‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر المؤتمرات الشبابية .. السيسي على خطى عبد الناصر .. قراءة في الجدوى والرسائل
مصر - ديسمبر 22, 2019

المؤتمرات الشبابية .. السيسي على خطى عبد الناصر .. قراءة في الجدوى والرسائل

فكرة المؤتمرات الشبابية ليست وليدة اليوم، بل لها جذور قديمة منذ انقلاب 23 يوليو 1952م، وقد أدرك نظام الدكتاتور جمال عبد الناصر  ومن بعده المستبدان محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك، أهمية تجنيد قطاع من الشباب لتربيتهم على أفكار النظام والولاء المطلق له؛ ولتحقيق هذه الأهداف تم تنظيم عدة مؤتمرات:

الأول: احتضنه مبنى المدينة الجامعية لجامعة القاهرة،  تحت مسمى «اللقاء الأول لشباب الجامعات المصرية سنة 1954م”  والذي أشرف عليه أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة الضابط كمال الدين حسين، وشارك فيه ما يزيد عن “800” طالب وطالبة. وبدأ اللقاء بطابور عرض للطلاب المشتركين في الحرس الوطني، وفي إطار النشاط الفني تم تقديم مسرحية قام ببطولتها الفنان فؤاد المهندس الذي كان طالبًا بمرحلة الدراسات العليا بكلية التجارة جامعة القاهرة في ذلك الوقت، كما شارك الفنان والموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب الذي لحَّن أغنية قامت بها الطالبة ليلي سعودي والتي تم مكافأتها بعد ذلك بتعيينها في منصب مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام بمكتب وزير التعليم.

المؤتمر الثاني: لشباب الجامعات تم في يوليو 1956م،  عام قرار تأميم قناة السويس. ثم بعد ذلك تم إلغاء المؤتمرات الشبابية بعد احتلال العدوان الثلاثي لسيناء وعدوانهم على مدن القناة “بورسعيد والإسماعيلية والسويس”.

الثالث: نظمته جامعة عين شمس  خلال فترة الستينات، والذي ضم مجموعة منتقاة  من الشباب الذي يتصفون بالولاء المطلق للنظام والدفاع عن سياساته وتوجهاته، (شباب التنظيم الطليعي) وتقريبا تم تعيين معظم المشاركين فيه في مراكز ومناصب مهمة وحساسة بعد عدة سنوات ليكونوا عين النظام على الآخرين ورجاله في إدارة دواليب العمل الحكومي من أجل التحكم المطلق في جميع مفاصل الدولة. وهو اللقاء الذي أعقبته مباشرة الهزيمة المدوية سنة 1967م. فتم إلغاء هذه المؤتمرات لحين استرداد الأرض حتى سنة 1973م.

مضى عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات دون اهتمام بتنظيم مؤتمرات شبابية، حتى جاء عهد حسني مبارك، فتم إقامة اللقاء الرابع للشباب في أغسطس سنة 1987م، بمدينة الإسماعيلية والذي حضره مبارك. ورغم الدعاية الضخمة لانعقاد مؤتمر شباب الجامعات في رحاب جامعة القاهر في يناير 1991م، والتأكيد على أن مبارك سوف يفتتح إشارة البدء لأضخم مؤتمرات الشباب إلا أن مبارك اعتذر ولم يحضر. وظل أسبوع شباب الجامعات يعقد بشكل منتظم خلال الفترة من (1991م حتى 2010م) تحت رعاية جمعية “حورس” التي كان له فرع في جميع كليات الجامعات تحت إشراف أمن الدولة مباشرة، لكن مبارك لم يشارك في أي منها، وبدأت جمعيات حورس تفقد دورها لسببين: الأول تمييز شبابها على باقي الشباب في برنامج قطارات الشباب التي كانت تنطلق إلى محافظات مختلفة بدعم واسع من النظام فكان لهم سكن مميز ونفوذ وامتيازات عن باقي المشاركين وغالبهم شباب عادي غير مسيس. والثاني هو فضائح شباب حورس الجنسية التي فضحتها حملات صحفية مميزة وحجم الانحلال الأخلاقي بين شبابها وفتياتها.

وفي سنة 1998م، بدأ طموح مبارك الابن في وراثة الحكم عن أبيه، وتم تدشين جمعية “جيل المستقبل” وكانت أهدافها المعلنة هي تطوير قطاع الموارد البشرية بمصر، بحيث يصبح قادرا على خوض غمار المنافسة على الساحة العالمية. وأيضا نقل ثقافة القطاع الخاص وإعادة تكييفها بحيث تتلاءم مع مستويات التميز والإنجازات العالمية من خلال تطوير قطاع الموارد البشرية. شارك في تأسيسها عدد من الوزراء ورجال الأعمال وقادة الحزب الوطني وقتها، منهم أحمد عز ورشيد محمد رشيد وأحمد المغربي ومعتز الألفي، وكان جمال هو رئيس مجلس إدارتها. واستهدف تأسيسها في  حقيقة الأمر، تكوين جيل شبابي يتبنى أفكار مبارك الابن ويساهم في تمكينه لاحقا من وراثة الحكم بعد أبيه، وذلك بعد تربية هؤلاء الشباب على الولاء المطلق لمبارك الابن وأفكاره وتعيين هؤلاء في مناصب الدولة الحساسة حتى يكونوا سند النظام عندما تحين فرصة التوريث.

 

«12» مؤتمرا في عهد السيسي

وبعد انقلاب 30 يونيو 2013م على المسار الديمقراطي والإطاحة بالرئيس محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، تبنى نظام الطاغية عبد الفتاح السيسي أفكار الدكتاتور الأول لانقلاب 23 يوليو  جمال عبد الناصر، ومضى على خطاه في سبيل تكوين جيل شبابي يتمتع بالولاء المطلق لنظام 30 يونيو والدفاع عن سياساته مع منح هؤلاء امتيازات خاصة وتعيينهم في مناصب الدولة الحساسة تماما كما فعل عبد الناصر مع شباب “التنظيم الطليعي”.

وفي سبيل ذلك، تبنى تأسيس هيكلين لاحتواء قطاع من الشباب الموالي للنظام:

الأول: هم شباب البرنامج الرئاسي، الذي أسسه الطاغية في سبتمبر 2015م. وهو أخطر تنظيمات السيسي الشبابية ومنهم تم تعيين نواب محافظين ومساعدين لوزراء.

الثاني: اللجنة التنسيقية لشباب الأحزاب الموالية للسيسي والذي جرى تأسيسها بعد اجتماعات سرية في دهاليز المخابرات العامة تحت إشراف الضابط أحمد شعبان.

ومنذ مؤتمر الشباب الأول الذي انعقد بشرم الشيخ بين  “25 ــ 27 أكتوبر 2016م” تحت شعار “أبدع.. انطلق”، عقد السيسي خلال السنوات الثلاث الأخيرة وحتى ديسمبر 2019م  (12) مؤتمرا شبابيا، منها 8  وصفها إعلامه بالوطنية المحلية، و3 مؤتمرات تم وصفها بمنتديات عالمية (بالإنجليزية: World Youth Forum – WYF) تقام عادة في شهر نوفمبر من كل سنة بمدينة شرم الشيخ بحضور أكثر من 5 آلاف شاب وفتاة من جنسيات مختلفة، إضافة إلى (ملتقى الشباب العربي والإفريقي ” Arab and African youth platform”) بمدينة أسوان  في مارس 2019م، والذي تزامن مع دور مصر في  ترؤس الاتحاد الإفريقي.

