‫الرئيسية‬ العالم العربي الانقلاب الثاني على الشرعية فى اليمن .. السعودية تنفذ قرارات أبوظبي
العالم العربي - أغسطس 17, 2019

الانقلاب الثاني على الشرعية فى اليمن .. السعودية تنفذ قرارات أبوظبي

بقلم: حازم عبد الرحمن

في العاشر من أغسطس 2019 شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن انقلابا على الشرعية التي يمثلها الرئيس عبد ربه منصور هادي المقيم بالسعودية, منذ الانقلاب الأول على ثورة 2011 الذي شهدته العاصمة صنعاء في 2014 , وكانت على أثره مطالبة هادي المجتمع الدولي ودول الخليج لدعم بلاده في مواجهة الانقلاب الذي يقوده عبد الملك الحوثي وجماعته أنصار الله؛ ثم جاءت عاصفة الحزم بتحالف تقوده السعودية ومعها الإمارات وعدد من الدول بمشاركة رمزية عدا السودان الذي قام بتوريد آلاف الجنود لدعم التحالف.

وقد فشلت عاصفة الحزموالسياسة السعودية في اليمن؛ لأسباب عديدة منها أن الرياض وأبو ظبي دعمتا ـ في البداية ـ انقلاب الحوثي على الشرعية لتندلع مواجهة مسلحة مع حزب التجمع اليمني للإصلاح, تؤدي في النهاية إلى حرب أهلية يتم فيها التخلص من التجمعباعتباره يمثل الإخوان المسلمين, وهي الفكرة التي تبناها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد, وألقاها في روع الملك عبد الله بعد أن اخترق ديوانه برجل الإمارات خالد التويجري الذي أقاله الملك سلمان فور اعتلائه العرش, ومنعه من السفر؛ فيما بدا وقتها تصحيحا لأخطاء فترة حكم الملك عبد الله؛ لكن محمد بن زايد, وقد رأى مشروعه يسقط في السعودية سرعان ما تحرك ليصب ملايين الدولارات في حسابات عدد من مستشاري الملك سلمان لترتيب لقاء مع الأمير محمد الابن المفضل للعاهل السعودي, وتم اللقاء بالسيطرة تماما على عقل الأمير الشاب ووعده بكل الدعم ليصبح ملكا, وهو في هذه السن الصغيرة؛ فصار تابعا لمحمد بن زايد, وعادت سيطرة ولي عهد أبو ظبي على الحكم في الرياض أقوى وأخطر.

وقد تجلت السيطرة الإماراتية على القرار السعودي في حرب اليمن؛ فرغم قيادة الرياض التحالف؛ إلا أن ما يجري على الأرض كان يحقق أهداف محمد بن زايد؛ حيث التخطيط لفصل جنوب اليمن عن شماله, والسيطرة على موانئه الاستراتيجية وجزيرة سقطري الفريدة في طبيعتها وموقعها, ونجح في إنشاء ميليشيات موالية للإمارات لفصل الجنوب؛ لتقوم بانقلاب ثان على الشرعية في اليمن, في حين أن نصيب السعودية من الحرب كان هجوم ميليشيات الحوثي على حدودها ومطاراتها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة؛ ما دفعها للاستنجاد بقمة عربية وخليجية, بينما الإمارات لم يصبها شيء تقريبا من شرر الحرب بسبب علاقاتها الخفية مع جماعة الحوثي, بعيدا عن ولي العهد السعودي التابع لولي عهد أبو ظبي .

وبعد وقوع الانقلاب الثاني في عدن باتت الحقيقة مكشوفة أمام الجميع, وهي أن القرار السعودي تابع لما يصدر من أبو ظبي, ولم يعد أحد يشك في ذلك؛ فسقوط عدن في قبضة انقلابيي الجنوب نزع ورقة التوت التي تستر الانقياد الكامل للسعودية خلف أبو ظبي؛ ما أوقع الأولى في الحرج, بما أظهره من ضعف موقفها الذي ضخمت منه وسائل الإعلام في دعم الشرعية؛ بل إن محمد بن سلمان نفسه صرح للتلفزيون السعودي في حوار شهير بأن الشرعية تسيطر على 85% من اليمن, كما كانت جيوش الذباب الإلكتروني الموالية لأبو ظبي بوسائل التواصل الاجتماعي تهلل للانقلابيين في الجنوب, وتلقت السعودية الهجوم والتوبيخ من جماهير الشعب اليمني وانتقادات حادة من بعض قيادات الشرعية بسبب صمتها على الانقلاب وانسحاب قواتها المكلفة بحماية قصر المعاشيق الرئاسي بعدن؛ وتجاهلها نداءات قوات الشرعية ليحتله الانقلابيون؛ فيما بدا اتفاقا غير معلن بين السعودية والإمارات على تسليم العاصمة المؤقتة .

