقى أيضًا بعض أعضاء كبار الكونغرس بمجلسيه، إضافة إلى أركان في إدارته وقادة في جيشه، وبدا أن المسرح الدولي يُهيأ لقرار كبير لم يكن سوى رد عسكري محتمل.

أما رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي خرجت متحفظةً بعد الاجتماع الذي لم يتسرب الكثير عنه، مؤكدة العمل لتهدئة التوتر، وطالبت بمقاربة قوية وذكية وإستراتيجية بعيدة عن التهور إزاء إيران، وذكَّرت أن الأمر يتطلب مواقفة الكونغرس في حال كان الخيار عسكريًا

 

لكن من غير الواضح ما إذا كان ترامب قد غيَّر رأيه بشأنها من تلقاء نفسه أم أن الإدارة الأمريكية غيرَّت المسار لأسباب لوجستية أو إستراتيجية، وفي هذا السياق نقلت شبكة "إيه بي سي" الأمريكية عن مصادر قولها إن إيقاف ترامب تنفيذ ضربة ضد إيران جاء عكس ما نصح به وزير خارجيته مايك بومبيو ومستشاره للأمن القوي جون بولتون اللذان يدفعاه باتجاه رد فعل عسكري قوي ضد إيران.

والأكيد أن ترامب بدا أكثر ترويًا في اتخاذ أي قرار عسكري بالتحرك العسكري ضد إيران بالنظر إلى اعتباراته السياسية والعسكرية وتناقض المواقف داخل الولايات المتحدة حيال قرار كهذا، فبينما يطالب كبار الجمهوريين في الكونغرس بما وصفوه "ردًا محسوبًا على إيران"، يدعو قادة الجمهوريين بطريقة تخفف التوتر في المنطقة، ويحذرون من الانزلاق إلى حرب مع إيران التي تقول إنها سترد بقوة على أي انتهاك لسيادتها.

 

موقف السعودية وايران

 

وبدت عدة اطراف في  منطقة الخليج تراهن على وقوع حربًا سريعة وخاطفة تُنهي إيران من الوجود، وإذا لم تحدث فترامب من وجهة نظرها "جبان وظاهرة صوتية لا يتقن سوى الجعجعة"، كما يقول نائب رئيس شرطة دبي ضاحي خلفان في سلسلة تغريدات له على "تويتر": "كان ترمب يرى قويا في اتخاذ قراراته الى حان وقت المواجهة مع ايران…اظهر ضعفا…!!!!"..

 

كما ينسحب هذا على مسؤولين سعوديين كبار يحرِّضون لكنهم لا يودون أن يتصدروا المشهد، بل ويتحسبون لمفاجأة قد تأتيهم من ترامب نفسه، فمرة يصعّدون وأخرى يخففون اللهجة، قائلين إنهم لا يريدون الحرب ولا يسعون إليها، وهكذا يقول الجبير وولي عهد السعودية، فيرمون الكرة في ملعب ترامب ويشعلون حروبًا افتراضية ينتصرون فيها فقط على إيران ويُسقطون نظامها.

وفي حين لم يحدد أي موقف إزاء أي رد عسكري، ما انفكت السعودية في هذه الأثناء تعمل على تصعيد الموقف ودق طبول الحرب على إيران، ومن ضمن ذلك الإعلان الأخير لوزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الخير أن وتيرة الهجمات الإيرانية زادت في الأسابيع الأخيرة، وأن الوضع بالغ الخطورة، وأن السعودية تتشاور مع حلفائها وتبحث خيارات لضمان أمن الممرات الملاحية في المنطقة، وأن إغلاق مضيق هرمز إذا حدث فسيؤدي إلى "رد فعل قوي جدًا جدًا" وكررها مرتين.

 

أمَّا محمد بن سلمان فظن أن وراء التصعيد مكاسب اقتصادية وسياسية، وبعد يوم واحد من إسقاط الطائرة، ناقش مع ترامب خلال مكالمة هاتفية يوم الجمعة التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، والدور الحاسم للمملكة في ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط وفي سوق النفط العالمي، حيث اعتمدت الولايات المتحدة بشدة على السعودية لتعويض تراجع إنتاج النفط العالمي في أعقاب العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.