ويعتبر المؤتمر الثامن..(القاهرة الجديدة 14 ــ 15 سبتمبر 2019م) أشهرها على الإطلاق حيث تم تنظيمه خصيصا بشكل مفاجئ وبطلب من السيسي للرد على الاتهامات التي وجهها الفنان والمقاول محمد علي للسيسي وأسرته والمؤسسة العسكرية بالفساد الذي يصل حجمه إلى مليارات الجنيهات. والتي راجت بشدة وعلى نطاق واسع بين الناس، وذلك بحضور 1600 مشارك كلهم من شباب البرنامج الرئاسي وتنسيقية الشباب، بمركز المنارة للمؤتمرات في القاهرة الجديدة.

وبعده بشهرين فقط، اختتم المنتدى الثالث لشباب العالم أعماله (شرم الشيخ 14ـ 17 ديسمبر 2019م) بمشاركة أكثر من 7 آلاف شاب وفتاة يمثلون 196دولة.

 

رسائل النظام

الرسالة الأولى أن مؤتمرات السيسي الشبابية تمثل بديلا سياسيا ظاهرا لفكرة الأحزاب التي لا يؤمن بها الطاغية من الأساس، إلا إذا كانت تدور فلك النظام وتسبح بحمده وتدافع عن سياساته حتى لو كانت بالغة الخطأ والشذوذ، إضافة إلى أن هذه المؤتمرات ما هي إلا انعكاس وصدى وصورة ظاهرة لما يجري في الخفاء داخل ما يسمى بشباب البرنامج الرئاسي أو  اللجنة التنسيقية لشباب الأحزاب؛ وهي تماثل تماما فكرة «التنظيم الطليعي» عندما رفض الديكتاتور عبد الناصر فكرة التعدد في الكيانات السياسية، مستعوضًا عنها بكيان واحد يضم التيارات المسموح بوجودها فقط والتي تدعم النظام وتدافع عن سياساته؛. والهدف من كلاهما في حالتي عبد الناصر والسيسي هو تجنيد العناصر  التي تراها السلطة صالحة للقيادة وتنظيم جهودها لخدمة النظام.

الرسالة الثانية، موجهة لكل شباب مصر والقوى السياسية الأخرى، أنه لا مكان في مستقبل إدارة البلاد إلا لهؤلاء الشباب الذين انتقاهم النظام عبر أجهزته الأمنية ورباهم على عينه على الولاء المطلق للنظام ومنحهم امتيازات هائلة دون غيرهم من الشباب؛ حيث يتم تسكين هؤلاء في مفاصل الدولة ليكونوا عيون النظام وجواسيسه في كل الوزارات والهيئات والمؤسسات والمحافظات والجامعات والمصانع، على خطى من سبقوهم في التنظيم الطليعي حيث كانوا يكتبون التقارير الأمنية في أي شخص حتى في أقرب أقاربهم. وللتدليل على ذلك فإن حركة المحافظين التي أعلنت الخميس 30 أغسطس 2018م، شهدت تواجد 6 من شباب هذا التنظيم كنواب محافظين من بين 17هم مجمل من تم اختيارهم بنسبة تصل إلى 35% تقريبا من الذين شملتهم الحركة. أما حركة المحافظين الأخيرة والتي جرت في 27 نوفمبر 2019م فقد اشتملت على محافظ (محمد هاني غنيم لبني سويف) إضافة إلى 8 نواب لمحافظين. هذه الخطوة تعد ترجمة مباشرة لأوامر وتوجيهات الجنرال السيسي للحكومة، وكان «الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة» (ديوان الموظفين) في مصر قد عمم قرارا  في أبريل 2017م، ببدء تعيين خريجي ما يُعرف بـ«البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب على القيادة» في وظائف الجهاز الإداري للدولة. وأرسل الجهاز وقتها خطاباً إلى جميع الوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة والأجهزة المستقلة ورؤساء الجامعات، ورؤساء وحدات التنظيم والإدارة بالهيئات والمحافظات، لتفعيل القرار، بداية من يوم الجمعة 07 أبريل 2017م.

