‫الرئيسية‬ العالم العربي مستقبل غامض للمصالحة القطرية الخليجية بعد قمة الرياض!!
العالم العربي - ديسمبر 19, 2019

مستقبل غامض للمصالحة القطرية الخليجية بعد قمة الرياض!!

جاء انعقاد القمة الأربعين لمجلس التعاون الخليجي بالرياض بمشاركة قطر، في أجواء تصالحية لمحاولة اعادة الروح للمجلس المتشظي، إثر سياسات واهداف اماراتية سعودية، للعمل بالمنطقة وفق أجندات خاصة بعيدا عن السياسات الجمعية للمجلس..

وجاءت مشاركة قطر بعد أكثر من عامين من المقاطعة السعودية الاماراتية البحرينية ومعهم مصر، على خلفية اتهامات للدوحة بتمويل جماعات إرهابية والتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار.‏

وشاركت قطر بعد تلقي دعوة رسمية من الرياض في 3 ديسمبر الجاري، من العاهل السعودي، عن طريق عبد اللطيف بن راشد الزياني الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي.

 

مقدمات تصالحية

 

وسبق ذلك العديد من المقدمات التصالحية وبضغوط أمريكية، لمحاولة صف الدول الخليجية ضد النفوذ الايراني المتصادم مع الأجندة الأمريكية بالمنطقة.

وجرت ترتيبات مفاجئة، نقلتها صحف دولية، عن زيارة سرية، لوزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى الرياض والتباحث سرًا في الازمة الخليجية وكيفية حلها، ـ ولو بين السعودية وقطر ـ على أن يكون الثمن، مقاطعة جماعة الإخوان المسلمين.

 

وبعد أيام من الغموض وتجنب التعليق على الأخبار من الجانبين القطري والسعودي، عاد وزير الخارجية القطري للأضواء مجددًا، واعترف خلال مشاركته في منتدى حوارات المتوسط المنعقد بالعاصمة الإيطالية روما، أن بلاده تجري مباحثات مباشرة مع السعودية، بشأن الأزمة الخليجية، وأعرب عن أمله في أن تسفر عن نتائج إيجابية.

 

ضمن ما قاله وزير الخارجية القطري، أن المباحثات أحدثت تقدمًا وانتقلت بالأزمة من طريق مسدود إلى الحوار عن رؤية مستقبلية بشأن العلاقة مع السعودية، دون أن يتحدث عن الإمارات أو البحرين ومصر، وكان لافتًا تأكيد بن عبد الرحمن أن المباحثات لم تتضمن المطالب الـ13 التي وضعتها البلدان الأربعة كشروط قاطعة لإعادة العلاقات مع الدوحة، كما لم يتطرق من قريب أو بعيد إلى قضية دعم الإخوان أو تقديمها قربانًا للمصالحة، كما أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال”، نقلًا عن مصدر لم تسمه.

 

وفي سياق التقارب، جاء إعلان منتخبات السعودية والإمارات والبحرين المفاجئ، بالمشاركة في بطولة “خليجي 24” لكرة القدم، التي استضافتها الدوحة، وتوج بها منتخب البحرين، ليؤكد أن هناك شيئًا ما يجري خلف الستار، خاصة أن البطولة شهدت أجواءً إيجابيةً وروحًا رياضيةً عاليةً من جميع اللاعبين، تختلف جذريًا عن بطولة كأس آسيا التي استضافتها الإمارات قبل تسعة أشهر وفازت بها قطر، في ظل أجواء عدائية كشفت ما يكمن في النفوس بين أبناء البلدان الخليجية.

 

وقبيل القمة، نشر الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، على حسابه على تويتر قائلاً: “أبشركم بتطورات مهمة لحل الخلاف الخليجي بأقرب مما تتوقعون”، لكن دون ذكر أي تفاصيل.