*محمد بن زايد والانقلاب الثاني

يعتبر كثير من المراقبين أن محمد بن زايد هو رجل الانقلابات في المنطقة؛ فقد وقف وراء الانقلاب العسكري في مصر في 3 يوليو 2013 , وكذلك كان وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في 15 يوليو 2016 , وما زال يدعم انقلابا ضد الحكومة الشرعية في ليبيا؛ بتمويل الضابط المتقاعد خليفة حفتر, أما في اليمن فقد عمل على التحضير للانقلاب منذ خروج الحوثي من عدن بتشكيل قوات موالية له في 2016، فيما يسمى الحزام الأمني“, وهو خليط من عناصر سلفية وأفراد من تنظيم القاعدة، وبلطجية، وجنود وضباط سابقين، ومرتزقة يقاتلون بالأجرة اليومية، وقد مثّل الحزام الأمنيالذراع العسكرية لما يسمى المقاومة الجنوبية، المطالبة بالانفصال في عدن عن دولة اليمن التي توحدت في 22 مايو 1990 أي قبل ثلاثين عاما, وأنشأ بن زايد ما يسمى المجلس الانتقالي، الذي أعلن عن تأسيسه رسميا في أبريل 2017، برئاسة محافظ عدن المُقال عيدورس الزبيدي، ونيابة السلفي هاني بن بريك، وقد جندت الإمارات نحو 90 ألف مقاتل يتوزعون بين المحافظات الجنوبية في محافظتي شبوة وحضرموت ( شرقي اليمن) والساحل الغربي في تهامة (غربي اليمن)، على شكل نخب وألوية عسكرية، ويعملون تحت إمرة المجلس الانتقالي“, وتم التخلص من المقاتلين المخلصين في صفوف قوات الشرعية بالاعتقال في السجون السرية والقتل غيلة؛ ليخلو الطريق أمام عصابات المرتزقة والمأجورين والقتلة، الذي يعملون بولاء كامل لصالح بن زايد .

وقد جرى كل ذلك أمام صمت سعودي مخجل يتجلى فيه التواطؤ مع جرائم بن زايد في اليمن مع غض الطرف السعودي عنها؛ ما جعل محللين يذهبون إلى خطة سعودية تشبه خطة بن زايد, وهذا التصور أبعد من قدرات حكام السعودية الحاليين المستسلمين تماما لتوجهات بن زايد, وهو إن حدث فسيكون استجابة لتوجيهات أمريكية في سياق رسم خريطة جديدة للمنطقة, وعلى رأسها تقسيم الدول من جديد لتكرار اتفاقيةسايكس ـ بيكوبشكل جديد, وهو مشروع خطير واحتمالات نجاحه ضئيلة.

* هاني بن بريك رجل الإمارات

هاني بن بريك نائب رئيس ما يسمى المجلس الانتقاليهو صنيعة الإمارات في عدن ومتورط في اغتيال 30 داعية وشخصيات اجتماعية وخطباء وضباطا موالين للسلطة الشرعية في عدن ومدن أخرى, وقد أثبتت وثائق النيابة العامة مشاركة بن بريك في التخطيط لجرائم اغتيالات أدت إلى مقتل أكثر من 120 مواطنا لأسباب سياسية في الفترة من 2015 إلى 2018, وفي تعليق له على محاضر تحقيقات النيابة، قال بن بريك إنه سيواصل هذا العمل؛ ما يعني اعترافا صريحا بارتكاب جرائم القتل, وهو أمر سيكون له ما بعده عند الشعب اليمني والمجتمع الدولي عندما يحين الوقت, وتأخذ الأمور مجراها الصحيح في اليمن وغيره من البلاد التي شهدت الموجة الأولى من الثورات العربية .