 

لكن تطوع ابن سلمان ووزير خارجيته للتأثير في الإدارة الأمريكية يقابله ترامب بالتمهل والتحسب قبل اتخاذ أي قرار مثل الحرب، فترامب لن يدخل حربًا لأن هناك مّنْ يحرضه على دخولها، بل إذا توافَّر لديه ما يكفي من الأسباب رغم أنها قد تُوفَّر أو تُختلق او تُكيَّف.

 

ثم إن هناك ضوابط داخلية منها مواقفة الكونغرس، وتلك كانت محسومة قبل أن يُدخِل مجلس النواب تعديلاً استعاد به من ترامب، ما يعني أن الطريق طويلة ربما إلى الحرب، وأن أسبابها لم تُحسم بعد، وهي ليست على طريقة "جدًا جدًا" التي كررها الجبير في لعبة قد تخرج عن نطاق السيطرة، فتتضرر بل تصغر أمامها دول يقول مناصروها إنها "عظمى".

 

 

تكتيكات ايرانية بين الحرب والتفاوض

وعقب التراجع الامريكي عن الضربة العسكري، بدت ايران تستغل انتصارها المؤقت، وأعلنت الأحد، أنها تخوض "مواجهة استراتيجية" للحفاظ على كيانها و"قوتها الإقليمية" في مواجهة "تحالف أميركا والكيان الصهيوني والسعودية"، مؤكدة في الوقت ذاته، أنها ترفض التفاوض مع الإدارة الأميركية "لأنها تريد إذلالنا من خلال ذلك".

وفي السياق، أكد القيادي البارز في "الحرس الثوري الإيراني"، قائد مقر "خاتم الأنبياء" المركزي، اللواء غلام علي رشيد، أن بلاده "تخوض مواجهة استراتيجية للحفاظ على أمنها ووجودها وموقعها كقوة إقليمية في مواجهة تحالف أميركا والكيان الصهيوني والسعودية".

 

ودعا المسؤول العسكري الإيراني، خلال تفقده مركز قيادة الرادارات والمنظومات الصاروخية للقوة الجوفضائية للحرس، الإدارة الأميركية إلى "تجنب أي سلوك خاطئ في المنطقة، وأن تتصرف بمسؤولية تجاه أرواح القوات الأميركية في المنطقة وعدم تعريض حياتهم للخطر".

 

وأكد رشيد أنه "في حال وقوع أي حرب في المنطقة، لا يمكن لأي دولة السيطرة على نطاقها وفترتها الزمنية"، قائلاً إن إيران "لم ولن تسعى إلى حرب، لكنها ستدافع عن مصالحها بكل قوة أمام أي تهديد واعتداء".

 

وأشار إلى أنه "لا يمكن منع وقوع الحرب من خلال الكلام"، مؤكدا أن "الإرادة والسلوك المناسب" هما اللذان يمنعان ذلك.

 

بدوره، أكد النائب الأول لرئيس البرلمان الإيراني، مسعود بزشكيان، خلال جلسة الأحد للبرلمان، أن واشنطن "تريد إذلالنا من خلال التفاوض، لكنها تحلم بذلك"، مشيراً إلى أن "من يريد التفاوض، لا يفرض العقوبات".

وأضاف بزشكيان، وفقا لما أوردته وكالة "فارس" الإيرانية للأنباء، أن "الإدارة الأميركية تزعم أنها تريد التفاوض، لكنها تمزق نتائج المفاوضات السابقة"، موضحاً أنه "لا يمكن الوثوق بهؤلاء الأشخاص والجلوس معهم مجدداً على طاولة التفاوض".

 

 

مستقبل التصعيد الايراني الامريكي

 

وبحسب مراقبون، فعلى الأرجح المسار الأمريكي سيتمثل في بذل المزيد من الضغط الاقتصادي والسياسي على إيران مع بقاء باب المفاوضات مفتوحًا للتوصل إلى صيغة اتفاق جديد…

 

لكن هذا لا يعني الإحجام عن الرد الأمريكي أو يعني إلغائه، بل هو أقرب إلى إشارة في تغيير شكل الرد وأسلوبه وتوقيته، وهو ما عبَّر عنه ترامب بقوله "ستعرفون قريبًا إن كانت الولايات المتحدة ستضرب إيران".

