‫الرئيسية‬ العالم العربي غزة عملية “الحزام الأسود” بغزة تكتيك عسكري لخلخلة الجمود السياسي الصهيوني.. قراءة في التداعيات والنتائج
غزة - نوفمبر 19, 2019

عملية “الحزام الأسود” بغزة تكتيك عسكري لخلخلة الجمود السياسي الصهيوني.. قراءة في التداعيات والنتائج

بدأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة فجر الثلاثاء الماضي، واستمر ليومين، بدأها الاحتلال باغتيال القيادي في “سرايا القدس”، الذراع العسكرية لحركة “الجهاد الإسلامي”، (بهاء أبو العطا)، في حيّ الشجاعية، شرقي مدينة غزة، فجر الثلاثاء 12/11/2019، بالتوافق مع عملية أخرى في سوريا أفلت منها قائد عسكري بحركة الجهاد الإسلامي.

واستشهد خلال الغارات الصهيونية( 34 ) فلسطينياً، بينهم أطفال وثلاث سيدات، إضافة إلى( 111) مصاباً، ما زال بعضهم يتلقى العلاج في المستشفيات المختلفة.

 

لماذا (أبو العطا)؟:

بدا واضحا أن المنظومة الأمنية والعسكرية والسياسية، أظهرت في الأيام الأخيرة حالة من التضخيم والمبالغة في الدور الذي يقوم به (أبو العطا)، حول دوره في المبادرة إلى إطلاق عشرات القذائف الصاروخية باتجاه المستوطنات الإسرائيلية، وقد ترافق ذلك مع تحذيرات بإمكانية اغتياله.

ووصفت الدوائر الإسرائيلية (أبو العطا) بأنه (محمد ضيف 2)، في إشارة للقائد العسكري العام لكتائب عز الدين القسام، الجناح المسلح لحماس، وأخرى اعتبرته “أخطر الشخصيات” على إسرائيل، بجانب (حسن نصر الله) أمين عام حزب الله اللبناني، و(قاسم سليماني) قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني”.

وتداولت الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية أنباء مفادها أن (أبو العطا) شارك في التخطيط لهجمات ضد إسرائيل، وأشرف على صنع الأسلحة، وتحسين قدرات إطلاق الصواريخ بعيدة المدى، وينظر إليه في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية كعنصر تصعيد، لأنه صاحب قرار  إطلاق الصواريخ على المستوطنات الجنوبية، وأن الإدارة الأمريكية أصدرت مجموعة من العقوبات بحقه.

ومثَّل الإقدام الإسرائيلي على تنفيذ الاغتيال “كسر لقواعد الاشتباك” مع الاحتلال التي تم التوافق عليه منذ انتهاء الحرب الأخيرة في 2014، ومع انطلاق مسيرات العودة على حدود غزة في مارس 2018.

ويعيد الاغتيال الإسرائيلي في وضح النهار لـ (أبو العطا)، إلى الأذهان السلوك الإسرائيلي القديم الجديد الذي انتهجته في تصفية قادة المقاومة الفلسطينية، وشهد ذروته في انتفاضة الأقصى، باغتيال الصف الأول من القيادات السياسية والعسكرية، دون استثناء.

 

أهداف صهيونية:

عسكريا، أرادت إسرائيل منع سائر الفصائل الفلسطينية، تحديداً «الجهاد»، عن مقاومة الاحتلال والتخلّي عن سلاحها والرضوخ للحصار القاتل.

ولأن المقاومة أصبحت مرفوضة أكثر بعد اعتبار إيران راعيها الوحيد؛ ما أدخل غزّة وفصائلها في بؤرة الصراع الإقليمي الأوسع.

وسواء التزمت إسرائيل بالهدنة أم لم تلتزم، فإن الفصائل الفلسطينية بل والعالم كله يعي أن إسرائيل لن تلتزم بها مستقبلا، وتسعى وفق أهدافها وخططها لتقليم أظافر الفلسطينيين، حتى من ارتضوا المقاومة الدبلوماسية في رام الله، فإنها تواجههم بالعنف وبهجمات المستوطنين، ومصادرة الأراضي، وقرصنة الأموال كما يقول (د.عبد الوهاب بدرخان) في العرب القطرية.

