‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس فشل تمرير حكومة الجملي بتونس..اختبار ديمقراطي أم انقلاب أبيض ؟
تونس - يناير 14, 2020

فشل تمرير حكومة الجملي بتونس..اختبار ديمقراطي أم انقلاب أبيض ؟

ما بين انقلاب أبيض يقوده تيار الثورة المضادة في تونس بدعم مالي خليجي.

في أكبر انتهازية حزبية بين الأحزاب التونسية ضد حركة النهضة التونسية وحليفها تيار الكرامة، وبين تجربة كاملة واختبار صعب للديمقراطية التونسية، فشل الحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان التونسي يوم 10 يناير الجاري، وتلا إسقاط حكومة الجملي إعلان نبيل القروي زعيم حزب قلب تونس الفائز بالمركز الثاني في الانتخابات التشريعية (38 مقعدا)، والمتهم بالفساد وغسيل أموال إماراتية، عن تشكيل جبهة برلمانية تضم 93 نائبا، قال: إنها ستضم كل من حزبه وحزب تحيا تونس (14 مقعدا) وكتلة الإصلاح الوطني (15 مقعدا) وكتلة المستقلين وغير المنتمين للأحزاب.

وقال القروي: إن إعلان هذه المبادرة جاء بالتنسيق بين حزبه وكتل أخرى مثل حزب تحيا تونس الذي يتزعمه رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالي يوسف الشاهد وكتلة الإصلاح الوطني زاعما أنه يستهدف توحيد صف العائلة الوسطية المشتتة وتقديم مبادرة موحدة للرئيس التونسي بشأن تشكيل الحكومة.

ومن المتوقع أن يمثل ميلاد الكتلة البرلمانية تحديا، قد يقلب موازين القوى داخل البرلمان لصالح الثورة المضادة باعتبارها ستصبح أكبر كتلة من حيث العدد، وهو ما يمثل التفافا على إرادة الشعب التونسي، وهو ما يشكل أيضا ضربة قوية لحركة النهضة باعتبار أن كتلتها وكتلة ائتلاف الكرامة الداعمة لها لا تتجاوزان 72 مقعدا.

 

وبحسب مراقبين، هذه التغيرات لا تصب في مصلحة زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي الذي يواجه بحملة انتقادات من أحزاب الثورة المضادة، والتي تسعى لإسقاط رئاسته للبرلمان التونسي، حيث يعمل الحزب الدستوري الحر الذي يضم عناصر النظام الحاكم السابق (17 مقعدا) على جمع 73 توقيعا للنواب لتمرير عريضة لسحب الثقة من الغنوشي بهدف إقصاء ما سماه “الإسلام السياسي” من على رأس البرلمان، وهذه المعركة أصبحت بمثابة صراع وجودي لهذا الحزب، حسب قوله.

 

بعثرة الأوراق

وخلال جلسة امتدت أكثر من عشر ساعات، يوم 10 يناير، صوَّت 134 نائباً لصالح عدم منح الثقة لحكومة الجملي المقترحة، مقابل موافقة 72 نائباً، وتحفُّظ ثلاثة نواب على التصويت، وهو ما يعني إسقاط الحكومة.في حين كان عليها الحصول على 109 أصوات على الأقل من جملة 217 نائبا، وقبل التصويت، أعلنت كل من كتلة “النهضة” (54 نائباً من 217) و”ائتلاف الكرامة” (21 نائباً)، عزمهما منح الثقة للحكومة، في حين أعربت كتل أخرى عن اعتزامها عدم منح الثقة للحكومة، وهي: “قلب تونس” (38 نائباً)، و”تحيا تونس” (14)، و”المستقبل” (9)، و”الكتلة الديمقراطية” (41)، و”الإصلاح الوطني” (15)، و”الحزب الدستوري الحر” (17).