 

وهكذا أراد ترامب أن يبدو، وخصوصًا أنه لطالما كان حازمًا في رفض مبدأ الحروب غير معلومة النهاية لجهة الزمن والأهداف، يزيد على هذا ترامب ويعلن استعداده التفاوض مع إيران دون شروط مسبقة.

 

وتورد "نيويورك تايمز" أن ترامب لطالما دفع باتجاه المواحهة مع إيران دون وضوح في الشكل النهائي لهذه الإستراتيجية في إرباك أو ارتباك وُصف بـ"المدمر"، كما ظهر في رسائل متعاكسة ما بين التفاوض والحرب، وفي المقابل، لا ترغب طهران في الحرب مع أي دولة بما فيها الولايات المتحدة، لكنها مستعدة لها بحسب الخارجية الإيرانية.

وعلى الأرجح فإن المسار الأمريكي المتوقع سيتمثل في بذل من الضغط الاقتصادي والسياسي على إيران مع بقاء باب المفاوضات مفتوحًا للتوصل إلى صيغة اتفاق جديد بديل عن الاتفاق النووي بما يضمن تقليم أظافر إيران في المنطقة وتقليص قدراتها الصاروخية.

 

ما يريد ترامب نزعه من طهران عمليًا هو أبرز أوراقها ومعها أوراق عدة منها استئناف برنامجها النووي، ودليل ذلك قيامها بتعليق بعض تعهداتها فيما يتعلق بالاتفاق النووي، وهذا عامل إضافي يزيد من أهمية وجدوى وجدية الأصوات الدولية الداعية إلى نزع كل فتيل للتوتر والحرب، آخرها تلك الآتية من موسكو ولندن

وباريس.

ولعل ما يحدث هو مخاطرة إستراتيجية مفادها رفع التصعيد إلى أكثر من مستوى التوتر ودون الحرب، لكنها إستراتيجية تحول المنطقة إلى قنبلة موقوتة قد يصل إلى عدادها أي "عابث مهووس بالفوضى" حتى ولو كان أول من سيكتوي بنار الحرب.

وهو ما يعبر ايضا عن غياب رؤية استراتيجية لادارة ترامب للتعاطي مع قضايا المنطقة، بحسب صحيفة الواشنطن بوست، فقد خلّف نهج "الاقتراب المزدوج"، قلقاً لدى الكونغرس من أنّ ترامب لا يملك استراتيجية واضحة لإدارة العلاقات مع إيران.

وحول ذلك، قال النائب آدم كينزنغر عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، إنّ "ترامب يخاطر بالظهور بمظهر الضعيف من خلال التراجع عن قرار دعمه للعمل العسكري" ضد إيران.

ويبقى أن توتر الخليج الناشئ عن أسلوب العقوبات القصوى الذي يعتمده ترامب لدفع إيران إلى طاولة التفاوض من جديد، فترامب أصرّ، وما زال، على أنه لا يرغب في شن حربٍ، لكنه يزيد من ضغوطه الأخرى، بما فيها حشد مزيد من القوات في الخليج.. ويبدو أن إيران تفهم المقصود، وتعرف أنها مطلوبةٌ بشدة للتفاوض، ولكنها ما زالت تختبر الصبر الأميركي، فتنفذ ضرباتٍ بسيطة في الخليج، وصلت إلى حد إسقاط طائرة غير مأهولة.

حيث ترغب إيران بمعرفة نوع ردود الأفعال الأميركية على ما تقوم به، للوصول إلى نهاية اللعبة التي قد تكون حرباً واسعة، أو طاولة مفاوضات، الأمر الذي يجعل وزير الدفاع الأميركي الجديد، المطلع على مناخات الحرب في الخليج في وضع قلق.

فالقوات الأميركية في الخليج غير كافية لتنفيذ هجوم واسع على إيران، ولكنها بدأت بتعزيز قدراتها منذ شهرين، وبإمكانها ضرب مجموعةٍ من الأهداف المتناثرة على طول الساحل الإيراني، الأمر الذي قد يجرّ رداً إيرانياً، وهذه ستكون نقطة مفصلية، فما يريده ترامب هو محادثات تفاوضية جديدة مع حسن روحاني، بعد أن يكون قد مزّقه اقتصادياً، لصياغة معاهدة جديدة يمكن أن يوضع فيها حدٌ لصناعات إيران البالستية، وكبحٌ لطموحاتها الكبيرة في المنطقة.. ولكن تماسّاً عسكرياً، وإن كان محدوداً يمكنه أن يجعل هذا اللقاء صعباً، أو قد يؤجل موعدَ عقده فترةً طويلةً، وهذا ما جعل ترامب يتراجع عن قراره بالرد، ويعيد الطائرات التي قيل إنها انطلقت لضرب أهدافٍ إيرانية منتقاة، عقب سقوط الطائرة غير المأهولة، ويعكس هذا مقدار التردّد الذي يصيب الإدارة الأميركية حيال اتخاذ قرارٍ ضد إيران.