ففي الجولة العدوانية الجديدة، أرادت إسرائيل أن تثبّت قاعدة “الاشتباك القتالي”،  إذ افتعلت التصعيد باغتيال (بهاء أبو العطا)، القائد العسكري في حركة “الجهاد الإسلامي”، ولاحقت قيادياً آخر في دمشق، ثم قادة ميدانيين خلال غاراتها على غزّة.

وترافق الاستهداف الصهيوني بمزيج من الإنذار والتحييد لحركة «حماس»، مع لومها لأن «التهدئة» مسؤوليتها.

وسعت إسرائيل عبر سلسلة تصريحات ملغومة، الإيحاء بأن حماس تتخذ موقفا سلبيا، من الرد العسكري للجهاد الإسلامي ضد الغارات الإسرائيلية، لحرقها أمام الشعب الفلسطيني، وهو ما ردت عليه حماس على لسان (موسى أبو مرزوق)، وبمشاركتها في الغرفة المشتركة بغزة، ضد العدوان الصهيوني..

واستُخدمت الهجمات الأخيرة كجزء من العلاج النفسي للمزاج الإسرائيلي العام المحبط من استمرار الأزمة الحكومية، وقد تكون مهّدت الطريق لاتفاق على “حكومة وحدة”.

وكانت الرسالة الأبرز معروفة لكن جرى تأكيدها، وهي أن غزة ليست موضوع خلاف بين (بنيامين نتنياهو) و(بيني غانتس) فالأول أمر بالاغتيال، والآخر وافق عليه، ويعتبره ملحقاً لحروبه التي يفتخر بها على غزّة، بما تضمّنته من جرائم وثّقتها تقارير للأمم المتحدة.

وجاء التصعيد الإسرائيلي، في وقت تشتعل فيه المنطقة بتهديدات أمنية وتحديات عسكرية متلاحقة، وإسرائيل تعلم ذلك جيدا، فهي تتحدث صباح مساء عن تشكل محور إقليمي تقوده إيران، ويتكون من سوريا ولبنان ومجموعاتها العسكرية المنتشرة في العراق واليمن، إضافة للمقاومة الفلسطينية، وقد توافقت هذه الأطراف مجتمعة على ما عرف بـ”توحيد الجبهات”.

هذه الاستراتيجية التي باتت معلنة تفيد بأنه في حال تعرض أي من هذه الجهات لعدوان إسرائيلي، فإن باقي الحلفاء سينهضون للدفاع عنه، وصد هذا العدوان، ولعل اغتيال (أبو العطا) في هذا التوقيت بالذات يأتي اختباراً إسرائيلياً لمدى نضج هذا التحالف، وحقيقة هذه الاستراتيجية، التي دار حولها نقاش وجدل فلسطيني واسع، حتى داخل أطر المقاومة الفلسطينية، بين مؤيد ومعارض.

أكثر من ذلك، فإن هذا الاغتيال يترافق مع تسخين إسرائيلي لا تخطئه العين بإمكانية اندلاع مواجهة عسكرية شاملة في الجبهة الشمالية مع حزب الله اللبناني، وهنا الخطورة التي يحملها قرار الاغتيال، فهل أن إسرائيل مطمئنة إلى أنه سيمر، وكأنه لم يكن، ويبقى التفرغ الإسرائيلي الحقيقي للجبهة الشمالية، على أنها الأكثر كلفة والأخطر حجما وثقلا..

 

دلالات استهداف (أبو العطا):

يشكل المشهد الإسرائيلي الداخلي عنصرا حاسما في الضربة النوعية الإسرائيلية، ضد المقاومة  الفلسطينية، فالكل يعلم أن الإسرائيليين منشغلون حتى أعناقهم في مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن أعلن (بنيامين نتنياهو) رئيس الحكومة الحالي عن فشله في أن يحصل على 61 مقعدا يعلن بهم حكومته، وتبقى على خصمه (بيني غانتس) 6 أيام فقط على المهلة الزمنية الممنوحة له لإعلان نجاحه أو فشله في ذات المهمة.