هذه الحكومة كان قد مُنح رئيسها “الجملي”، منتصف نوفمبر الماضي، تكليفاً من الرئيس سعيّد لتشكيلها بعد طرح اسمه من جانب “النهضة”، التي تصدرت نتائج الانتخابات التشريعية، في 6 أكتوبر الماضي.

 

أسباب فشل الجملي

 

ويرجع مراقبون أسباب فشل الجملي الذي اختارته حركة النهضة، لكونه مغمور سياسيا، بجانب توجهه لتشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة، وخلوها من الكفاءات ذات الانتماء السياسي جعلها لا تحظى بتأييد سياسي قوي من قبل الأحزاب الممثلة داخل البرلمان.

 

وضّمت الحكومة المقترحة، التي يرأسها الحبيب الجملي، 42 عضوا بين وزراء و”كتّاب دولة” (وزراء مساعدون).

ومنذ قدّم الحبيب الجملي رسميا لائحة الحكومة المقترحة، شكّل العدد الكبير لأعضائها وجها لاعتراض البعض.

 

وواجهت حكومة الجملي أيضا انتقادا لغياب عدد مقبول من النساء ضمن القائمة التي ضمت أربع وزيرات من جملة ثمانية وعشرين وزيرا وست وزيرات مساعدات من جملة أربعة عشر وزيرا مساعدا (كاتب دولة).

 

وقال الحبيب الجملي حينها: إن التمثيل النسائي في حكومته، المكوّنة من اثنين وأربعين وزيرا بلغ قرابة أربعين في المئة، وهو الأمر الذي أثار موجة من الانتقادات..إذ أن عدد النساء في قائمة الجملي عشر نساء أي أنه لا يتجاوز 25 %.

فيما وصف نواب خطاب الجملي بالبرلمان بأنه خطاب شعبوي، وقال النائب عن الكتلة الديمقراطية عدنان الحاجي: إنه لا يرتقي إلى أن يكون خطابا سياسيا.

وووصفه النائب عن حركة الشعب، زهير المغزاوي، بخطاب حملة انتخابية لا يوضّح برنامج الحكومة.

 

بينما أشاد آخرون بما ورد في الخطاب، الذي تحدّث فيه الجملي عن نفسه أيضا وعن انحداره من “أعماق الريف التونسي”.

 

وقال الجملي: إنه “لأول مرّة في تاريخ تونس سيكون رئيس حكومتها ابن فلاح من أعماق الريف”.

 

هذه العبارة مثلما لاقت استحسانا، رأى فيها نوّاب في البرلمان ومتابعون للجلسة “شعبوية” و”لعبا على نعرات طبقية وجهوية”.

 

بجانب ذلك، أثارت بعض الاختيارات الوزارية جدلا برلمانيا، كوزير السياحة روني الطرابلسي، هو الوزير الوحيد الذي أبقى عليه الجملي من الحكومة السابقة. وأثار الطرابلسي جدلا منذ طرح اسمه ضمن التشكيلة الجديدة.

وهذا الجدل ليس جديدا، لكنّه مستمرّ منذ انتشرت أنباء، غير مؤكدة، عن حيازة روني الطرابلسي التونسي يهودي الديانة على الجنسية الإسرائيلية.

ثم زاد الجدل حين اقترح الوزير منح الإسرائيليين من أصول تونسية جوازات سفر تونسية تسهّل زيارتهم لـ”بلدهم الأم” خاصة أثناء موسم حج اليهود إلى “الغريبة” الواقعة في جزيرة جربة في الجنوب التونسي.

 

وزير الدفاع المقترح، القاضي عماد الدّرويش، هو أحد الوزراء الذين أثار وجود اسمهم ضمن الحكومة المقترحة لغطا كثيرا، وأثار غضب عدد من القضاة والحقوقيين، الذين يعتبرونه أحد أذرع نظام الرئيس المخلوع زين العبادين بن علي.

ونشرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بيانا يوم الاثنين قبل الماضي تعلن فيه رفضها لتعيين الدرويش وزيرا للعدل.