*مستقبل الانقلاب الثاني

على مستوى العالم تتراجع الانقلابات, وتتزايد رغبة الشعوب في الاستقرار والحكم الديمقراطي؛ بسبب نمو الوعي بأهمية الحرية, وحكم الشعوب نفسها بعيدا عن الدكتاتورية والأنظمة القمعية التي لم تأت إلا بالفقر والمهانة وضياع حقوق الإنسان؛ بل إن قارة إفريقيا المعروفة بالانقلابات أصبحت تستنكر هذه الأفعال المتخلفة التي تهدر حقوق الشعوب, وفي اليمن عوامل كثيرة تمنع استمرار الانقلاب وتوقظ ولي عهد أبو ظبي من أحلامه التوسعية, ومن أهم هذه العوامل:

ـ أن وحدة اليمن استمرت ثلاثين عاما, أي أن جيلا كاملا نشأ وتربى في عهد الدولة الواحدة, وهذا الجيل يصعب عليه قبول فكرة تقسيم اليمن, ولن يقبلها.

ـ أن دعاة الانفصال الانقلابيين عملاء, وصنيعة لدولة أخرى الإمارات؛ فما يقومون به ليس لقناعات أصيلة لديهم, وإنما هي عمالة صريحة للخارج تضعهم أمام جريمة الخيانة العظمى, وهكذا يراهم الشعب اليمني.

ـ أن جرائم هاني بن بريك وميلشياته الموالية لولي عهد أبو ظبي تركت ثارات وجراحا غائرة في صدور اليمنيين, وهم لن يقبلوا ما جرى, وسيثأرون ممن قتل أبناءهم, واعتقلهم في السجون السرية ومارس ضدهم أبشع صنوف التعذيب.

ـ أن الانقلابيين مجموعة من المرتزقة, وليسوا من أصحاب المبادئ؛ ما يعني أنهم سيتبخرون حال ظهور مواجهة حقيقية لمشروعهم.

ـ أن محاولات العودة عن دولة الوحدة في اليمن ليست جديدة, لكنها فشلت جميعا.

ـ أن مسألة انفصال أحد أقاليم الدولة لكي ينجح فإنه يلزمه اعتراف دولي, يأتي بعد استفتاء حر يشهد به العالم, وليس ما تقوم به ميليشيات مرتزقة مدعومة من الخارج.

ـ في ظل سيول المعلومات التي تتدفق عبر وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية لم يعد يجدي إخفاء الحقائق عن الشعوب, ومن ذلك أن الانقلاب الثاني على الشرعية في اليمن جرى عن طريق خيانة عملاء لوطنهم, ومؤامرة خارجية دبرتها الإمارات؛ ما يعني عدم استقرار الانقلاب حتى لو طال عمره قليلا.

ـ أن تاريخ شعب اليمن يؤكد أنه عنيد في مواجهة الغزاة, ولن تكون مقاومته للعملاء والموالين للخارج شيئا جديدا عليه, بل مؤكدة.

ـ أن هناك احتمالات تغيير ما زالت قائمة في القيادة السعودية؛ حيث تتواصل ضغوط الكونجرسعلى إدارة ترامب بخصوص تغاضيه عن جرائم محمد بن سلمان, وقد يفضي الأمر إلى استبعاده وإحلال أمير آخر محله, مع ما يحمله ذلك من إفشال خطط محمد بن زايد والمرتبطين به في المنطقة.

ـ لم يبق كثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية, وقد لا يعود ترامب رئيسا ويضيع دعمه لكل من محمد بن زايد ومحمد بن سلمان؛ فتسقط أحلامهما ومشاريعهما ومنها الانقلابات.

وأخيرا فإنه إذا كان اليمن قد استجار من رمضاء الحوثي بنار السعودية فها هو قد لذعته النار ليفيق على انقلاب جديد جاء متخفيا في ثياب سعودية, والحقيقة أن المملكة في هذه المرحلة تعيش فترة عصيبة في ظل اختراق قيادتها على أعلى مستوى؛ ولا يمكنها أن تعين أحدا بعد أن فشلت في عون نفسها, وهي لا تدري ماذا تفعل, وإلى أين يقودها محمد بن زايد وتابعه محمد بن سلمان!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …