‫الرئيسية‬ العالم العربي السودان اتفاق تقاسم السلطة بالسودان قد يعيد انتاج التجربة المصرية في الانقلاب العسكري.
السودان - يوليو 17, 2019

اتفاق تقاسم السلطة بالسودان قد يعيد انتاج التجربة المصرية في الانقلاب العسكري.

 اتفاق تقاسم السلطة بالسودان قد يعيد انتاج التجربة المصرية في الانقلاب العسكري

قراءة في فرص السلام والتحديات

 

 

يبدو أن السودان يتجه لسيناريو الانقلاب المصري في ظل تمسك العسكر بالحكم ورفضهم التنازل عن السلطة لصالح حكومة ورئيس مدني، والسعي لفترة انتقالية يضمن فيها العسكريون عودة الهدوء للبلاد وتوقف الاحتجاجات كمقدمة للانقلاب على شركاء الحكم المدنيين في الفترة الانتقالية.

 

فهذا السيناريو الذي وافق عليه العسكر، وقبلته قوى الحرية والتغيير المدنية المشكلة أساساً من تيارات يسارية وليبرالية، لعدم وجود خيار آخر، هو سيناريو مؤقت ومبدئي وليس نهائياً، وكل طرف يتمني أن يأتي المستقبل بما يعزز قوته ويطيح بالطرف الآخر.

وعلى الرغم من الاتفاق السياسي بالسودان حول اقتسام السلطة بين العسكر والقوى الثورية، إلا أن الخرطوم تحولت الى ساحة صراعات بين الارادات الاقليمية، في ظل أدوار ومصالح إقليمية متقاطعة، أسهمت في تحويل الخرطوم إلى ميدان تنافس بين عدد من القوى الإقليمية.

حيث تتصاعد المحاولات من جانب أطراف خليجية داعمة للمجلس العسكري السوداني، لتكرار ما حدث في مصر في أعقاب ثورة 25 يناير ، وإعادة إنتاجه مع قوى "إعلان الحرية والتغيير" في السودان، من خلال تصديرها للشارع وكأنها المسؤولة عن الأزمة السياسية الراهنة، عبر وضع العراقيل أمام أي اتفاقات سياسية جادّة تحمل مكاسب مدنية، ظهر بشكل واضح بعدما أشيع عن التوصل لاتفاق سياسي برعاية الوسيط الإثيوبي، يحمل مكاسب للثوار وتحريكاً للمياه الراكدة في الشارع السوداني، الا ان الاطراف العسكرية الموالية للاطراف الاقليمية، تستهدف  الانقلاب على الاتفاق السياسي المقرر توقيعه، من خلال رفضه مجموعة من البنود والنصوص التي كانت محل اتفاق خلال الوساطة الإثيوبية.

ومن المقر أن تقوم لجنة قانونية بانجاز مهمة صياغة الاتفاق في صورته النهائية، تمهيداً للتوقيع عليه الأسبوع المقبل بحضور عدد من الزعماء الأفارقة والعرب.

إلا أن "الحرية والتغيير" فوجئت بطلب قادة المجلس العسكري بأن يكون لهم الكلمة العليا في المجلس السيادي بشأن تعيينات القضاء والنائب العام، بعد أن كان دور المجلس يقتصر في هذه الجزئية على توقيع التعيينات وإقرارها فقط..

بند آخر من البنود التي شهدت انقلاباً من العسكريين، وهو البند المتعلق بإقرار المجلس السيادي للتشكيل الحكومي، المقرر أن يكون الحق فيه لقوى "الحرية والتغيير"، حيث  فوجئ ممثلو قوى "إعلان الحرية والتغيير" باعتراض العسكريين على ذلك البند، مشترطين أن يكون لهم حق الاعتراض على الأسماء المطروحة وتغييرها إذا لم تحظَ بموافقتهم..

كما طالب القادة في المجلس العسكري باستمرار الولاة العسكريين الذين تم تعيينهم عقب إطاحة عمر البشير، بدعوى أن المرحلة الحالية تحتاج إلى وجود عسكريين على رأس الولايات لضبط الإيقاع وحفظ الأمن والاستقرار، وهو ما ترفضه القوى المدنية، التي تتمسك بضرورة تعيين ولاة مدنيين.

كما تجلى سعي المجلس العسكري للتنصل من البند الخاص بحصول قوى "إعلان الحرية والتغيير" على نسبة 67% من المجلس التشريعي، المقرر تشكيله عقب ثلاثة أشهر من توقيع الاتفاق السياسي.

كما أن خلافاً إضافياً انضم إلى تلك البنود، تمثل في تمسك المجلس العسكري بأن تكون الشخصية العامة المقترح انضمامها لتشكيل المجلس السيادي ذات خلفية عسكرية، فيما تمسكت قوى الحرية والتغيير بأن تكون شخصية مدنية.

فيما ترفض قوى "إعلان الحرية والتغيير" البند الخاص بمبدأ الحصانة المتعلق بقيادات المجلس السيادي، الذي ينصّ على تمتع أعضاء المجلس بحصانة وعدم الملاحقة القضائية أو الجنائية أو اتخاذ أي تدابير بشأن ممتلكاتهم.

في غضون ذلك، يواصل قادة المجلس العسكري ترويج فزاعات الانقلابات العسكرية، من خلال الإعلان عن إحباط محاولات انقلاب، من وقت إلى آخر، لإرهاب الشارع، وخلق ذريعة لتكريس السلطات والصلاحيات في أيديهم خلال تلك المرحلة، حتى يتمكنوا من تفويت الفرصة على قوى المعارضة المدنية من التوصل لمكاسب حقيقية.

تفاعلات الشارع

وعقب التقلبات السياسية والاعلامية المعلنة من قبل العسكريين، تظاهر مئات الآلاف من السودانيين السبت الماضي، واستمرت التظاهرات حتى مساء الاثنين في مدن السوكي والخرطوم احتجاجا على تصاعج العنف العسمري ضد المتظاهرين السلميين، في مواكب "العدالة أولاً" بالعاصمة الخرطوم وعدد من المدن السودانية لمطالبة المجلس العسكري بتسليم السلطة لحكومة مدنية، في وقت تأجلت فيه جلسة معلنة مساء السبت بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير بعد بروز خلافات عميقة بين الطرفين تتعلق بتحويل الاتفاق السياسي الذي تم التوافق عليه إلى إطار قانوني، إذا فشلت لجنة فنية شكلها الطرفان في الوصول إليه على مدار الأسبوع الماضي.

