‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس انتخابات تونس الرئاسية انتصار ديمقراطي..  قٌراءة في النتائج والمآلات
تونس - سبتمبر 18, 2019

انتخابات تونس الرئاسية انتصار ديمقراطي..  قٌراءة في النتائج والمآلات

باعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التونسية، يوم الثلاثاء، تصدر المرشح المستقل قيس سعيد للنتائج الانتخابات الرئاسة بـ18,4% من الأصوات، يليه المرشح الموقوف بالسجن نبيل القروي بـ15,5%، ثم في المرتبة الثالثة مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو بـ12,9%، وبلغت نسبة المشاركة 45.02%..وأن جولة الإعادة لانتخابات الرئيس التونسي المقبل ستجري بين كل من قيس سعيد ونبيل القروي، على أن يحدد تاريخها بعد البت في الطعون...تنتهي المرحلة الأولى للانتخابات التونسية، التي عبرت نتائجها عن رغبة جامحة للتونسيين بتحقيق رخاء اقتصادي فشل بتحقيقه السياسيون وأحزابهم بفعل تيار الثورة المضادة، الذي تلاعب بحياة التونسيين منذ ثورة الياسمين في 2011…

 

وبقدر ما جاء التصويت الانتخابي عقابا للأحزاب السياسية، إلا أن توجهات التونسيين صاغتها مرارات الواقع المعاش، وتدخلات سافرة من قبل الامارات التي لعبت دورا كبيرا في اعلاء فرص نبيل القروي ، عبر سلسلة مساعدات ضخمة حولته لمصلح اجتماعي ومقدم خدمات اجتماعية ومساعدات انسانية ، رغم تورطه في قضايا فساد مالي وغسيل أموال..

 

 

وتنتظر تونس الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة، والتي قد تبدأ يوم 29 سبتمبر الحالي في حالة عدم وجود أي طعون، أو في 6 أكتوبر المقبل في حالة وجود طعن واحد، وفي هذه الحالة ستكون الانتخابات الرئاسية بالتزامن مع الانتخابات التشريعية، وفي حالة وجود أكثر من طعن فستجرى الانتخابات يوم 13 أكتوبر المقبل.

 

مؤشرات التصويت

 

دلالات رقمية

 

وتدل الأرقام أن منظومة الحكم التي ترشحت لهذه الانتخابات، ممثلة في رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزير دفاعه عبد الكريم الزبيدي ومرشح حركة “النهضة” ورئيس البرلمان بالنيابة عبد الفتاح مورو، ومديرة ديوان السبسي ووزيرة السياحة السابقة، سلمى اللومي، ووزير الصحة السابق، وسعيد العايدي، وبقية الأصوات الأخرى المنتمية للمنظومة ذاتها، كلها تحصلت مجتمعة على نسبة 33% من مجموع أصوات الناخبين بحسب النتائج الأولية، وهو ما يمثل تقريباً ثلث الناخبين، بينما تحصل ممثلون من خارج المنظومة، قيس سعيّد ونبيل القروي والصافي سعيد ولطفي المرايحي وسيف الدين مخلوف على حوالي 57 %من الأصوات، حصل عليها كل من قيس سعيّد 19% ونبيل القروي 15% ولطفي المرايحي حوالي 7% والصافي سعيد بين 6 و7% وسيف الدين مخلوف قرابة الـ5 %.

 

في المقابل أيضاً، جاءت نتائج المعارضة مخيبة للآمال حيث حصدت فقط حوالي 10 %، كان أكثرها للمنصف المرزوقي بحوالي 4 %. وتوزعت بقية الأرقام بين منجي الرحوي حمة الهمامي عبيد البريكي بـ1,6 % للثلاثة، فيما تحصل محمد عبّو على حوالي 4 % أيضاً.

 

وتحصل رئيس الحكومة الأسبق، مهدي جمعة، على حوالي 2 % من الأصوات، وزميله حمادي الجبالي على 0,2 %. بينما جاءت مشتقات حزب “نداء تونس” في آخر الترتيب، حيث حصلت سلمى اللومي على 0,1 % وسعيد العايدي 0,3 % وناجي جلّول 0,2 %.


