‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا لماذا دعت الولايات المتحدة حفتر إلى وقف الحرب على طرابلس؟
ليبيا - ديسمبر 1, 2019

لماذا دعت الولايات المتحدة حفتر إلى وقف الحرب على طرابلس؟

يبدو أن هناك تغير فى الموقف الأمريكى تجاه أطراف الصراع فى ليبيا، فبعد أن كان هناك دعم ضمنى لحرب حفتر على طرابلس، والذى ظهر فى الاتصال الهاتفى بين ترامب وحفتر، فى إبريل الماضى، وإعلان الأول دعمه للأخير باعتباره يحارب الإرهاب.

دعت الولايات المتحدة حفتر إلى انهاء حربه على طرابلس عقب الاجتماع الذى عقد فى واشنطن، 13 نوفمبر 2019، بين وزير الداخلية فتحي باشاغا، ووزير الخارجية محمد الطاهر سيالة، ومسؤولين أميركيين من وزارات الدفاع والخارجية ومجلس الأمن القومي وقيادة الأركان المشتركة.

 

دوافع الدعوة الأمريكية بوقف الحرب على طرابلس:

يمكن الإشارة إلى مجموعة من الدوافع التى تقف خلف الدعوة الأمريكية بوقف الحرب على طرابلس، تتمثل أبرزها فى:

تزايد التدخل الروسى: فقد حرص الوفد الأمريكى على التأكيد، فى البيان المشترك الذى صُدر عقب الإجتماع المشار إليه أعلاه، على “دعمه سيادة ليبيا ووحدة أراضيها في وجه المحاولات الروسية لاستغلال الصراع ضد إرادة الشعب الليبي”[1].

وتشير العديد من التقارير إلى تزايد النشاط الروسى في ليبيا، والذى بدأ مع تسريب مجموعة رسائل إلكترونية داخلية بين موظفين تابعين لـ”مؤسسة حماية القيم الوطنية” الروسية، يتم الحديث فيها عن خطة لدعم سيف الإسلام القذافي، عبر حملة إعلامية لصالحه وتقديم مشورة له. كما أشارت وسائل إعلام “مالطية” إلى إنه تم حجز سفينة محملة بكميات من العملة مطبوعة في روسيا وموجهة إلى شرق ليبيا، مع الإشارة إلى أن تلك العملة معمول بها في شرق البلاد منذ أعوام، وتطبعها شركة روسية خاصة، وهي لا تشبه العملة الصادرة عن المصرف المركزي المعترف به والتي يُتعامل بها في بقية مناطق ليبيا[2].

كما تداولت وسائل إعلام أخيراً أخباراً عن نشر مرتزقة روس تابعين لشركة “فاغنر” في ليبيا، للقتال إلى جانب قوات حفتر. وفى هذا السياق، أشار مسؤول ملف شمال أفريقيا السابق في الخارجية الأميركية وليان لورانس خلال لقاء أجرته معه قناة “الجزيرة”، إلى أن عدد الجنود الروس في ليبيا، تضاعف، في الأسابيع الأخيرة، من 200 عنصر إلى 1400، مضيفاً أن “الروس سيطروا على الكثير من جوانب العمليات العسكرية التي يقوم بها حفتر”، معرباً عن مخاوفه من تنامي الدعم الروسي لحفتر. وأكد أيضاً على أن بلاده ستطلب من حلفائها، مثل فرنسا ومصر والإمارات، أن تتخلى عن دعم حفتر[3].

من جانبها قالت وكالة “بلومبيرغ”، 15 نوفمبر 2019، أنه “تم نشر 25 طياراً ومدرباً وطواقم الدعم، وأن الطيارين كانوا يقومون بتنفيذ طلعات جوية بطائرات سوخوي 22 تم إعادة تأهيلها تابعة لحفتر”. وفي إطار ذلك، قال رئيس تحرير موقع “ميدل إيست أي” البريطاني ديفيد هيرست، أن “موت القذافي المذل كان درساً عملياً لبوتين حيث إنه لم يحزن كثيراً على خسارة حليف بقدر ما حزن على خسارة مليارات الروبلات في مبيعات الدفاع”. وأضاف هيرست في مقال له نُشر فى15 نوفمبر 2019 (ترجمه موقع الجزيرة نت)، إن “ليبيا عام 2011، وليس غزو العراق عام 2003، هي التي ولدت فكرة وجوب عودة القوات الروسية إلى الشرق الأوسط بعد عقود من الغياب”[4].

– إنجاح مؤتمر برلين: تأتى الدعوة الأمريكية لحفتر بوقف حربه على طرابلس بالتزامن مع الجهود الألمانية لعقد مؤتمر حول الأزمة الليبية فى برلين (من المقرر أن يعقد فى ديسمبر المقبل). ويرى العديد من المراقبين أن المبادرة الألمانية ما هى إلى واجهة للتحركات الأمريكية لحل الأزمة الليبية.

– التفرغ لمواجهة ملفات أخرى: ربما تسعى واشنطن إلى إغلاق الملف الليبى من أجل التفرغ لملفات أكثر أهمية مثل تصاعد المظاهرات فى لبنان والعراق، ومحاولة الولايات المتحدة الاستفادة من هذه التظاهرات لتقليل النفوذ الإيرانى فى هذه الدول. وربما تكون الرغبة الأمريكية تلك هى ما تقف أيضاً خلف المصالحة الخليجية التى تتم الآن، وتقف أيضاً خلف قيام السعودية بمحاولة إغلاق الملف اليمنى عن طريق المصالحة بين المجلس الإنتقالى الجنوبى والحكومة الشرعية عبر حوار جدة فى أكتوبر الماضى.