 

وبعدها بساعات قليلة غرد الكاتب الصحفي الإماراتي محمد الحمادي رئيس تحرير صحيفة الرؤية الإماراتية بجملة مكونة من كلمتين فقط “الصلح خير”، ورغم عدم الإفصاح عن نوايا الكاتب من وراء هذه الكلمات…

 

وفي نوفمبر الماضي، استضافت عمان اجتماعًا للجنة العسكرية العليا لرؤساء أركان دول مجلس التعاون الخليجي، بمشاركة مسؤول عسكري قطري بارز، وهو ما فسره مقربون ببادرة أمل.

 

وفي مايو الماضي أيضا، وخلال مقابلة له مع وكالة “سبوتنيك” الروسية قال صدقة يحيى فاضل رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشورى السعودي: “أعتقد أن أزمة السعودية والإمارات والبحرين مع قطر تتجه إلى الحل”، موضحًا “هذا قد يكون من باب التمني، لكن هناك بعض المؤشرات التي توحي بأن الأزمة في طريقها للحل، وبالشكل الذي يُرضي الأطراف كافةً“.

وجاءت تصريحات فاضل عقب اتصال رئيس وزراء البحرين الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهو الاتصال الذي نقلته وكالة الأنباء البحرينية عن وزير شؤون مجلس الوزراء، محمد إبراهيم المطوع، قوله إنه “لا يؤثر في التزام المملكة مع شقيقاتها، المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر، بشأن تنفيذ دولة قطر ما التزمته في اتفاقية 2013 و2014 وما تبعها من مطالب عادلة“.

 

وفي يوليو الماضي وبعد 25 شهرًا من تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع الدوحة إرضاءً للرياض وأبو ظبي على خلفية الأزمة الخليجية، أصدر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، مرسومًا ملكيًا، بالموافقة على تسمية الأمين العام لوزارة الخارجية زيد اللوزي سفيرًا للمملكة لدى قطر، وهو ما أعطى الضوء الأخضر لعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى مستوياتها السابقة، ما قبل الـ5 من يونيو 2017..

قمة الابتسامات

 

وانطلقت القمة برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز، وبحضور أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، وملك البحرين حمد بن عيسى، ورغم غياب قادة قطر وسلطنة عمان والإمارات، فإن تمثيل الدول الثلاثة كان رفيع المستوى، بداية من قطر التي أرسلت وفدًا برئاسة الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، في حين ترأس وفد سلطنة عمان فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء العماني، كما ترأس وفد الإمارات محمد بن راشد رئيس الوزراء وحاكم دبي.

وأكد البيان الختامي إلى أهمية التكامل العسكري والأمني بين البلدان الخليجية، وفقًا لاتفاقية الدفاع المشترك، وعاد لبيانات المجلس التيمة القديمة التي اختفت خلال العامين الماضيين، بالتذكير الدائم أن الاعتداء على أي دولة في المجلس، هو اعتداء على المجلس بأكمله.

 

وعلى المستوى الاقتصادي، أشارت القمة إلى ضرورة العمل الجماعي للوصول إلى الوحدة الاقتصادية الكاملة والمواطنة الخليجية بحلول عام 2025، وتحقيق الأمن الغذائي وتطوير آليات الحوكمة المالية والشفافية والمساءلة..

 

رغبة سعودية

وبغض النظر عن الخطاب الختامي الرسمي، الصادر بعد أقل من ساعة من بدء القمة التي استغرقت نحو 30 دقيقة، يكشف تحليل كلمة الملك سلمان في القمة، نفسية السلطة السعودية في الوقت الراهن، التي يبدو أنها تشعر بقلق بالغ من الأخطار المحيطة وتعقيدات الموقف الدولي وتلاعبه بالأطراف المتصارعة من أجل تحقيق المزيد من المكاسب، فضلًا عن صعوبة مواجهة المملكة لهذه التحديات دون توحيد الجبهة الخليجية وضمان عدم اختراقها إقليميًا ودوليًا.

