‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تعديل قانون الجمعيات الأهلية..ابتزاز للغرب وتحكم مستمر بالعمل الأهلي
مصر - يوليو 18, 2019

تعديل قانون الجمعيات الأهلية..ابتزاز للغرب وتحكم مستمر بالعمل الأهلي

 تعديل قانون الجمعيات الأهلية..ابتزاز للغرب وتحكم مستمر بالعمل الأهلي

 

 

وافق مجلس النواب المصري بصفة نهائيّة، الإثنين، على مشروع قانون "تنظيم ممارسة العمل الأهلي" المقدّم من الحكومة، وذلك من دون توافر النصاب القانوني اللازم لتمرير القانون بتأييد ثلثي عدد الأعضاء، كونه من التشريعات المكمّلة للدستور، إثر رفض الأغلبية الموالية لنظام عبد الفتاح السيسي كلّ طلبات إعادة المداولة على بعض المواد، وإعلان 9 نواب فقط من جملة الحاضرين رفضهم القانون.

والذي جاء استجابة لضغوط غربية، استباقاً لحضور السيسي اجتماعات قمة السبع الكبار في فرنسا الشهر المقبل.

مخالفة دستورية

وهو ما برر اصرّار رئيس البرلمان، علي عبد العال، على أخذ التصويت النهائي على القانون، على الرغم من تواجد أقلّ من 150 نائباً في القاعة من أصل 595 برلمانياً، قائلاً إنّ "إقرار قانون الجمعيات الأهلية بشكل نهائي ضرورة قبل المراجعة الدورية لمصر أمام مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة"، مستطرداً: "هناك استعجال من الدولة  على هذا التشريع على وجه التحديد، ومن المفترض أن نوافق نهائياً عليه اليوم، وجميعكم (النواب) تعلمون هذا".

 

 

قائمة محظورات

 

وتتضمن قائمة المحظورات التي جاء بها القانون في تعديلاته الجديدة، العديد من الأمور، منها:

إذا تم النشاط بالمخالفة لأغراض الجمعية التي تم الإخطار بها، وإذا تعلق بالأنشطة السياسية والحزبية والنقابية وفقاً للقوانين المنظمة لها، وتكوين الجمعيات السرية أو السرايا أو التشكيلات ذات الطابع السري أو العسكري أو شبه العسكري، وممارسة أنشطة من شأنها الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة أو الوحدة الوطنية أو الأمن القومي. وهذه العبارة الأخيرة تعجّ بالألفاظ المائعة حمّالة الأوجه من دون توضيح المقصود بها، ما يسمح بتوسيع مساحة التجريم. وتتضمن المحظورات أيضاً الدعوة إلى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو العقيدة، أو أي نشاط يدعو إلى العنصرية أو الحض على الكراهية أو غير ذلك من الأسباب المخالفة للدستور والقانون، والمشاركة في تمويل أو دعم أو ترويج الأحزاب والحملات الانتخابية لأي مرشح في الانتخابات، وكذا الاستفتاءات أو تقديم مرشح في تلك الانتخابات والاستفتاءات باسم الجمعية. وكذلك منح أية شهادات، علمية أو مهنية، من دون التصريح من الجهة الإدارية أو الجهات المعنية، أو من دون الشراكة الرسمية مع إحدى الجامعات المتخصصة أو الجهات المختصة وفقاً للقواعد المنظّمة لذلك، والصادرة من المجلس الأعلى للجامعات. وهذه العبارة الأخيرة تحمل تيسيراً لمسألة منح الشهادات لأنها في القوانين السابقة كانت محظورة على الإطلاق.

 

وتشمل المحظورات كذلك ممارسة أية أنشطة تتطلب ترخيصاً من جهة حكومية، وذلك قبل الحصول على الترخيص من الجهة المعنية، واستهداف تحقيق ربح لأعضاء الجمعية أو ممارسة نشاط يهدف إلى ذلك، وإجراء استطلاعات الرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها، أو إجراء الأبحاث الميدانية أو عرض نتائجها قبل موافقة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء للتأكد من سلامتها وحيادها وتعلقها بنشاط الجمعية، وإبرام اتفاق بأي صيغة كانت مع جهة أجنبية، داخل أو خارج البلاد قبل موافقة الجهة الإدارية وكذلك أي تعديل يطرأ عليه. وبحسب مصادر قانونية، فإن المحظور الأخير الخاص بإبرام الاتفاقات قبل موافقة الجهة الإدارية، يقصد به في الأساس "فرض رقابة الوزارة على عقود المساعدة والتمويل التي تبرم مع الجهات الأجنبية قبل إرسالها إليها، وليس بعد إبرامها"، وهو ما يراه مراقبون عاملون في مجال العمل الأهلي عقبة جديدة ستعطل تدفق التمويل لحين موافقة الوزارة على الإبرام، وليس كالسابق، إذ كان الاتفاق يتم ولا يحق صرف التمويل أو الحصول على الدعم إلا بعد موافقة الوزارة. وكانت المنظمات تشكو التعطيل والإرجاء أيضاً.

