‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر القبض على ياسر سليم وعلاقته بعمليات الفك والتركيب في إعلام السيسي
مصر - ديسمبر 11, 2019

القبض على ياسر سليم وعلاقته بعمليات الفك والتركيب في إعلام السيسي

بعد الضجة الكبرى التي أعقبت التقارير الصحفية التي كشفت عن إبعاد نجل السيسي العميد محمود وكيل جهاز المخابرات العامة إلى روسيا في مهمة عمل طويلة والإطاحة به من الجهاز وقد كان يمثل الرقم الأهم في المخابرات بنفوذه الواسع؛ فاجأ إعلام النظام العسكري متابعيه والمهتمين بالشأن المصري  صباح الجمعة  29 نوفمبر 2019م، بالكشف عن إلقاء القبض على المنتج الفني والإعلامي الشهير ياسر سليم، والذي يعد الرجل الثاني في الواجهة الشكلية لإدارة منظومة الإعلام التابعة للنظام،  ويطلق عليه «إمبراطور الإعلام»؛ لما له من نفوذ واسع وسيطرة شبه مطلقة يستمدها من علاقته بجهاز المخابرات العامة المتحكم الفعلي في منظومة الإعلام التابعة للنظام بمصر.

السبب المباشر للقبض على سليم  قيل إنه  أصدر شيكات بدون رصيد بنكي وأن عملية القبض تمت بناء على إذن من النيابة العامة؛ ولكن موقع «كايرو 24»[1]، الذي غطى خبر القبض عن سليم مصحوبًا بصورة له داخل سيارة الشرطة وقت القبض عليه، نقل عن مصدر أمني أن القبض على سليم جاء بسبب صدور أحكام قضائية ضده في قضايا شيكات بدون رصيد لصالح الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي يترأسها تامر مرسي، الذي يعد الرجل الأول في المنظومة الإدارية لإعلام النظام والسيطرة خلال العامين الماضيين على سوق الدراما كذلك.

لكن  صحيفة “العربي الجديد”[2] التي تصدر من لندن، تنقل عن أحد المصادر المطلعة أن السبب الرئيس في إبعاد ياسر سليم، هو انتقاده لمحمود السيسي وطريقة إدارة الملف الخاص بمنظومة تسويق تراث الإذاعة والتلفزيون وتدشين المنصة الإعلامية الجديدة المملوكة للمخابرات “ووتشيت”، التي حازت بالأمر المباشر على معظم محتوى مكتبة اتحاد الإذاعة والتلفزيون ومنعت إتاحته مجاناً على منصات التواصل الاجتماعي المجانية، وذلك نظراً لتفضيل المسؤولين عن المنصة الجديدة شركة جديدة على حساب شركة ياسر سليم “بلاك أند وايت” في مجال الدعاية، وحرمانه من تحقيق أرباح من المشروع الجديد.

والسبب الثاني هو خصومة قديمة بينه وبين شخص جديد يشاركه الماضي المخابراتي لكنه يحظى بثقة أكبر لدى نجل السيسي وعباس كامل، هو الضابط السابق منتصر النبراوي، الذي تدرج بسرعة الصاروخ منذ أن كان مسؤول العلاقات العامة بإعلام المصريين، ليصبح في ظرف عامين عضواً في مجلس الإدارة ونائباً لرئيس شركة “بي أو دي” المتخصصة في الدعاية والتابعة للمجموعة نفسها. وهي الشركة التي تملك أكبر الحقوق الحصرية للإعلانات في مصر حالياً، فضلاً عن كونه المسؤول الأول عن منظومة التسويق الجديدة “تذكرتي” التي ظهرت في كأس الأمم الأفريقية الماضية، وكذلك بات أحد المسؤولين الرئيسيين عن منصة “ووتشيت” الجديدة.