الرسالة الثالثة أن النظام يكرس حالة العسكرة بين الشباب، على مستويين:

الأول هو الإدارة والإشراف، فكما أشرف على شباب التنظيم الطليعي في عهد عبد الناصر الضباط علي صبري وسامي شرف وشعراوي جمعة وكان الصحفي السلطوي محمد حسنين هيكل، هو الواجهة المدنية لهذه الصبغة العسكرية؛  فإن الضابط أحمد شعبان هو من يشرف فعليا على شباب البرنامج الرئاسي ويعاونه خلية صغيرة من ضباط جهاز المخابرات العامة والأمن الوطني. وللتخفيف من حدة العسكرة يظهر في الصورة فريق مدني باعتباره من يدير البرنامج على رأسه الدكتور طارق شوقي الأمين العام للمجالس التخصصية التابعة لرئاسة الجمهورية، وعميد كلية العلوم والهندسة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، والدكتورة دينا برعي مستشارة التقييم وعميدة كلية التعليم المستمر بالجامعة الأميركية في القاهرة، وفي الواجهة يأتي الدكتور خالد حبيب أستاذ الدراسات العليا بالجامعة الفرنسية ESLSCA ومستشار التطوير المؤسسي والتنمية البشرية للمشروع، والذي يعرفه الإعلام الموالي للنظام على أنه مصمم البرنامج، والمهندسة سارة البطوطي ممثلة الشباب في البرنامج كما يعرفها الموقع الرسمي للبرنامج على الإنترنت.  وكما تم تسكين شباب التنظيم الطليعي في مفاصل الدولة ومناصبها الحساسة (فتحي سرور ورفعت المحجوب وصفوت الشريف وعلي الدين هلال وفاروق حسني وعمرو موسى ومصطفي الفقي وأسامة الباز وحسن أبو باشا والصحفي محمود السعدني وغيرهم)  وهو عين ما يجري حاليا بالضبط.

أما المستوى الثاني،  فيتعلق بماهية البرامج التي يتلقاها هؤلاء الفتية والفتيات، حيث يتلقى شباب تنظيم “البرنامج الرئاسي” محاضرات في  “العلوم السياسية والأمنية”، ويقدّمها اللواء أركان حرب محمد صلاح الدين حسن، مدير كلية الدفاع الوطني، وتتناول حروب الجيل الخامس التي تُشكل تحدياً للدولة بحسب السلطة، وعن حتمية دعم المؤسسة العسكرية في حروبها الدائمة تجاه المؤامرات التي ينفذها ممولون داخل وخارج البلاد، بينما تضمّنت محاضرات العلوم الإدارية مُشاركة للواء مختار محمد علي، مدير الكلية العسكرية لعلوم الإدارة لضباط القوات المسلحة، والذي يتحدث في محاضرته عن أهمية الانضباط والالتزام داخل المؤسسة العسكرية، والذي ينبغي الاستفادة منه في كافة مناحي الحياة العلمية. كما يحصل أعضاء التنظيم على دورة الدراسات الاستراتيجية والأمن القومي بكلية الدفاع الوطني في أكاديمية ناصر العسكرية العليا.

الرسالة الرابعة، يعمل نظام 30 يونيو على توظيف هذه المؤتمرات والمبالغة في الدعاية والتسويق لها محليا وعالميا في محاولة لإضفاء مسحة شكلية لديمقراطية مزيفة وتدليلا  على اهتمامه بالشباب من الذكور والإناث؛ لكن الحقائق الدامغة تنسف هذه الصورة الوهمية من الأساس للأسباب الآتية:

استمرار النظام في التنكيل والانتقام من الشباب المصري عموما وشباب ثورة 25 يناير على وجه الخصوص؛ ويكفي أن السيسي ملأ جميع سجون مصر (42) بالشباب،  ولما ضاقت بهم بنى «26» سجنا جديدا ليرتفع عدد السجون في عهده إلى “68 سجنا” في جميع محافظات مصر لاحتواء عشرات الآلاف من الشباب الغاضب الرافض لقمع النظام وانقلابه على الديمقراطية وتكريس الحكم العسكري الشمولي. ويكفي أنه في ظل تعيين شباب البرنامج الرئاسي في مناصب الدولة الحساسة وتدليل شباب تنسيقية الأحزاب بالترفيه والمعسكرات والمؤتمرات فإن شباب مصر يتم الزج بهم واعتقال الآلاف حتى ضجت الأرض بما يجري من ظلم صارخ وانتهاكات جسيمة وتعذيب وحشي بحق هؤلاء الشباب في جميع السجون والأقسام ومراكز الشرطة.

