‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس تشكيل الحكومة اختبار صعب أمام برلمان تونس المنقسم
تونس - أكتوبر 9, 2019

تشكيل الحكومة اختبار صعب أمام برلمان تونس المنقسم

في رابع اختبار ديمقراطي منذ ثورة الياسمين في 2011، نجح التونسيون في إنجاز انتخابات حرة وديمقراطية، وتأصلت بشكل واضح ونهائي مسألة التداول السلمي للسلطة وقداسة الصندوق الذي يحمل في طياته قرار الشعب باختيار من يحكمه، وهو الإنجاز الأهم والأكبر الذي حققته التجربة التونسية.

 

النتائج شبه النهائية

 

وأعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية كانت في حدود 41.32% داخل تونس و16.4% خارجها..

وكشفت الأرقام الأولية، أن 68.9% من الناخبين صوّتوا لأحزاب و17.7% لقائمات ائتلافية و13.4% لمستقلين.

 

وقد جاءت  حركة النهضة في مقدمة الأحزاب بحوالي 18% من الأصوات يليها حزب “قلب تونس” بـ16% ، ثم “الحزب الدستوري” بـ6.8% و”ائتلاف الكرامة” بـ6.1% ثم حزب “التيار الديمقراطي” بـ5.1% و”حركة الشعب” بـ4.7% و”تحيا تونس” بـ4.7% و”عيش تونسي” بـ2.6% وحزب “البديل” بـ2.1% و”نداء تونس” بـ2% فقط من الأصوات.

 

وبحسب هذه النتائج الأولية، ستكون حركة النهضة صاحبة المرتبة الأولى بأكثر من 40 مقعداً، وربما تتجاوز 45 مقعداً بإضافة نواب الخارج، وحزب قلب تونس بـ33 مقعداً وائتلاف الكرامة بـ18 مقعداً وحركة “تحيا تونس” بـ16 مقعداً وحركة الشعب بـ15 مقعداً والحزب الدستوري الحر بـ14 مقعداً والتيار الديمقراطي بـ14 مقعداً وعيش تونسي بـ5 مقاعد وحزب البديل التونسي بـ3 مقاعد وحركة نداء تونس بما بين مقعد وحيد وأربعة مقاعد.

فيما ينتظر المستقلون اعلان النتائج النهائية لتحديد الفائزين من المستقلين، الذين يقدر عددهم بنحو 16% ، وهو رقم يمكن أن يكون محدداً سواء لائتلاف الحكم أو المعارضة.

 

 

مؤشرات انتخابية

 

ضعف المشاركة:

وأرجع مراقبون ضعف نسبة التصويت لأسباب متعددة من بينها تلازم الانتخابات التشريعية والرئاسية وعدم قيام الهيئة بجهد في تشجيع الناخبين، وتركيز الجميع طيلة الأسبوع الماضي على مشاكل الانتخابات الرئاسية، بالإضافة إلى مسائل تقنية متعددة تتعلق ببعد مراكز الاقتراع وطريقة تسجيل الناخبين وغيرها، تضاف إليها تداعيات نفور الناخبين من العمل السياسي التي ظهرت في كل المواعيد الانتخابية الأخيرة، ما جعل حوالي 60% من الناخبين يمتنعون عن التصويت.

 

برلمان منقسم:

 

وتعبر النتائج أيضا عن انقسام محتمل، في البرلمان الجديد، فالنتائج لم تعط أي قوة لأي حزب أو قوى منفردة، وجاءت دون منح أي قوة سياسية أغلبية ولو نسبية تمكنها من العمل بأريحية وتنفيذ برامجه التي انتخب على أساسها، بل إن هذه النتائج ضاعفت المخاوف من دخول المشهد السياسي الجديد مرحلة تقلبات متواصلة وعدم استقرار قد يتكرر على مدى السنوات القادمة.

ومن واقع الخبرة التونسية، فقد كان حزبي النهضة ونداء تونس يتمتعان بـ69 مقعداً و89 مقعداً على التوالي في البرلمان السابق، ومعهما أحزاب  أخرى، ومع ذلك لم ينجحا في تكوين حكومة مستقرة بإمكانها تحقيق مطالب الناس، وتشكلت على مدى السنوات الخمس الماضية أربع حكومات، فكيف سيكون عليه الأمر بهذا التوزيع للمقاعد، ومن بإمكانه أن يتحالف مع من..في ظل تفتيت القوى البرلمانية، بين القوى المتعددة.