 

مؤامرة

وبجانب الأسباب السابقة، تبرز أحاديث كثيرة ومعتبرة، عن مؤامرة سياسية أدارتها أحزاب الثورة المضادة التونسية.

وخلال جلسة منح الثقة، قال النائب عن حركة النهضة نور الدين البحيري، في مداخلته: إن إسقاط الحكومة المقترحة خطر في ظل “طبول الحرب التي تدقّ في ليبيا”.

فيما اقترح بعض نوّاب البرلمان التصويت بالموافقة على الحكومة ومنحها فرصة للعمل ثم محاسبتها بعد فترة والبت في سحب الثقة منها أو “تثبيتها”.

 

وكان رئيس الحكومة المكلّف الحبيب الجملي قد وعد في وقت سابق بتعديل تشكيلة الحكومة بعد المصادقة عليها وتعهّد “بتغيير الوزراء الذين رفضهم السياسيون أو تحفظوا على وجودهم ضمن التشكيل الحكومي”.

 

وقال النائب عن حركة النهضة أسامة الصغير: إن كلمات بعض النوّاب الرافضة للحكومة قدّمت أسبابا “واهية” للرفض.

واتهم الصغير الرافضين للحكومة بعدم المبالاة بمصالح المواطنين وبحاجتهم لإتمام المشاريع المتوقفة على تنصيب الوزراء.

وبحسب الناشط السياسي التونسي محمد هدية، فإن عدم تمكن حكومة “الجملي” من نيل ثقة البرلمان التونسي، “يؤكد أن المسألة السياسية في تونس ما زالت تتسم بصراع شديد بين قوى الثورة من جهة وقوى الثورة المضادة من ناحية أخرى”.

حيث امتدت  مشاورات الحبيب الجملي لما يقارب شهرين، مع مختلف القوى السياسية والمنظمات الوطنية، “ورغم أن تلك المشاورات كانت ستؤتي ثمارها بين الحين والآخر، فإنها كانت تُجهض في الثواني الأخيرة”.

كما أن بعض الأحزاب وفي مقدمتها “التيار الديمقراطي” وحركة الشعب، أعلنت موافقتها على المشاركة في الحكومة، حتى إنها وصلت إلى مناقشة أدق التفاصيل، وهذا حسب تصريحات رئيس الوزراء المكلف، الذي صرح في أكثر من مرة، بأنه لبى جميع اشتراطات واقتراحات هذه الأطراف..إلا أن المثير في الأمر أن التيار وحركة الشعب إلى جانب حركة تحيا تونس، أعلنت تخلّيها عما اتفقت عليه مع الحبيب الجملي في التوقيت نفسه تقريباً بعد أن أعلنت الموافقة على المشاركة.

 

وهو الأمر الذي يدلل على أن قرار عدم المشاركة ورفض حكومة الجملي، جرى إعداده بالتنسيق بين هذه الأحزاب، ولا يعدو حضورها في الاجتماعات مع رئيس الحكومة المكلف سوى ربح للوقت، في انتظار انتهاء المهلة الدستورية التي أعطاها الدستور للحبيب الجملي.

 

 

تداعيات إفشال حكومة الجملي

 

ويعيد إسقاط حكومة الجملي بعد مرور شهرين كاملين على انطلاق المفاوضات الأولى خلط الأوراق من جديد في المشهد السياسي، حيث أصبح الرئيس التونسي قيس سعيد مسؤولا على تكليف رئيس حكومة جديد في أجل 10 أيام طبقا للدستور بعد التشاور مع الكتل البرلمانية والأحزاب.

 

 

وأيضا يكشف فشل تمرير حكومة الجملي بالبرلمان، عن وجود منطقة سياسية فارغة تنادي من يملؤها بخطاب مختلف عن الصراعات السياسية التي عطلت تشكيل الحكومة.