وفي ظل تلك الحالة الساخطة من قبل التونسيين على كل من ينتمي للمنظومة الحاكمة سابقا، يبدو مستغربا عدم التصويت للمعارضة، التي خرجت خالية الوفاض أيضا من التصويت..

فلم يصوت الناخبون أو الغاضبون للمعارضة التونسية، حتى الراديكالية منها، اليسارية، والثورية التقليدية ممثلة في المرزوقي وعبّو بالذات، ولخطاب شعبوي مماثل، الهاشمي الحامدي، ولم يصوتوا أيضاً لخطاب راديكالي من نوع آخر تمثل في المرشحة عبير موسي المعادية للإسلاميين وحاملة لواء النظام القديم التي تحصلت على 3,9 % فقط…

 

بل يمكن اعتبار أحزاب وشخصيات المعارضة أبرز الخاسرين في هذه المعركة حيث كان يُفترض بفشل الحكومة أن يقود إلى صعودها هي بالذات، ولكنها لم تنجح في تسويق خطابها للغاضبين وفوتت بالتالي فرصة قد تكون تاريخية بالنسبة لها.

 

وجاء فشل ما يسمى بـ”العائلة الوسطية الحداثية” مدوياً، بسبب تناحرها في الصراع على الكرسي وتضخم الأنا لدى أغلب رموزها وأحزابها، وبالخصوص فشلها في تحقيق جزء من مطالب الناس وحاجياتهم الأساسية، إلا أن صعود نبيل القروي الذي يعتبر واحداً من أبناء هذه المنظومة، بل ومؤسسيها والفاعلين فيها، يطرح أسئلة مثيرة وكثيرة حول ما يمثّله القروي أو ما سوّق له من صورة على مدى الأشهر والسنوات الأخيرة.
 
ويبقى السؤال مطروحاً بخصوص حركة “النهضة” ومرشحها عبد الفتاح مورو، وهل تعتبر نتيجتها بالفعل خسارة لها؟ وما الذي ربحته وخسرته بالفعل من هذه التجربة الرئاسية الأولى وكيف ستكون تداعياتها على الانتخابات التشريعية المقبلة؟ وهل أدى صراع المرزوقي والغنوشي إلى خسارة كليهما في هذه التجربة؟ مع أن مجموع الأصوات التي تحصلا عليها معاً كان يمكن أن يُنجح أحدهما في المرور إلى الدور القادم.
 
ولكن هذا العقاب الجماعي الذي مارسه جزء من التونسيين لم يستهدف فقط منظومة الحكم، وإنما امتد بالخصوص إلى المنظومة الإعلامية التقليدية، التي كان يُعتقد أنها تتحكم في صناعة الرأي العام، غير أن صعود قيس سعيّد أسقط تماماً هذه الأفكار ونبّه إلى طريقة أخرى في التواصل، يسميها البعض “اللاتواصل“.
ومن ثم تمثل نتائج التصويت دلالات عديدة، أولها أن غالبية الناخبين بحثوا عن إرساء منظومة جديدة بالكامل، غير موجودة لا في النظام القديم ولا في الحكم ولا في المعارضة، ولكنهم لم يصوتوا لا للمرزوقي ولا للجبالي مثلاً رغم أنهما من خارج المنظومة نسبياً، وقد يكون هذا بسبب مرورهم بتجربة الحكم، أو بسبب أخطاء استراتيجية سياسية وانتخابية ارتكبها المرزوقي بالذات، لأنه كان يحمل في السابق لواء الغاضبين، ولكن اتضح أنهم غيروا الوجهة ووجدوا ضالتهم في شخصيات جديدة كلياً.
 
التصويت العقابي
لذا يفسر مراقبون النتائج بأن التصويت كان عقابيًّا لهذه المؤسسات، وأن التونسيين يرغبون بالتغيير بعد 8 سنوات من شراكة بائسة بين بقايا الدولة العميقة مع حزب النهضة في الحكم، حيث لم تفلح الحكومات ولا مؤسسة الرئاسة في حل مشاكل تونس المزمنة، وأخطرها على الإطلاق التعثر الاقتصادي وبطالة الشباب.
وبحسب دوائر بحثية تونسية، فإن التونسي وفي ظل عدم تحسن الوضع الاقتصادي والمعيشي وفي ظل غياب مؤشرات إيجابية حول القدرة الشرائية والصراعات بين الأطراف السياسية جلها عوامل دفعت المواطن إلى رفض الشخصيات الموجودة والتوجه نحو شخصيات جديدة وهو سلوك انتخابي عقابي للنخبة والطبقة السياسية…
 