المخصصات الضعيفة للغاية للشباب في موازنة العام الحالي، والتي تبلغ بالأرقام (1 في الألف) من حجم الموازنة (2019/2020) الذي بدأ العمل بها منذ بداية يوليو الماضي ويستمر حتى نهاية يونيو القادم، بلغت مخصصات المجلس القومي للشباب 864.5 مليون جنيه فقط، بنسبة 18 في المئة من إجمالي مخصصات مكونات وزارة الشباب والرياضة في موازنة العام المالي الحالي البالغة 4.9 مليار جنيه، كما بلغ نصيب المجلس القومي للشباب الذي يخدم أكثر من 20 مليون شاب؛ نسبة واحد بالألف من إجمالي مصروفات الموازنة الحكومية للعام المالي الحالي البالغة 1575 مليار جنيه.

يتصل بذلك أيضا  قلة عدد مراكز الشباب في مصر، خلو مئات القرى منها؛ فقد بلغت مخصصات وزارة الشباب والرياضة “4.9” مليار جنيه؛  فحسب تقديرات جهاز الإحصاء المصري لسكان البلاد في بداية “2019”،  فقد بلغ عدد الشباب في الفئة العمرية من 18 عاما إلى 29 عاما، 20.2 مليون شاب، ومع الاهتمام المتزايد بشباب البرنامج الرئاسي واللجنة التنسيقية لشباب الأحزاب، حيث ترعاهم أجهزة المخابرات وتنفق عليهم ببذخ شديد؛  فإن الجهة الحكومية المسئولة عن شباب مصر هي: المجلس القومي للشباب، التابع لوزارة الشباب والرياضة، والذي يشرف على الهيئات الشبابية المختلفة من مراكز شباب في القرى بلغ عددها 3864 مركزا، ومراكز شباب في المدن بلغ عددها 477 مركزا، وعلى الاتحاد العام للكشافة والمرشدات الذي تتبعه جمعيات متخصصة، إلى جانب هيئات شبابية أخرى. كما تخلو مئات القرى من وجود مراكز شباب أصلا، فإذا كان عدد القرى المصرية قد بلغ 4727 قرية، فإن عدد مركز شباب القرى قد بلغ 3864 مركزا بنقص عدد مراكز شباب القرى عن عدد القرى 863 مركزا. وتكلفة مؤتمر شبابي واحد من التي يعقدها السيسي تكفي لبناء 200 مركز شباب من تلك التي تتواجد في القرى إذا علمنا أن الأراضي متوافرة ولا تحتاج إلا إلى تخصيصها فقط لوزارة الشباب والرياضة وإقامة المركز عليها بتكلفة لا تزيد عن مليوني جنيه لكل مركز شباب إذا خلا الأمر من الفساد.

الرسالة الخامسة،  إشباع رغبة الجنرال السيسي وولعه بحب الظهور والاستعراض والتركيز على اللقطة دون اهتمام بالجوهر والحقائق حتى لو كانت شديدة المرارة، فمنذ اغتصاب الجنرال للسلطة منتصف 2013، ثم إقامة مسرحيتين لما تسمى مجازا بانتخابات رئاسية أبدى السيسي ولعه الشديد بهذه النوعية من المؤتمرات حيث عقد «المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ 2015» الذي قيل إن عوائده تتجاوز 180 مليار دولار، واحتفالات افتتاح «قناة السويس الجديدة 2015» التي قيل إنها ستدر 100 مليار دولار، ثم عقد أكثر من 12 مؤتمرا شبابا. فالسيسي محب للاستعراضات والخطابة في الجموع الصامتة والظهور بمظهر صاحب الفلسفة والرؤية العالمية.