وقد جاء الاغتيال الإسرائيلي ل(أبو العطا) في الدقيقة تسعين، فالرد الفلسطيني على هذا العدوان، والرد الإسرائيلي على الرد الفلسطيني خصم من هذه الأيام الستة، مما يعني انقضاء هذه المهلة، وإعلان (غانتس) عن إخفاقه في تشكيل الحكومة، إلا أن غانتس فهم لعبة (نتنياهو) فأعلن فور تنفيذ هذا الاغتيال عن تجميد مشاوراته الحزبية والائتلافية، ومباركته للاغتيال، وفي هذه اللحظات يكون (نتنياهو) قد حقق أول أهدافه.

وهو ما يتوقع معه أن يستخدم رئيس الدولة صلاحيته بالإعلان عن انتخابات ثالثة في فبراير القادم، أو إجبار (نتنياهو) و(غانتس) على تقديم تنازلات قاسية لبعضهما للنجاة من هذا السيناريو المرفوض من كل الإسرائيليين.

وبحسب خبراء، فإن اغتيال (أبو العطا) أمني عسكري ولكن بطعم ومذاق انتخابي إسرائيلي، على اعتبار ما كشفه وزير الدفاع السابق (أفيغدور ليبرمان) قبل ساعات عن طلبه من (نتنياهو) العام الماضي اغتيال (أبو العطا)، لكنه رفض وتمنع، متسائلا: ماذا جد من ظروف حتى يوافق (نتنياهو) ذاته على اغتيال (أبو العطا)؟ وكأنه يغمز بقناة المصالح الحزبية والشخصية للأخير للبقاء رئيسا للحكومة.

هذا الاتهام لم يقتصر على (ليبرمان) ذاته، بل إن أوساطا عديدة في المنظومة الحزبية الإسرائيلية وصلت لقناعات في هذا الاتجاه، لأنه كان واضحا منذ البداية أن (نتنياهو) الذي ينتظر تقديم لائحة اتهام ضده بالفساد، ويقضي ما تبقى من عمره في السجن، مستعد لأن يهدم المعبد فوق رؤوس الجميع، كي ينجو من ذلك، فجاء اغتيال (أبو العطا)، والتصعيد في غزة، هدية من السماء له على طبق من ذهب.

 

العسكري يقود السياسي الصهيوني:

ولعل أبرز ما أكدته  عملية “الحزام الأسود” الصهيونية، ويكاد يُجمع محللون ومراقبون عليه أن عملية الاغتيال التي نفذها الجيش الإسرائيلي للقيادي الفلسطيني (بهاء أبو العطا)، جمعت بين جُملة من الأهداف السياسية والعسكرية والأمنية، التي سعى رئيس الحكومة الإسرائيلية (بنيامين نتنياهو) إلى تحقيقها من وراء ذلك، مُتسلحا بمعطيات أمنية “قُدّمت له على طبق من ذهب” من قبل المنظومة الاستخبارية والأمنية.

فمع تأكيد رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي (أفيف كوخافي) بأن هذه العملية تمت وفق تقديرات أمنية، ومع أن المستويات العسكرية والأمنية تُغذي القيادة السياسية بالتقديرات الأمنية والعسكرية بشكل مُستمر، إلا أن المصادقة في النهاية على مثل هذه العمليات منوطة بشخص (بنيامين نتنياهو) كرئيس للحكومة.

ويضيف: “(نتنياهو) لم يكن ليُقر هذه العملية إلا لتوقعّه أنها تخدم أهدافه السياسية والانتخابية في هذا التوقيت، حيث أراد اغتيال خصمه السياسي زعيم حزب أزرق أبيض (بيني جانتس) سياسيا – إن جاز التعبير – إلى جانب اغتيال الشهيد (أبو العطا)”.

وبحسب الكاتب الفلسطيني (سعيد بشارات) فأن خلفية ودوافع هذه العملية هو أمني عملياتي بشكل بحت، قائلا بأن: “إسرائيل تعتبر (أبو العطا) ذراع إيران في قطاع غزة التي لابد من قطعها”.

ويعتبر أن تزامن عملية اغتياله مع محاولة اغتيال (العجوري) في سوريا، يأتي ضمن هذا الإطار، من خلال استهداف كل من: اليد النشطة في غزة “(أبو العطا)”، والعقل المُدبر من الخارج (العجوري).

