‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا الإسلاميون فى ليبيا…بين الحوار السياسى والصراع العسكرى
ليبيا - سبتمبر 8, 2019

الإسلاميون فى ليبيا…بين الحوار السياسى والصراع العسكرى

تنتشر العديد من التيارات الإسلامية فى ليبيا، وقد أصبحت هذه التيارات من أهم الفواعل المحركة للمشهد الليبى منذ قيام ثورة فبراير 2011 ضد القذافى. وعلى الرغم من إنطلاق هذه التيارات من مرجعية وعقيدة واحدة، وإتفاق أغلبها على أهداف مشتركة تتمثل فى ضرورة تطبيق الشريعة وإقامة دولة إسلامية، ولكنها تختلف فيما بينها حول طبيعة هذه الدولة، وطرق ووسائل إقامتها. وهو ما ستتطرق إليه الورقة فى السطور القادمة عبر التركيز على التيارين الإسلاميين الأساسيين فى ليبيا: الإخوان المسلمين والسلفيين.

 

أولاً: جماعة الإخوان المسلمين:

لا يختلف حالة التيار الإٍسلامي العام المرتبط بمدرسة الاخوان المسلمين فى ليبيا عن حالة مثيلته فى مصر، حيث تواجه الجماعة ما يشبه الصراع والتنافس بين تيارين رئيسيين: تيار يطالب بالتمسك بالخيارات الثورية والعسكرية، وتيار آخر يؤكد على ضرورة التمسك بالخيارات السلمية والسياسية.

ويمثل التيار الأول فى ليبيا دار الإفتاء، بينما يمثل التيار الثانى حزب العدالة والبناء. وهو ما يمكن تلمسه فى مواقف كلاً منهما فى العديد من الأحداث المفصلية التى مرت بها ليبيا كما يلى:

أ- الموقف من قانون العزل السياسى: دعم كلاً من حزب العدالة والبناء ودار الإفتاء فكرة إصدار قانون العزل السياسى الذى يستبعد بعض أركان نظام القذافى. وقدم الحزب مقترحات وشارك فى نقاشات داخل المؤتمر الوطنى (برلمان طرابلس) حول هذا القانون، فى حين أصدر المفتى الليبى الصادق الغريانى فتوى، في مارس 2013، بحرمة الخروج للتظاهر ضد عزم المؤتمر الوطني إصدار قانون العزل السياسي، معتبراً أن “إصدار القانون واجب شرعي لإبعاد من عمل في منظومة نظام القذافي من الحياة السياسية”[1].

ولكن يختلف الطرفين فى نطاق تطبيق القانون، ففى حين سعت دار الإفتاء إلى توسيع نطاقه ليشمل الوظائف الإدارية، فإن الحزب سعى إلى  تضييق نطاق الحرمان ليقتصر على الحقوق السياسية[2].

ب- الموقف من الحوار الوطنى: كانت الفكرة المركزية التي يركز عليها المفتي الصادق الغريانى، ليست في الاعتراض على الحوار السياسي، لكنها في ضرورة إجراء الحوار بشروط معينة منها: 1- ضرورة إجراء الحوار بعيدًا عن الهيمنة الأجنبية، وهو ما يشكل أساس رفضه للحوار الوطني تحت مظلة الأمم المتحدة. 2- ضرورة إبعاد البرلمان وحفتر من الحوار[3]. بينما نجد أن حزب العدالة والبناء يقوم بالحوار والتفاوض مع مجلس النواب، وتحت مظلة الأمم المتحدة.

ج- الموقف من الإتفاق السياسى: أعتبر المفتي أن الترتيبات اللاحقة على إتفاق الصخيرات 2015، أرست الفساد وتردي الدولة، وفي مارس 2016، طالب الغرياني المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، بالخروج من طرابلس و”تجنيب البلاد إراقة الدماء”، بل توعد في ظهور تلفزيوني له، داعمي حكومة الوفاق بـ”عذاب من الله”، ووصف حكومة الوفاق بـ”حكومة الوصاية الدولية”، ووصف الإتفاق السياسي بأنه “استهداف للثوار، وحيلة دولية لتمكين مشروع حفتر الانقلابي من البقاء في البلاد، تحت رعاية حكومة الوفاق”[4].