الرسالة السادسة، تمثل هذه المؤتمرات حالة من الهروب من الأزمات والواقع المرير  الذي يعاني منه المصريون كافة، وبذلك يستهدف النظام بهذه المنتديات العالمية صناعة بروباجندا تستحوذ على خطاب الإعلام الموالي للسلطة من فضائيات وصحف ومواقع وذلك للتغطية  على تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

الجدوى المالية

يحاول نظام 30 يونيو العسكري، تخفيف حدة الغضب الشعبي من هذا التبذير والإهدار غير المسبوق لأموال الشعب، بالزعم أن جانبا كبيرا من تكلفة تلك المؤتمرات يأتي من خلال الرعاة من الشركات والبنوك، ولا يتم الإنفاق عليها من الموازنة  العامة للدولة؛  وينسى هؤلاء أن تلك الشركات والبنوك تتقدم لمصلحة الضرائب، بإيصالات تبرعها للمؤتمرات الشبابية لخصمها من الضرائب المستحقة عليهم، أي أن تلك المؤتمرات تؤثر سلبا على الحصيلة الضريبية التي تعد الرافد الأكبر للإنفاق على بنود مصروفات الموازنة من أجور ودعم واستثمارات حكومية.

ومن الغرائب والعجائب أن مصر الفقيرة باعتراف السيسي نفسه (انتم مش عارفين إن احنا فقرا أوي) تستضيف في كل مؤتمر محلي عدة آلاف من شباب البرنامج الرئاسي وتنسيقية الأحزاب الموالين للنظام على نفقة الدولة، ولم يكتف السيسي بالموالين له بل يستضيف عدة آلاف على نفقة الشعب المصري في أفخم فنادق شرم الشيخ أو أسوان أو غيرها وأغلاها لمدة أسبوع كامل بخلاف نفقات التأمين والإقامة والطعام والشراب والسفر بالطائرات والتنقلات والبث إضافة إلى الطاقم الإعلامي المرافق لكل مؤتمر. وبحسب مصادر خاصة داخل اللجنة المنظمة لمنتدى “شباب العالم”  التي تخضع للإشراف المباشر لمكتب الطاغية عبد الفتاح السيسي، فإن تكلفة النسخة الثالثة من المنتدى في منتجع شرم الشيخ، تجاوزت 600 مليون جنيه (ما يعادل 37.22 مليون دولار تقريباً). تحمّل الجانب الأكبر منها بنوك حكومية وخاصة بالإضافة إلى شركة “وي” للاتصالات، التي تستحوذ الاستخبارات على حصة حاكمة فيها.

وثمة انتقادات حادة تواجه النظام على هذا العبث وتلك الممارسات السفيهة:

أولا: كيف لنظام يعاني من الفقر الحاد، ولا يستطيع توفير مرتبات الموظفين الشهرية إلا بالقروض أن ينفق كل هذه الأموال في مؤتمر واحد لتحسين صورته أمام العالم؟ ألا يكفي أن ديون مصر ارتفعت من “1.7” تريليون جنيه في يونيو 2013 إلى أكثر من “6” تريليونا حتى يونيو 2019م؟!  ألا يعلم النظام أن مصر تدفع  أكثر من  3 مليار جنيه مطلع كل يوم لخدمة فوائد الديون والأقساط المستحقة؟ حيث تتوقع وزارة المالية أن تصل فوائد الديون في العام المالي الحالي “2019/2020” إلى ( 945 مليار جنيه موزعة بين فائدة بقيمة 569 مليار، وأقساط بقيمة 376 مليار جنيه)، بينما كانت في العام المالي الماضي “2018/2019”  ( 817 مليار جنيه).