 

بنود الاتفاق

ونصت وثيقة الاتفاق السياسي التي تم الانتهاء منها فجر الجمعة 5 يوليو ، على تشكيل مجلس السيادة من 5 عسكريين يقوم باختيارهم المجلس العسكري و5 مدنيين تختارهم قوى إعلان الحرية والتغيير بالإضافة لشخص آخر مدني يتفق عليه الطرفان.

 

وحددت الوثيقة مدة الفترة الانتقالية بـ39 شهراً من تاريخ توقيع الاتفاق منها 21 شهراً تكون فيها رئاسة مجلس السيادة للعسكريين و18 شهراً لمدني تختاره قوى إعلان الحرية والتغيير.

 

كما نصت على تشكيل مجلس وزراء تختار رئيسه قوى إعلان الحرية والتغيير ويقوم رئيس الوزراء باختيار وزراء لا يتجاوز عددهم العشرين بالتشاور مع قوى إعلان الحرية والتغيير.

 

ولم يتمكن الطرفان من الاتفاق على صيغة تشكيل المجلس التشريعي، لذا تأجل تشكيله لفترة أقصاها 3 أشهر مع تمسك قوى إعلان الحرية والتغيير بنسبة 67 % تم التوافق عليها سابقاً فيما طالب المجلس العسكري بمراجعة تلك النسبة، وذلك طبقا لما جاء في الوثيقة نفسها  التي أقرت تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في مجزرة القيادة العامة في الثالث من يونيو الماضي، وغيرها من الجرائم التي ارتكبت منذ 11 إبريل الماضي، تاريخ سقوط نظام الرئيس  عمر البشير وبداية حكم المجلس العسكري.

 

وتلا التوافق على وثيقة الإعلان السياسي تسليم الوساطة الأفريقية الإثيوبية للأطراف وثيقة الإعلان الدستوري التي تخضع حسب بيان لقوى الحرية والتغيير للدراسة من جانبها ومن الكتل والأحزاب التي تشكل تحالف الحرية والتغيير

 

وكان الحزب الشيوعي استبق جميع الأحزاب بموقف رافض تماما لمسودة الاتفاق السياسي ومسودة الإعلان الدستوري أيضا بحجة أنها لا تلبي تطلعات الجماهير في تحقيق أهداف الثورة والتحول الديمقراطي.

وذكر بيان صادر عن الحزب أن أول تحفظاته على بنود الاتفاق تتمثل في الإبقاء على كل القوانين المقيدة للحريات، وعلى دولة التمكين، وعلى كل المؤسسات القمعية، ذاكراً منها مليشيات الدعم السريع، وجهاز الأمن بدلاً من إعادة هيكلته لجمع المعلومات وتحليلها ورفعها، وكتائب الظل، ومليشيات الدفاع الشعبي، والوحدات الجهادية والتي اتهمها جميعها بلعب دور في فض الاعتصام.

 

علاوة على الإبقاء على اتفاقات وقعها نظام الرئيس عمر البشير، أبرزها بقاء القوات المسلحة السودانية ضمن الحلف العربي الذي يخوض حربا في اليمن، باعتبارها تمس سيادة البلاد.

وأوضح أن الاتفاقية بشكلها الحالي لا تساعد في الحل الشامل والعادل لقضايا المناطق الثلاث، وربما تؤدي لتعميق الحرب وإثارة النزعات الانفصالية، كما شمل الرفض ما جاء في الاتفاق حول لجنة التحقيق المستقلة، وشدد على التحقيق الدولي في جريمة فض الاعتصام.

 

وبخصوص مجلس السيادة المقترح في مسودة الاتفاق، قال الحزب إنه يسير "باتجاه جمهورية رئاسية، عبر تدخل مجلس السيادة في تعيين رئيس القضاء والنائب العام والمراجع العام حتى قيام المجلس التشريعي"، منتقدا في الوقت نفسه منح المجلس "حصانة فوق القانون".

 

 

في ردهات الحوار باثيوبيا

 

فيما قال عضو وفد الحرية والتغيير وجدي صالح، في تصريحات من أديس أبابا إن "اللقاء مع وفد الوساطة الاثيوبي ناقش كيفية إدارة المرحلة الانتقالية وذلك نسبة لصعوبة وصول قادة الحركات المسلحة إلى الخرطوم".

وذلك بمشاركة وفود عدة من قوى التغيير وفصائل الجبهة الثورية (تضم قوى معارضة وحركات مسلحة) والحركات المسلحة ونتشاور حول كافة القضايا خاصة قضايا المرحلة الانتقالية التي من جوهرها قضية الديمقراطية والسلام".

 

وأشار إلى أن الاجتماعات "ستختتم يوم الجمعة المقبل بعد اكتمال وصول وفود المدنيين والقادة العسكريين في الفصائل المسلحة". ومضى بالقول: "هذه الاجتماعات لا تتعلق بقضية التفاوض مع قادة الحركات المسلحة إنما هي اجتماعات داخلية".

واستدرك: "بالطبع عندما نشرع في عملية التفاوض حول السلام لا بد من الوصول إلى كل الحركات المسلحة والكيفية التي ستتم بها المفاوضات، وهي من مهام الحكومة المقبلة وليست من مهامنا نحن في الحرية والتغيير (..) مهمتنا التمهيد لها من خلال التوافق حول الرؤية المشتركة لها".

 

وأشار إلى أن الوفد الموجود في أديس أبابا مكوّن من قائد الجبهة الثورية مالك عقار، ورئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي، ووفد من حركة كوش بقيادة محمد داؤود، والتوم هجو، إلى جانب حضور قادة مدنيين.

وفي غضون العرقلة العسكرية، قال نائب رئيس المجلس العسكري، محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي، الأربعاء الماضي، إنه "لا اتجاه للتفريط في جهاز الأمن والمخابرات". جاء ذلك لدى لقاء ضباط الأمن والمخابرات بالخرطوم، وفق وكالة السودان للأنباء.