وفى المقابل، أيد حزب العدالة والبناء الإتفاق، فقد نظر الحزب، وفق بيانه في 19 ديسمبر 2015، إلى الإتفاق من وجهة أنه الحل الممكن في الظروف الحالية لتحقيق الاستقرار ووقف الحرب، ويمثل خطوة في بناء الدولة وصياغة الدستور. كما أن الخلفية التي شكلت موقف العدالة والبناء ترجع إلى اعتبار الأطراف الدولية أن المسودة المعروضة هي الصيغة الوحيدة لإدارة الدولة خلال المرحلة الانتقالية، وهو ما يرفع سقف الضمانات الدولية تجاه ليبيا.

ويمكن القول أن الخلاف بين الحزب ودار الإفتاء يختلف وفقاً لقراءة كلا طرف، ففى حين يعتبر الحزب أن صدور الإتفاق سوف يشكل نقطة البداية، لتحقيق السلام اعتمادًا على الثقة في الأمم المتحدة بصفتها منظمة دولية، فأن دار الإفتاء ترى أنه لا يتوافر ضمانات لتنفيذ الإتفاق، وأن ما يجرى على الأرض يقوض أي إتفاق قبل إعلانه وخصوصًا في ظل غياب قوة ملزمة يمكن الإطمئنان إليها[5].

د- الموقف من الصراع المسلح: إزاء اندلاع الأزمة السياسية في ليبيا ونشوب الصراع المسلح في يوليو 2014، صدرت فتوى عن دار الإفتاء أكدت فيها على أن القصاص من الجاني وردعه هو شرط أساسى من شروط المصالحة وحقن الدماء، وقد شكلت هذه الفتوى الأساس الشرعي للتصدي للانتهاكات الأمنية في طرابلس، ومهدت الطريق لعملية فجر ليبيا كاتجاه سياسي لردع الانتهاكات ضد المدنيين[6].

وقد أظهرت تصريحات الغرياني وفتاواه ومواقفه انحيازاً للثوار ومعارضة كل ما من شأنه تهديد الثورة، فقد شرعن قتال المجموعات المسلحة التابعة للزنتان والموالية لحفتر، من قبل مقاتلي عملية “فجر ليبيا” نهاية عام 2014. كما اعتبر أن القتال في صفوف مجالس شورى بنغازي ودرنة ضد قوات حفتر “واجب شرعي”[7].

بينما يتمثل موقف حزب العدالة والبناء من الصراع المسلح فى ضوء رؤيته لخيارات المتضرر، حيث طرح ثلاثة خيارات؛ “إما القصاص، وإما العفو، وإما جبر الضرر”، ويرى أن القصاص يكون عبر القضاء، ومن اختار العفو فأجره على الله، وتوفير ضمانات لجبر الضرر، وهذه البدائل تشكل واحدًا من أطر تنفيذ العدالة الانتقالية، بحيث تضمن التعويض العادل كحد أدنى، لأنها لا توفر الضمانات القانونية والشروط السياسية لحماية المتضررين، وخصوصًا في ظل ضعف وتفكك مؤسسات الدولة (أى أن الحزب يستبعد فكرة القصاص فى ظل تفكك الدولة).

وقد أدى موقف العدالة والبناء إلى نتيجتين: الأولى استقالة بعض الأعضاء من الحزب، لعدهم موقفه تخلّيًا عن تيار الثورة، والثانية ظهور خلافات بين الحزب ورئاسة المؤتمر الوطني، مما أدى لاحقًا إلى تصدع المؤتمر، فبينما اتجهت كتلة العدالة والبناء إلى المضي في تشكيل (المجلس الأعلى للدولة) ظلت غالبية كتلة (الوفاء لدماء الشهداء) في المؤتمر الوطني[8].

ز- كيفية التغيير: قدم المفتى الصادق الغريانى اقترح مبادرة بديلة تتضمن تشكيل جسم تشريعي بديلًا عن المؤتمر والبرلمان يكون أعضاؤه وجوهًا جديدة من قوائم انتخابات 2012، تكون مهمتها الإتفاق على وثيقة  تكون بمثابة دستور مؤقت للمرحلة الانتقالية.