ثانيا: تكلفة مؤتمر واحد من مؤتمرات السيسي تكفي لبناء “100” مدرسة أو “200” مركز شباب،  مع اعتبار أن الأرض متوفرة ولا تحتاج إلا إلى توقيع من المحافظ بالتخصيص، فتكلفة بناء الفصل الواحد تصل إلى “100” ألف جنيه ما يعني أن 3 ملايين جنيه تكفي لبناء مدرسة من 20 فصلا و10 مكاتب إدارية. ألم يكن من الأولى توجيه هذه الأموال لبناء مئات المدارس والمستشفيات أو مصانع لتوفير فرص عمل للشباب العاطل بدلا من هذه الممارسات السفيهة؟!

 

الجدوى السياسية

أما بالنسبة للجدوى السياسية، فلم يثبت أن توصية واحدة من المؤتمرات الـ12 التي انعقدت حتى اليوم تم تنفيذها، فكله كلام في كلام، ويبدو أن الهدف الأساسي من المؤتمرات هو إشباع رغبة الطاغية في الكلام والثرثرة والهذيان الذي تعود عليه ويرى في نفسه طبيب الفلاسفة الذي يجب على الشعب كله ألا يسمع غيره فهو العليم بكل شيء الخبير ببواطن الأمور كلها والعارف بمشكلات مصر وطرق حلها!

جميع هذه  المؤتمرات الاحتفاليات الصاخبة لا يوجد لها برنامج عملي واضح ومحدد، والاحتفالية الوحيدة التي أجري لها برنامج محدد، وهو مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، كشفت الوقائع أن كل ما قيل فيه كان محض خرافات، والأرقام التي أطلقت فيه وبشرت الناس بمئات المليارات التي تتدفق على البلد لم تكن أكثر من دجل إعلامي لتضليل الناس وتخديرهم، وأن المؤتمر كان فاشلا، لأنه لم يؤسس بشكل علمي صحيح، ولم يأت في نهاية مشوار عملي وعلمي جاد لوضع خريطة حقيقية للاستثمار في البلد يمكن أن تتعامل معها الشركات العالمية، وكان واضحا أن المؤتمر كان المقصود منه  «بروباجندا» وصخبا إعلاميا، وليس لتحقيق إنجازات حقيقية ملموسة تسهم في تحسين مستويات معيشة المواطنين التي تراجعت بشدة بعد أن وصلت معدلات الفقر رسميا إلى “32.5%” بينما تصل إلى “60%” وفق تقديرات البنك الدولي ما يعني أن 60 مليون مصري باتوا فقراء في عهد السيسي وسنوات  ما بعد انقلاب 30 يونيو.

يصر نظام السيسي على أن يصطنع “صورة” ديمقراطية غير حقيقية في الداخل، بعد أن وأد العمل السياسي الحزبي وهمش دور الأحزاب وأضعفها وأقصى أكبر قوى شعبية في البلاد حازت على ثقة الشعب بعد ثورة يناير “الإخوان المسلمون”،  ويعقد مؤتمرات شكلية تقوم فيها الأجهزة الأمنية  بدور البطولة بدءا من اختيار المشاركين على الفرازة وصولا إلى أدق تفاصيل البرنامج، وما المشاركون إلا ديكور احتفالي مصطنع ليرضي نهم الزعيم ويشبع شغفه بحب الظهور والشو الإعلامي. ولا ينبني على هذه المؤتمرات المصحوبة بتضخيم إعلامي مبالغ فيه أي توصيات عملية يمكن أن تسهم في حل أي مشكلة ــ وما أكثرها! ــ  تواجه المصريين.

مثل هذه المؤتمرات الصاخبة ذات التكلفة العالية لا مثيل لها في أي دولة جادة، أو حكومة تعمل، أو نظام سياسي يبني مستقبلا حقيقيا، فالحكومات هناك مشغولة بالإنجازات الحقيقية وليس بالبهرجة والاحتفالات للتغطية على الفشل الكبير. لذلك يرى قطاع من المثقفين والمحللين أن هذه الاحتفالات المصطنعة كل فترة تمثل  قنابل دخان للتغطية على الأزمات وستر العجز وإخفاء الفشل.