السبب الثالث أن انتقادات سليم  لسياسات نجل السيسي ـ بحسب هذه المصادر ــ قادته إلى التواصل أكثر من مرة مع ضباط مخابرات سابقين تم إبعادهم في السنوات الأخيرة، لكونهم من التابعين لرئيس المخابرات الراحل عمر سليمان ولعدم ثقة دائرة السيسي بهم، إذ كان يبحث معهم تدشين مشاريع جديدة في الفترة المقبلة لمزاحمة شركائه القدامى، خصوصاً في مجال الإنتاج التلفزيوني. وهو ما يعتبره السيسي ونجله عداء صريحا وعدم ولاء للنظام في ظل يقين السيسي أن من يقف وراء حملة الفنان والمقاول محمد علي  ضد النظام هم قيادات رفيعة تم الإطاحة بها من الجهاز للشك في ولائها لنظام السيسي.

 

الأدوار الخفية

ويحمل القبض على سليم كثيرا من الرسائل والدلالات ترتبط بشكل وثيق بصراع الأجنحة داخل مؤسسات نظام 30 يونيو، كما ترتبط أيضا  بعمليات إعادة الفك والتركيب في منظومة الإعلام التابعة للنظام والتي شهدت خلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م هيمنة شبه مطلقة لأجهزة الدولة الأمنية على جميع مفاصل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع التي تبث وتنشر من داخل مصر.

وبحسب موقع “مدى مصر” فإن مرسي وسليم ضابطان سابقان بالمخابرات العامة، يتصدران المشهد الإعلامي والدرامي منذ بداية 2017م، بوصفهما مالكيين لغالبية المؤسسات الإعلامية، ومحتكرين لسوق الإنتاج الدرامي في مصر.

ترأس مرسي في بداية 2018 مجلس إدارة شركة «إعلام المصريين»، التي كانت تمتلك وقتها شبكات قنوات «أون ON» و«الحياة» وإدارة راديو النيل وموقع وجريدة «اليوم السابع»، وتساهم في مجالات الإنتاج والإعلان والعلاقات العامة والتسويق الرياضي وخدمات الإعلام الرقمي.

وفي يوليو 2018،  عين مرسي ياسر سليم نائبًا له، وأسند له رئاسة مجموعة قنوات الحياة وقناة العاصمة وراديو drn، غير أن موقع «اليوم السابع» ذكر في أبريل 2019م، أن تلك المؤسسات لم تعد تابعة لشركة إعلام المصريين وإنما لشركة «إيجيبت ميديا» برئاسة سليم.

أما مرسي، فإلى جانب امتلاكه لمجموعة إعلام المصريين، أصبح يترأس الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي تضم تحت لوائها «إعلام المصريين» وقنوات «on» و«الحياة»، وصحف ومواقع «اليوم السابع» و«صوت الأمة» و«عين»، وكذلك إدارة شبكة راديو النيل، وعدة شركات مثل «برزنتيشن» و«سينرجي» [المملوكة لمرسي]، و«إيجل كابيتال» التابعة لصندوق استثماري تملكه المخابرات العامة، إضافة إلى مجموعة المستقبل المالكة لقنوات «cbc»، ومجموعة «دي ميديا» المالكة لقنوات «dmc»، و«الناس»، وصحف «الوطن»، و«الدستور»، وموقع «مبتدا»، وراديو «9090» كذلك.

وقبل سنتين نشر الناشط السياسي والمسؤول السابق في حملة ترشح عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية 2014،  حازم عبد العظيم المعتقل حاليا نص مكالمة صوتية بينه وبين ضابط في المخابرات العامة كشف فيها ترتيب جهاز المخابرات لقائمة “في حب مصر” الموالية للسيسي قبل الانتخابات للسيطرة على مقاعد البرلمان، وهو ما حدث بالفعل، فالقائمة الآن تشكل أغلبية مقاعد مجلس النواب.  المكالمة التي تمت في يونيو/حزيران 2015 كشفت دعوة ضابط المخابرات هذا لعبد العظيم إلى حضور اجتماع لجان التنسيق للقوائم الانتخابية، وهو ما رفضه حازم مبررا بأنه انسحب من القائمة وابتعد عن السياسة، فرد عليه ضابط المخابرات بأنه لا يعلم ذلك حيث جاءته التعليمات من “سيادة” الوكيل إيهاب “وكيل المخابرات” بدعوته لحضور الاجتماع في “المقر”.

 وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2016 كشف عبد العظيم عن هوية ضابط المخابرات الذي وصفه بـ”الممول لأنشطة المخابرات الإعلامية” وأوضح أن هذا الضابط هو من “يدير ملف الإعلام داخل جهاز المخابرات وأحد القائمين الرئيسيين على تشكيل المشهد الإعلامي المصري لدعم السيسي”. وقال إن هذا الضابط هو ياسر سليم.[3]

وإلى جانب ذلك، كانت لياسر سليم الذي يلقب في أوساط المخابرات والإعلام الموالي للسلطة بـ”القبطان”، أنشطة استثمارية أخرى في مجال المطاعم السياحية والفنادق وتجارة السيارات، بالشراكة مع رجال أعمال آخرين. وبدأ صعود سليم في أعقاب نجاح الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق عبدالفتاح السيسي منتصف 2013م ضد المسار الديمقراطي والرئيس المدني المنتخب الدكتور محمد مرسي؛ حيث ظهر فجأة في الوسط الإعلامي وشارك في إدارة المشهد الفني والإعلامي عبر شركة “بلاك آند وايت” للإنتاج الفني والتي يشغل منصب رئيس مجلس إدارتها.

  • في يونيو2014، فازت شركة “بلاك آند وايت” وشركة “برومو ميديا” والتي رأس مجلس إدارتها رجل الأعمال نجيب ساويرس بالحقوق الحصرية لإعلانات جريدة اليوم السابع المطبوعة والموقع الإلكتروني.
  • وفي يوليو 2015 ظهر ياسر سليم بقوة حيث افتتح مطعم “باب الخلق” في التجمع الأول بالقاهرة الجديدة، بحضور مجموعة من أبرز نجوم الفن والإعلام في مصر. واقتحم سليم الإنتاج الفني والإعلامي، فدخلت شركة “بلاك آند وايت” المملوكة له السوق بقوة في مجال الإنتاج التلفزيوني وعمل معه عدد كبير من مشاهير الإعلام في مصر.
  • في ديسمبر 2015 وقع سليم عقدا مع اتحاد الإذاعة والتلفزيون لإنتاج أضخم برنامج توك شو للتلفزيون المصري “أنا مصر” والذي رأس تحريره دندراوي الهوراي، رئيس التحرير التنفيذي لليوم السابع، ومندوب الجريدة سابقا في الجيش، وقدم البرنامج كل من: أماني الخياط، شريف عامر، وريهام السهلي، وإيمان الحصري، ومحمد نشأت، ورضوى الشربيني، ونيفين الفقي.
  • استحوذ ياسر سليم على موقع “دوت مصر” الإخباري وأصبح رئيس مجلس الإدارة، حيث اشترت شركة “مصر الآن” التي يملكها سليم الموقع بعد وفاة مؤسسه عبد الله كمال، وبعد ذلك تم بيع الموقع لمجموعة “إعلام المصريين”.
  • الخطوة الأهم هي عندما قررت شركة “بلاك آند وايت” وشركة “سينرجي” والتي يترأسها المنتج تامر مرسي، الدخول في شراكة تحت اسم “سينرجي وايت”، وبدأوا بإنتاج عدة مسلسلات منها “الطبال” و”أزمة نسب” و”سبع أرواح”. وأنتج سليم مسلسلات “مأمون وشركاه” و”أبو البنات” و”القيصر” و”شهادة ميلاد” و”كفر دلهاب” و”عفاريت عدلي علام”، و”أرض جو” و”الكبريت الأحمر” و”الكبير قوي” و”سرايا حمدين”. كما عمل ياسر سليم منتجًا لعديد من الألبومات الموسيقية لعدد من الفنانين هم محمد عباس، مي حافظ، هاني حسن الأسمر، دينا عادل، أيمن الجندي، نور سليم، مروة ناجي، عبدة سليم.

 

عمليات الفك والتركيب

يمكن تفسير القبض على ياسر سليم من خلال عمليات الفك والتركيب التي تجري حاليا داخل الجهاز خصوصا ما يتعلق بملف الإعلام، في أعقاب الأخبار المتداولة حول إبعاد نجل الطاغية عبدالفتاح السيسي العميد محمود عن الجهاز  بسبب التأثير السلبي لنفوذه الكبير على أبيه وعلى نظام الحكم نفسه وتكليفه بمهمة العمل كملحق عسكري في روسيا. إضافة إلى فشله في الملفات التي أوكلت إليه وعلى رأسها ملف الإعلام الذي شهد تراجعا حادا خلال السنوات الماضية.