وتقوم رؤيته المرحلية على أهمية وقف التدهور الحالي من خلال حزمة سياسات تقوم على دعم الثوار وسرايا مجاهدي بنغازي، ومقاومة داعش، وقوات الردع الخاصة (المحسوبة على التيار السلفى المدخلى)، ولكنه وضع في حالة التعامل مع المداخلة، تصنيفين: القسم الأول هم الملتزمون من عامة الناس المغرر بهم، والقسم الآخر قيادات من صنيعة الاستخبارات السعودية، حملوا السلاح استجابة لجهات غير ليبية، وإتباعًا لفتاوى ضالة مضلة[9].

بينما ركز حزب العدالة والبناء على ضرورة أحداث التغيير من داخل جهاز الدولة، فقد تولى الحزب في الحكومة خمس حقائب وزارية هي: الغاز، النفط، الإسكان ومرافق الشباب، الرياضة، الإقتصاد، والكهرباء.

كما هناك أحاديث عن مساعى للسيطرة على الأجهزة الأمنية من خلال استحداث جهاز يسمى باللجنة الأمنية العليا المؤقتة، وهي لجنة موازية للشرطة وتابعة لوزارة الداخلية. كما أن الحزب سعى إلى الإطاحة بخصومه بالوسائل السياسية والدستورية، مثل محاولات سحب الثقة من حكومة على زيدان[10].

 

ثانياً: السلفية:

هي جماعات مشتتة ومتناثرة لا تنشط ضمن إطار تنظيمي واحد وتنتشر في المنطقة الغربية طرابلس وضواحيها، الزاوية، ومصراتة، الخمس، زليتن من خلال بسط هيمنتها على المساجد لنشر أفكارها، حتى إنها منعت وزارة الأوقاف من السيطرة على العديد من المساجد بهذه المدن.

1- السلفية المدخلية:

تنسب السلفية المدخلية إلى الشيخ السعودى ربيع المدخلي، وتركز اهتمامها على المظاهر الإسلامية مثل اللباس والسلوك، وطاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه حتى ولو كان ظالماً.

ولم تشارك السلفية في الثورة، واعتبرتها خروجاً على ولي الأمر. ولكنها شاركت في العملية الديمقراطية وأسست حزب الأصالة والتجديد. وتشارك الجماعة في شرق ليبيا في قتال أنصار الشريعة والدروع إلي جانب قوات اللواء حفتر[11]، كما أنها تتحالف فى الغرب مع المجلس الرئاسى فى القتال ضد حفتر.

ورغم دعوة الشيخ ربيع المدخلي أتباعه السلفيين في ليبيا إلى اعتزال القتال مع أي طرف، فإنه دعاهم إلى “نصرة دين الله تعالى، وحمايته من الإخوان المسلمين، ومن المفتي العام لليبيا الشيخ صادق الغرياني”، كما أنه عدّ “الإخوان أخطر الفِرق على الإسلام منذ أن قامت دعوة الإخوان المسلمين، وهم من أكذب الفرق بعد الروافض؛ عندهم وحدة الأديان، ووحدة الوجود، وعندهم علمانية”، ورأى أن المفتي يحرّض على محاربة السلفيين. وهو ما يفسر تكوين الكتيبة السلفية لمساندة عملية الكرامة[12]، كما يفسر إمتناع بعض القوات المحسوبة على المداخلة فى الغرب الليبى (مثل قوة الردع الخاصة) من المشاركة فى القتال ضد حفتر منذ إعلانه الهجوم على طرابلس فى إبريل 2019؛ وذلك نظراً لأنهم وجدوا أنفسهم يقاتلون إلى جانب جماعة الإخوان.

 

2- السلفية الجهادية:

يعتبر  تنظيم أنصار الشريعة من أبرز تنظيمات السلفية الجهادية، وينتشر هذا التنظيم في المنطقة الشرقية خاصة في مدن بنغازي ودرنه والبيضاء وهو الذى خاض الحرب في بنغازي ضد قوات اللواء خليفة حفتر. وشارك مقاتلوه في الانتفاضة ضد نظام القذافي في فبراير 2011 كأفراد ثم انتظموا لاحقاً في إطار جماعة كان أغلب قادتها سجناء في سجن أبو سليم ولا يوجد تقدير دقيق لعدد مقاتليها.

وقد أعلن التنظيم عن نفسه للمرة الأولى في ليبيا في شهر فبراير 2012، ونظم مؤتمره التأسيسي في يونيو من نفس السنة وحضره ما يقرب من 1000 شخص. وتأسس التنظيم بعد الإنفصال عن سرايا راف الله السحاتي.

