‫الرئيسية‬ العالم العربي موجة جديدة من ثورات الربيع العربي
العالم العربي - نوفمبر 4, 2019

موجة جديدة من ثورات الربيع العربي

بقلم: حازم عبد الرحمن

في أواخر عام 2010 ومطلع 2011 بدأت ثورات الربيع العربي على الفساد وغياب الحريات وسوء الأحوال المَعيشية، في معظم البلاد العربية، وكانت البداية من تونس التي اندلعت ثورتها على أثر إحراق الشاب محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً على الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية، وعدم تمكنه من تأمين قوت عائلته، ونجحت الثورة في خلع دكتاتور تونس الراحل زين العابدين بن علي،  وبعدها بأيام نجحت ثورة 25 يناير في إسقاط حكم المخلوع حسني مبارك، ثم ثورة 17 فبراير الليبية التي انتهت بقتل معمر القذافي وإسقاط نظامه، وتلتها الثورة اليمنية التي أجبرت علي عبد الله صالح على التنحي.  

وبعد نجاح الموجة الأولى من الثورات العربية في خلع أربعة من الحكام الدكتاتوريين, تداعى أعداء الشعوب العربية من الصهاينة وأنظمة الحكم العميلة المعادية لحريات الشعوب, وتكفلت السعودية والإمارات برعاية الانقلاب على إرادة الشعوب التي بدأت خطواتها الأولى في طريق الحرية والانعتاق من الاستبداد؛ فوقع الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 على الرئيس محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في مصر, وجرى ارتكاب المذابح التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء الذين خرجوا مدافعين عن حريتهم وإرادتهم, وفي اليمن تم إغراء جماعة الحوثي باجتياح العاصمة صنعاء, وطرد أول رئيس يمني بعد الثورة ليعيش أسيرا لدى السعودية ينفذ إملاءات ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وولي عهد السعودية محمد سلمان تحت لافتة الحكم الشرعي, في حين يجري التآمر لتقسيم اليمن, وزرع الفتنة بين مكونات شعبه, وعلى نفس النهج تم ارتكاب جريمة الانقلاب العسكري الذي لم ينجح في ليبيا, وما زالت الحكومة الشرعية في طرابلس تتصدى لميليشيات الجنرال العميل خليفة حفتر, والمرتزقة الذين جلبهم بتمويل إماراتي سعودي, وموافقة أمريكية فرنسية.

وبرغم المؤامرة على تونس وتجربتها الديمقراطية, إلا أنها نجت من استهدافات الثورة المضادة, وما زال بها بقايا نظام بن علي القمعي التي ترتبط تماما برعاة الانقلابات على الربيع العربي, وأصبحت تونس اليوم في عداد الدول الديمقراطية, وشهدت انتخابات حرة عديدة أسفرت عن اختيار رؤساء بنزاهة تامة, فجرى انتخاب المنصف المرزوقي رئيسا لأول مرة بعد خلع بن علي دون شوائب التزوير, وتلاه فوز الباجي قائد السبسي , ثم الرئيس الحالي قيس سعيد , مع برلمانات وحكومات منتخبة تمثل إرادة الشعب التونسي.

* تراجع الثورة المضادة

ويبدو أن استعصاء تونس على الثورة المضادة , ومن بعدها صمود الحكومة الليبية الشرعية في طرابلس كانا بداية تراجع الانقلابات العسكرية على إرادة الشعوب العربية, وقد انشغلت كل من السعودية والإمارات في مشاكلهما مع إيران واليمن, خاصة بعد أن طالتهما تهديدات ميليشيا الحوثي التي قصفت العمق السعودي وأصابت وعطلت إنتاج شركة أرامكو ( وهي الشركة السعودية الوطنية للنفط والغاز الطبيعي والبتروكيماويات والأعمال المتعلقة بها من تنقيب وإنتاج وتكرير وتوزيع وشحن وتسويق ), وقد ساءت أخيرا علاقة محمد بن سلمان مع عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب العسكري, وتوقف الإمداد البترولي المجاني, ومن قبله مليارات الدولارات,  وقد شهدت مصر موجة احتجاج جديدة، بمعزل كامل عن الأحزاب والقوى السياسية التقليدية, وهو احتجاج لمواطنين سقطوا تحت خط الفقر والقمع والاستبداد. ، ولم يعد ممكنا للولايات المتحدة بإدارة ترامب أن تقدم الكثير من الدعم لهذه الأنظمة الدكتاتورية, كما لم تعد الشعوب العربية تذكر السعودية والإمارات إلا  بجرائمهما وسوء  فعالهما ضد أحلام الشعوب بالحرية, وقد بات من الواضح أن الثورة المضادة في العالم العربي تمر بأضعف أحوالها، والأنظمة التي دعمتها تبدو هي الأخرى في أسوأ حال، وهي تسجل فشلاً تلو الآخر بعد أن أنفقت مليارات الدولارات على الحروب والسلاح وتمويل الانقلابات، والأمر المؤكد أن المنطقة العربية تستأنف اليوم موجة التغيير والتحرر، لأن شعوبها تستحق أن تعيش في ظل أنظمة ديمقراطية حرة ومنتخبة، وهذه هي سنة التاريخ.