 

وأكد حميدتي على أهمية دور جهاز "الأمن والمخابرات" في إحداث التغيير السياسي بالبلاد. وأضاف "لا اتجاه للتفريط في جهاز الأمن خاصة أنه يزخر بكفاءات وطنية عالية التأهيل". وأشار إلى أنه لا توجد دولة تفرط في جهاز أمنها باعتبار أن ذلك سيكون سببا في فقدان الاستقرار السياسي.…وهو ما يعتبره محللون، ذرائع لتمكين العسكرة في مستقبل السودان واعادة انتاج النظام العسكري…

 

8 تحديات

وبحسب مراقبين، يواجه اتفاق تقاسم السلطة، جملة من التهديدات، قد يقود أي منها إلى انهياره في أي لحظة من عمر الفترة الانتقالية المحددة بثلاث سنوات وثلاثة أشهر.

 

..ومن تلك التهديدات:

 

1ـ الشك وعدم الثقة:

من المعلوم أن الطرف الأول في الاتفاق هو المجلس العسكري الذي سيطر على مقاليد الحكم بعد سقوط البشير في 11 إبريل الماضي، أما الطرف الثاني فهي "قوى الحرية والتغيير"، وهي عبارة عن كتل سياسية معارضة وحركات مسلحة ومنظمات مدنية، قررت التحالف في الأول من يناير الماضي على هدف إسقاط البشير وترتيبات ما بعد السقوط.

المجلس العسكري أوضح تماماً أنه لا يثق مطلقاً في "قوى الحرية والتغيير"، وتحدث في أكثر من مناسبة عن وجود أجندة خفية إقصائية لدى هذا التحالف، أهمها الرغبة في تفكيك مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات الأمنية كالجيش والأمن وقوات الدعم السريع. في المقابل، تشكك "قوى الحرية والتغيير" في نوايا المجلس العسكري من جهتين، الأولى اعتقادها أن أعضاء المجلس كانوا جزءاً من نظام البشير نفسه، بالتالي لا يظهرون جدية في ما يتعلق بتفكيك مؤسسات النظام ودولته العميقة. أما الشك الثاني تجاه المجلس، فهو التخوّف من مخطط لديه للبقاء في السلطة والتراجع عن الاتفاق في أي لحظة، على غرار ما فعله في بداية شهر يونيو الماضي، حينما أصدر من طرف واحد قراراً بإلغاء اتفاق أولي تم التوصل إليه بين الجانبين.

 

2ـ الانقلاب العسكري:

وعلى الرغم من التماسك الظاهري داخل الجيش السوداني، إلا أن فرضية حدوث انقلاب عسكري أمر قائم عند الكثيرين، خصوصاً مع توالي الاضطرابات السياسية في البلاد. ويعزز تلك الفرضية وجود مؤشرات لها، منها إعلان المجلس العسكري قبل أسابيع عن كشفه مخططين انقلابيين مختلفين، وما صاحب ذلك من اعتقال ضباط ومدنيين. كما يرى بعض المراقبين أن الانتشار الأمني الكثيف لقوات الدعم السريع، حتى داخل وحدات تابعة للجيش، قد يثير تذمراً وسط عناصر الجيش على مستويات القيادة والقاعدة، إضافة إلى أن بعض الضباط قد يسعون للعب دور سياسي. عامل آخر يعزز فرضية الانقلاب العسكري، يتعلق بمضمون الاتفاقيات التي يمكن التوصل إليها مع الحركات المتمردة، لا سيما إذا جاء فيها أي مساس بوضع الجيش.

في المقابل، يستبعد مراقبون آخرون حدوث انقلاب عسكري في البلاد لسببين، أولهما المزاج الشعبي الثوري الذي بات رافضاً تماماً لوجود العسكر في المشهد السياسي، والثاني الموقف الدولي وقبله موقف الاتحاد الأفريقي طبقاً لميثاقه الحالي الرافض لمبدأ الانقلابات، والذي بسببه جمّد عضوية السودان قبل أسابيع، بعد أن اعتبر وجود المجلس العسكري في حد ذاته انقلاباً وليس انحيازاً للشعب.

 

3ـ توتر العلاقة بين الجيش والدعم السريع:

وتبدو العلاقة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع حتى الآن في توافق نسبي، خصوصاً على المستوى القيادي، وذلك على الرغم من التمدّد الرأسي والأفقي لقوات الدعم السريع، التي يقودها نائب رئيس المجلس العسكري، الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي). لكن التحذيرات من توترات قد تحدث بين الطرفين تكررت من أكثر من جهة، مثل رئيس حزب "الأمة" القومي، الصادق المهدي، الذي طالب قبل أيام بتجنّب التوترات بين الدعم السريع والجيش بأي ثمن، محذراً من حسمها عبر القتال، وهو ما سيكون في غاية السوء للسودان، وفق ما جاء على لسان المهدي.

 

4ـ انهيار وحدة "الحرية والتغيير":

ظلّت وحدة الكتل والأحزاب المشكّلة لتحالف "قوى الحرية والتغيير"، تتعرض لجملة من الاختبارات حول تماسكها ووحدتها، وليس من المؤكد نجاحها في تجاوز الكثير من الخلافات، على الرغم من التأكيدات الشفهية من قياداتها بوحدتها. فكتلة "نداء السودان"، على سبيل المثال، وفي مقدمتها حزب "الأمة"، برزت لديها منذ بداية الحراك الثوري في ديسمبر، جملة تحفّظات على أداء التحالف، ومنها عدم وجود جسم قيادي يدير العمل ويشرف عليه. ومن دون شك فإن هدف إسقاط البشير ووضع أطر نظرية لترتيبات الحكم الانتقالي حتّمت استمرار وحدة ذلك التحالف، لكن المستقبل ينبئ باختبارات أكثر صعوبة، منها الاتفاق على التمثيل في مؤسسات الحكم الانتقالي، وإذا حدث أي انشقاق داخل "الحرية والتغيير" سيكون له تأثيره الكبير على تنفيذ الاتفاق، بالتالي على مجمل ما يجري في الفترة الانتقالية.