بل كان لافتًا تبرير الملك سلمان في كلمته، تحريك المياه الراكدة مع قطر، بتأكيده أن مجلس التعاون الخليجي تمكن منذ تأسيسه من تجاوز الأزمات المختلفة والعودة سريعًا إلى اللحمة من جديد، ما انعكس على كل الأطراف التي حضرت القمة ومهدت منذ البداية، وما زالت تسعى لإحداث تغيير في المواقف الصلبة، وخاصة الكويت التي أكد أميرها الأجواء الإيجابية والخطوات التي تبذل لطي صفحة الماضي.

 

سبق كلمة سلمان المختلفة في كلماتها وتعبيرات الملك الجسدية خلال إلقائها وردود الفعل حولها من الحضور، استقبال حافل للوفد القطري لدى وصوله إلى المطار في العاصمة السعودية، تبادل فيه مسؤولو الطرفين الأحاديث الجانبية والابتسامات، صاحبها احتفاء المعلق السعودي بالوفد بطريقة كرنفالية، غابت عن الأسماع خلال العاميين الماضيين، وخاصة مع تأكيده بشكل متتال على أن السعودية بلد القطريين الثاني.

وفي المقابل، انعكست طريقة الاستقبال على رئيس الوزراء القطري الذي ترأّس وفد بلاده من قبل في قمة مكة مايو الماضي، لبحث التوترات بين دول الخليج، وبدا أن هناك سعادة وحميمية، لم ترتسم على وجهه منذ عامين، كان يشارك فيهما، لكن المسؤول القطري لم يحظ خلالها بالاستقبال ذاته الذي حظي به في الرياض، ما جعله يغادر والوفد القطري الجلسة الافتتاحية لقمة دول منظمة التعاون الإسلامي في مكة، بينما كانت تنقل مباشرة على الهواء.

معطيات سعودية

 

ويمكن القول إن التقارب السعودي القطري خلفه عدة معطيات منها أن المقاطعة أضرت بالحلف الخليجي ربما أكثر من الأضرار التي وقعت على قطر، بحسب تحليلات دولية، ما جعل السعودية تستجيب للمحاولات الكويتية والعمانية للمصالحة، عبر اعتماد مقاربة مختلفة لنزع فتيل التصعيد، ولكن ما زالت ترفضها الإمارات التي تعارض إعادة العلاقات دون إخضاع قطر للشروط الـ13 التي وضعت من قبل لكسر الجموح القطري.

 

تشدد إماراتي

 

التصعيد الإماراتي الذي بدأ برفض كسر الحظر الجوي على قطر، وإرسال منتخبها للمشاركة في قمة خليجي 24 عبر الأراضي الكويتية، عبر عنه الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، وأشار بوضوح إلى استمرار أزمة قطر، ولخصها في غياب الشيخ تميم بن حمد عن القمة وسوء تقدير للموقف، يسأل عنه مستشاروه، ورهن قرقاش حل الأزمة بما أسماها “ضرورة معالجة جذورها بين قطر والدول الأربعة“.

وعبرت تغريدة قرقاش عن  أن بلاده لن ترضى بأقل من تنازلات كبرى من الدوحة، وربما تطمح في اعتراف قطري بالمسؤولية عن الأزمة التي عصفت بالمجلس، والتوقف عما تراه الإمارات “دعم قطري للتطرف والإرهاب في المنطقة”، وهي إشارات استقبلتها الدوحة جيدًا، وربما فضلت الإجابة عنها عن طريق أذرعها الإعلامية التي لم تتوان عن إمطار الإمارات بقصف موجه ومستمر على مدار اليوم.

 

ولم تستثن المنافذ الإعلامية القطرية الإمارات من القصف، حتى يوم انعقاد القمة، حيث كشفت تفاصيلًا جديدة في بناء سجون سرية وتفاصيلًا لم تعلن من قبل عن ممارسة تعذيب ممنهج في اليمن، ما يشير إلى أن الصراع باقٍ بين البلدين، ربما تتغلب فيه قطر إذا استطاعت الوصول إلى مصالحة منفردة مع السعودية، بعد توقفها بشكل ملحوظ عن استهدافها في وسائل إعلامها.