انصراف الشباب عن المشاركة:
 
واعتبر تقرير لـ”المركز المصري للإعلام”، إن ما حدث يُعد تحولا في المشهد السياسي الراهن في تونس، بدا جليًا في تراجع نسبة المشاركة في الانتخابات، والتي عكست التراجع الكبير في اهتمام المواطن التونسي بالاستحقاقات الانتخابية، وذلك مقارنة بالانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 2014، والتي بلغت نسبة المشاركة فيها نحو 66% ن عدد الناخبين، بينما بلغت نسبة المشاركة في انتخابات 2019 نحو 45.02%.
ورصدت العديد من تقارير وسائل الإعلام- تراجعا ملحوظا في نسبة مشاركة الشباب مقارنة بكبار السن، وأرجعت ذلك إلى انصراف قطاعات واسعة من الشباب عن العمل السياسي نتيجة الإحباطات المتزايدة في صفوفهم.
وأكدت النتائج أن غالبية الناخبين عبرت عن رغبتها في التغيير الجذري، بمعنى محاولة إرساء مشهد جديد تماماً، على الرغم من نجاح المنظومة التقليدية في الحد من خسارتها ومنع الانهيار التام.
 
خسارة الاسلاميين:
والتي ترجع بالاساس إلى تفتيت أصوات أنصار الإسلاميين الذين لم يتوحدوا بين “مورو” والقيادي السابق بالنهضة “عبد الفتاح الجبالي” من ناحية، ومن ناحية شركاء الثورة بين “مورو” والرئيس السابق “المنصف المرزوقي”…بجانب فخاخ العلمانيين التي تركزت على الهجوم الإعلامي على النهضة ورموزها، وربطها بالإخوان المسلمين وتجربتهم في مصر، والتي شملت ادعاءات وشائعات.
 

المال السياسي
وكشف المرشح المستقل للانتحابات الرئاسية ورئيس الحكومة الأسبق (2011 – 2013)، حمادي الجبالي، الأحد قبل الماضي،  عن تسرب مال سياسي خارجي قائلاً إن “الإمارات تخرق السيادة الوطنية بالإملاءات والمال والإعلام“.
ويلعب المال السياسي الخارجي والدعم اللوجستي والمادي..
وأكد عضو منظمة شبكة مراقبون (منظمة مدنية لمراقبة الانتخابات) محمد مرزوق أن الانتشار الميداني لمراقبي الشبكة أكد وجود فوارق كبيرة في تمويل الأحزاب، مشيرا في تصريح صحفي  إلى مرشحين يملكون إمكانات “مهولة” تكشف حجم الدعم المالي الذي تتلقاه أحزابهم.
 
وقال مرزوق إن الشبكة أعلمت هيئة الانتخابات بشكوك حول تسرب مال سياسي خارجي تمت ملاحظته من الإمكانات المالية الكبيرة التي تم تسخيرها في حملات بعض المترشحين، وفق تأكيده.
وقبل انطلاق الحملة الانتخابية نشرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بيانا  بخصوص سقف التمويل الانتخابي بالنسبة للانتخابات الرئاسية في دورتيها الأولى والثانية، بعد أن كانت رئاسة الحكومة قد أصدرت يوم 27 أغسطس الماضي أمراً حكومياً يتعلق بتحديد السقف الإجمالي للإنفاق على الحملة الانتخابية وسقف التمويل الخاص وبتحديد سقف التمويل العمومي وضبط شروطه وإجراءاته بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة.
 
وحسب بلاغ هيئة الانتخابات قدرت الهيئة السقف الإجمالي للإنفاق على الحملة الانتخابية للمترشح الواحد في الدور الأول من الرئاسيات بـ 1.768 مليون دينار، أي نحو 618 ألف دولار، منها 1.414 مليون دينار تمويل خاص.
 