5ـ الحركات المتمردة:

في السودان عشرات الحركات المسلحة التي تقاتل الحكومة المركزية، العدد الأكبر منها في إقليم دارفور، غرب البلاد، لكن هناك 5 حركات رئيسية، هي "الحركة الشعبية" فصيل عبد العزيز الحلو، "الحركة الشعبية" فصيل مالك عقار، حركة "تحرير السودان" فصيل عبد الواحد النور، حركة "تحرير السودان" فصيل ميني أركو مناوي، "العدل والمساواة" بزعامة جبريل إبراهيم.

باستثناء فصيلي الحلو وعبد الواحد النور، فإن الحركات الأخرى كانت جزءاً من "قوى الحرية والتغيير" من خلال كتلة "نداء السودان"، لكنها سحبت أخيراً عضويتها، وأعلنت عزمها إجراء مفاوضات مباشرة مع المجلس العسكري، فيما ذهب مناوي أبعد من ذلك بمطالبته بنسبة 37% من السلطة لصالح الحركات المسلحة المنضوية تحت منظومة "الجبهة الثورية"، وهي تحالف لقوى الكفاح المسلح.

وحسب اتفاق تقاسم السلطة، فإن الستة أشهر الأولى من الفترة الانتقالية ستُخصص للتواصل مع الحركات المسلحة والتوقيع معها على اتفاقيات سلام ومن ثم مشاركتها في الأجهزة التشريعية، وإذا تلاشى ذلك الأمل وعادت أصوات البنادق، فإن ذلك سيكون واحداً من أكبر المهددات للفترة الانتقالية.

 

6ـ الثورة المضادة:

واحدة من أكبر مهددات اتفاق المجلس العسكري و"قوى الحرية والتغيير"، والفترة الانتقالية ككل، هي الثورة المضادة التي قد يقف على رأسها "المؤتمر الوطني"، حزب عمر البشير، وهو حزب لا يزال يملك السيطرة على مفاصل الدولة العميقة، ولا يُستبعد أن يتحرك لإفشال خصومه الذين أزاحوه بعد 30 سنة من الحكم. غير أن قيادات داخل حزب البشير، ترى أن الحزب مطالب أولاً بمراجعة تجربته وتجديد صفوفه وأفكاره، والاستفادة من مناخ الحريات العامة لإعادة، ولو نسبياً، شعبيته المفقودة، وقبل ذلك عدم مقاومة التغيير الحالي، لأن ذلك سيجلب له غضباً إضافياً، ويضعه في مواجهة داخلية وخارجية.

 

7ـ المحاور الإقليمية:

ليس سراً رمي المحور السعودي الإماراتي المصري بكامل ثقله لتوجيه مسار الثورة السودانية نحو مصالحه الجوهرية في السودان، وأشدها إلحاحاً استمرار مشاركة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في حرب اليمن، فيما تثير تحركات ذلك المحور مخاوف من التقاطعات المحتملة بين أجندته وأجندة الثورة السودانية التي تضع الحرية وبناء نظام ديمقراطي في مقدمة أولوياتها، في حين ثبت فيه عدم حماس هذا المحور خلال تجارب في دول أخرى لقيام أنظمة ديمقراطية. بالتالي فإن فرضية وقوف الرياض والقاهرة وأبوظبي ضد أي عمليات بناء ديمقراطي، تبقى حاضرة ومحتملة بشكل كبير، وهذا ما سيثير إحباطاً في الأوساط الشعبية التي تتوق للانعتاق من الأنظمة العسكرية والشمولية التي حكمت البلاد لنحو 53 عاماً بعد الاستقلال في 1956

 

وفي هذا السياق، كشف مصدر خليجي مطلع عن اتفاق جديد بين السعودية ونائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، للدفع بمزيد من القوات السودانية إلى اليمن لتغطية الانسحاب الإماراتي من الجنوب اليمني، لافتاً إلى أن تلك المشاورات قادها الفريق عثمان طه، المدير السابق لمكتب البشير، الذي يعمل حالياً مستشاراً لولي العهد السعودي محمد بن سلمان للشأن الأفريقي. وكشف المصدر أن طه نقل لحميدتي مطالب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لزيادة عدد القوات السودانية الموجودة في اليمن، بواقع 5 آلاف جندي، لملء الفراغ العسكري في الجنوب اليمني بعد انسحاب الإمارات، مقابل دفع الرياض بمزيد من الدعم السياسي لحميدتي، والدعم الاقتصادي للمجلس العسكري. وبحسب المصدر، فإن خلافاً سعودياً إماراتياً بدأ ينمو بشأن دور حميدتي خلال الفترة المقبلة في السودان، وخصوصاً بعد الأزمات المتكررة التي أحدثتها تصريحاته، وتدهور صورته في الشارع السوداني، بعد مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، مشيرة إلى أن مصر تنحاز للرؤية الإماراتية، حيث ترغب  القاهرة وأبوظبي في تصدير شخصية عسكرية ليس عليها خلافات للمشهد، بخلاف حميدتي، وتجهيزها لخوض أي انتخابات رئاسية مقبلة، بسبب الأزمات التي أحدثها حميدتي، في الوقت الذي تتمسك فيه السعودية بنائب رئيس المجلس العسكري، مرجحاً أن يكون ذلك بسبب دوره الداعم لها في اليمن.

في مقابل ذلك، كشف مصدر دبلوماسي مصري رفيع المستوى أن تعليمات رئاسية جديدة صدرت أخيراً بشأن إدارة الملف السوداني من الجانب المصري، بتوسيع صلاحيات وزارة الخارجية، وتصدير الدور الدبلوماسي، في مقابل التحركات السيادية التي كان يقوم بها جهاز المخابرات العامة، بعد الفشل الذريع في إدارة الملف خلال الفترة الماضية، ما تسبب في خسائر كبيرة متعلقة بصورة مصر في الشارع السوداني، وهو ما دفع القاهرة لاستدعاء قيادياً كبيراً بجهاز المخابرات العامة، وهو أحد أبرز القيادات المقربة من رئيس الجهاز اللواء عباس كامل، من السودان بعد أن كان يدير غرفة عمليات بشأن الأحداث السودانية من الخرطوم، ويدير الاتصالات مع قيادات المجلس العسكري من هناك.