وربما تتفوق الإمارات إذا استطاعت إطالة أمد التفاوض بين المملكة وقطر، دون التوصل إلى شيء، خاصة أنه حتى الآن، لم تخرج المفاوضات عن ابتسامات وأجواء تصالحية، مثلما وصفتها “الجزيرة” ، دون الاتفاق على حل واضح وفاصل، يرضي الكبرياء السعودي الذي أعلن مرارًا وتكرارًا، عدم التنازل عن الشروط الـ13، ويرضي في الوقت نفسه الذات القطرية التي أعلنت في المقابل رفضها لكامل الشروط، وأكدت ان الحوار لا بد أن يبدأ دون قيد أو شرط.

 

غياب أمير قطر

وعلى الرغم من الأجواء التصالحية، جاء قرار عدم مشاركة الأمير القطري لافتا، في ضوء عدد من المؤشرات قرأتها الدوخة بشكل دقيق، فبحسب مصدر قطري مُطلع، كشف  لوكالة الأناضول أن عدم مشاركة الأمير تميم، تأتي في ظل استمرار إجراءات الحصار، كما أن الهجوم الإعلامي على قطر ومسؤوليها، ما زال مستمرًا في الإمارات..

ويضيف المصدر، أن الأجواء مغلقة أمام الطائرات القطرية، وكذلك الحدود أمام تنقلات المواطنين، كما لم تعلن الدول الأربع إنهاء مطالبها، بل تصر على القول إن “على الدوحة أمورا يجب أن تفعلها قبل الحل“.

وقبل انعقاد القمة بساعات، أعلنت قطر رسميا، غياب أمير البلاد، للمرة الثانية على التوالي عن المشاركة بالقمة الخليجية، لكنها رفعت مستوى تمثيلها في القمة إلى مستوى رئيس الوزراء، مقارنة بالقمة السابقة.

وقبل يوم واحد من القمة ، غادر “آل ثاني” البلاد متوجهًا إلى رواند، للمشاركة في حفل جوائزه لمكافحة الفساد، مما أعطى إشارة مبكرة حول عدم مشاركته بالقمة.

وفي السياق ذاته، تحدثت تقارير صحفية دولية، عن أن أخبار الزيارة السرية لوزير خارجية قطر إلى السعودية، في أكتوبر الماضي، سربتها دولة الإمارات، “لتشويه صورة الدوحة، ومنع أي فرصة لمصالحتها مع الرياض“.

 

وعزت تلك التقارير سبب تلك التسريبات حول الزيارة، إلى إظهار الدوحة على أنها متمسكة بشروطها، ولكي تبدو أنها غير جادة في مسار المصالحة.

الأزمة لم تغب في الأفق ..

وبذلك تستمر الأزمة الخيجية تراوح مكانها، منذ يونيو 2017، حيتما قدمت السعودية  والإمارات والبحرين لقطر قائمة بـ 13 مطلباً من بينها، اقتصار العلاقة مع إيران على الجانب التجاري، وتسليم هذه الدول مواطنيها الذين يقيمون في الأراضي القطرية بمن فيهم من تم منحهم الجنسية القطرية، وإغلاق القاعدة التركية فورا، وإمهال قطر عشرة أيام لتنفيذ هذه المطالب.

لكن في يوليو من العام نفسه، رفضت قطر المطالب المقدمة لها وأكدت أنها لن تقبل بأي انتهاك لسيادتها ولكنها مستعدة للحوار والتفاوض.

 

6  مبادئ بدلا من 13 مطلبا

 

ثم عقدت الوزيرة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي، ريم الهاشمي، في 19 يوليو عام 2017، مؤتمرا صحافيا بحضور مندوبي الدول الثلاث الأخرى تناولت فيه آخر تطورات الأزمة بين هذه الدول وقطر.