وبخصوص الدور الثاني من الرئاسيات أوضحت هيئة الانتخابات أن السقف الإجمالي للإنفاق على الحملة الانتخابية للمترشح الواحد في هذا الدور الثاني حدد بـ 1.061 مليون دينار، منها 848 ألف دينار تمويل خاص.
 

فيما يرى مراقبون  إن الانتقال الديمقراطي في تونس “مهدد بالمال السياسي ولوبيات الفساد والتدخل الأجنبي في الحياة السياسية”، وأشار إلى أن الهيئة لاحظت كثيراً من الانحرافات في مستوى “اصطفاف بعض الأحزاب وراء الأجنبي وتحرك بعض السفارات الخارجية للتأثير على الحياة السياسية التونسية
“.
وكانت الاجهزة الامنية التونسية، كشفت في ةقت سابق تدخلات اماراتية في الشان التونسي، بهدف احرق حركة النهضة في ازمات سياسية مع القوى التونسية الاخرى، وكشفت مجلة “اسرار عربية” مخطط اماراتي تقوده بعض الجهات في تونس لافشال تجربة حكومة النهضة وتعاونها مع يوسف الشاهد، عبر تفجيرات وتريب اموال وافقار متعمد وضرب للبورصة التونسية، واجهته الحكومة التونسية بالتوحد الوطني بين قوى المجتمع التونسي…
 
ورقة ألآٌقتصاد
ورغم أن نتائج الانتخابات التونسية شكلت مفاجأة كبيرة غير أن المهتمين بالشأن الاقتصادي اعتبروها نتيجة حتمية لخيارات اقتصادية لمنظومة الحكم غير صائبة أنهكت التونسيين بالغلاء وتسببت في تدحرج سريع للطبقة الوسطى نحو خانة الفقر.
 
ويشعر التونسيون بالخذلان الشديد من تنكر الطبقة السياسية لمطالب الثورة وفشلها في الحد من الفقر والبطالة وكبح جماح الأسعار ما دفعهم إلى البحث عن بدائل للحكم عبر الصندوق وقلب الطاولة على كل من تداولوا على الحكم منذ الثورة.
 
 
واكتشف التونسيون المرشح قيس سعيد الذي تأهل للدور الثاني بأعلى نسبة تصويت (19.5%) في عام 2012 عندما طرح مبادرة اقتصادية بإجراء مصالحة شاملة مع رجال الأعمال المورطين في قضايا الفساد تهدف إلى تمويل مشاريع تنموية في عدد من الجهات عبر أموالهم المصادرة.
واقترح سعيد، الذي قدر حينها حجم الأموال المنهوبة من قبل رجال الأعمال المقربين من النظام السابق ما بين 10 و13 مليار دينار، أن تقوم الدوائر المتعلقة بالفساد الاقتصادي والإداري في الهيئة العليا للعدالة الانتقالية بمراقبة تنفيذ الاستثمار الممولة من الأموال المسترجعة من قبل رجال الأعمال في محافظات البلاد كافة والتي ترتب ترتيبا تفاضليا من الأكثر إلى الأقل فقرا.
 
أما المترشح نبيل القروي (رجل الأعمال المسجون بشبهة تبييض الأموال) والذي حل في المرتبة الثانية فقد كسب ثقة المصوتين عبر العمل الاجتماعي للجمعية الخيرية التي يترأسها وقدمت منذ تأسيسها قبل ثلاث سنوات مساعدات كبيرة عبر تنظيم حملات التبرع بالغذاء والأموال وتنظيم القوافل الصحية في المناطق التي تغيب فيها التغطية الطبية الحكومية، ما جعل منه المرشح الأوّل للفقراء.

محاطر مستقبلية

وبحسب خبراء، فان احتيار النونسيين لمرشحين خارج اطار الحكم، يعتريها بعض المجازفة في تحقيق امال التونيين في ظل صعوبة الوضع الاقتصادي وغياب برامج واضحة للمترشحين المتأهلين للدور الثاني.
وذلك في ظل غياب التنمية في المحافظات وضعف الخدمات الاجتماعية المتعلقة بالصحة والتعليم ضد الغلاء والسياسات الاقتصادية لصندوق النقد الدولي التي أدت إلى خفض الدعم وزيادة أسعار المحروقات وارتفاع الضرائب ووصول التضخم إلى أرقام قياسية.
كما أظهرت بيانات رسمية، بداية سبتمبر الجاري، أنّ معدل التضخم السنوي في تونس، ارتفع إلى 6.7%، في أغسطس الماضي، مقارنة مع 6.5% في يوليو الماضي.
 