– عودة دول الجوار المناهضة لحفتر: ففى تونس، جاءت الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية معاكسة لمحور الثورات المضادة. فقد فاز قيس سعيد برئاسة تونس، ومعروف عنه أنه ليس من جناح “الثورات المضادة” في الوطن العربي. كما أن حركة النهضة التونسية (إسلامية) فازت بالانتخابات البرلمانية. ولا شك أن تونس في ثوبها الجديد، ستكون أكثر دعماً لحكومة الوفاق منها لحفتر.

وبالنسبة للجزائر، فقد تصب الإنتخابات الرئاسية بها، المقررة في 12 ديسمبر المقبل، ضمن الموجة الجديدة للتحول الديمقراطى فى المنطقة. كما أن استقرار الأوضاع السياسية فى الجزائر قد يدفعها نحو لعب دور أقوى فى الملف الليبى[5]. وهذا الدور سيكون فى الغالب فى غير صالح حفتر؛ نظراً لأن حكومة الوفاق هى من تتحكم فى المنطقة الغربية الليبية المجاورة للجزائر، كما أنه سبق وأن حدثت مناوشات بين حفتر ومسئوليين جزائريين، فى سبتمبر 2018، على أثر اتهام حفتر الجيش الجزائري باستغلال وضع الحرب للدخول إلى الأراضي الليبية.

 

هل هناك تحول جذرى فى الموقف الأمريكى:

يرى البعض أن هناك تحول قوى فى الموقف الأمريكى لصالح حكومة الوفاق، وهو ما يتمثل فى دعوة حفتر بوقف الحرب على طرابلس بعد أن كانت تدعمه فى البداية، والإعلان عن عودة التنسيق الأمنى الأمريكى مع حكومة الوفاق، إلى جانب الاعتراف بحق حكومة الوفاق فى الدفاع عن العاصمة. فقد أشارت وزارة الداخلية في حكومة الوفاق، في بيان صحافي، أنه كان من بين المسئوليين الأمريكيين مسؤول في مجلس الأمن القومي، وأنه تم الإتفاق على إعداد خطة أمنية تشمل التعاون في برامج التدريب. كما نقل الموقع الرسمي للوزارة عن الجانب الأميركي تأكيده رغبة واشنطن في عودة الحل السياسي ووقف القتال، وتأكيد الجانب الليبي حق حكومة الوفاق في الدفاع عن العاصمة ومشروع الدولة المدنية[6].

وفى المقابل، فهناك من يرى (منهم كاتب هذا التقرير) أنه ليس هناك تحول جذرى فى الموقف الأمريكى تجاه أطراف الصراع فى ليبيا، حيث لا يمكن القول أن الولايات المتحدة تحولت بصورة كاملة ناحية دعم حكومة الوفاق، وهو ما ظهر فى أن لقاءات الجانب الأميركي مع مسئولى حكومة الوفاق لم يرق إلى المستوى الوزاري، فلم يلتقى وزراء حكومة الوفاق مع نظرائهم في واشنطن. كما أن حديث المسؤولين الأميركيين عن تعاون مع حكومة الوفاق، لا يعني سوى رسائل تهديد لحفتر فقط[7]. أكثر من ذلك أن حفتر حتى الآن لم يأخذ على محمل الجد الدعوة الأمريكية لوقف هجومه على طرابلس، بل إن المعارك على أشدها، وفي أغلب المحاور والجبهات[8].

ختاماً، يبدو أن هناك انقسام داخل الإدارة الأمريكية بين الرئيس ترامب، الأقرب إلى دعم حفتر فى ظل رؤية ترامب القائمة على دعم العسكريين، والتقارب مع محور الثورات المضادة بقيادة السعودية والإمارات. وبين وزارة الدفاع والأمن القومى اللذين يركزوا على أولوية مواجهة خطر التمدد الروسى فى ليبيا، وهو التمدد الذى يتم عن طريق مع حفتر، لذلك فإنهما قد يدفعا نحو تعزيز العلاقات مع حكومة الوفاق.

 

 

[1]                      “ليبيا | التدخّل الروسي يُبدّل موقف واشنطن: لوقف الهجوم على طرابلس!”، الإخبار، 16/11/2019، الرابط: https://bit.ly/2OqgCA4

[2]                      المرجع السابق.

[3]                      “ما وراء تحول الموقف الأميركي من حفتر وحربه على طرابلس؟”، العربى الجديد، 18/11/2019، الرابط: https://bit.ly/2XAASTY

[4]                      ” تحرك أمريكي جديد في ليبيا.. هل تريد وقف نفوذ الروس المتصاعد؟”، الخليج أونلاين، 16/11/2019، الرابط: https://bit.ly/2XJt0Qh

[5]                      “التغلغل الروسي في ليبيا يثير الانتباه الأمريكي (تحليل)”، الأناضول، 20/11/2019، الرابط: https://bit.ly/2qBJIEK

[6]                      ” تحذير أميركي لحفتر بشأن النفوذ الروسي… وأبوظبي تتحرّك لإنقاذ وجودها”، العربى الجديد، 16/11/2019، الرابط: https://bit.ly/2XzWrE5

[7]                      “ما وراء تحول الموقف الأميركي من حفتر وحربه على طرابلس؟”، مرجع سابق.

[8]                      “التغلغل الروسي في ليبيا يثير الانتباه الأمريكي (تحليل)”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الاتفاق الأمني التركي مع “طرابلس” وتأثيراته على مستقبل ليبيا في ضوء الصراع الروسي الأمريكي

وسط صراع محموم بين أطراف إقليمية ودولية، تْطحن ليبيا شعبا وأرضا ومواردا ودولة ومجتمعا، بين…