 

كذلك فالمنظمات الأجنبية التي سيصرح لها بالعمل، ستخضع لإشراف وحدة إدارية حكومية، بدلاً من الجهاز المركزي المُشرف على المنظمات الأجنبية، ستحمل اسم "الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي"، وستقوم أيضاً بنفس أدوار الإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات القائمة حالياً في وزارة التضامن. وستختص بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، ومتابعة إجراءات تطبيق القانون ولائحته التنفيذية، وإعداد ونشر الدراسات والمعلومات والإحصاءات الخاصة بالجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية على المستويين المحلي والإقليمي والدولي.

 

مكاسب محدودة

 

ومن جانب أخر، ألغى القانون "الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية"، الذي كان سيُشكَّل بقرار جمهوري بعضوية ممثلين لجميع الأجهزة السيادية، كالمخابرات العامّة والرقابة الإدارية والداخلية والدفاع، واستبدله بوحدة جديدة تتبع الوزير المختص، استجابة من النظام للضغوط الغربية حيال تخفيف قيود الترخيص للمنظمات الأجنبية، وهو اجراء شكلي لا يضمن استقلالية القرارات الحكومية أو التحكم في مسار ومصير الجمعيات..  

 

وألزم القانون الجديد الجهة الإدارية "بوضع آلية للتبادل الفوري للمعلومات مع السلطات المختصة لإعمال شؤونها، في حال توافر اشتباه بتورط أي من المنظمات الأهلية في تمويل الإرهاب، أو استغلالها لذلك الغرض"، علاوة على التوسع في المحظورات التي يجب على الجمعيات تلافيها، ومنح الوزارة أو المحكمة المختصة سلطة وقف ممارسة النشاط، وذلك في الحالات غير المنصوص عليها في التشريع على سبيل الحصر.

كما نصّ التشريع على أن يكون تأسيس الجمعية الأهلية بموجب إخطار، يُقدَّم إلى الجهة الإدارية المختصة، مع ثبوت الشخصية الاعتبارية لها بمجرد الإخطار، ومنح الحق لكل شخص طبيعي أو معنوي في الانضمام إليها، أو الانسحاب منها، على أن يكون إنشاء الجمعية نظاماً أساسياً مكتوباً، يتفق مع نموذج النظام الأساسي الذي تحدّده اللائحة التنفيذية للقانون المرافق.

وخفض التشريع الحدّ الأدنى للغرامات من 500 ألف جنيه إلى 100 ألف جنيه، مع الاحتفاظ بالحدّ الأقصى بقيمة مليون جنيه، لكلّ من تلقى أو أرسل، بصفته رئيساً أو عضواً أو عاملاً في جمعية أو مؤسسة أهلية، أو أي كيان يمارس العمل الأهلي، أموالاً من جهة أجنبية أو محلية، أو جمع التبرعات من الغير بالمخالفة لأحكام القانون.

وخفّض أيضاً الغرامة من 200 ألف جنيه إلى 50 ألف جنيه، مع الاحتفاظ بالحدّ الأقصى بقيمة 500 ألف جنيه، لكلّ شخص طبيعي أو اعتباري منح تراخيص لأي كيان لمزاولة أي نشاط يدخل في أغراض مؤسسات المجتمع الأهلي، أو امتنع عمداً عن تمكين الجهة الإدارية من متابعة وفحص أعمال الجمعية، أو نقل المقر من دون إخطار الجهة الإدارية خلال ثلاثة أشهر.

 

وأعفى مشروع القانون الجمعيات الأهلية من رسوم التسجيل والقيد، ومن ضرائب ورسوم الدمغة المفروضة على العقارات المملوكة لها، وكذلك الضرائب الجمركية والرسوم الأخرى المفروضة على ما تستورده من عدد وآلات وأجهزة ولوازم إنتاج وسيارات، وما تتلقاه من هدايا ومعونات من الخارج.