وأشار (بشارات) إلى أن:  “اغتيال بهاء (أبو العطا) جاء تمهيدا واضحا لذلك في الأوساط الإسرائيلية، وتحميله المسؤولية عن عمليات إطلاق الصواريخ من غزة، وعمليات القنص على الحدود، وغيرها، وأن إسرائيل تعتبره قد خرج عن قواعد اللعبة بينها والفصائل الفلسطينية”.

ولفت إلى أن إسرائيل نفّذت الاستهدافين في نفس التوقيت باعتبارهما جزءا من عملية واحدة لهدف مُحدد، وهو إنهاء عمليات إطلاق الصواريخ من غزة باعتبارها عملا مُعطلا للتفاهمات الأمنية.

حيث أنه “في نفس الساعة يتم تنفيذ العمليتين في كل من غزة ودمشق، وقد ركّزت إسرائيل على استهداف حركة الجهاد في هذه المرحلة للضغط عليها، واستنزافها، وإجبارها على وقف عمليات إطلاق الصواريخ”.

 

خسائر إسرائيلية:

وعلى الرغم من حديث (نتنياهو) عن نجاح العملية عسكريا وأمنيا وسياسيا، إلا أن إطلاق زخات صواريخ المقاومة على مناطق إسرائيل وغلاف غزة سبب العديد من الخسائر المادية والاقتصادية  لإسرائيل، لدرجة قد تسفر عن تعميق أزمات الساسة الصهاينة في المرحلة المقبلة، حيث ذكرت صحيفة “غلوبس” الاقتصادية أن التقديرات الأولية لحجم الخسائر التي لحقت بالمرافق الاقتصادية الإسرائيلية في خلال كل يوم من يومي المواجهة مع حركة الجهاد الإسلامي بخمسة مليارات شيكل (مليار و150 مليون دولار)، ما يعني أن الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الإسرائيلي في يومين بلغت عشرة مليارات شيكل (نحو مليارين و300 مليون دولار). ولا تشمل هذه الخسائر كلفة النفقات الأمنية الناجمة عن الجهد الحربي الذي نفذه الجيش خلال يومي المواجهة.

وهو ما دفع الخبير الاقتصادي (يوفال ليدور)، لمهاجمة قيادة الجبهة الداخلية في الجيش بسبب قرارها تعطيل العمل في المرافق الاقتصادية والأنشطة الاقتصادية في منطقة “غوش دان”، وسط إسرائيل، التي تضمّ جلّ المرافق الاقتصادية والبنى التحتية إلى جانب احتوائها على أكبر تجمّع ديموغرافي في إسرائيل. وأشار ليدور إلى أن قيادة الجبهة الداخلية عطلت مرافق القطاع العام والخاص والمؤسسات التعليمية في أثناء المواجهة مع الجهاد، بهدف تقليص فرص إصابة الإسرائيليين بأضرار نتيجة إطلاق الصواريخ من قبل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

وأعاد (ليدور) إلى الأذهان حقيقة أن القانون يمنح قائد قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الحق في إصدار تعليمات بإغلاق مرافق القطاع الخاص والعام والمرافق الأهلية والتعليمية الأخرى في حال اندلاع مواجهة مع طرف خارجي.

وأشار إلى أن الجيش لم يصدر تعليمات بإغلاق المرافق الاقتصادية للقطاعين العام والخاص والمؤسسات التعليمية في أثناء حرب 2014، على الرغم من أنها امتدت لأكثر من (50) يوماً، وسقط في خلالها آلاف الصواريخ على العمق المدني الإسرائيلي.

وحذر من أن الخسائر الاقتصادية ستكون أكثر جدية إذا أقدم الجيش على إغلاق المرافق الاقتصادية في حال اندلاع مواجهات شاملة.

أما (إياليت نحمياس)، العضو السابقة في لجنة الخارجية والأمن التابعة للبرلمان، التي تدير حالياً أحد المرافق الصناعية، فقد رأت أن نتائج المواجهة مع حركة الجهاد الإسلامي تفرض على إسرائيل إعداد مخطط شامل لكيفية التعامل مع أصحاب المصالح الاقتصادية في وقت الطوارئ. وفي مقال نشرته صحيفة “غلوبس”، حذرت (نحمياس) من خطورة أن تتحول الأوضاع الأمنية الطارئة إلى مسوغ للمسّ بالواقع الاقتصادي، ودعت الحكومة والبرلمان إلى التوافق بسرعة على بلورة شبكة أمان للمرافق الاقتصادية.