وكان البنك المركزي التونسي، رفع سعر الفائدة الرئيسي، في فبراير الماضي، إلى 7.75%، من 6.75%، لكبح معدلات التضخم العالية، ما تسبب في زيادات كبيرة في كلفة القروض الممنوحة للتونسيين من مختلف المصارف المحلية.
ومنذ عام 2016 بدأت تونس في تنفيذ إصلاحات اقتصادية “موجعة” بمقتضى اتفاق أمضته حكومة الحبيب الصيد حينها مع صندوق النقد الدولي مكّن تونس من النفاذ إلى تمويلات بقيمة 2.9 مليار دولار.
وبمقتضى الاتفاق رفعت الحكومة الضرائب لعامين على التوالي (2017 و2018)، كما جمدت التوظيف في القطاع الحكومي وزادت في أسعار الطاقة ما أفقد الطبقة الحاكمة شعبيتها لدى الناخبين وأجج الغضب الشعبي ضدها وهو ما ترجمته النتائج التي أتت بها صناديق الاقتراع.
وتظهر الأرقام الرسمية أن الحكومة رفعت أسعار الوقود بنحو 24 في المائة، منذ إبرام اتفاق مع صندوق النقد في 2016، لتنفيذ برنامج اقتصادي يتضمن تقليص الدعم وترشيد الإنفاق، مقابل قرض بقيمة 2.98 مليار دولار يصرف على أربع سنوات.
 
وأعلن صندوق النقد، في تقرير له بداية مايو الماضي، عقب انتهاء مهمة المراجعة الخامسة في تونس، أنه توصل، خلال زيارته، إلى تفاهمات متبادلة بشأن معظم القضايا، داعياً تونس إلى التخلص التدريجي من دعم الطاقة، وحماية الأسر الضعيفة، وتجميد كتلة الأجور.
 
 

الديمقراطية التونسية
 
وشهدت تونس ، الأحد الماضي، ثاني انتخابات رئاسية بعد ثورة الياسمين، في تجربة ديمقراطية قدمت نموذجا للشعوب العربية،
 
وتنافس على كرسي الرئاسة 24 مرشحاً في السباق بعد انسحاب المرشح محسن مرزوق عن حزب “مشروع تونس”، والمرشح عن حزب “الوطن الجديد” سليم الرياحي، لفائدة المرشح المستقل وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي.
والمرشحون من مختلف التيارات السياسية، بينهم مستقلون، وهم: منجي الرحوي (حزب الجبهة الشعبية)، ومحمد عبّو (التيار الديمقراطي)، وعبير موسى (الحزب الدستوري الحر)، ونبيل القروي (حزب قلب تونس).
 
وأيضاً لطفي المرايحي (الاتحاد الشعبي الديمقراطي)، ومهدي جمعة (البديل التونسي)، وحمّادي الجبالي (مستقل)، وحمّة الهمامي (الجبهة)، والمنصف المرزوقي (حزب الحراك)، ومحمد الصغير النوري (مستقل)، ومحمد الهاشمي الحامدي (تيار المحبة).
وعبد الفتاح مورو (حركة النهضة)، وعمر منصور (مستقل)، ويوسف الشاهد (حزب تحيا تونس)، وقيس سعيّد (مستقل)، وإلياس الفخفاخ (حزب التكتل من أجل العمل والحريات)، وسلمى اللومي (حزب الأمل)، وسعيد العايدي (حزب بني وطني)، والصافي سعيد (مستقل)، وناجي جلّول (مستقل)، وحاتم بولبيار (مستقل)، وعبيد البريكي (حركة تونس إلى الأمام)، وسيف الدين مخلوف (ائتلاف الكرامة).
ويبلغ عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت 7 ملايين و155 ألفاً، مسجلين في كشوف هيئة الانتخابات.
وجرت العملية الانتخابية في 13 ألف مكتب اقتراع، موزَّعة على 4567 مركز تصويت، في 33 دائرة انتخابية داخل تونس وخارجها.
وراقب الانتخابات أكثر من 4500 ملاحظ ينتمون إلى عدد من المنظمات وجمعيات المجتمع المدني المحلية، حصلوا على بطاقات الاعتماد من هيئة الانتخابات، إضافة إلى 300 ملاحظ أجنبي.
 