 

الغاءالحبس

ومن ضمن المكاسب التي قد تكون منزوعة الدسم، أن القانون الجديد يلغي جريمة الحبس، على عكس القانون الحالي الذي يعج بعقوبات الحبس والحل والتصفية والمصادرة".

 

ويتضمن القانون الحالي رقم 70 لسنة 2017 فرض عقوبة الحبس التي تصل إلى 5 سنوات لكل من أنشأ جمعية لممارسة أنشطة محظورة، ولكل من تلقى أو أرسل أموالاً من أو إلى جهة أجنبية بالمخالفة للقانون، ولكل من امتنع عمداً عن تمكين وزارة التضامن من متابعة وفحص أعمال الجمعية، ولكل من نقل مقر الجمعية إلى مكان غير المخطر به. وهو ما دفع الجمعيات المصرية والجهات الأجنبية المانحة والمراقبة على حد سواء إلى إطلاق مطالبات في ديسمبر الماضي بإلغاء كل العقوبات السالبة للحرية من هذا القانون، والاكتفاء بالغرامات والعقوبات الإدارية.

 

مصطلحات فضفاضة

 

وأورد القانون العديد من المصطلحات الفضفاضة، في إطار التضييق على عمل الجمعيات الأهلية، مثل إلزام كل جمعية بعدم إخلال نظامها الأساسي بـ"الأمن القومي" أو "النظام العام" أو "الآداب العامة"، مع حظر عمل الجمعيات في المناطق الحدودية "إلا في المناطق التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء، بعد أخذ رأي المحافظ المختص، وموافقة الجهات المعنية على النحو الذي تنظمه اللائحة التنفيذية

وحظّر التشريع على الجمعيات الأهلية "ممارسة أنشطة مخالفة للأغراض التي تم الإخطار بها، أو أنشطة سياسية أو حزبية أو نقابية، وفقاً للقوانين المنظمة لها، أو استخدام مقرات الجمعية في ذلك، وكذلك تكوين الجمعيات السرّية أو السرايا أو التشكيلات ذات الطابع السرّي أو العسكري أو شبه العسكري، أو الدعوة إلى تحبيذ أو تأييد أو تمويل العنف أو التنظيمات الإرهابية.

 

كذلك حظّر "ممارسة أنشطة من شأنها الإخلال بالنظام العام، أو الآداب العامة، أو الوحدة الوطنية أو الأمن القومي، أو الدعوة إلى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو العقيدة، أو أي نشاط يدعو إلى العنصرية أو الحض على الكراهية، أو غير ذلك من الأسباب المخالفة للدستور والقانون".

كما حظّر مشروع القانون أيضاً ممارسة أي أنشطة تتطلب ترخيصاً من جهة حكومية، أو تحقيق ربح لأعضاء الجمعية، أو ممارسة نشاط يهدف إلى ذلك، بالإضافة إلى عدم إجراء استطلاعات الرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها، أو إجراء الأبحاث الميدانية، أو عرض نتائجها على الرأي العام "قبل موافقة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ، للتأكد من سلامتها، وحيادها، وتعلّقها بنشاط الجمعية".

وبحسب مصادر حقوقية فإن "إصرار الحكومة المصرية على استخدام ألفاظ مائعة وحمّالة أوجه، مثل النظام العام، والأمن القومي، والآداب العامة، في ما يتعلق بضوابط عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، يمنح الوزارة المعنية، والوحدة الجديدة التي ستنشأ بها لمتابعة عمل تلك المنظمات، مساحة للتضييق والعقاب وحتى التصفية، وهو ما يقلق الجهات المانحة، التي ما زالت تعلق مساعداتها للعمل الأهلي في مصر على إصدار هذا القانون بصورة تساعد على نجاح مخططاتها التنموية في مجالات عدة".

وبحسب رصد أولي لمواد القانون، يتضمن القانون 5 مواد تستخدم تعبيرات "النظام العام والأمن القومي والآداب العامة" كأمور لا يجوز الإخلال بها لحماية الجمعية الأجنبية من الحل، إذ يشترط لإنشائها أن يكون لها نظام أساسي مكتوب يتفق مع نموذج تحدده اللائحة التنفيذية التي ستصدر للقانون، وموقع عليه من جميع المؤسسين، ويجب ألا يتضمن هذا النظام الأساسي أي مواد تنص على الإخلال بتلك المصطلحات الثلاثة، التي تزخر بها التشريعات المصرية، وتستخدم غالباً لتوسيع رقعة التجريم.