 

توافق حكومي بعيد المنال

ومع الموزازييك السياسي الناجم عن الانتخابات التشريعية الثانية في تونس منذ ثورة الياسمين، من المتوقع أن يعجز البرلمان حتى عن تشكيل حكومته الأولى، حيث ستوكل مهمة تكوينها لحركة النهضة وفق ما ينص عليه الدستور، بينما أعلن كل من حزب قلب تونس والتيار الديمقراطي والحزب الدستوري عن عدم استعدادها للتحالف مع النهضة بمجرد صدور النتائج.

ناهيك عن امكانية النجاح في تحقيق أي حزب أو ائتلاف لبرنامجه الانتخابي..

وهو ما استبقته حركة النهضة بالاعلان عن قاعدة اختيارها للحكومة القادمة، حيث أكّد القيادي بحركة النهضة عبد الكريم الهاروني في تصريح للقناة الوطنية الأولى أنّ الحركة ستجري مشاورات لتكوين حكومة كفاءات سواء من داخل الأحزاب أو خارجها.

وعبّر عن أمله في أن توفّق النهضة في تكوين الأغلبية حتى ”لا نجد أنفسنا أمام إعادة الانتخابات”، مضيفاً أنّ النهضة ستبني تحالفات مع الثورة وضدّ الفساد، حسب قوله.

فيما اعتبر زعيم الحركة راشد الغنوشي في ندوة صحافية، الأحد، أنّ حركته تعلمت من أخطاء المرحلة السابقة، وأنها تلقت رسائل وتحذيرات التونسيين، متعهّدا بأن تحكم النهضة ببرنامج ضدّ الفساد وتتخذ قرارات قوية وأن تضرب بقوة على أيدي الفاسدين، وأنّها في المقابل تطلب مساندة الشعب لتنفيذ تعهداتها، وفق تصريحه.

 

وشدّد الغنوشي على أنّ تونس تعيش مرحلة جديدة، مؤكّدا أهمية انسجام السلطة وقيامها على برنامج، وليس على توافقات بين أشخاص، على رأسها محاربة الفساد وتحقيق التنمية. وأشار إلى ضرورة الانسجام بين أقطاب السلطة، معتبرا أنّ من سلبيات المرحلة السابقة أن السلطة لم تكن على انسجام مرات كثيرة.

وفيما تميز برلمان 2014 بوجود أغلبية مطلقة في مقابل معارضة محدودة العدد، سيتميز هذا البرلمان بوجود أغلبية نسبية، إن تحققت، ومعارضة واسعة وقوية، ما يعني أنها ستصطدم بمعارضة قوانينها ومشاريعها، علاوة على استكمال وضع المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المحكمة الدستورية.

فرز حزبي

ومن ضمن المؤشرات السياسية التي عبرت عنها تشريعيات تونس، جاءت انتخابات 2019 لتنحي أحزابا أخرى من بينها “التكتل” و”الجمهوري” و”حراك تونس الإرادة” و”مشروع تونس” و”آفاق تونس”، وخصوصا اليسار التونسي التقليدي ممثلا بـ”الجبهة الشعبية”، و”نداء تونس” الذي سقط من القمة إلى القاع سقوطاً مدوياً، أكد أن هذا الحزب لم يكن إلا محطة سياسية عابرة تأسست على فكرة مؤقتة ماتت بموت صاحبها.

لكنها في المقابل قدمت قوى جديدة للساحة السياسية، من بينها “ائتلاف الكرامة” و”عيش تونسي”، و”الجمعية” التي تتحول شيئا فشيئا إلى حزب، وحزبا “حركة الشعب”، “التيار الديمقراطي” اللذان رُفعا إلى مرتبة أعلى ومرحلة جديدة من مساريهما، بالإضافة إلى “الحزب الدستوري الحر” الذي يدخل البرلمان بقوة وسيكون صوتاً معارضاً قوياً على مدى السنوات القادمة.

 

عدم إجماع

وفي السياق ذاته، تعبر النتائج عن عدم وجود قوة  سياسية واحدة تمكنت من إقناع غالبية الناخبين، فقد شكلت خليطاً بين قوى الثورة والنظام القديم، والإسلاميين والحداثيين، واليسار الاجتماعي والأحزاب الليبرالية، بما يؤكد أن المزاج التونسي العام لا ينتصر لفكرة محددة أو لمرجعية أيديولوجية ثابتة، وإنما هو بصدد البحث أساسا عمن يمكن أن يحقق أهدافه التي ثار من أجلها.