 

وقالت الوزيرة إنه يتعين على قطر “أن تأتي إلى طاولة المفاوضات … الكرة الان في ملعبها”. وتحدث بعد ذلك مندوب السعودية عبد الله المعلمي وقال إن الدول العربية تصر على تكون هناك أي عملية وساطة على أساس المبادىء الستة التي تم الاتفاق عليها في اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع في القاهرة في 5 يوليو 2017، وهي:

 

1 – الالتزام بمكافحة التطرف والإرهاب بكافة صورهما ومنع تمويلهما أو توفير الملاذات الآمنة للإرهابيين.

 

2- إيقاف أعمال التحريض وخطاب الحض على الكراهية أو العنف.

 

3 – الالتزام الكامل باتفاق الرياض لعام 2013 والاتفاق التكميلي وآلياته التنفيذية لعام 2014 في إطار مجلس التعاون الخليجي.

 

4 – الالتزام بمخرجات القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي عقدت في الرياض في مايو 2017 .

 

5 – الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو دعم الكيانات الخارجة عن القانون.

 

6 – الإقرار بمسؤولية دول المجتمع الدولي في مواجهة كل أشكال التطرف والإرهاب بوصفها تمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين.

 

اتفاق الرياض 2014

 

وفي عام 2014 تم التوصل إلى الاتفاق المعروف باسم “اتفاق الرياض”. وتشير بنود الاتفاق الذي سربته وسائل إعلام سعودية في خضم الأزمة الحالية إلى أن قطر تعهدت بتنفيذ بنوده وأهمها:

 

1 – التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول الخليج.

 

2- عدم تجنيس أي مواطن من دول مجلس التعاون.

 

3- إبعاد كل العناصر المعادية لدول المجلس والمطلوبة قضائياً عن أراضيها خصوصاً جماعة الإخوان المسلمين.

 

4- وقف التحريض في الإعلام القطري.

 

5- عدم السماح لرموز دينية في قطر باستخدام المساجد ووسائل الإعلام القطرية للتحريض ضد دول مجلس التعاون.

 

6- وقف دعم جماعة الإخوان المسلمين.

 

7- وقف التحريض ضد مصر.

 

تحديات المصالحة

وعلى الرغم من الاجواء التصالحية، إلا أن التوترات الكامنة بين أطراف الازمة ما زالت تتحدى جهود المصالحة في الخليج..

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن وزير الخارجية القطري، الشيخ “محمد بن عبدالرحمن آل ثاني”، قد زار الرياض في شهر أكتوبر حيث ذكرت وسائل الإعلام أن قطر عرضت إعادة النظر في سياستها الخارجية، بما في ذلك قطع العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين. وعلى ما يبدو، يوجد تواصل مستمر بين السعودية والدوحة عبر القنوات الخلفية من أجل البحث عن حلٍ وسط.

 

وتقدم قطر نفسها على أنها مؤيدة لحل أزمة مجلس التعاون الخليجي وتحترم رغبات جيرانها.

 

وقال مسؤول قطري رفيع لـ”المونيتور”: “منذ بداية الحصار غير الشرعي على قطر، كنا واضحين أن قطر مستعدة للعمل في إطار مجلس التعاون الخليجي لإيجاد حل ورحبنا بكل فرصة لحل الحصار المستمر من خلال الحوار المفتوح والاحترام المتبادل لسيادة كل دولة“.

 

ولدى السعودية الآن الكثير من الدوافع لتغيير موقفها. ففي البداية، بدعم من 3 حلفاء مقربين وهم الإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين، شعرت السعودية بثقة كبيرة لإطلاق الحصار ضد قطر وعزل البلاد. وقد فرضت هذه الدول معا حظرا على السفر ضد قطر، وقاموا بوقف الصادرات إليها، وقطعوا العلاقات الدبلوماسية معها، سعيا للضغط على الدوحة لاتباع مواقفهم السياسية.