 

تسلط حكومي

ولعل عقلية القمع التي تحكم نظام السيسي، تتضح فيما يجيزه المشروع لوزير التضامن الاجتماعي أن يصدر قراراً بإيقاف النشاط أو إلغاء التصريح من الأساس، وذلك فقط "لأسباب تتعلق بتهديد الأمن القومي أو السلامة العامة أو الإخلال بالنظام العام" وذلك من دون اللجوء إلى القضاء، وهو ما يراه مراقبون  "وجود شبهة ترصد بتلك المنظمات" ومحاولة لخداع الدوائر الغربية بتخفيف قيود تصاريح العمل، مقابل تشديد الإجراءات العقابية والسماح بتدخلات إدارية مباشرة في أي وقت لوقف الأنشطة أو منع التمويل.

ووفقاً للمشروع فإن المنظمات الأجنبية التي سيصرح لها بالعمل ستخضع لإشراف الوحدة، وحدة إدارية حكومية، بدلاً من الجهاز المركزي المشرف على المنظمات الأجنبية، ستحمل اسم "الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي" وستقوم أيضاً بنفس أدوار الإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات القائمة حالياً في وزارة التضامن، وستختص بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، ومتابعة إجراءات تطبيق القانون ولائحته التنفيذية، وإعداد ونشر الدراسات والمعلومات والإحصاءات الخاصة بالجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية على المستويين المحلى والإقليمي والدولي.

وسيتوجب عليها تقديم رقم حسابها المصرفي وحساباتها الفرعية التي تتلقى عليها أموالها فيحظر عليها تلقي الأموال أو الإنفاق إلاّ من خلاله، وعليها أيضاً تقديم تقرير إنجاز بصفة نصف سنوية، وتقديم تقرير بشأن ميزانيتها المعتمدة من محاسب قانوني معترف به.

وتشير تلك المواد المقرة إلى أن القانون  الذي يروج له كوسيلة لإنهاء مشاكل العمل الأهلي والتمويل الأجنبي في مصر "أمر ليس مبشراً"، خصوصاً أن النظام ما زال يعمل على محاولة توجيه الدعم الغربي إلى جمعيات بعينها تابعة للنظام أو يديرها موالون له، على الرغم من عدم تمتعها بالخبرة الكافية في مجالات العمل التنموي والإنساني والحقوقي.

 

 

الأموال..هدف الحكومة

 

وأخضع التشريع الجمعيات الأهلية لرقابة البنك المركزي بفتح حساب مصرفي في أحد البنوك الخاضعة لرقابة "المركزي"، فإذا زاد أي من مجموع إيرادات الجمعية السنوية، أو مصروفاتها السنوية، عن خمسة ملايين جنيه، كان لها الحق في فتح حسابات أخرى في بنوك أخرى بعد موافقة الجهة الإدارية المختصة.

وفي سياق، الاستهداف الحكومي لأموال الجمعيات، حظّر مشروع القانون مشاركة الجمعيات الأهلية في أي من المضاربات المالية، واستثمار فائض إيراداتها على نحو يضمن لها الحصول على مورد مالي ملائم، أو إعادة توظيفها في مشروعاتها الإنتاجية والخدمية لدعم أنشطتها، مع جواز الاحتفاظ بما تتلقاه من عملة أجنبية في حسابها، إذا كان نشاطها يتطلّب ذلك، والتصرف فيها بعد مراعاة أحكام القانون وقواعد البنك المركزي. وهو ما يعده خبراء محاولة من النظام المأزوم ماليا بالاستحواذ على اموال الجمعيات وتشغيلها لصالحه أو الاستحواذ على نسبة كبيرة من الأرباح…

 

وتنصّ المادة 34 من المشروع على أن "تلتزم الجمعية بأن تنفق أموالها في الأغراض المخصصة لها، ولها أن تستثمر فائض إيراداتها على نحو يضمن لها الحصول على مورد مالي ملائم أو أن تعيد توظيفها في مشاريعها الإنتاجية والخدمية لدعم أنشطتها، وفقاً لما تحدده اللائحة التنفيذية. وفي جميع الأحوال يُمنع على الجمعية الدخول في مضاربات مالية. ويجوز للجمعيات الاحتفاظ بما تتلقاه من عملة أجنبية داخل حسابها إذا كان نشاطها يتطلب ذلك، ويتم التصرف فيها بمراعاة أحكام هذا القانون والقواعد الصادرة من المصرف المركزي المصري، وأقرّتها بالفعل اللجنة البرلمانية المشتركة من لجان التضامن والخطة والموازنة والشؤون الدستورية".

ثم تنص في فقرتها الثانية على أنه "يجوز للجمعية تأسيس أو المساهمة في تأسيس شركات وصناديق استثمار خيرية ترتبط بأنشطتها، وبما يحقق الاستثمار الآمن لها واستثمار العائد لتحقيق الاستدامة المالية لأنشطة الجمعية، وذلك بعد موافقة الوزير المختص، من دون الإخلال بالالتزامات المفروضة على مؤسسي تلك الشركات أو الصناديق في أي قانون آخر".

وكانت مصادر حكومية قد كشفت في نوفمبر الماضي، عن أن "الجمعيات الموالية والمؤيدة للنظام طالبت بتمكينها من استثمار أموالها وتشغيلها في مشاريع ربحية، تحت رقابة وزارة التضامن والجهاز المركزي للمحاسبات، وذلك كرد فعل على فشل مخططها لاستثمار أموال التبرعات، بعد تصدّي مجلس الدولة له في ظل العمل بالقانون الحالي الذي سيتم إلغاؤه".

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، غادة والي، قد طالبت، في أغسطس 2017، أي بعد صدور القانون الحالي بثلاثة أشهر، بإضافة مادة تسمح للجمعيات والمؤسسات الأهلية بالمشاركة في الشركات المساهمة التي أسستها الحكومة أخيراً تحت مسمى "المشاريع القومية للاستثمار والتنمية"، والتي من بينها شركة "أيادي للاستثمار والتنمية" التي تساهم فيها مؤسسة "مصر الخير" الموالية للنظام، المُدارة بواسطة المخابرات. وهي شركة كان عبد الفتاح السيسي يعوّل عليها لقيادة سوق التمويل العقاري والاستثمارات الحكومية في مجالات عدة، كوعاء لاستثمار أموال التبرعات التي جمعها من رجال الأعمال والموظفين والمواطنين في الكيان المسمى "صندوق تحيا مصر" والذي لا يخضع لرقابة أي جهة.

ويأتي المشروع الجديد ليجيز اشتراك الجمعيات، التي في الأساس لا تهدف إلى الربح، في تأسيس شراكات طويلة الأمد ومربحة مع غيرها من المؤسسات. وهو ما سيحقق الربط الذي كانت تسعى إليه الحكومة بين قطاع الأعمال العام والقطاع العام والجمعيات الأهلية للاستفادة بقدرات كل منها في إقامة مشاريع في مختلف المجالات الخدمية والصناعية والإنتاجية، خصوصاً في المدن الأكثر احتياجاً، لتوفير أكبر قدر من فرص العمل، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب استهدافها تحقيق الربح، لخلق وظائف مستدامة وتحقيق عوائد اقتصادية للجمعيات الأهلية والجهات الحكومية المساهمة فيها.

ويتغلب المشروع الجديد بذلك على عقبة حالت لمدة عامين دون تنفيذ مشاريع كان يحاول نظام السيسي الإسراع في تنفيذها، لتحقيق أرباح مالية للحكومة وتحقيق الانتعاش للاقتصاد القومي، من خلال الدمج بين مؤسسات الحكومة ومنظمات المجتمع المدني الموالية للنظام والخاضعة لسيطرته.

 

وبدأ النظام منذ عام 2014 في إنشاء شركات مساهمة بين الطرفين، وكانت أولها شركة "أيادي للاستثمار والتنمية"، الخاضعة لقانون شركات المساهمة والتوصية بالأسهم. واستغرقت حكومة إبراهيم محلب آنذاك أشهراً لبلورة هيكل أولي لشركة "أيادي" لتسويقها في الرأي العام، كواحدة من إنجازات النظام الموعودة على صعيد الاستثمار والتنمية. فبادرت إلى الاستعانة بالمصارف ذات الاحتياطي المالي الضخم، كمصرف الاستثمار القومي ومصرف الاستثمار العربي، وهيئات حكومية عدة، كهيئة الأوقاف المصرية وشركة البريد المصري للاستثمار، وصندوق تحيا مصر، بالإضافة إلى جمعيات أهلية، أبرزها "مؤسسة مصر الخير" الموالية للنظام الحاكم، التي يروّج لها كواحدة من أكبر مؤسسات العمل الخيري "غير الهادف إلى الربح" في مصر، ويرأس مجلس أمنائها المفتي السابق علي جمعة، المعروف بتأييده المطلق للسيسي.

وفي مارس 2015 تم تأسيس الشركة وقيدها رسمياً في البورصة المصرية، وتم طرح أسهمها بسعر 100 جنيه للسهم ، بحسب تصريحات رسمية لوزير التخطيط السابق، أشرف العربي. وضخت المصارف والمؤسسات المساهمة نحو 410 ملايين جنيه (24.7 مليون دولار) بداية لرأس المال، تمثل الأموال الحكومية منها نسبة 95 %. إلاّ أن الطبيعة التنافسية والربحية للشركة كانت ظاهرة منذ إعلان إنشائها؛ فأدلى أحد مؤسسيها، وهو رئيس هيئة الاستثمار الأسبق عاصم رجب، بتصريحات مفادها أن "الشركة تهدف إلى الربح بالدرجة الأولى"، معتبراً أن "هذا الربح هو الذي سيعينها على خلق الوظائف المستدامة وتحقيق العوائد الاقتصادية للجهات الحكومية والمؤسسات المساهمة فيها".

 

وبينما كانت الحكومة تخطط من أجل البنية القانونية لشركة "أيادي" ذات الطبيعة التنافسية الربحية، كانت بالتوازي تسعى إلى الاستفادة من أموال وخبرات المؤسسات الأهلية الناجحة والمتعاونة مع النظام في آن واحد، وعلى رأسها مؤسسة "مصر الخير" التي ساعدت الجيش سلفاً في عدد من مشاريع الإسكان، حيث ضخت بشكل أولي 50 مليون جنيه (3 ملايين دولار) في مارس 2015، إلى جانب أنها وضعت إمكانياتها البشرية والإدارية تحت تصرّف "أيادي".

وبعد صدور القانون، أثار المستشارون القانونيون لوزيرة التضامن الاجتماعي شبهات حول فتح الباب أمام الجمعيات الأهلية ومؤسسات العمل الخيري للمساهمة في شركة "أيادي" وغيرها من الشركات المساهمة الحكومية، التي سيتم تأسيسها بشراكة بين القطاع الخاص والمجتمع المدني وجهات حكومية، لا سيما أن "مصر الخير" ساهمت بالفعل في رأسمال الشركة المذكورة، وأن هناك اتجاها لإدخال مؤسسات أهلية أخرى. وعلى الأثر، لجأت الوزارة إلى مجلس الدولة لتحديد مدى صحة مساهمة المؤسسات الأهلية في رأسمال وإدارة شركة "أيادي" ومثيلاتها من المشاريع، فأكد المجلس، في فتوى أصدرها في يونيو 2017، أن إجراءات مساهمة "مصر الخير" في "أيادي" باطلة، لعدم جواز مشاركة الجمعيات الأهلية التي تمارس عملاً خيرياً اجتماعياً غير هادف إلى الربح في شركات مساهمة تسعى بشكل أساسي إلى المضاربة سعياً لتحقيق الربح الذي يعود مباشرة إلى مؤسسيها والمساهمين فيها.

وأكدت الفتوى الصادرة على ضوء القانون القائم أن "الجمعيات الأهلية بطبيعتها تهدف إلى المشاركة المجتمعية في تحقيق التنمية الشاملة التي ترتقي بحياة المواطنين صحياً وتعليمياً واجتماعياً وثقافياً، من خلال مشاريع منتجة في جميع نواحي الحياة، ومن ثم فإنه تطبق عليها المحظورات المنصوص عليها في قانون العمل الأهلي، بحظر المضاربة والتربح والمشاركة في عمل مربح". وبذلك يكون النص الذي يتضمنه المشروع الجديد قد نسف الأساس القانوني لهذه العقبة، ليتيح للنظام تأسيس شركات جديدة، على غرار "أيادي"، الأمر الذي لا يجسد فقط توغل الدولة للسيطرة على أجزاء من ميدان العمل الأهلي وإعطاء أفضلية مطلقة للجمعيات الموالية لها، بل يعكس أيضاً رغبة النظام في أن تستحوذ تلك الجمعيات على إمكانيات مالية وإدارية وإعفاءات ومزايا تمكّنها من احتكار الأنشطة الأهلية، وإضعاف فرص الجمعيات المنافسة في الحصول على تمويل من الداخل والخارج، أو تولي تنفيذ مشروعات تنموية على المستوى القومي.