وتعد هذه الانتخابات الرئاسية هي الحادية عشرة في البلاد، منذ استقلالها عن فرنسا في 1956، مروراً بعهدَي الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة (حكم من 1957ـ1987)، والمخلوع زين العابدين بن علي (1987ـ2011)، وصولاً إلى فترة ما بعد الثورة (2011ـ2019)، وأيضاً هي الثانية بعد الثورة يناير 2011.
وبلغت نسبة التونسيين المسجلين بالسجل الانتخابي، الذين صوتوا في المهجر، 9.2 % من إجمالي الناخبين بالخارج. وسجلت بعض الدوائر الانتخابية ارتفاعا ملحوظا في نسق التصويت على غرار دائرة العالم العربي وباقي دول العالم، التي حققت نسبة مشاركة تعد العليا في جميع الدوائر الستة للتصويت بالخارج، وبلغت تسبة المشاركة فيها 19.2 %، أي 6869 ناخبا في نهاية اليوم الثاني..>

الشعارات تكسب البرامج
 
ومنذ انطلاق الحملة الانتخابية لمرشحي الانتخابات الرئاسية المبكرة في تونس في 2 سبتمبر الحالي، أُطلقت البرامج والوعود، برامج رأى البعض أن هدفها فقط دغدغة مشاعر التونسيين لاستمالتهم والحصول على أصواتهم، في حين رأى آخرون أنها واقعية ومهمة إذا طُبّقت على أرض الواقع. ولكن مع تواتر العديد من الشعارات والوعود السياسية والاقتصادية والاجتماعية أحياناً أخرى، ازدادت المخاوف من أن تظل البرامج حبراً على ورق وشعارات رنانة للفوز بالانتخابات.
وقدّم المرشحون للرئاسة والأحزاب الداعمة لهم أو مساندوهم، برامج تتشابه أحياناً، مع اختلاف في بعض الجزئيات والعناوين والشعارات، ولكن أغلب البرامج يبدو تطبيقها على أرض الواقع صعباً إن لم يكن مستحيلاً، فالبعض اختار التنمية والمناطق المهمشة والمحرومة في محاولة لاستمالة القواعد الشعبية، فيما اختار آخرون التركيز على العلاقات الخارجية ودول الجوار، كإحياء اتحاد المغرب العربي وتعزيز العلاقات مع دول الجوار.

الامارات في التفاصيل

 
وقد جرت الانتخابات وسط شكوك كبيرة بتدخل اماراتي خفي استهدف تشوية الاسلاميين وكل مرشحي الثورة التونسية، عبر المال السياسي الذي بدا واضحا في شرء الأصوات في مناطق الشمال الغربي وبض مناطق الريف التونسي..
ويتّهم سياسيون الإمارات باستعداء التجربة الديمقراطية التونسية والسعي إلى مصادرة القرار السيادي التونسي من خلال ضخ كثير من الأموال بالساحة ودفع الأمور في اتجاه يشبه ما حدث بمصر.
 
وكان الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، شن هجوماً جديداً على الإمارات، قائلاً: إنها “عدوة الديمقراطية والحرية“.
ونقلت وكالة “الأناضول”، في 2 سبتمبر 2019، عن المرزوقي قوله: “بخصوص الدول اﻷربع التي علاقتنا بها غير جيدة (لم يسمها)، فإن المبدأ بسيط: نحن لا نتدخل في شؤون أي دولة“.
لكنه استطرد قائلاً: “نحن لم نتدخل في شؤون الإمارات لتغيير نظام الحكم، بل هي التي تدخلت في نظام حكمنا، ومن واجبي الدفاع عن تونس”، مستدركاً: “ليست لي علاقات سيئة مع الإمارات، بل أدافع عن استقلال تونس وكرامتها ومبادئها“.
 
وفي تصريحٍ آخر مع موقع “عربي بوست”، قال المرزوقي إن هناك دولاً أجنبية أعطت لنفسها حق شنّ ما سماه “حرباً مقدسة” على الحرية والديمقراطية في تونس بهدف العودة بها إلى مربع ما قبل الثورة.
 
