‫الرئيسية‬ العالم العربي لبنان الحراك اللبناني بين عوامل الداخل والخارج
لبنان - يناير 4, 2020

الحراك اللبناني بين عوامل الداخل والخارج

خرج مئات الآلاف من المتظاهرين فى لبنان يطالبون بظروف معيشية أفضل، إلا أن العامل الخارجى سيلعب بالضرورة دوراً كبيراً فى تشكيل مستقبل هذا الحراك، وسيتناول هذا التقرير الموقف الخارجى من الحراك اللبنانى مستنداً إلى عدد من المحاور أولها، طبيعة الحراك الحالى وهل سيوفر بديل يحظى بقبول لدى دول الخارج أم لا، ثانيها،هل سيسهم هذا التغيير فى إحداث هزة اقتصادية تؤثر على المصالح الاقتصادية للدول الخارجية وأهمها فيما يتعلق بالشأن اللبنانى هم إيران وأمريكا واسرائيل، وثالثها، كيف سيؤثر هذا الحراك على استقرار تلك الدول.

العنصر الأول: طبيعة الحراك

انطلق الحراك اللبناني في السابع عشر من أكتوبر الماضى، عقب إعلان وزير الاتصالات محمد شقير نيّة الحكومة فرض ضريبة بقيمة 6 دولارات أمريكية على مستخدمي (واتساب) شهريًّا، ما أثار حفيظة الجمهور اللبناني، فاندفع بأعداد كبيرة إلى الشوارع والساحات من أقصى الشمال اللبناني حيث الكثافة السنّية، إلى أقصى الجنوب حيث الكثافة الشيعية، مرورًا بالجبل حيث الكثافة المسيحية والدرزية، وانتهاءً بالعاصمة بيروت التي تحتضن بانوراما الطوائف اللبنانية الثماني عشرة، وقد كان الحراك مصحوباً بوجود درجة من الوعى، فما ميز الحراك بشكل واضح عن جميع الاحتجاجات التي شهدها لبنان خلال الأعوام الماضية هو الغياب التام للأعلام الحزبية المميزة للطوائف المختلفة، وهيمنة لون واحد فقط هو لون العلم اللبناني الأبيض، رفقة مطلب واحد صريح هو إسقاط النظام القائم بجميع طوائفه ورموزه بلا استثناء، وهو ما عبَّر عنه المتظاهرون اللبنانيون بشعارهم الأثير “كلن يعني كلن”[1].

إلا أن ما يحدث فى لبنان لا يمكن أن نطلق عليه ثورة بحق، لأن الثورة تستهدف تغيير فى طبيعة السيطرة الاقتصادية والسياسية وهو ما سيكون صعب حدوثه فى لبنان، فشعار «إسقاط النظام» لا معنى له في بلد مثل لبنان، ففى لبنان النظام قائم بصرف النظر عن العهد، فيما العهد هو النظام في الدول الأخرى. فالمطالبة بإسقاط النظام عند المحتجّين والمحتجّات هي مطالبة بإسقاط العهد، إلا أن التغيير الجذري يكون في إسقاط نظام الحكم (السياسي والاقتصادي) برمّته لأن شعار الديموقراطية الذي يُرفع في الدول العربية يعني إجراء انتخابات في بلاد لم تجرِ فيها انتخابات حرة من قبل، مثل تونس أو مصر قبل السيسي. إلا أنه في لبنان، شعار الانتخابات من شأنه الإتيان بنفس الطبقة السياسية، لكن بشراسة أكبر. وبالتالى فالرهان سيكون فى القدرة على ممارسة درجة عالية من الضغط والقدرة على توفير بديل يحظى بقبول بين مختلف طوائف الشعب البنانى والذى يمكن تقديمه للمجتمع الخارجى، وعلى أساسه يتم تشكيل رد فعل خارجى تجاه ذلك الحراك وطبيعة البديل الذى يطرحه[2].

العنصر الثانى: كيف سيؤثر الحراك على مصالح الدول الخارجية

رفعت الاحتجاجات عدد من المطالب منذ اللحظة الأولى، أبرزها انهاء الفساد واستقالة حكومة سعد الحريري واجراء انتخابات جديدة وتجاوز المحاصصة الطائفية السياسية. فلبنان لا يحكمه نظام سياسي موجود في النظم السياسية، بل يُحكم من أمراء طوائف تشكل إقطاعيات تمتهن الطائفية السياسية، حيث أن كل طائفة  تحصل على مكتسباتها وحمايتها وحضورها من إقطاعيتها السياسية، وتلتزم بتعليمات الأمير لحد بعيد، ولا يمكن لهذه الرعايا المتوزعة على تلك الاقطاعيات أن تخرج وتتوحد دون علم أو موافقة أمرائها، ولا أن تشكل شعبا واحدا أو جيشا بعقيدة واحدة أو هدفا واحدا كما نراه يتشكل في هذه الانتفاضة في لحظات. بل يمكن ذلك وفقط من خلال نظام ديمقراطي حقيقي بعيد عن الطائفية السياسية، وهذا محارب من مراكز قوى الطائفية في الداخل، ومن مراكز القوة الغربية الدولية[3].

حيث يبدو أن هناك حالة ارتياح واضحة لدى قادة الاحتلال الإسرائيلي لما يجري في لبنان، مع العلم أن هناك مطالب محقّة لدى اللبنانين إلا أن هناك جهات خارجية تركب موجة المظاهرات، وتعمل على حرفها عن مسارها، بهدف زعزعة الاستقرار فى لبنان، الأمر الذي يصبّ في مصلحة الصهاينة بالدرجة الأولى لأن استمرار حالة الفوضى في لبنان سيكون لمصلحة الأمن القومي الإسرائيلي.