يعزز من هذه الفرضية أن الشركة التي تم القبض على سليم لحسابها في شيكات بدون رصيد هي  المتحدة للخدمات الإعلامية التي كان سليم نائبا لرئيس مجلس إدارتها “تامر مرسي”، وهي من أهدت فيلم “الممر” للعرض على شاشات قنوات التلفزيون الرسمي، وقد كرم السيسي فريق عمل الفيلم في حفل خاص أقيم في ذكرى انتصارات أكتوبر 2019م، وكانت ذات الشركة قد احتكرت في مايو 2019حقوق استغلال وتسويق محتوى وتراث اتحاد الإذاعة والتلفزيون “ماسبيرو”، سواء ما تم إنتاجه سابقا أو حاليا. وهو ما يعني أن ما جرى هو عملية (تفكيك و تصفية) لسليم ومشروعاته ودوره الشكلي في إدارة ملف الإعلام لحساب المخابرات.

ويدلل على صحة ذلك أيضا أن الإطاحة بسليم ليس الأول من نوعه؛ فقد تمت الإطاحة بالضابط أحمد شعبان (ابن الدولة) صاحب النفوذ الواسع على وسائل الإعلام والذي كان يلقب برئيس تحرير مصر؛ لأنه كان يتولى دور التواصل بين جهاز المخابرات وجميع وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وينقل التوجيهات من الجهاز للإعلاميين مباشرة. وقد كان يكتب مقالا يوميا على صحيفة “اليوم السابع” باسم “ابن الدولة” والذي كان يتابعه جميع رؤساء التحرير ومقدمي البرامج باعتباره توجيهات عليا واجبة التنفيذ. ويعود سبب الإطاحة بشعبان إلى إخفاقه الكبير في إدارة ملف الإعلام وبحسب مصادر بالنظام فإن شعبان كان وراء  اعتقال عدد من الأجانب في مظاهرات 20 سبتمبر وإجبارهم على الاعتراف بالتآمر على النظام وهو ما بثه الإعلامي المقرب من السلطة عمرو أديب على قناة “أم بي سي مصرية” وأدى إلى فضيحة مدوية للنظام بعد توتير العلاقات مع كل من السودان والأردن والإفراج عن الأجانب المعتقلين. كذلك فإنه كان وراء مقترح الدفع بشبيه نجل السيسي مع عمرو أديب واعتبر ذلك نصرا مؤزرا وفخا لإعلام المعارضة، وهو ما ترتب عليه تسليط الأضواء بشدة على نجل السيسي وأدى بعد ذلك إلى الإطاحة بالسيسي الابن وشعبان نفسه الذي عين مستشارا إعلاميا للمحلق العسكري المصري في اليونان.[4]

ويعزو موقع “عربي بوست” إلى اللواء محسن عبدالنبي، مدير مكتب السيسي، حاليا الدور الأهم في انتزاع ملف الإعلام من المخابرات العامة  حيث كان المقدم أحمد شعبان، مدير مكتب اللواء عباس كامل، ومعه زميله محمد فايز، كانت لهما الكلمة الأولى والأخيرة في ملف الإعلام بالتشاور مع عباس، ومحمود نجل السيسي، والمتحكم الفعلي فيه»، بالإضافة إلى اللواء عبدالنبي. الذي أقنع السيسي بهذه الخطوة. فللسيسي دوائر عديدة على رأسها دائرة المخابرات العامة وثانيها دائرة مكتب الرئيس الذي يتولاه عبدالنبي الذي تولى منصبه في 2 يوليو 2018م.