 

8ـ انهيار الاقتصاد:

شكّل تراجع الأحوال المعيشية للسودانيين وغلاء الأسعار وندرة السلع الضرورية وشحّ العملة، إضافة إلى تدهور الخدمات الصحية والتعليمية، عاملاً مهماً في اندلاع الثورة الشعبية ضد نظام البشير. ويُعدّ استمرار تلك الأوضاع تهديداً حقيقياً خلال الفترة المقبلة، لا سيما أن نظام البشير خلّف تركة مثقلة بالفشل الاقتصادي المتمثّل في تدمير المشاريع الاقتصادية الكبرى وهبوط أسعار العملة الوطنية إلى أدنى مستوياتها في التاريخ السوداني، وتراجع في المجال المصرفي والخدمة المدنية. ويراهن كثيرون على الدعم الإقليمي المصحوب بأجندته المعلومة، والذي يمكن أن يشكّل علاجاً مرحلياً قد ينقطع متى ما اختلفت الأجندات.

 

مكاسب العسكر من الاتفاق

 

ويمكن رصد مكاسب العسكر من الاتفاق فيما يلي:

 

1-الاتفاق حول المجلس العسكري من عدو للثورة إلى شريك فيها، وتحولت الثورة –على غرار تجربة مصر– إلى نصف ثورة.

2- من الصعب تنفيذ بنود جرى الاتفاق عليها مثل التحقيق في جرائم فض الاعتصامات وقتل المتظاهرين؛ لأن من قام بهذا هم العسكر، ولا يمكنهم أن يقبلوا بمحاكمة أنفسهم، وهو نفس السيناريو المصري حين قام عبدالفتاح السيسي بصفة رئيس المخابرات الحربية بممارسة دور "الطرف الثالث" وقتل المتظاهرين، وحين شكل الرئيس مرسي لجنة تحقيق قضائية انتهت لمسؤوليته هو والشرطة كان الانقلاب قد أعد عدته واستقوى ونفذ انقلابه.

 

3- قوى الاحتجاج كانت تصف المجلس العسكري –حتى قبل الاتفاق بساعات– بأنه مجلس انقلابي، وكثيراً ما طالبت بتقديم قادته إلى المحاكمة بتهمة قتل المتظاهرين، وتخلي قادة الحراك الاحتجاجي عن هذا المطلب سيضعهم بلا شك في مواجهة مع الجماهير التي ترفض المساومة حول القصاص من قتلة المتظاهرين.

 

4يسعى العسكر للظهور بمظهر ديمقراطي بالحديث عن عدم استبعاد أي قوة سياسية، ولهذا يسعى لإشراك قوى سياسية إسلامية مثل أحزاب "المؤتمر الشعبي"، و"الإصلاح الآن" الإسلاميين، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والصادق المهدي، بينما هو يسعى للعب على ثنائية الصراع بين قوى الثورة كما حدث في مصر.

5-قبول العسكر –بعد تمنع– باقتسام السلطة فقط مع فصيل سياسي يساري علماني دون باق القوى السياسية خصوصاً الإسلامية، معناه أنه يرتب لتعميق الفجوة بين السياسيين المدنيين ليبقى هو على طريقة السيسي المخلّص للشعب من الفوضى السياسية في البلد.

 

وبحسب مراقبين، فإنه وفي كل الأحوال، سيقف المجلس العسكري متفرجاً لحين احتدام الصراع وتبادل المظاهرات بين القوى المدنية اليسارية والأخرى الإسلامية، ثم يتدخل باسم الشعب كله ليوقف الفوضى ويتحدث عن تفويض شعبي كما قال حميدتي، وهو نفس ما حدث في مصر!

إلا أنه تبقى الأولويات السياسية لتجنب الانقلاب والصدام مع العسكر، خلال الفترة المقبلة ستكون لإنجاز السلام وإسكات صوت البنادق وإشاعة الحريات العامة وإصلاح الاقتصاد وتفكيك دولة الحزب الواحد، وإعادة التوزان إلى مؤسسات الدولة، ثم الشروع في عملية وضع الدستور، من خىل توافق جمعي بين كل فئات الشعب السوداني..وهو ما قد لا تسمخ به قوى اقليمية، لعبت دورا فيهندسة المشهد السياسي السوداني ومن قبله المصري..

فيما تبقى قائمة من صعوبات تواجه تنفيذ هذا الاتفاق، خصوصاً تنصّل العسكر منه.

بينما يبقى الرهان الأساسي لنجاح تنفيذ الاتفاق يتمثّل في وحدة "قوى الحرية والتغيير"، التي "عليها العمل بتناسق تام وتقديم المصلحة الوطنية على ما سواها، والدفع للمؤسسات الانتقالية الثلاث بأشخاص ذوي خبرة ومعرفة وبوصلة وطنية وأخلاقية غير معطوبة، في ظل أن الاتفاق لا يحتوي أي ضمانات لتسليم العسكر للسلطة، كما أنهم شركاء أساسيين في تقويض الحريات والديمقراطية في السودان من الأساس…

وهو ما أشار إليه الناشط السياسي السوداني وائل محجوب مؤخرا، بقوله:: "إذا كنا قد عجزنا عن إعادة خدمة الإنترنت في وجود الوسطاء قبل التفاوض معهم ترى كيف سنشكل البرلمان؟ هذا الاتفاق معيب فقد أسقط مبدأ المحاسبة على الجرائم، ولن يتم تعديل القوانين، ولا جديد يذكر فيما يتعلق بوضع جهاز الأمن، كما شرعن وجود المليشيات ووضعها… وعما قريب سينقلبون عليه.. هذا الاتفاق الخديج في الحق هو هزيمة للثورة وشعاراتها وأهدافها وفي غد تستبين الرؤى"!!!.