وأكد أن هذه الدول هي نفسها التي تقوم بـ “قتل الأبرياء من الشعب اليمني وتسليح المليشيات بليبيا”، في إشارة إلى الإمارات المتهمة بتدخلها في الحرب باليمن، والاتهامات الموجهة إليها بدعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا.
وفي يوليو من العام الجاري، نقل موقع “إمارات ليكس” عن مصادر موثوقة، قولها إن النظام الإماراتي وضع خططاً فورية لمحاولة تعطيل الانتخابات الرئاسية المقررة في تونس، خلال أقل من شهرين، عقب وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي.
 
وكشفت المصادر أن ولي عهد أبوظبي الحاكم الفعلي للإمارات، محمد بن زايد، أصدر أوامر لدائرته الضيقة بسرعة التواصل مع خلايا وقيادات “داعش” والتنظيمات المتطرفة في تونس بهدف تنفيذ عمليات قتل وتفجير.
 
وأوضحت المصادر أن الإمارات كانت تستهدف تعطيل الانتخابات مهما كلف الثمن، في ظل الخشية من وصول السلطة بتونس لإسلاميين، في وقت لم تحسم الأمور حتى الآن بكل من الجزائر وليبيا.

ومن تلك المخاولات الاماراتية، وقوع اشتباكات بين قوات الحرس الوطني (الدرك) التونسية في منطقة جبلية بمدينة حيدرة في محافظة القصرين (غربي تونس) قرب الحدود، مع مسلحين منتمين إلى “القاعدة»، أسفرت عن مقتل ضابط يعمل رئيساً لمركز الحرس بمدينة حيدرة
.
 
وكان الإعلامي التونسي سفيان بن فرحات قد كشف في الـ18 من مايو 2015، في أثناء مداخلته على قناة “نسمة الخاصة”، أن الرئيس التونسي المتوفى الباجي قايد السبسي أعلمه في لقاء خاص، أن دولة الإمارات طلبت منه إعادة سيناريو مصر وإزاحة حركة “النهضة” التونسية للإيفاء بتعهداتها المالية لتونس، إلا أن الأخير رفض ذلك وفضَّل سياسة الحوار والتوافق، لتفادي الحرب الأهلية بالبلاد وإراقة الدماء.
 
وقبل ذلك نشر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني تقريرين متتاليَين في أواخر 2015، اتّهم فيهما الإمارات بالوقوف خلف عدم الاستقرار في تونس، لرفض السبسي تكرار نموذج السيسي في مصر، بالسعي لسحق “الإخوان” وإعادتهم إلى السجون.
وسبق أن صرَّح الرئيس التونسي السابق، المنصف المرزوقي، في لقاء مع قناة “فرانس 24″، بأن الإمارات تمول الانقلابات و”تخلق أحزاباً”، على حد تعبيره.
وإثر صعود الإسلاميين إلى الحكم في أكتوبر 2011، جمَّدت السلطات الإماراتية مشاريع ضخمة كانت قد وعدت بإنجازها في تونس خلال حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي؛ على غرار مشروع بوابة المتوسط “سما دبي”، و”مدينة تونس الرياضية“.
 
وبحسب المراسلات بين الحكومة التونسية وشركة “سما دبي”، فإن الخلاف يتعلّق ببدء العمل في هذا المشروع، حيث إن المستثمر الإماراتي رفض تحديد بداية الأشغال بالمشروع، متذرعاً باضطراب الوضع في تونس والمنطقة. أما الحكومة التونسية فقد كانت تسعى من جانبها إلى بدء الأشغال سنة 2016.
 
وأكدت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر دبلوماسية حينها، أن المسؤولين الدبلوماسيين الإماراتيين قد قرروا عدم استئناف أشغال مشروع “سما دبي” المتعطّل منذ سنة 2011؛ نكاية بالرئيس السبسي، بسبب تحالفه مع حركة النهضة وإشراكها في الحكم، وليس لأسباب لوجيستية أو أمنية مثلما ادّعوا.
 