من ناحيتها، نقلت صحيفة “ذي ماركير” الاقتصادية عن الجنرال (مئير ألران)، الباحث في “مركز أبحاث الأمن القومي” قوله إنّ من غير المناسب أن يحتكر الجيش صلاحية تعطيل المرافق الاقتصادية والجماهيرية في وقت الطوارئ لدواعٍ أمنية.

ودعا (ألران) إلى ضرورة تحديد معايير يجري على أساسها التعامل مع المرافق الاقتصادية والمدنية وقت الطوارئ، مشدداً على أن التهديدات التي تعرضت لها الجبهة الداخلية خلال المواجهة مع الجهاد الإسلامية كانت ذات مستوى متدنٍّ.

 

نجاح استراتيجية المقاومة:

وعلى الرغم من قوة الضربات الصهيونية في قطاع غزة وعمق الخسائر الفلسطينية،  إلا أن  التعاطي السياسي للمقاومة مع التصعيد، ثبت نجاحا وحنكة سياسية معتبرة، فجاء رد المقاومة الفلسطينية استراتيجيا، فقد تبع إعلان الاغتيال إطلاق رشقات صاروخية فلسطينية زادت عن (200) قذيفة خلال (24) ساعة فقط، شملت معظم المدن الإسرائيلية في الجنوب والوسط ومشارف القدس وتل أبيب، وأصابت حياة الإسرائيليين بالشلل الكامل، وعطلت الدراسة فيها للمرة الأولى منذ حرب الخليج 1991.

ومن الصمود العسكري جاء النجاح السياسي في فرض شروط المقاومة الفلسطينية- التي تبدو مقبولة إلى حد ما في ضوء العقلية الصهيونية المستهترة بكل القيم والقواعد القانونية والدبلوماسية والمواثيق الدولية ، والتي لا تخضع لأية معايير أو تحترمها،  وجاءت الهدنة سريعة بعد شلل مدن إسرائيلية بشكل كامل، وهو ما يغذي استراتيجية توازن الرعب..

وقد شهدت مجريات التوصّل لاتفاق وقف إطلاق النار والرعاية المصرية له، غضبا فلسطينيا متصاعدا، إذ لم تكن حركة “الجهاد” متحمسة للوساطة المنفردة من مصر، وطلبت إدخال الأمم المتحدة كوسيط ثانٍ.

وأبدت حركة “الجهاد” غضبها من عدم قدرة مصر على وقف سياسة الاغتيالات وعدم قدرتها أيضاً على ضمان الالتزام الإسرائيلي بالاتفاقات الموقّعة مع الفلسطينيين أخيراً برعايتها.

وعلى غير العادة، خرج آلاف الفلسطينيين إلى الشوارع في أكثر من مدينة ومخيم في قطاع غزة عقب الرشقات الصاروخية المحدودة، عقب الإعلان عن الهدنة،  لمطالبة فصائل المقاومة باستمرار الرد على جرائم الاحتلال ضدّ الفلسطينيين، والتي كان آخرها قبل ساعة من إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بقصف منزل مدني في مدينة دير البلح، وسط القطاع، ما أدى إلى استشهاد ثمانية أشخاص من عائلة السواركة ، وعقب ردود الفعل على الجريمة، ادعى جيش الاحتلال، الجمعة، أنّ استهدافه لمنزل عائلة السواركة في دير البلح كان بالخطأ، وبناءً على معلومات غير دقيقة.

ولعل ما يفاقم الاستياء الفلسطيني، أن التهدئة الجديدة، عبر الوساطة المصرية، فلم يعطِ الجانب الإسرائيلي فيها سوى «موافقة» على وقف الاغتيالات وعدم الاعتداء على مسيرات العودة، وهو لن يلتزم بها طبعاً، لكنه ترك للجانب المصري السماح بـ«تسهيلات» على معبر رفح.

وهو ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي، (بنيامين نتنياهو)، في مؤتمره الصحفي الأحد الماضي، بشأن وقف إطلاق النار في غزة، قائلا إن “إسرائيل لم تتعهد بشيء”…

بل قامت إسرائيل بخرق الهدنة التي رعتها مصر وأعلن عنها ، الخميس، وشنت يومي الجمعة والسبت الماضي، عدة غارات على مواقع عسكرية لحركتي “الجهاد” والمقاومة الإسلامية “حماس” بذريعة الرد على إطلاق صواريخ من القطاع.