بجانب تهميّش مسألة مصيرية لأي انتقال ديمقراطي، وهي الاتفاق على مبادئ النظام الديمقراطي المقبل وكيفية الانتقال إليه؛ فالاتفاق على الانتخابات بعد ثلاث سنوات ليس كافيًا، كما أن الإكثار من استخدام مصطلح "المدنيين" الغامض، بدلًا من مصطلح "القوى الديمقراطية" الواضح، يطمس القضية الرئيسة، ودوافع ثورة الشعب السوداني على حكم البشير وأهدافها.

 

كما أن فترة السنوات الثلاث التي هي عمر الفترة الانتقالية، والتي لا تكاد تكون كافيةً لكي تعيد الأحزاب السياسية تنظيم نفسها، من جديد، وتعود إلى الارتباط بقواعدها. كما أن الثورة أظهرت قدرًا كبيرًا من النفور وسط الشباب من الأحزاب القديمة التي بدت عاجزة عن مواكبة مطالب التغيير.

في ظل هذه الأوضاع القابلة للتشظي، إضافةً إلى ما يمنحه الاتفاق من سيطرةٍ للمجلس العسكري، لا يستبعد أن تعيد الدولة العميقة تنظيم نفسها لتفرض سيطرتها على الوضع، من جديد، عبر الانتخابات التي تعقب الفترة الانتقالية. بل قد تلجأ أحزابٌ تشعر بضعف التأييد الشعبي لها إلى التحالف مع قوى الدولة العميقة لمواجهة المد الشبابي الذي يدفع في اتجاه التغيير والتجديد. ولذلك يبقى تحقيق أهداف الثورة معتمدًا على بقاء القوى المعنية بالديمقراطية متنبهة، وقادرة على المبادرة إلى تصحيح المسار متى بدأت الأمور تنحرف عنه.

فيما ترى دراسة للمركز العربي للدراسات السياسية أن تحقيق أهداف الثورة سوف يعتمد أكثر، خلال المرحلة المقبلة، على تحويل الطاقة الشبابية الكبيرة التي أظهرتها الثورة إلى طاقة منظمة ذات برامج واضحة للانتقال الديمقراطي، تدفع نحو تحقيق شعارات الثورة في بناء دولة مدنية ديمقراطية قوية.

 

انقلاب بعد عام ونصف عام

 

لذلك يرى خبراء سودانيون انقلاباً بقيادة المجلس العسكري يدعمه الشعب السوداني بعد عام ونصف عام من الآن على الطريقة المصرية.

 

فطبيعة الاتفاق على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات وربع السنة ستقود إلى خلافات حادة داخل تحالف أحزاب الحرية والتغيير، وسيعيق ذلك أداء الحكومة الانتقالية بشكل مؤثر في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد والسوء وعداء غير معلن من دول المحيط.

 

وستعمل الصحافة السودانية والفضائيات المغرمة بالإثارة على تأجيج الصراع السياسي، على غرار النموذج المصري، ووقتها سيهتف الشارع كما هتف في أواخر العهد الديمقراطي الثالث 1986-1989م "العذاب ولا الأحزاب"، ووقتها سيلتقط العسكر الإشارة وتنطلق الدبابات ويقال: إن الجيش استكمل الثورة بالشعب كما حدث في مصر!

 

 

 

5ـ الحركات المتمردة:

في السودان عشرات الحركات المسلحة التي تقاتل الحكومة المركزية، العدد الأكبر منها في إقليم دارفور، غرب البلاد، لكن هناك 5 حركات رئيسية، هي "الحركة الشعبية" فصيل عبد العزيز الحلو، "الحركة الشعبية" فصيل مالك عقار، حركة "تحرير السودان" فصيل عبد الواحد النور، حركة "تحرير السودان" فصيل ميني أركو مناوي، "العدل والمساواة" بزعامة جبريل إبراهيم.

باستثناء فصيلي الحلو وعبد الواحد النور، فإن الحركات الأخرى كانت جزءاً من "قوى الحرية والتغيير" من خلال كتلة "نداء السودان"، لكنها سحبت أخيراً عضويتها، وأعلنت عزمها إجراء مفاوضات مباشرة مع المجلس العسكري، فيما ذهب مناوي أبعد من ذلك بمطالبته بنسبة 37% من السلطة لصالح الحركات المسلحة المنضوية تحت منظومة "الجبهة الثورية"، وهي تحالف لقوى الكفاح المسلح.

وحسب اتفاق تقاسم السلطة، فإن الستة أشهر الأولى من الفترة الانتقالية ستُخصص للتواصل مع الحركات المسلحة والتوقيع معها على اتفاقيات سلام ومن ثم مشاركتها في الأجهزة التشريعية، وإذا تلاشى ذلك الأمل وعادت أصوات البنادق، فإن ذلك سيكون واحداً من أكبر المهددات للفترة الانتقالية.

 

6ـ الثورة المضادة:

واحدة من أكبر مهددات اتفاق المجلس العسكري و"قوى الحرية والتغيير"، والفترة الانتقالية ككل، هي الثورة المضادة التي قد يقف على رأسها "المؤتمر الوطني"، حزب عمر البشير، وهو حزب لا يزال يملك السيطرة على مفاصل الدولة العميقة، ولا يُستبعد أن يتحرك لإفشال خصومه الذين أزاحوه بعد 30 سنة من الحكم. غير أن قيادات داخل حزب البشير، ترى أن الحزب مطالب أولاً بمراجعة تجربته وتجديد صفوفه وأفكاره، والاستفادة من مناخ الحريات العامة لإعادة، ولو نسبياً، شعبيته المفقودة، وقبل ذلك عدم مقاومة التغيير الحالي، لأن ذلك سيجلب له غضباً إضافياً، ويضعه في مواجهة داخلية وخارجية.