 

تصويت عقابي

كما كان لافتا تراجع حصة حزب الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي من مقاعد البرلمان من 89 مقعدا منحته الصدارة في انتخابات 2014 إلى 3 برلمانيين فقط.

وفي حين تقول وكالة “سيغما كونساي لسبر الآراء” إن “النداء” حصل على 2% من الأصوات، تفيد وكالة “اميرود كونسيلتيغ” بحصول الحزب على 2.57% من الأصوات، أي ما يقارب مقعدين إلى ثلاثة مقاعد. يذكر أن الحزب نفسه نال 38% من الأصوات في عام 2014.

وبحسب مراقبين، فإن نتائج “نداء تونس” جاءت حصيلة حتمية لأداء قيادته ونوابه، فمن جهة حصد الحزب ضريبة الحكم الثقيلة وتحمل مسؤولية الفشل الحكومي والبرلماني ومسؤولية فشل كامل منظومة الحكم فكان جزاء الناخبين له على شاكلة تصويت عقابي بإقصاء الحزب من المشهد عبر صناديق الاقتراع…

ويعتبر “نداء تونس” هو “حزب الرئيس، هو فعليا حزب الرئيس الباجي قايد السبسي، وقد انتهى الحزب فعليا برحيل السبسي..

وتوزعت جماهيرية “نداء تونس” بين الأحزاب المنشقة والمنسلخة عن النداء، على غرار “تحيا تونس” الذي يتزعمه رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، وحزب “قلب تونس” الذي يتزعمه نبيل القروي، و”الحزب الدستوري الحر” الذي تتزعمه عبير موسي، وأحزاب أخرى على غرار “مشروع تونس” الذي يقوده محسن مرزوق، و”البديل التونسي” و”بني وطني” وعشرات القوائم المستقلة التي يرأسها قياديون ونواب وشخصيات كانوا حول السبسي في 2014“.

 

وبحسب النتائج الأولية لانتخابات الأحد، لن يستطيع “نداء تونس” تشكيل كتلة برلمانية، لأن تشكيلها يستوجب 7 مقاعد على الأقل، ما سيضعف كثيرا موقف الحزب داخل البرلمان.

 

تحديات أمام الحكومة المقبلة

 

وعلى أية حال، فإن الحكومة المزمع تشكيلها، في حال حصل توافق نيابي، عقب صدور التكليف الرئاسي من قبل الرئيس المؤقت، خلال أسبوع ، وقبل اعلان الرئيس المقبل، الذي ستجرى جولة الإعادة يوم 13 أكتوبر الجاري، ينتظر أن ترث الإدارة التونسية المقبلة، نصيبا مهما من الإصلاحات الاقتصادية التي لا يزال صندوق النقد الدولي يطالب بها، بعد أن أنجزت حكومة يوسف الشاهد جزءا مهما من الإجراءات المتعلقة بخفض دعم الطاقة وتقليص عجز الموازنة وتجميد التوظيف في القطاع العمومي.

ويعد إصلاح المؤسسات العامة واحدا من أبرز الملفات التي تنتظر حكومة ما بعد الانتخابات، بعد أن تجنّب الشاهد مرارا الخوض في هذه المسألة منعاً للاصطدام مع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعتبر مؤسسات القطاع الحكومي خطا أحمر.

وإزاء تواصل التعهدات التونسية مع صندوق النقد الدولي إلى حدود إبريل المقبل، موعد صرف آخر قسط من قرض الصندوق الممد الذي تم التوقيع عليه عام 2016، ستكون الحكومة المنبثقة عن الانتخابات في مواجهة طلبات جديدة للمؤسسة المالية، ما يفرض تعديلات على النسخة الأولية من موازنة 2020.

 

ويقول خبراء اقتصاد إن تطوير وثيقة قرطاج 2 قد تفرض نفسها ما بعد الانتخابات، نظرا للتنوع الحزبي للبرلمان القادم وللتشكيل الحكومي الذي قد ينبثق عنه، وسط توقعات بأن تكون السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة في شكل مبادرة جديدة (قرطاج 3) يقودها الرئيس المقبل للبلاد لتجنب الصعوبات التي اعترضت الحكومة السابقة في تنفيذ الإصلاحات وتمرير برنامجها الاقتصادي.

 

 

 

وكانت رئاسة الجمهورية عام 2017 جمعت المنظمات والأحزاب التونسية للنقاش حول وثيقة قرطاج 2، من أجل صياغة مشروع اقتصادي تلتزم الحكومة بتنفيذه بشكل يساعد على تجاوز الاقتصاد المحلي لصعوباته.