 

خسائر الفلسطينيين:

وتفيد الحصيلة الأولية للأضرار جراء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، بتضرر أكثر من (500) وحدة سكنية بشكل جزئي، إضافة لتدمير (30) أخرى بشكل كامل، وفق ما أعلنت وزارة الأشغال العامة في القطاع. وأوضحت الوزارة أنّ التقديرات المالية الأولية لحجم الخسائر التي لحقت بالمساكن والمنشآت تبلغ قيمتها مليوني دولار.

أمّا المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع، فأشار إلى أنّ طائرات الاحتلال الإسرائيلي والمدفعية نفذت أكثر من (90) غارة، خلّفت خسائر مادية تفوق ثلاثة ملايين دولار، فضلاً عن الخسائر غير المباشرة. وأشار المكتب الحكومي إلى تضرر (12) منشأة تجارية، وكذلك إلحاق أضرار جزئية بمقرات ومؤسسات حكومية، منها(15) مدرسة ومديريتي تعليم ومقر أمني.

 

خلط الأوراق الفلسطينية:

ولعل أبرز النتائج السياسية المتحققة من إدارة الرد الفلسطيني على العدوان الصهيوني، هو إفشال مخطط إسرائيل بخلق فجوات سياسية وإثارة أزمات بين الفصائل الفلسطينية..

فإسرائيل “تحاول اللعب على وتر ضرب الأوضاع الداخلية الفلسطينية، وتسعى بشكل واضح للإيقاع بين الفصائل من خلال الإيحاء بأن حماس تريد التهدئة والجهاد لا تريدها”.. على الرغم من أن حركة الجهاد كانت جنبا بجنب مع حماس وباقي الفصائل في إدارة عملية التفاهمات، وكانت كلمتهم موحدة في كل خطوة.

إلا أن التركيز الإسرائيلي على وتر الخلافات ليس بريئا ولا عفويا، وهو مُركز وموجه، حيث تسعى إسرائيل لأن تبقى حركة حماس خارج المواجهة حاليا من أجل الانفراد بالجهاد الإسلامي.

إلا أن حماس لم توفر ذلك لإسرائيل، بإعلان تشكيل غرفة العمليات المُشتركة والذي جاء بالأساس لمنع منح إسرائيل فرصة للانفراد بأي فصيل على حدة.

وقد نجحت صواريخ المقاومة الفلسطينية الكثيفة، بمنع إسرائيل فرصة فرض قواعد جديدة عبر سياسة الاغتيالات، وتصعيدها للمرة الثانية عشرة في غزة، منذ حرب 2014، حيث أن هذا أول حادث اغتيال لقيادي فلسطيني منذ اغتيال الشهيد (أحمد الجعبري) قبل سبع سنوات، يتم إعلان المسؤولية عنه بشكل واضح ورسمي.

وقد رفض عضو المكتب السياسي لحركة “حماس” (موسى أبو مرزوق)، تصريحات المسئولين الإسرائيليين، المادحة لموقف حركته من العدوان الأخيرة على قطاع غزة.

وقال (أبو مرزوق)، عبر حسابه بموقع “تويتر”، الجمعة، إن الهدف من هذه التصريحات، “إحداث فرقة وتعميق الشقة بين الأشقاء بأسلوب خبيث”، وفق تعبيره.

وأضاف: “للأسف يتلقف البعض منا هذه التصريحات ويبني عليها مواقف ليتلاعب بالعواطف في مرحلة حساسة حيث العدوان والمقاومة والاغتيال والرد”.

وتابع: “تدارك الأمر بالحوار ضرورة لتجاوز الفتنة”.

ومن ضمن ما تكشفه تفاعلات المشهد الفلسطيني، أنه كان واضحا أن إسرائيل والمقاومة الفلسطينية لا يريدان الذهاب إلى حرب شاملة رابعة في هذا التوقيت..
وحسب خبراء فإن الرد المباشر على عملية الاغتيال قد لا يكون في جولة التصعيد الحالية، وربما يأتي في ظروف أخرى تتمكن منها المقاومة من الرد بما يتناسب مع طبيعة هذه العملية.