 

7ـ المحاور الإقليمية:

ليس سراً رمي المحور السعودي الإماراتي المصري بكامل ثقله لتوجيه مسار الثورة السودانية نحو مصالحه الجوهرية في السودان، وأشدها إلحاحاً استمرار مشاركة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في حرب اليمن، فيما تثير تحركات ذلك المحور مخاوف من التقاطعات المحتملة بين أجندته وأجندة الثورة السودانية التي تضع الحرية وبناء نظام ديمقراطي في مقدمة أولوياتها، في حين ثبت فيه عدم حماس هذا المحور خلال تجارب في دول أخرى لقيام أنظمة ديمقراطية. بالتالي فإن فرضية وقوف الرياض والقاهرة وأبوظبي ضد أي عمليات بناء ديمقراطي، تبقى حاضرة ومحتملة بشكل كبير، وهذا ما سيثير إحباطاً في الأوساط الشعبية التي تتوق للانعتاق من الأنظمة العسكرية والشمولية التي حكمت البلاد لنحو 53 عاماً بعد الاستقلال في 1956

 

وفي هذا السياق، كشف مصدر خليجي مطلع عن اتفاق جديد بين السعودية ونائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، للدفع بمزيد من القوات السودانية إلى اليمن لتغطية الانسحاب الإماراتي من الجنوب اليمني، لافتاً إلى أن تلك المشاورات قادها الفريق عثمان طه، المدير السابق لمكتب البشير، الذي يعمل حالياً مستشاراً لولي العهد السعودي محمد بن سلمان للشأن الأفريقي. وكشف المصدر أن طه نقل لحميدتي مطالب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لزيادة عدد القوات السودانية الموجودة في اليمن، بواقع 5 آلاف جندي، لملء الفراغ العسكري في الجنوب اليمني بعد انسحاب الإمارات، مقابل دفع الرياض بمزيد من الدعم السياسي لحميدتي، والدعم الاقتصادي للمجلس العسكري. وبحسب المصدر، فإن خلافاً سعودياً إماراتياً بدأ ينمو بشأن دور حميدتي خلال الفترة المقبلة في السودان، وخصوصاً بعد الأزمات المتكررة التي أحدثتها تصريحاته، وتدهور صورته في الشارع السوداني، بعد مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، مشيرة إلى أن مصر تنحاز للرؤية الإماراتية، حيث ترغب  القاهرة وأبوظبي في تصدير شخصية عسكرية ليس عليها خلافات للمشهد، بخلاف حميدتي، وتجهيزها لخوض أي انتخابات رئاسية مقبلة، بسبب الأزمات التي أحدثها حميدتي، في الوقت الذي تتمسك فيه السعودية بنائب رئيس المجلس العسكري، مرجحاً أن يكون ذلك بسبب دوره الداعم لها في اليمن.

في مقابل ذلك، كشف مصدر دبلوماسي مصري رفيع المستوى أن تعليمات رئاسية جديدة صدرت أخيراً بشأن إدارة الملف السوداني من الجانب المصري، بتوسيع صلاحيات وزارة الخارجية، وتصدير الدور الدبلوماسي، في مقابل التحركات السيادية التي كان يقوم بها جهاز المخابرات العامة، بعد الفشل الذريع في إدارة الملف خلال الفترة الماضية، ما تسبب في خسائر كبيرة متعلقة بصورة مصر في الشارع السوداني، وهو ما دفع القاهرة لاستدعاء قيادياً كبيراً بجهاز المخابرات العامة، وهو أحد أبرز القيادات المقربة من رئيس الجهاز اللواء عباس كامل، من السودان بعد أن كان يدير غرفة عمليات بشأن الأحداث السودانية من الخرطوم، ويدير الاتصالات مع قيادات المجلس العسكري من هناك.

 

8ـ انهيار الاقتصاد:

شكّل تراجع الأحوال المعيشية للسودانيين وغلاء الأسعار وندرة السلع الضرورية وشحّ العملة، إضافة إلى تدهور الخدمات الصحية والتعليمية، عاملاً مهماً في اندلاع الثورة الشعبية ضد نظام البشير. ويُعدّ استمرار تلك الأوضاع تهديداً حقيقياً خلال الفترة المقبلة، لا سيما أن نظام البشير خلّف تركة مثقلة بالفشل الاقتصادي المتمثّل في تدمير المشاريع الاقتصادية الكبرى وهبوط أسعار العملة الوطنية إلى أدنى مستوياتها في التاريخ السوداني، وتراجع في المجال المصرفي والخدمة المدنية. ويراهن كثيرون على الدعم الإقليمي المصحوب بأجندته المعلومة، والذي يمكن أن يشكّل علاجاً مرحلياً قد ينقطع متى ما اختلفت الأجندات.

 

مكاسب العسكر من الاتفاق

 

ويمكن رصد مكاسب العسكر من الاتفاق فيما يلي:

 

1-الاتفاق حول المجلس العسكري من عدو للثورة إلى شريك فيها، وتحولت الثورة –على غرار تجربة مصر– إلى نصف ثورة.

2- من الصعب تنفيذ بنود جرى الاتفاق عليها مثل التحقيق في جرائم فض الاعتصامات وقتل المتظاهرين؛ لأن من قام بهذا هم العسكر، ولا يمكنهم أن يقبلوا بمحاكمة أنفسهم، وهو نفس السيناريو المصري حين قام عبدالفتاح السيسي بصفة رئيس المخابرات الحربية بممارسة دور "الطرف الثالث" وقتل المتظاهرين، وحين شكل الرئيس مرسي لجنة تحقيق قضائية انتهت لمسؤوليته هو والشرطة كان الانقلاب قد أعد عدته واستقوى ونفذ انقلابه.

 

3- قوى الاحتجاج كانت تصف المجلس العسكري –حتى قبل الاتفاق بساعات– بأنه مجلس انقلابي، وكثيراً ما طالبت بتقديم قادته إلى المحاكمة بتهمة قتل المتظاهرين، وتخلي قادة الحراك الاحتجاجي عن هذا المطلب سيضعهم بلا شك في مواجهة مع الجماهير التي ترفض المساومة حول القصاص من قتلة المتظاهرين.

 

4يسعى العسكر للظهور بمظهر ديمقراطي بالحديث عن عدم استبعاد أي قوة سياسية، ولهذا يسعى لإشراك قوى سياسية إسلامية مثل أحزاب "المؤتمر الشعبي"، و"الإصلاح الآن" الإسلاميين، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والصادق المهدي، بينما هو يسعى للعب على ثنائية الصراع بين قوى الثورة كما حدث في مصر.

5-قبول العسكر –بعد تمنع– باقتسام السلطة فقط مع فصيل سياسي يساري علماني دون باق القوى السياسية خصوصاً الإسلامية، معناه أنه يرتب لتعميق الفجوة بين السياسيين المدنيين ليبقى هو على طريقة السيسي المخلّص للشعب من الفوضى السياسية في البلد.