 

وكانت قناة “الجزيرة” القطرية قد قدمت تغطية إيجابية لثورات الربيع العربي، التي استفادت منها جماعة “الإخوان المسلمون” بسبب هياكلها التنظيمية المتماسكة وقدرتها على الحشد. ونظرا لأن الرياض وأبوظبي ينظران إلى جماعة “الإخوان” على أنها تهديد لبقاء أنظمتهما، فقد انتقد السعوديون والإماراتيون السياسة الخارجية لقطر.

 

لكن الكثير من الأمور تغيرت منذ بداية الحصار، حيث تعرضت السعودية للمشكلات على جبهات متعددة. وعلى الرغم من إنفاقها الكبير على حرب اليمن، التي بدأت في مارس 2015، واجهت المملكة انتكاسات كبيرة، حيث يشكل الحوثيون في اليمن الآن تهديدا أمنيا متزايدا للمملكة.

 

علاوة على ذلك، فإن الهجوم على منشآت المملكة النفطية في سبتمبر ، قد أثار صدمة للمملكة، ليس فقط بسبب آثاره الاقتصادية، ولكن لأنه كشف مدى ضعف المملكة على المستوى الدفاعي. وقد تم ربط هذا الحادث بسياسة السعودية الخارجية العدوانية. وفي الوقت نفسه، صمدت قطر اقتصاديا أمام الحصار، وزادت من علاقاتها مع إيران وتركيا، وحققت مزيدا من الاكتفاء الذاتي. بل امتدت دبلومسيتها لافاق بعية في العلاقات المتطورة مع روسيا وافريقيا ودول امريكا اللاتينية..

 

وقد منحت هذه التحولات السعودية المزيد من الحوافز لإصلاح العلاقات مع قطر.

 

وقال “أندرياس كريج”، الباحث في كلية الدراسات الأمنية بجامعة “كينجز كوليدج”: “لقد انخرطت السعودية في حوار مع الحوثيين، وأبدت مزيدا من الانفتاح على التعامل مع إيران، ويسعى بن سلمان للحفاظ على دعم واشنطن ليس بوصفه الرجل الذي أمر بقتل “خاشقجي”، وبدأ الحرب في اليمن، وفرض حصارا على جارته قطر، ولكن كرجل يمكن أن يحقق الاستقرار في المنطقة“.

 

وفي أزمة خليجية سابقة، استدعت السعودية والإمارات ومصر والبحرين سفراءها من قطر في مارس 2014، مما أشار إلى وجود توترات عميقة. وعلى الرغم من أن الأزمة قد تم حلها مؤقتا في نوفمبر من ذلك العام، إلا أن هذه البلدان سعت إلى إجبار الدوحة على التماشي مع سياسات ومواقف بقية دول مجلس التعاون الخليجي.

 

ومع ذلك، يعتمد تحسين العلاقات الخليجية على قبول السعودية للمصالحة مع الدوحة أولا، وهو ما يبدو مرجحا بشكل متزايد في الاتصالات السرية التي برزت في الأشهر الأخيرة.

 

وقال “كريج”: “أعتقد أن المحادثات عبر القنوات الخلفية في الأشهر الأخيرة، والزيارة الكبيرة التي قام

بها وزير الخارجية القطري إلى الرياض، قد فتحت فرصة للتقارب. وبعد تجدد الضغط على السعودية من واشنطن، رأينا السعوديين يلعبون أدوارا أكثر اتزانا في المنطقة“.

 

ومع ذلك، تسعى الرياض إلى تحقيق المصالحة للحفاظ على مصالحها وسمعتها، وليس رغبة في تعزيز العلاقات مع الدوحة. وبالتالي فإن العداوة تحت السطح باقية، خاصة وأن السعودية والإمارات اتهمتا قطر في 2 ديسمبر بالفشل في تلبية مطالب الحصار.

ونتيجة لذلك، فإن جهود التقارب الحالية ربما لن تؤدي إلا إلى فتح بعض قنوات الاتصال، وليس حل الخلافات الأساسية التي أدت إلى أزمات 2014 و2017.