*الموجة الجديدة

تعيش البلدان العربية الآن موجة ثورية جديدة تمتد من الجزائر غربا إلى العراق شرقا, ومن سورية ولبنان شمالا إلى اليمن والسودان جنوبا, ويخطئ من يتصور أنها مجرد احتجاجات أو مظاهرات عابرة لمطالب محدودة؛ فالشعب الجزائري يواصل حراكه منذ 22 فبراير 2019 في جميع أنحاء البلاد للمطالبة في بادي الأمر بعدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة؛ وقد حقق الحراك السلمي حتى الآن انتصارات كبيرة على منظومة الحكم العسكري التي مازالت تراوغ للاستمرار في مقاعدها ومصادرة حق الشعب في الحرية واختيار من يمثله دون وصاية من الجنرالات.

ويشهد العراق منذ أول أكتوبر 2019 مظاهرات في بغداد وبقية محافظات جنوب العراق احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد الإداري والبطالة. ووصلت مطالب المتظاهرين إلى استقالة حكومة عادل عبد المهدي، وتشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة. وندّدوا أيضاً بالتدخل الإيراني في العراق وحرق العديد منهم العلم الإيراني. وقد واجهت القوات الأمنية هذه المظاهرات بعنف شديد, وقد تغير المزاج الشعبي في العراق بعدما رأى الدولة تسقط في قبضة المليشيات, وتخضع لمرجعيات طائفية خارج الحدود.

وفي لبنان سئمت الأجيال الجديدة نظام المحاصصة الطائفية البغيض الذي يقدس الطائفة على حساب الوطن, والذي أفرز أمراء وبارونات في كل طائفة أصبحوا يستحوزون على كل المخصصات والمنافع في حين أن باقي الطائفة باتوا منبوذين بعيدا عن مراكز الهيمنة على المحاصصة الطائفية, وما تحتاجه هذه المراكز والقيادات والتكتلات السياسية الطائفية من اقتناص للخدمات وتعزيز لنفوذها على حساب الدولة ومؤسساتها، من أجل استمرار الحصول على ولاء الجمهور, وأصبحت الأجيال الجديدة من اللبنانيين تتوق إلى “مواطنة بلا طائفية” وأحزاب سياسية حقيقية تقدم برامج لنهضة الوطن وليس كما يجري في ظل النظام الطائفي الذي جعل دولا خارجية مثل السعودية وإيران وفرنسا هي صاحبة القرار في الداخل اللبناني, بعيدا عن الحق الأصيل للشعب.

وبرغم أن هناك غالبية ساحقة من اللبنانيين المتضررين من الفساد والنظام الطائفي الفاسد، وهي تشمل مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية والطوائف والمناطق فإنه لا يمكن القول بأن أسباب استمرار الحراك المدني في لبنان ونجاحه متوافرة تلقائيا، لكنه يضع الحراك في السياق السياسي العام ويؤمن له الرؤية للاستمرار وحسن التعامل وادارة الامور نحو تغيير طويل المدى وتدريجي من أجل بناء الدولة المدنية الديموقراطية، دولة الحق والقانون والمؤسسات والعدالة, بدلا من النموذج الطائفي البغيض.

وفي اليمن, ورغم كل المآسي التي ذاقها على يد السعودية والإمارات, أصبح هناك وعي كامل بما نال البلاد جراء انقلاب الحوثي, المدعوم من إيران, وما تبعه من تدخل الإمارات والسعودية, وانكشاف أطماعهما في ثروات اليمن وموانئه؛ مما صنع رأيا عاما لدى اليمنيين بأن بلدهم تحت الاحتلال ولا بد من ثورة جديدة لتحريره. 

وفي السودان تم التخلص من الانقلاب العسكري الذ قاده البشير قبل ثلاثين عاما, لكن الطريق ما زال غير معبد, ويحتاج إلى المزيد من العمل لتمكين الشعب من تحقيق أحلامه؛ فما زال للعسكر وجود قوي وخطير في السلطة, لكن الشعب السوداني تغير كثيرا من ناحية نظرته إلى ضرورة الحكم المدني بعيدا عن وصاية العسكر.    

وفي مصر يعيش الانقلاب العسكري حالة من القلق متوجسا من ثورة شعبية كبرى, وهو السيناريو الأكثر ترجيحا لدى المراقبين والمحللين, بعدما ذاق المصريون الخوف والجوع على يد الحكم العسكري الذي اغتصب السلطة في 3 يوليو 2013.

والخلاصة: إن البلاد العربية تعيش موجة جديدة من الثورات على خطى الربيع العربي الذي بدأ في نهاية 2010 وأوائل 2011 ولم ينته حتى الآن, ويتجه من جديد نحو خلع الأنظمة المستبدة بكاملها, وليس الاكتفاء بإسقاط رءوسها فقط.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

القمة الروسية الإفريقية…محاولة لاستعادة النفوذ السوفيتي تصطدم بالمصالح الغربية

تحت شعار “من أجل السلام والأمن والتنمية”، انعقدت القمة الروسية الافريقية بمنتج…