 

وبدأت تكتلات رجال الأعمال في تهيئة الأرضية للبرنامج الاقتصادي الجديد والإصلاحات التي ستنتج عنه، وأهمها تطوير المؤسسات، حيث يبحث القطاع الخاص عن موطئ قدم فيها في حال بيعها أو فتح رأس مالها في إطار شراكة بين القطاعين الحكومي والخاص.

فرغم الوضع الصعب لعدد كبير من المؤسسات الحكومية، سواء الناشطة في القطاعات الثقيلة أو الخدماتية، يسعى التونسيون للحفاظ عليها..فاتحاد الشغل التونسي متشبث بموقفه في التصدي لبيع الشركات الحكومية..

 

وتواجه تونس ضغوطا من المقرضين الدوليين، وفي مقدمتهم صندوق النقد الذي وافق، العام الماضي، على إقراض تونس 2.8 مليار دولار، مقابل حزمة إصلاحات في عديد من القطاعات.

 

غير أن المتحدث باسم صندوق النقد، جيري رايس، صرّح، الجمعة الماضية، بأن الزيارة المرتقبة لفريق من الصندوق إلى تونس من 8 إلى 11 أكتوبر الحالي، روتينية لمناقشة الميزانية المقترحة من الحكومة، على غرار ما يحدث في مثل هذا الوقت من كل عام، وليست بعثة لمراجعة أداء الاقتصاد في ظل برنامج تسهيل الصندوق الممدد.

 

وقال إن الزيارة تندرج ضمن إعداد المراجعة السادسة من برنامج الإصلاح الاقتصادي بموجب اتفاق آلية التسهيل للقرض المتفق عليه، والذي يتواصل إلى شهر إبريل 2020.

 

الموازنة الجديدة


ومن أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، مشروع الموازنة الجديدة، حيث يجري توجيه أكثر من 85% من الموازنة نحو تمويل النفقات الجارية، لا سيما منها كتلة أجور تقدر بـ19 مليار دينار (تمثل 15% من الناتج المحلي الخام) والمنح والتدخلات والتحويلات بما يقدر بـ8 مليارات دينار، وخدمة الدين العمومي بأكثر من 11 مليار دينار
.

أي أن “ثلث الثروة الوطنية، التي يتم إنتاجها سنويا، من القطاع العمومي والخاص، يتم تبديدها في النفقات العمومية وغير المنتجة والاستهلاك الجاري وتسوية الديون السابقة“.

وينتظر أن تبلغ قيمة موازنة تونس، وفقاً لميزانية السنة المقبلة، 47 مليار دينار، مقابل 40.8 مليار دينار للسنة الحالية، من بينها 6 مليارات دينار ستخصص للتنمية، و12 مليار دينار لخدمة الدين.

 

 خاتمة

وبالرغم من النتائج غير الحاسمة للقوى السياسية التونسية، والتي تهدد بائتلافات على غير هوى التونسيين لتشكيل الحكومة الجديدة، إلا أنها تجربة فريدة تؤكد تمسك التونسيين بالديمقراطية والصندوق الانتخابي كطريق للتغيير السياسي.

وتبقى المرحلة المقبلة هي الأهم في المسار الديمقراطي التونسي، ففي حال حسم التونسيون قرارهم بانتخاب الأكاديمي المستقل قيس سعيد رئيسا للبلاد في جولة الإعادة المقررة 13 أكتوبر، فسيكون التوافق  بين النهضة والقوى القريبة من الثورة التونسية والمستقلين قريبا وسهلا، وفي حال صعود القروي رئيسا فسيصعب التوافق، ما يهدد بتوافق قوى الثورة المضادة مع حزب”قلب تونس”  الذي شكله نبيل القروي، وهو ما يضع تونس على المحك السياسي…وهو ا ستسفر عنه الأيام المقبلة، أو صعود السيناريو الثالث، وهو فشل التوافق على تشكيل الحكومة الجديدة، والعودة للمربع صفر بإعادة الانتخابات التشريعية ككما الحال في إسرائيل، وهو ما لايضمن معه أي مستقبل ينتظر الأحزاب والقوى التونسية..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الانتخابات التشريعية التونسية.. مكاسب وتحديات

بقلم: حازم عبد الرحمن سطر الشعب التونسي إنجازا جديدا في طريق الانتقال الديمقراطي بإجراء ال…