وهو ما يدلل عليه امتناع أمير قطرعن حضور القمة الخليجية في الرياض وأرسل رئيس الوزراء بدلا منه.

 

ومن المرجح أن تبقى قطر متشككة في دوافع دول الحصار، وسوف تتجنب العودة إلى الاعتماد على الصادرات السعودية. وقد يثير عدم رغبتها في قطع علاقاتها الجديدة مع إيران وتركيا غضب السعودية. ولكن بما أن الرياض تظهر حاليا موقفا إقليميا أكثر براغماتية، فقد تتغاضى عن هذه الاختلافات في الوقت الحالي على الأقل.

 

ومن الأهمية بمكان أن تلك المحاولات لرأب الصدع الخليجي مهددة أيضا بسبب عدم وجود رغبة لدى الإمارات لاستعادة العلاقات مع قطر.

وكما قال “كريج”، يبدو أن “محمد بن سلمان” أكثر مرونة في العودة إلى حالة “السلام البارد” مع قطر من “محمد بن زايد”. وبالنسبة لأبوظبي على وجه الخصوص، فإن الطموح الإقليمي القطري وموقفها الاستراتيجي، وسياستها الخارجية المستقلة بشكل متزايد، تقوض سياسة الإمارات المتمثلة في دعم الاستقرار السلطوي والأنظمة الاستبدادية”. وأضاف “كريج” أنه يعتقد أن “بن زايد أقل قدرة على التغاضي عن هذا من السعوديين“.

 

ومع اتخاذ دولة الإمارات موقفا أكثر حزما على الصعيد الإقليمي، يقوض هذا استعدادها لتطبيع العلاقات مع قطر. وفي حين لا تواجه الإمارات التحديات الاقتصادية والأمنية ذاتها التي تواجهها الرياض، فإن لدى الإمارات حافزا أقل لتحسين العلاقات مع الدوحة.

 

وعلى غرار الخلافات بين السعودية والإمارات حول اليمن، فإن لدى البلدين مصالح متضاربة على ما يبدو بشأن استعادة العلاقات داخل مجلس التعاون الخليجي. وإذا كانت الرياض تحبذ التقارب مع قطر، وردت الدوحة بالمثل، فسوف تعرقل معارضة الإمارات هذه التطورات.

 

ويتطابق موقف مصر مع الاماراتحيث مازالت تردد نفس الاتهامات لقطر بدعم الإخوان، لذلك، فإن السعودية وحدها هي التي تدعم استعادة العلاقات مع الدوحة. وبينما تعارض أبوظبي الموقف السياسي المستقل لدولة قطر، فإنها ستؤيد الضغط المستمر واستمرار الحصار. وتتمتع الإمارات في نهاية المطاف بسلطة أكبر لتعطيل مبادرات السلام داخل مجلس التعاون الخليجي أكثر من قدرة السعودية أو قطر على إنفاذها.

 

العلاقات مع تركيا وايران

ولعل الموقف الاماراتي تابعه المصري، من التقارب مع قطر، ما زال بعيدا، وهو ما يقلص وعوامل اخرى فرص التقارب والمصالحة الخليجية – الخليجية، وتغد القاعدة العسكرية التركية أحد أبرز تلك العرقيل، بجانب التقارب الكبير بين قطر وايران…

ومن ثم يعتبر مراقبون أن التقارب السعودي القطري ومشاركة قطر بالقمة الـ40 بالرياض ربما جاء بضغط أمريكي وليس عن قناعة قطرية أو تطورا سياسيا محسوبا وحاسما من قبل قطر، كما أنه ليس إرادة قطرية أو سعودية.

من جانب أخر، فإن المصالحة الخليجية القطرية، إن تمت فإنها لن تؤثر على العلاقات القطرية التركية أو الايرانية، حيث يرى الباحث والمحلل السياسي التركي فراس أوغلو، في لقاء مع وكالة “سبوتنيك”، أن علاقات تركيا وقطر لن تتأثر بالمصالحة، مضيفا : “ليس للعلاقات التركية القطرية أي ارتباط بالعلاقات الخليجية الخليجية، وستبقى هذه العلاقات سيادية واقتصادية وتجارية، واستراتيجية قطر مع دول الخليج مهمة ولكن لأمور أخرى“.

 

ويتابع أوغلو: لا يوجد ربط بين هذه العلاقات إلا إذا اشترطت هذه الدول على قطر بقطع العلاقة مع تركيا، مستبعدا ذلك لأنه بعيد عن الواقع، بالإضافة إلى أن قطر ستبقى معتبرة من الماضي، لأن هناك من تركها محاصرة وهي لن تفعل ذلك مرة ثانية، بأن تبقى بجناح واحد أو مع جهة واحدة.

أما عن القوات التركية في قطر، فقال “أستبعد أن تخرج القوات التركية من قطر، بل على العكس يتم إنشاء قاعدة تركية أخرى وهي قاعدة خالد بن الوليد، فالأمور تتطور وتكبر ولا تذهب باتجاه التقليص“.

 

وعن قضية الأخوان المسلمين يقول أوغلو: هناك خلاف حالي حول هذه القضية، لأن هناك جماعات اسلامية ليست من الأخوان المسلمين، وتركيا تعتبرها بأنها أحزاب سياسية طالما أنها لم تستخدم السلاح.

ويواصل: “قد يخف الدعم أو يزيد وهذا ممكن المناورة به، فدائما المصالحات تبدأ بخطوات أولية ولا يمكن تطبيق الورقة كما هي فورا، وهذا لا يحدث في المصالحات الصغيرة، فما بالك بالمصالحات الكبيرة كهذه“.

 

 

خاتمة

وأمام تلك المعطيات، فإنه من المتوقع ألا  تتسارع خطوات المصالحة القطرية الخليجية، في ضوء معطيات الواقع السياسي، وسط تمسط اكاراتي بان ترضخ قطر للمطالب الخليجية، على مستوى ملفات دعم الاخوان المسلمين، والتقارب مع تركيا، ووقف قناة الجزيرة…

وهي أوراق لا يمكن لقطر أن تفقدها من أول جولة…

فيما ستدفع السعودية المأزومة اقليميا ودوليا، نحو تقارب مع قطر، قد لا يشترط سوى تخفيف برامج قناة الجزيرة واعلان التخلي عن دعم واستضافة بعض قيادات جماعة الاخوان المسلمين، في الفترة الحالية، وهو ما يراه خبراء، قابلا للتنفيذ من قبل قطر ، حتى لو مؤقتا…

ومن ثم فإنه يجدر القول بأن قمة الرياض حركت المياة الراكدة مع قطر، دون مصالحة فعلية في الوقت الراهن، وقد يحدث على المدى القريب تطورات أكبر في هذا الملف، مع تكورات الأزمة الأمريكية الإيرانية، قد تشعل موجة جديدة من الضغوط الأمريكية على الدوحة، لدفعها نحو التقارب مع السعودية المأزومة..

 

ومن ثم فإنه من السابق لأوانه التكهن بمدى وسرعة التقدم على صعيد المصالحة الخليجية ـ الخليجية بعد القمة ، التي غاب عنها أمير قطر، والتي انتهت بتأكيدات وتصريحات يبدو أنها أقرب للشو من الفعل الواقعي، فما زالت الأجواء مغلقة والحصار مفروض والتصعيد الاماراتي المصري مستمرا في الاعلام أو في كواليس السياسة..

وسط رهانات على كسر الحصار للسياسة القطرية، التي نجحت في المقاومة الدبلوماسية والاقتصادية بل والعسكرية حتى الآن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اختتام ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس وسط مجموعة من التوافقات والاختلافات

أعلنت رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، في 15 نوفمبر 2020، انتهاء مل…