 

فشل المخابرات في ملف الإعلام

وتعود أسباب سحب ملف الإعلام من جهاز المخابرات العامة، إلى عدة أسباب:

  • نزع ملكيات القنوات الفضائية من رجال الأعمال دون رؤية لكيفية تطويرها أو إداراتها، وإسنادها إلى مندوبين أمنيين يتحركون بأوامر المكتب، وهو ما كلف الدولة مبالغ طائلة، وبدد الكثير منها دون طائل، وثانيهما، إهدار الأموال. وفي الوقت ذاته تراجع أداء الإعلام والإعلاميين رغم وجود الإمكانات».
  • أما العامل الثاني فهو طريقة معالجة هذا الهدر. فالسيسي نفسه كان قد كشف عن خسائر تصل إلى إكثر من 6 مليارات جنيه؛ وفي سبيل وقف هذا الهدر تم إغلاق الكثير من القنوات التابعة لمجموعة إعلام المصريين التابعة للجهاز، وشردت آلاف العاملين»، ومنها إغلاق قناة «أون لايف» على الهواء مباشرة، في 28 يونيو 2018، وقناة الناس، وقناة دي إم سي الرياضية، وقناة دي إم سي نيوز، وتم تشريد آلاف المحررين والإعلاميين والمعدين والصحفيين والفنيين والعاملين والإداريين».
  • فشل المخابرات في إنجاز مطالب السيسي في تدشين شبكة إعلام قوي تنافس الجزيرة وإعلام الإخوان، كما تباهي هو بذلك في أحد خطاباته سنة 2017م  ولكن المشروع فشل وتم إغلاق قناة دي إم سي الرياضية، ودي إم سي نيوز، التي كان يعول عليها السيسي  كأقوى قناة إخبارية بعد ثلاث سنوات من الإعداد لها، إلى أن تم تسريح 90% من العاملين بها في أغسطس2019، وكذلك قناة دي إم سي كيدز، ودي إم سي مسرح… إلخ». وكبدت مشروع «قناة دي سي نيوز الدولة خسائر بمئات ملايين الجنيهات، لأنها أسست استوديو كبيراً (استديو 19) بأجهزة مستوردة، وخبرات أجنبية، ولكن من خلال نظام إخباري وصفه الموظفون بالفاشل (Octopus)، وتم استقدام أفضل المحررين ورؤساء التحرير، والكثير من المذيعين، بالمحسوبية، للقناة، وفشلت في الانطلاق».
  • «أداء جهاز المخابرات في ملف الإعلام سبّب انتكاسة كبيرة لصورة السيسي، وشجع المواطنين على التوجه لوسائل بديلة، مثل السوشيال ميديا، والقنوات المحسوبة على الإخوان والمعارضة بالخارج، وأفقدت السلطة زهوة الإعلام». وقد عبر السيسي في مرات عديدة عن عدم رضاه عن الإعلام رغم إدراكه أن عباس كامل ونجله محمود هما من يتوليان إدارته.

 

استدعاء رجال الأعمال

وأمام هذا الفشل المدوي من جهة، والخسائر الضخمة التي تتجاوز الستة مليارات جنيه سنويا من جهة أخرى؛ يبدو أن النظام سيعود إلى شكل المعادلة السابقة التي كانت قائمة قبل عمليات الاستحواذ الكاملة على الفضائيات والصحف لشركات مدنية تعتبر واجهة للمخابرات وأجهزة الدولة، والتي بدأت في 2015م، ومنذ مطلع نوفمبر 2019م جرى استدعاء رجال الأعمال مرة أخر للمساهمة في سوق الإعلام وحمل “الشيلة” في محاولة لاستدراك التراجع الحاد في تأثير الإعلام الموالي للنظام لحساب الإعلام المعارض الذي يبث من الخارج، وبات له تأثير واسع على المصريين.

ويشهد السوق بحسب هذه الرؤية التي شرع النظام في تنفيذها عودة رجل الأعمال أحمد أبوهشيمة بشراء قناة «أون سبورت»، و «تايم سبورت»، ورجل الأعمال طلعت مصطفى بشراء مجموعة قنوات الحياة، ورجل الأعمال محمد الأمين بشراء قنواته السابقة في مجموعة «سي بي سي» ما عدا الإخبارية».[5]

 

مستقبل إعلام العسكر

عمليات التفكيك والتركيب الجارية حاليا في ملف الإعلام وسحبه من جهاز المخابرات العامة، بعد الفشل المتواصل والخسائر الباهظة وعدم القدرة على مواجهة تآكل شعبية السيسي ونظامه، من المرجح أن يتم إسناد الإشراف عليه إلى شخصية عسكرية كبيرة مثل الفريق محمود حجازي صهر السيسي الذي أطيح به منذ عامين، في ظل أنباء تتردد عن توجهات نحو إعادة وزارة الإعلام من جديد مع ترشيح ياسر رزق مدير مؤسسة أخبار اليوم وضياء رشوان نقيب الصحفيين ومدير هيئة الاستعلامات وغيرهم لتوليها.