ورغم الفشل المتكرّر في تسميم الساحة التونسية، واصل الجانب الإماراتي دعمه للثورة المضادة ورموزها واستفزاز الشعب التونسي بأَسره، ومنها ما حدث يوم 23 ديسمبر 2017، عندما منعت شركة طيران الإمارات تونسيات من السفر على متن طائرتها المتجهة إلى دبي، دون تقديم أسباب؛ وهو ما دفع وزارة النقل التونسية إلى تعليق رحلات الناقلة الإماراتية من تونس وإليها.
 
وبعد نحو أسبوعين من هذا المنع، قرّرت وزارة النقل التونسية السماح لشركة “طيران الإمارات” باستئناف رحلاتها الجوية من تونس وإليها، إثر رفع إجراءات المنع في حق المواطنات التونسيات والتوصل إلى اتفاق تلتزم بمقتضاه الشركة الإماراتية احترام القوانين والمعاهدات الدولية وأحكام الاتفاقية الثنائية في مجال النقل الجوي المبرمة بين البلدين، والحرص على تفادي ما حدث مستقبلاً وكل ما من شأنه أن يمس أو يسيء إلى العلاقات الثنائية.
 
وفي خضم الأزمة، كشفت وثيقة سرية إماراتية مسرّبة نقلتها وسائل إعلامية، استراتيجية أبوظبي للتعامل مع الأزمة الأخيرة بتونس وتوصيات بكيفية إدارتها مع تأكيد أن الأزمة وبرود العلاقات المستمر منذ سنوات، يعودان أساساً إلى موضوع عدم انقلاب السبسي على حزب النهضة إثر الانتخابات النيابية والرئاسية نهاية العام 2014.
وبحسب محللين، فأن الإمارات ترى أن ديمقراطية تونس مهدِّدة لها في الوطن العربي، خصوصاً مع النجاح الكبير الذي حققته خلال الانتخابات العديدة التي شهدتها تونس، حيث تخشى أبوظبي أن تستلهم دول عربية تلك التجربة لتعيد الكَرة في بلدانها.
 
وتؤكد مصادر سياسية مطّلعة أن عدداً من الأحزاب اليسارية المتطرّفة في تونس تتلقّى تمويلات بملايين الدولارات من أبوظبي.
كما أن عدداً من الأحزاب المكوّنة للجبهة البرلمانية “وسطية تقدّمية” تتلقّى تمويلات وأوامر مباشرة من الإمارات؛ بهدف تعطيل الانتقال الديمقراطي في البلاد، وهو ما تجلّى في عدد من القرارات التي اتّخذتها هذه الجبهة في علاقة بملفّات حسّاسة؛ على غرار انتخاب رئيس الهيئة العليا للانتخابات.

وبحسب مراقبون، قإن التدخّل الإماراتي في المشهد السياسي التونسي لم يتوقّف منذ نجاح الإسلاميين في الفوز بانتخابات 23 أكتوبر 2011، حيث موّلت الإمارات عدداً من الأحزاب والشخصيات السياسية المعروفة، إضافة لعدد من التحرّكات الاحتجاجية، بهدف شيطنة حزب حركة النهضة والرئيس المنصف المرزوقي
.

خاتمة

وعلى الرغم من الكواليس والصراعات البييينية التي شهدتها الانتخابات التونسية، إلا أنها قدمت نموذجا في التمسك الشعبي بالخيارات الديمقراطية، وهو ما يقلق معسكر تاثورة المضاة اقليميا، بعد نجاح ائتلاف المعارضة السودانية في الانعراج بالحراك الشعبي صوب أفق آخر، بعد توافق عسير مع المجلس العسكري، مع ما يعنيه ذلك من إمكانية نجاح السودان في اجتراح تحولٍ هادئٍ ومتدرجٍ نحو الديمقراطية.  بجانب استمرار تمسك الجزائريون بخيار الثورة رغم تعنت العسكر، ومثل نجاح الديمقراطية التونسية في جعلِ الشارع الجزائري أكثر إصرارا على المضي إلى انتزاع مطالبه المشروعة.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

منح حكومة المشيشي الثقة .. اختبار جديد لقيس سعيد أمام تغير الخريطة البرلمانية التونسية

    على عكس كل المواقف السابقة، التي يبدو بها رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيد، كمهد…