 

استجابة للضغوط الأحنبية

 

وبحسب مراقبين، أثمرت الضغوط الأجنبية من عواصم عالمية على الحكومة،  لاقرار التعديلات الجديدة في القانون الذي تقدمت به الحكومة وأقره البرلمان، وليس تلبية احتياجات داخلية، وهو ما أكدته المعارضة المصرية، على لسان تكتل "25-30" البرلماني…

فيما لا تزال عدة دوائر غربية وبعض السفارات العاملة بالقاهرة المهتمة بملف الجمعيات الأهلية، قلقة  ، بشأن بعض المواد التي تراها تفتح مداخل للسيطرة الحكومية على العمل الأهلي والتضييق على عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، المدعومة من العواصم الكبرى، وعلى رأسها واشنطن، وكذلك فروع المنظمات الإقليمية العاملة في مجالات التنمية الاجتماعية وحقوق الإنسان".

 

وكانت لجان خاصة من جهازي الاستخبارات العامة والأمن الوطني قد اجتمعت مع ممثلي منظمات المجتمع المدني الأجنبية في مصر، والجهات المانحة التابعة لحكومات الولايات المتحدة وألمانيا والدول الاسكندنافية بغية التوصل إلى "اتفاقات ثنائية" مع كل جهة بشأن مقترحات التعديل من جانب، وبشأن خطة عملها في مصر للعامين المقبلين من جانب آخر.

وكان هذا التحرّك يستهدف إرضاء الحكومات الأجنبية وضمان استمرار ضخها أموال المساعدات للجمعيات المصرية، لأن المؤسسات التابعة للحكومة لا تستطيع تحمّل الأعباء وتوجيه الأموال ومباشرة الأنشطة في جميع المحافظات، وبالتالي فإنّ حاجتها لجمعيات مصرية تكون وعاءً لمساعداتها الاجتماعية يحتّم عليها ضرورة الاستعانة بتلك الجمعيات، ويحتم على الحكومة المصرية اتخاذ التدابير اللازمة لاستمرار تدفق الأموال، والذي انخفض بصورة ملحوظة منذ صدور القانون الحالي  في مايو 2017، والذي أقر تعديله قبل يومين.

 

وتوجّه معظم المساعدات الاجتماعية إلى مشاريع إنشاء مدارس ووحدات صحية ومستشفيات، وتحديداً في قرى الصعيد الأكثر فقراً، التي تعترف الحكومة بأنّ المجتمع الأهلي الممول بمساعدات أجنبية أو تبرعات محلية يتولّى أكثر من 70 % من الأعمال الإنشائية واللوجستية فيه. وبحسب مراقبون ، فإنّ نظام السيسي تنبّه إلى حقيقة أنّه لا يستطيع التضحية بتلك المساعدات بسبب نظرة قاصرة أو ضيقة للمنظمات الحقوقية المعارضة للنظام، ولا يمكنه المضي قدماً في هذه الإجراءات المتعسّفة مع جميع الجمعيات والمؤسسات، نتيجة تخوفات من فئة واحدة.

ويبلغ عدد الجمعيات الأهلية، بحسب بيانات وزارة التضامن الاجتماعي المصرية، 40 ألف جمعية.

 

رأي الحقوقيين والجمعيات

 

وكانت 9منظمات حقوقية مصرية، أصدرت بيانا مشتركا، قبيل أيام من اقرار البرلمان للقانون، اعتبرت فيه، "القانون الجديد ما هو إلا إعادة تسويق للقانون القمعي الذي يحمل فلسفة عدائية لمنظمات المجتمع المدني بهدف إخضاعها للأجهزة الأمنية"، وحثّت المجتمع الدولي على عدم الترحيب بمشروع القانون الجديد، والضغط من أجل مزيد من الإصلاحات، كما طالبت بالعودة إلى مشروع قانون سابق تم تجاهله، رغم أنه شهد مشاورات ومشاركة أطياف مختلفة من منظمات المجتمع المدني، وبمشاركة عدة وزارات.