تقدير اتراتيجي

 

وعلى ما يبدو فإن الخلافات بين ايران وامريكا سيستمر في التصاعد، بأشكال مختلفة، وذلك ما بدا واقعا بعد الهجمات الأخيرة التي استهدفت ناقلات النفط ، حيث أدى إلى زيادة مستوى التوتر بين إيران والولايات المتحدة، الذي يتصاعد باضطراد منذ قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران في مايو 2018.

وبحسب دراسة، للمركز العربي للدراسات، بالدوحة، تسعى الولايات المتحدة إلى تشديد ضغوطها على إيران، في إطار ما يسمى استراتيجية الضغوط القصوى Maximum Pressure لإجبارها على إعادة التفاوض على الاتفاق النووي، الذي تعده إدارة ترامب غير كافٍ للَجم طموحات إيران الإقليمية و"نزوعها نحو الهيمنة". وبناء عليه، بعدما قرر الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، شرعت  واشنطن في فرض عقوبات متصاعدة على إيران بدأتها باستهداف قطاعها النفطي والمصرفي في أغسطس 2018، ثم قامت بفرض حظر على تصدير النفط الإيراني، في نوفمبر 2018، استثنت منه ثماني دول مدة ستة أشهر، انتهت مطلع مايو الماضي، على نحوٍ أدى إلى خفض صادرات إيران النفطية من 2.5 مليون برميل يوميًا إلى نحو 400 ألف برميل يوميًا في مايو 2019، علمًا أنّ إيرادات النفط تمثّل نحو 40 في المئة من إجمالي إيرادات الموازنة العامة الإيرانية. كما فرضت واشنطن عقوباتٍ إضافيةً على قطاع التعدين الإيراني (يمثل 10 في المئة من إجمالي صادرات إيران)، أعقبتها بعقوبات على قطاع البتروكيميائيات (تقدر قيمة صادراتها بنحو 14 مليار دولار سنويًا)، وذلك بعدما قامت في إبريل 2019 بتصنيف الحرس الثوري الإيراني بوصفه منظمة إرهابية أجنبية.

كما  قامت الولايات المتحدة بتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، في إطار استراتيجية ردع لدعم إجراءات الحصار. وبناء عليه، قامت وزارة الدفاع الأميركية بتعزيز قدراتها ووجودها العسكري في المنطقة تدريجيًا، فأرسلت في 9 مايو 2019 حاملة الطائرات "يو أس أس أبراهام لنكولن" مع مجموعتها القتالية البالغ عددها 27 قطعة بين بارجة ومدمرة وغواصة. كما أرسلت في اليوم نفسه أربع قاذفات من طراز B-52 قادرة على حمل أسلحة نووية إلى المنطقة.

وفي اليوم التالي، تم إرسال البارجة الحربية "يو أس أرلينغتون" المصممة لنقل قوات مشاة البحرية الأميركية (المارينز)، مع عربات برمائية ومعدات ومروحيات قتالية، وبطارية صواريخ باتريوت على متنها، وهي منظومة صواريخ دفاعية اعتراضية ضد الطائرات الحربية، والطائرات من دون طيار، فضلًا عن صواريخ كروز والصواريخ الباليستية التكتيكية.