 

وبحسب مراقبين، فإنه وفي كل الأحوال، سيقف المجلس العسكري متفرجاً لحين احتدام الصراع وتبادل المظاهرات بين القوى المدنية اليسارية والأخرى الإسلامية، ثم يتدخل باسم الشعب كله ليوقف الفوضى ويتحدث عن تفويض شعبي كما قال حميدتي، وهو نفس ما حدث في مصر!

إلا أنه تبقى الأولويات السياسية لتجنب الانقلاب والصدام مع العسكر، خلال الفترة المقبلة ستكون لإنجاز السلام وإسكات صوت البنادق وإشاعة الحريات العامة وإصلاح الاقتصاد وتفكيك دولة الحزب الواحد، وإعادة التوزان إلى مؤسسات الدولة، ثم الشروع في عملية وضع الدستور، من خىل توافق جمعي بين كل فئات الشعب السوداني..وهو ما قد لا تسمخ به قوى اقليمية، لعبت دورا فيهندسة المشهد السياسي السوداني ومن قبله المصري..

فيما تبقى قائمة من صعوبات تواجه تنفيذ هذا الاتفاق، خصوصاً تنصّل العسكر منه.

بينما يبقى الرهان الأساسي لنجاح تنفيذ الاتفاق يتمثّل في وحدة "قوى الحرية والتغيير"، التي "عليها العمل بتناسق تام وتقديم المصلحة الوطنية على ما سواها، والدفع للمؤسسات الانتقالية الثلاث بأشخاص ذوي خبرة ومعرفة وبوصلة وطنية وأخلاقية غير معطوبة، في ظل أن الاتفاق لا يحتوي أي ضمانات لتسليم العسكر للسلطة، كما أنهم شركاء أساسيين في تقويض الحريات والديمقراطية في السودان من الأساس…

وهو ما أشار إليه الناشط السياسي السوداني وائل محجوب مؤخرا، بقوله:: "إذا كنا قد عجزنا عن إعادة خدمة الإنترنت في وجود الوسطاء قبل التفاوض معهم ترى كيف سنشكل البرلمان؟ هذا الاتفاق معيب فقد أسقط مبدأ المحاسبة على الجرائم، ولن يتم تعديل القوانين، ولا جديد يذكر فيما يتعلق بوضع جهاز الأمن، كما شرعن وجود المليشيات ووضعها… وعما قريب سينقلبون عليه.. هذا الاتفاق الخديج في الحق هو هزيمة للثورة وشعاراتها وأهدافها وفي غد تستبين الرؤى"!!!.

بجانب تهميّش مسألة مصيرية لأي انتقال ديمقراطي، وهي الاتفاق على مبادئ النظام الديمقراطي المقبل وكيفية الانتقال إليه؛ فالاتفاق على الانتخابات بعد ثلاث سنوات ليس كافيًا، كما أن الإكثار من استخدام مصطلح "المدنيين" الغامض، بدلًا من مصطلح "القوى الديمقراطية" الواضح، يطمس القضية الرئيسة، ودوافع ثورة الشعب السوداني على حكم البشير وأهدافها.

 

كما أن فترة السنوات الثلاث التي هي عمر الفترة الانتقالية، والتي لا تكاد تكون كافيةً لكي تعيد الأحزاب السياسية تنظيم نفسها، من جديد، وتعود إلى الارتباط بقواعدها. كما أن الثورة أظهرت قدرًا كبيرًا من النفور وسط الشباب من الأحزاب القديمة التي بدت عاجزة عن مواكبة مطالب التغيير.

في ظل هذه الأوضاع القابلة للتشظي، إضافةً إلى ما يمنحه الاتفاق من سيطرةٍ للمجلس العسكري، لا يستبعد أن تعيد الدولة العميقة تنظيم نفسها لتفرض سيطرتها على الوضع، من جديد، عبر الانتخابات التي تعقب الفترة الانتقالية. بل قد تلجأ أحزابٌ تشعر بضعف التأييد الشعبي لها إلى التحالف مع قوى الدولة العميقة لمواجهة المد الشبابي الذي يدفع في اتجاه التغيير والتجديد. ولذلك يبقى تحقيق أهداف الثورة معتمدًا على بقاء القوى المعنية بالديمقراطية متنبهة، وقادرة على المبادرة إلى تصحيح المسار متى بدأت الأمور تنحرف عنه.

فيما ترى دراسة للمركز العربي للدراسات السياسية أن تحقيق أهداف الثورة سوف يعتمد أكثر، خلال المرحلة المقبلة، على تحويل الطاقة الشبابية الكبيرة التي أظهرتها الثورة إلى طاقة منظمة ذات برامج واضحة للانتقال الديمقراطي، تدفع نحو تحقيق شعارات الثورة في بناء دولة مدنية ديمقراطية قوية.

 

انقلاب بعد عام ونصف عام

 

لذلك يرى خبراء سودانيون انقلاباً بقيادة المجلس العسكري يدعمه الشعب السوداني بعد عام ونصف عام من الآن على الطريقة المصرية.

 

فطبيعة الاتفاق على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات وربع السنة ستقود إلى خلافات حادة داخل تحالف أحزاب الحرية والتغيير، وسيعيق ذلك أداء الحكومة الانتقالية بشكل مؤثر في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد والسوء وعداء غير معلن من دول المحيط.

 

وستعمل الصحافة السودانية والفضائيات المغرمة بالإثارة على تأجيج الصراع السياسي، على غرار النموذج المصري، ووقتها سيهتف الشارع كما هتف في أواخر العهد الديمقراطي الثالث 1986-1989م "العذاب ولا الأحزاب"، ووقتها سيلتقط العسكر الإشارة وتنطلق الدبابات ويقال: إن الجيش استكمل الثورة بالشعب كما حدث في مصر!

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مطلب الحكومة السودانية ببعثة أممية خاصة بين الدوافع والانتقادات

أرسل رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إلى الأمم المتحدة، خطابًا، يطلب فيه إنشاء بعثة أ…