فالمواقف المعلنة من قِبل الدول الخارجية، أولاً:السعودية، فقد التزمت الرياض الصمت بشكل عام، حرصًا منها على ألا تبدو طرفًا مؤثّرًا في الحَراك الجماهيري، على الرغم من اتهامها ضمنًا بأنها تقف خلف استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، وبأنها سبب في تعطيل تشكيل حكومة تكنوسياسية. هذا في الوقت الذي تبذل فيه الكثير من الوسائل الإعلامية المحسوبة على السعودية جهدًا مكثّفًا في تغطية الحدث تغطية إخبارية وتحليلية، تتسم بالانحياز إلى موقف سعد الحريري والحراك في مواجهة حزب الله وحلفائه.

ثانيا: الولايات المتحدة الأمريكية، بدايةً، التزمت واشنطن -كما فعل الغرب- الصمت، حتى لا تبدو طرفًا مؤثّرًا في الحدث، وفقًا لنظرية التدخل الخارجي أو المؤامرة، إلى أن خرج وزير الخارجية (مايك بومبيو) داعيًا إلى مساعدة الشعب اللبناني على «التخلّص من النفوذ الإيراني». ما عزز رواية المشكّكين في مآلات الحراك على حزب الله وحلفائه، وأزعج قوى الحراك التي رفعت شعارات ترفض التدخلات الخارجية.

ثالثا: إيران: عدت الحراك حالة شعبية تعبر عن هموم المواطن اللبناني، ولكنها حذرت في الوقت نفسه من محاولات استغلاله من قُوى خارجية تعادي لبنان ونهج المقاومة ضد إسرائيل. وفي السياق ذاته فإنها ربطت بين ما يجري في لبنان وما يجري في العراق[4].

العنصر الثالث: كيف يؤثر الحراك على المصالح الاقتصادية للدول الخارجية

تعانى لبنان من أزمات اقتصادية طاحنة خلفتها استشراء الفساد داخل الطبقة الحاكمة، والفشل الحكومى فى التعامل مع الأزمات، حيث يحتل لبنان المرتبة رقم 138 من بين 180 في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن الأمم المتحدة العام الماضي 2018، مع دين عام يبلغ 86 مليار دولار وتبلغ نسبته 152% من الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات نمو تدور حول 1% فقط، وعجز في الموازنة بلغ 11% في العام الماضي أيضاً، وحكومة عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من تطلُّعات شعبها[5].

وبالتالى فالحراك سيشهد تأثيراً كبيراً على المصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة ومن ورائها مصالح الدول الخارجية التابعة لها، أبرزها إيران التى تأتى تلك الاحتجاجات فى الوقت الذى تعانى فيه من أزمات اقتصادية خانقة بسبب العقوبات الاقتصادية التى فرضتها إدارة الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” في سياق ما تسميه سياسة “الضغوط القصوى” ضد طهران، والتي تشمل عقوبات أخرى ضد حلفاء إيران ووكلائها في لبنان.

وبالتالى ستشكل المصالح الاقتصادية عنصراً أساسياً فى التعامل مع الحراك نظراً لما يحمله ذلك الحراك من مآلات قد تضر بمصالح النخبة الحاكمة ومن ورائها الدول الخارجية التابعة لها، حيث يشير مسؤولون أميركيون إن هناك مشاعر قلق حقيقي في طهران من أن تتحول التظاهرات الاحتجاجية في لبنان إلى تهديد خطير ونوعي وغير معهود لمصالح إيران الاستراتيجية ومكاسبها السياسية والاقتصادية التي حققتها في العقود الماضية في العالم العربي[6].

[1]               أحمد الحيلة، الحراك اللبنانى والحواجز الطائفية، السياسة الدولية، 22/11/2019، الرابط:

                https://www.alsiasat.com/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8E%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%88%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%AC%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3/

[2]               أسعد أبو خليل، إنها ليست ثورة فى لبنان ولكن، جريدة الاخبار اللبنانية، بتاريخ: 26/10/2019، الرابط:

                https://www.al-akhbar.com/Lebanon/278378/%D8%A5%D9%86%D9%87%D8%A7-%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%AA-%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D9%84%D9%83

[3]           مؤسسة محمديون للثقافة والنشر،كواليس الحراك الشعبي في لبنان والعراق، بتاريخ:28/12/2019، الرابط:

                https://mohmmadiyon.com/2019/11/15/%D9%83%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82/،

[4]           مرجع سابق، الحراك اللبنانى وحواجز الطائفية، الرابط:

                https://www.alsiasat.com/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8E%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%88%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%AC%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3/

[5]               محمد السعيد، ضوء فى آخر النفق.. هل اقتربت نهاية ملوك الطوائف فى لبنان، بتاريخ:17/11/2019، الرابط:

                https://midan.aljazeera.net/reality/politics/2019/10/28/%D8%B6%D9%88%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D9%82-%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D8%AA-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%84%D9%88%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%81-%D8%A8%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86

 

[6]           إيران بين انتفاضتي العراق ولبنان، بتاريخ: 4/11/2019، الرابط: موقع الحرة،

                https://www.alhurra.com/a/518881.html

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان .. الدوافع والتداعيات

  تعود أزمة الحدود البحرية بين الجانبين إلى الفترة التي أعقبت اكتشاف مخزونات ضخمة من …