 

وقالت المنظمات في البيان: "ألغى مشروع القانون الجديد حصول صندوق دعم الجمعيات الأهلية على نسبة 1% من كل تمويل لأي جمعية أهلية، والتي كانت مثار اعتراض عدد من الجهات المانحة، كما استبدل العقوبات السالبة للحرية بغرامات مالية باهظة. تلك التعديلات توضح أن المشرع تحايل على أغلبها، فاستبدل إشراف المجلس (الأمني) بوحدة جديدة تدعى (الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي) تتبع الوزير المختص".

 

وأضاف البيان أن مشروع القانون يلزم الجهة الإدارية بوضع "آلية للتبادل الفوري للمعلومات مع السلطات المختصة لإعمال شؤونها في حالة توافر اشتباه بتورط أي من المنظمات في تمويل الإرهاب أو يجري استغلالها لذلك الغرض، ما يعني التحكم الكامل للسلطات الأمنية من وراء ستار".

 

يذكر أن إلغاء العقوبات في قانون الجمعيات يستتبع تنقيح العديد من القوانين الأخرى، وعلى رأسها قانون العقوبات وقوانين الإرهاب والكيانات الإرهابية، والتي تجرّم عمل المنظمات غير الحكومية والمدافعين عن حقوق الإنسان، ويواجه المتهمون في القضية المعروفة بقضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني اتهامات قد تؤدي إلى سجنهم مدى الحياة.

 

وأضافت المنظمات "على خطى القانون الحالي، تحايل مشروع القانون على المادة 75 من الدستور التي تشترط تأسيس الجمعية بمجرد الإخطار، وحول عملية الإخطار إلى ترخيص بأن علق شرط اكتساب الشخصية القانونية للجمعية على عدم اعتراض الجهة الإدارية، واشترط إصدار تلك الجهة خطابًا للبنوك يتيح للجمعية فتح حساب، كما توافق القانون الحالي ومشروع القانون على استثناء الجمعيات بالمناطق الحدودية من شرط الإخطار لتأسيس الجمعية، وجعلها بالترخيص المسبق بعد استطلاع رأي المحافظ".

 

وتابع البيان "احتفظ المشروع بباب خلفي لتقييد نشاط الجمعيات عن طريق الموافقة المسبقة على التمويل والمنح الدولية، فمن الممكن للدولة منع نشاط معين عن طريق رفض المنحة المقدمة له، كما أن القانون لم يشترط على الدولة إبداء أسباب الرفض".

 

وبين الملاحظات أن "مشروع القانون اعتبر أموال الجمعيات في حكم الأموال العامة، وأخضعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات رغم أن الجمعيات ليست من مؤسسات الدولة، وأموالها ليست أموالا عامة كما أقرّت المحكمة الدستورية العليا في أحكام سابقة".

 

ونبّهت المنظمات إلى أنه "عند النظر إلى مشروع القانون المعروض على البرلمان، لا يتعين مقارنته بالقانون الحالي، حيث إنه الأسوأ على الإطلاق، ولا يصلح للمقارنة، ويتعارض مع مواد الدستور والتزامات مصر الدولية، بما في ذلك التوصيات التي استقبلتها مصر خلال الدورة الثانية للاستعراض الدوري الشامل في نوفمبر 2014".

خاتمة

وعلى أية حال يعد القانون الجديد بمثابة اداة لاسترضاء الغرب، ولجلب المساعدات لجمعيات موالية للسيسي ونظامه، تسمح له باستثمارها  وفق القانون الجديد، الذي لا يضمن معه سلامة الجمعيات والعمل الاهلي في ظل

عدم اعتراف وتقدير نظام السيسي لدور المجتمع المدني وعدم توافر الرغبة السياسية في تحريره واستقلاله

وهو ما يتضح في كثير من مواده التي تحظر الكثير من الأنشطة على الجمعيات والمؤسسات الأهلية، بما يضع الأبحاث الميدانية كافة واستطلاعات الرأي، أياً كان نوعها، ضمن الأنشطة المحظورة، والتي لا تعلن الا بعد اقرارها من جهاز التعبئة والإحصاء الحكومي.

..ويبقى التطبيق العملي للقانون الذي من المتوقع نشره بالجريدة الرسمية ، قبل مراجعة الملف المصري في مجلس حقوق الانسان الدولي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع المنصرم   أولا…