تمثل هذه المؤتمرات الدعائية الفجة محاولة مكثفة للتغطية أيضا على  تآكل شعبية الجنرال والتي باتت في الحضيض، خصوصا بعد أن نكل بكل المعارضين على المستوى السياسي، وأهدر آلاف المليارات على المستوى الاقتصادي، وشهد عصره موجات متلاحقة من الغلاء الفاحش الذي أفضى إلى تزايد معدلات الفقر والانتحار وتفشي اليأس والإحباط بين المواطنين الذي افتقدوا إلى أي أمل في المستقبل خصوصا بعد أن أغلق النظام باب التداول السلمي للسلطة بإجراء التعديلات الدستورية التي تبقي على السيسي في الحكم حتى 2030، وتجعل من المؤسسة العسكرية وصيا على الشعب والمجتمع.

تكشف هذه الممارسات عن هشاشة النظام وصورية مؤسساته فرغم الدلائل الدامغة على إهدار المال العام إلا أن مجلس نواب النظام لن يستطيع أن يوجه طلب إحاطة أو سؤالا برلمانيا فضلا عن تقديم استجواب؛ لأن المجلس في حقيقته صوري جيء بكل نوابه عبر الأجهزة الأمنية وليسوا معبرين حقيقة عن الشعب وطموحاته وآلامه. أضف إلى ذلك أن البنك المركزي هو المسئول عن مراقبة أعمال البنوك الحكومية والخاصة، وبالتالي لا يمكن للبرلمان مناقشته في أوجه الصرف لعدم الاختصاص رغم أن بنوكا حكومية تنفق على المنتدى!  كما أن اللجنة المنظمة للمنتدى تخضع مباشرةً لإشراف مؤسسة الرئاسة، وهي المؤسسة التي تخضع بدورها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، في ما يخص أوجه صرفها، والرئيس هو من يعين رئيس الجهاز؛ فكيف يقوم الجهاز بدوره الرقابي إذا كان خاضعا لسلطة الرئاسة وفقد استقلاله بعد قانون هشام جنيه؟

 

خلاصة الأمر..

منذ انقلاب 30 يونيو 2013م، يمضي الطاغية عبد الفتاح السيسي على خطى الدكتاتور عبد الناصر، مستلهما تجربته خطوة خطوة، فكلاهما وصل إلى الحكم عبر انقلاب عسكري، وكلاهما استخدم بعد الانقلاب رئيسا صوريا بينما كان هو الحاكم الفعلي، وكلاهما اختطف الجيش ومؤسسات الدولة لتحقيق أطماعه، وكلاهما لا يؤمن بالديمقراطية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة ويريد فقط تكريس حكمه الفردي الاستبدادي.

تمثل المؤتمرات الشبابية للسيسي بديلا للعمل السياسي الجاد وتهميشا لدور الأحزاب في محاولة لاصطناع ديمقراطية مزيفة واهتماما صوريا بالشباب في ظل الاتهامات التي تحاصر النظام بقمع الشباب والزج بعشرات الآلاف منهم في السجون والمعتقلات بتهم سياسية ملفقة وكيدية. كما تمثل تغطية على فشل النظام سياسيا وأمنيا واقتصاديا.

وعلى نفس خطى الطاغية الأول يمضي السيسي لإحياء دولة الجواسيس والمخبرين عبر شبكة من التنظيمات تتشابه تماما مع التنظيم الطليعي السري، فهم أبناء النظام ومحط رعايته يربيهم على يديه ليكونوا جواسيسه ومخبريه ويمكن لهم في مفاصل الدولة ومن هذه التنظيمات  «شباب البرنامج الرئاسي» و«شباب  اللجنة التنسيقية للأحزاب»، بخلاف عمليات التجنيد المستمرة في صفوف الإعلاميين والعمال والطلاب حيث يسعى النظام ليكون هؤلاء جزءا من الظهير السياسي والإعلامي للنظام في ظل تزايد معدلات العسكرة التي طالت جميع مناحي الحياة بعد انقلاب 03 يوليو 2013م.

تم في الأربعاء 18 ديسمبر 2019م

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…