وأمام الانهيار الواسع لإعلام النظام وهروب الغالبية الساحقة من المصريين عنه إلى إعلام المعارضة الذي يبث من الخارج يتجه النظام كذلك إلى العودة إلى معادلة ما قبل 2016 باستدعاء رجال الأعمال من جديد للمساهمة في إدارة الإعلام وتحمل جزء كبير منه بشرط أن يكون ذلك في إطار الهيمنة والإشراف الأمني على المنظومة ككل.

وإزاء ذلك فإن مستقبل إعلام النظام يدور حول عدة سيناريوهات:

الأول، القدرة على النهوض والتطور وجذب ملايين المشاهدين. وهو مسار مستبعد لاعتبارات تتعلق باستمرار سيطرة الأجهزة الأمنية على المنطومة ككل. وغياب مساحة الحريات التي يتحرك فيها الإعلام في ظل تكريس حالة القمع والاستبداد، إضافة إلى أن رؤية السيسي للإعلام هي التبعية والدعاية للنظام كما صرح هو بذلك عندما حسد الطاغية عبدالناصر على إعلامه الذي كان يديره بالأوامر العسكرية وهي رؤية في حد ذاتها مدمرة لأي إعلام ولن تسمح له بالتأثير والإقناع.

الثاني، البقاء على ما هو عليه مع مزيد من التدهور والتراجع. وهو السيناريو الأرجح حاليا وإن كان ذلك لا يمنع  من فتح مساحة صغيرة للحركة، وإعادة عدد من الوجوه الإعلامية القديمة التي أطيح بها في عملية استحواذ المخابرات على الإعلام؛ ولكنها لن تكون كافية لإعادة الحياة إلى منظومة إعلام النظام؛ بخلاف فشل النظام نفسه يجعل من مهمة أي وسيلة إعلام الدفاع عن مواقفه وسياساته صورة من صور الانتحار.

الثالث هو الانهيار التام وإعلان شهادة وفاته. وهو أمر متعلق بمدى قدرة النظام على البقاء وانهيار منظومته الإعلامية مرهون ببقاء النظام ذاته؛ فسقوط النظام لأي سبب من الأسباب سوف يفضي تلقائيا إلى وفاة منظومته الإعلامية والثقافية والسياسية والدينية.

تم في الاثنين 2 ديسمبر 2019م

[1]أحمد الجندي/لصالح الشركة المتحدة.. قصة القبض علي المنتج ياسر سليم بسبب شيكات بدون رصيد (التفاصيل)/ القاهرة “24” الجمعة 29 نوفمبر 2019م

[2]نهاية أسطورة ياسر سليم: رسالة تحذيرية وهيكلة مشاريع النظام/العربي الجديد السبت 30 نوفمبر 2019

 

[3]مصر: القبض على “جنرال” الإعلام وواجهة المخابرات [صور]/ الجزيرة مباشر  السبت 30 نوفمبر 2019

 

[4]استدعاء وجوه إعلامية مؤيدة للسيسي وترقب لمن يدير الدفة..إعلام السيسي في مهب الريح بعد اعتقال قبطانه ونفي ربانه/ عربي “21”الأحد، 01 ديسمبر 2019

 

[5]كاتم أسرار جديد للسيسي.. كواليس سحب ملف الإعلام من المخابرات المصرية، ولماذا عاد لرجال الأعمال مجدداً؟/ عربي بوست الجمعة 29 نوفمبر 2019

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لائحة فانون العمل الأهلي بمصر ..لماذا الآن؟

  أثار قانون العمل الأهلي منذ إعلانه بداية 2016م حالة من الجدل داخل الأوساط الحقوقية،…