ويرفض هذا التنظيم الاعتراف بالعملية الديمقراطية والإنتخابات ولا يعترف بالدولة والحكومة الحالية، ويكفر جميع التنظيمات العلمانية والوطنية والقومية ويعتبرها تنظيمات وإيديولوجيات كفر عدوة للإسلام وللمسلمين. ويدعو إلى إقامة دولة إسلامية، ويعتبر الجهاد المسلح ضد السلطات الحاكمة والجيوش السبيل الوحيد لإقامة هذه الدولة وتطبيق الشريعة[13].

 

 

خاتمة:

يتضح مما سبق، أن هناك اختلافات جوهرية بين التيارات الإسلامية المختلفة ، فعلى الرغم من إتفاقهما حول ضرورة تطبيق الشريعة، نجد أن هناك اختلافات بينهما فى كيفية تحقيق ذلك. فبينما نجد أن البعض يسعى إلى إقامة هذه الدولة عبر السيطرة على الحكم، واستبداله بنظام إسلامى، واستعداده للدخول فى خصومة سياسية وعسكرية مع الأطراف المعرقلة لتحقيق هذا الهدف. نجد أن السلفية تأخذ منحى أكثر تبعية لنظم الحكم القائمة، فنجدها تتحالف مع حفتر فى الشرق، وفى ذات الوقت تتحالف مع المجلس الرئاسى فى الغرب، وهو ما دفع الكثيرون للتشكيك بأن السلفيين لديهم مشروع سياسى حقيقى لإقامة دولة إسلامية.

وهناك أيضاً الاختلافات داخل التيار الواحد، فهناك اختلاف بين حزب العدالة والبناء ودار الإفتاء داخل تيار الإخوان حول كيفية تحقيق هدف إقامة الدولة الإسلامية. ففى حين يركز الحزب على الطرق السياسية والحوار، وإحداث التغيير من داخل الدولة، والعمل تحت غطاء الشرعية الدولية. فإن دار الإفتاء تعطى أولوية للطرق الثورية والعسكرية، ولا تعترف بالحكومة القائمة، وترى أن ما يسمى بالشرعية الدولية هو مجرد هيمنة أجنبية.

كما أن هناك اختلاف  بين السلفية المدخلية والجهادية داخل التيار السلفى، ففى حين أن المداخلة يعترفوا بشرعية الحكومات القائمة، ففى الشرق يعتبرون حفتر هو الحاكم الشرعى، وفى الغرب يعتبرون السراج هو الحاكم الشرعى، كما أنهم قد يشاركوا فى العمليات السياسية مثل مشاركتهم فى الإنتخابات وتأسيس حزب الإصالة والتجديد. فإن السلفية الجهادية لا تعترف بشرعية أى من الحكومات القائمة، ولا تعترف بالديمقراطية، وتتخذ من الجهاد المسلح سبيلاً وحيداً لتحقيق أهدافها.

[1] عبدالله الشريف، ” الصادق الغرياني… الإفتاء على خط مسار الثورة الليبية”، العربى الجديد، 2/7/2016، الرابط: https://bit.ly/3410oV5

[2] خيرى عمر، ” الإسلاميون والحوار السياسي في ليبيا”، رؤية تركية، السنة 6، العدد 1، 1/3/2017، الرابط: https://bit.ly/2TPfgBm

[3] خيرى عمر، مرجع سابق.

[4] عبدالله الشريف، مرجع سابق.

[5] خيرى عمر، مرجع سابق.

[6] المرجع السابق.

[7] عبدالله الشريف، مرجع سابق.

[8] خيرى عمر، مرجع سابق.

[9] المرجع السابق.

[10] منظمة فريدريش إيبرت، ” الجماعات اإلسالمية في ليبيا: حظوظ الهيمنة السياسية وتحدياتها”، برلين: منظمة فريدريش إيبرت،2015، الرابط: https://bit.ly/300qlRO

[11] المرجع السابق.

[12] خيرى عمر، مرجع سابق.

[13] منظمة فريدريش إيبرت، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

دراسة استشرافية لمستقبل الصراع في ليبيا بعد هزيمة حفتر في “غريان”

 دراسة استشرافية لمستقبل الصراع في ليبيا بعد هزيمة حفتر في "غريان"   &…