فيما ردّت إيران على استراتيجية الحصار الأميركية المدمرة، نظرًا إلى تأثيراتها على الاقتصاد الإيراني، على مستويين: ففي المستوى الأول، هددت بأنها إذا منعت من تصدير نفطها فإنها لن تسمح للآخرين بتصدير نفطهم، وجرى تفسيره بأنه تهديد بإغلاق مضيق هرمز أو باستهداف ناقلات النفط التي تمر عبره. أما المستوى الثاني فيتصل بالتزامات إيران وفق الاتفاق النووي؛ إذ أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني، في 8 مايو 2019، أنّ بلاده ستتراجع عن تنفيذ بعض التزاماتها في الاتفاق النووي، وهدد باستئناف تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية بعد ستين يومًا وإعادة تشغيل مفاعل آراك النووي، إن لم تفِ الدول الأخرى الموقّعة على الاتفاق بتعهداتها لطهران بحماية قطاعَيها النفطي والمصرفي من العقوبات الأميركية. كما أعلن وقف إيران عمليات بيع اليورانيوم المخصب والماء الثقيل. وينص الاتفاق النووي على قيام إيران بخفضٍ مستمر لمخزونها من اليورانيوم المخصب (بنسبة 3.67 في المائة)، بحيث لا تزيد كميته في أي وقت عن 300 كيلوغرام، وألّا يزيد ما تمتلكه من الماء الثقيل عن 130 طنًّا.

ويشير عديد من التقارير الدولية إلى أن العقوبات الأميركية كان لها تأثير أكبر بكثير مما كان متوقّعًا في الاقتصاد الإيراني، إذ تراجع سعر العملة الإيرانية على نحو بعيد مقابل الدولار، في حين قدّرت نسبة التضخم بـ40 في المائة هذا العام. وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن الاقتصاد الإيراني انكمش بنسبة 3.9 في المائة عام 2018، ويتوقع أن ينكمش بنسبة 6 في المائة هذا العام، علمًا أنّ التقرير صدر قبل أن تدخل عقوبات النفط حيز التنفيذ، مطلع مايو 2019، وقبل العقوبات الأميركية اللاحقة على قطاعَي التعدين والبتروكيميائيات الإيرانيَين.

أمام هذا الواقع الصعب، من غير المتوقع أن تقف إيران مكتوفة الأيدي من دون رد فعل على محاولات خنقها اقتصاديًا، وهو جوهر الاستراتيجية الأميركية لدفعها إلى الاستسلام لمطالبها الجديدة المتعلقة بإعادة التفاوض على برنامجها النووي وبرنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. وبحسب تحليل قدّمته وكالات استخباراتية أميركية، قد يكون النظام الإيراني، أو على الأقل تيارٌ فيه، يسعى إلى استدراج الولايات المتحدة إلى عمل عسكري محدود، ليرفع شعبيته داخليًا، ويعزز موقفه الاستراتيجي خارجيًا. ويعدّ هذا التحليل مناقضًا لتحليل أميركي سابق مفاده أن طهران ستحاول تحمّل العقوبات الأميركية والمناورة حولها حتى يحين موعد الانتخابات الأميركية القادمة في نوفمبر 2020 على أمل أن يخسر ترامب ويفوز رئيس جديد تستطيع التعامل معه. لكن وفق هذا التحليل، فإن وطأة العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب قد تكون دفعت الإيرانيين إلى تغيير استراتيجيتهم والتركيز على محاولة استفزاز عمل عسكري أميركي محدود، وذلك عبر تهديد مصالح أميركا، ومصالح حلفائها في المنطقة، بما يشمل الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز الذي يمر منه نحو ثلث الخام المنقول بحرًا في العالم، أو عبر استهداف السفن التجارية، بما في ذلك ناقلات النفط، أو حتى السفن العسكرية الأميركية في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب أو الخليج العربي. ولكن هذا التحليل يتجاهل استراتيجية إيرانية معلنة ألّا تكون الوحيدة المتضررة من الحصار، وسلوكًا إيرانيًا واضحًا يتجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة؛ فإيران لا يمكنها التحكم في حجم رد الفعل الأميركي، وهو التحكم الذي تتطلبه استراتيجية استدراج رد الفعل.

..وهو ما بدا في الاختبار الاخير لقدرات واشنطن على اتخاذ قرار العمل العسكري، بعد اسقاط الطائرة المسيرة، وهكذا يستمر التصعيد المتبادل الذي على العرب دفع تبعاته وثمنه الاقتصادي والعسكري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ترجمة مقال الفورين أفيرز : طريق إلى الحرب مع إيران

 ترجمة مقال الفورين أفيرز : طريق إلى الحرب مع إيران[1] كيف يمكن أن يؤدي تصعيد واشنطن …