توازن الرعب:

وفي سياق النجاح العسكري للمقاومة الفلسطينية، كشفت الفصائل الفلسطينية عن صاروخ جديد بقوة تدميرية عالية، أطلقت عليه “سرايا القدس” اسم “براق-120″، يمتلك قوة تدميرية عالية.

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية -بينها القناة الثالثة عشرة- قد أكدت أن حركة الجهاد الإسلامي أطلقت خلال المواجهة الأخيرة صاروخا يحمل رأسا حربيا يزن (300) كلغ، سقط وانفجر في منطقة غير مأهولة في غلاف غزة، وخلف حفرة قطرها (16) مترا وعمقها متران. وقالت تلك الوسائل إن كمية المتفجرات في الصاروخ فاجأت الإسرائيليين.

وقالت السرايا في بيان للناطق باسمها أبو حمزة إنها استخدمت هذا الصاروخ للمرة الأولى خلال المعركة الأخيرة مع الاحتلال الإسرائيلي. وأضافت أنه جرى إطلاق هذا الصاروخ على مدينة الخضيرة، مما ألحق أضرارا فادحة بالممتلكات الإسرائيلية. وأكدت سرايا القدس التي نشرت ثلاثة مقاطع فيديو في موقعها الإلكتروني لتجهيز صاروخ “براق-120” وإطلاقه، أنه من صناعة فلسطينية خالصة، وأنه تم تطويره مما أكسبه قوة تدميرية أعلى ودقة أكبر.

ووصلت بعض صواريخ المقاومة لمناطق بعيدة تقع شمال تل أبيب، وهو ما أرعب المجتمع الصهيوني، وهو ما عبرت عنه “يديعوت أحرونوت” بقولها: “أنه بعد اغتيال (أبو العطا)، تمكنت حركة الجهاد الإسلامي “منظمة صغيرة”، من أن توقف إسرائيل لمدة ثلاثة أيام، متسائلة في الوقت ذاته: “ما الذي يجب أن نتوقعه إذا اندلعت حرب مشتركة مع حماس في غزة وحزب الله وإيران؟”.

وتابعت الصحيفة: “في مثل هذه الحالة، لن نحسب الصواريخ التي أطلقت على مدننا بالمئات، بل سنكون عرضة للهجوم من قبل مائة ألف صاروخ برؤوس حربية، يمكن أن تكون أكبر بعشرة أضعاف من تلك التي تم إطلاقها، إلى جانب دقتها الفائقة”.

وهو ما يؤكد أن عملية “الحزام الأسود”  قد منحت الساسة الإسرائيليين فرصة للتوافق بعض الوقت، قد يمهد للوصول لتفاهمات سياسية نحو تشكيل حكومة وحدة، على مضض قد يكون عمرها قصيرا، إلا أنها على المستوى العسكري الفلسطيني أثبتت قدرة المقاومة على التعاطي السريع مع أي عدوان، عبر صواريخها التي تحقق توازن الرعب، وهو ما لا يتحمله الشارع الإسرائيلي، رغم الخسائر المادية في الجانب الفلسطيني..

كما حققت العملية نجاحا سياسيا للفصائل المقاومة، التي حافظت على تنسيقها الأمني وعملها الميداني المتناغم مع مواقفها السياسية.

جانب آخر، كشفت عنه تفاعلات العملية الإسرائيلية، وهو استبعاد السلطة الفلسطينية من المعادلة السياسية، بالرغم من إعلان سلطة محمود عباس إدانتها الشديدة لاغتيال (أبو العطا)، وهو ما قد يمهد لنهاية دوره السياسي، الذي بات على ما يبدو محسوما مصريا وإسرائيليا..وهو ما عليه تداركه في الانتخابات العامة الفلسطينية التي قد يجري تعطيلها من جانب “رام الله” بحجج سياسية قد تثيرها في المراحل التنفيذية، بعد التوافق الشامل فلسطينيا على إجرائها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الاستعداد لمليونيه القدس والعودة

 الاستعداد لمليونيه القدس والعودة مقدمة بعد مجزرة الاحتلال في حق الفلسطينين حينما حاو…