ويتضح هذا الفشل بسبب النخبة السياسية في البلاد، التي لم تتوصل إلى بناء تفاهمات سياسية، على غير قاعدة الإقصاء الموجَّه أساساً ضد الإسلام السياسي، وبقاء نخبة كانت مساهمة في الصراعات السابقة، كالنظام السابق وأدواته، في النظام السياسي الحالي بالبلاد.

كذلك، ما تزال  الساحة السياسية في تونس منقسمة بين طرفٍ يسعى لتحقيق أهداف الثورة، في الوقت الذي لا تزال فيه “أطراف من الثورة المضادة لم تؤمن بالثورة، وتسعى لتشويهها مستفيدةً من تدفق المال الخليجي الذي زاد منسوبه في الآونة الأخيرة.

 

انعكاسات الأزمة على “النهضة”

ويحمل فشل تمرير حكومة الجملي، تداعيات كبيرة على المشهد السياسي في البلاد، وعلى حركة النهضة نفسها، وعلاقاتها الداخلية وقراراتها وخياراتها، كما على مؤتمرها المقبل، الذي يُفترض أن يُعقد خلال العام الحالي.

وعقب رفض منح الثقة لحكومة “الجملي”، أعربت “النهضة” في بيان، عن ثقتها برئيس البلاد قيس سعيّد، الذي سيجري مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية، لتكليف الشخصية الأقدر لتكوين حكومة.

وأبدت الحركة استعدادها للتفاعل الإيجابي مع “كل شخصية وطنية تتوافر فيها شروط النجاح، وتعكس تطلعات التونسيات والتونسيين، وتجمع حولها حزاماً سياسياً قوياً.

فيما اعتبر رئيس كتلة “النهضة” في البرلمان، نور الدين البحيري، في تدوينة على صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك”، أن “أقلية من ضحايا حساباتهم الحزبية وشهواتهم الشخصية وارتباطاتهم الخارجية، دفعوا أحزاباً لإسقاط مشروع حكومة سياسية، وأوقعوا أغلبية مجلس نواب الشعب في إسقاط حكومة الكفاءات المستقلة، ولعلهم يخططون لإسقاط حكومة الشخصية الأقدر”.

لكن التقييم الأدق والشامل، جاء على لسان القيادي في الحركة، العربي القاسمي، الذي عدد سلسلة الأخطاء التي تسببت في هذه النتيجة. وقال القاسمي، في تدوينة على صفحته الشخصية: إن “النهضة أخطأت حين قبلت المساومة على حقها الدستوري في رئاسة الحكومة، وأخطأ الجملي، بل ارتكب خطيئة عمره السياسية، حين خرج عن روح ونصّ التكليف، وتمرّد على مكلِّفه وسوّاه بغيره، وشرع في تشكيل حكومة كفاءات مستقلّة، بدل حكومة سياسية منفتحة على الكفاءات. وأخطأت النهضة، بل ارتكبت الخطيئة الكبرى، حين قبلت بهذا الانقلاب وحاولت مماشاته ولم تسحب التكليف مباشرة مهما كان الثمن، وأخطأ الجملي حين استعصى على الجهة المكلّفة، ولم يتراجع عن خياره، بل ولم يقبل بأيّ تعديل تطلبه النهضة رغم شبهات الفساد. أخطأ أكثر ولم يكن سياسياً بالمرّة، حين وعد بالاستجابة للتعديلات بعد المصادقة إن ثبتت تهمة فساد، فضرب مصداقيته مع فريقه قبل غيره في مقتل”. واتهم القاسمي أيضا، رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد، بـ”التآمر ولعب دور قذر والتنكر للنهضة التي كانت سنده الحقيقي الوحيد طيلة فترة حكمه”، معتبراً أن الأخير “سقط أخلاقياً وسياسياً، ووضع بنفسه فيتو النهضة عليه في أيّ خيار خارج خيارها”.

 

ووجه القاسمي سهام نقده إلى الأمين العام المستقيل لـ”النهضة”، زياد العذاري، بإعلانه عدم التصويت لحكومة الجملي، معتبراً كذلك أن الأخير سقط أخلاقياً وسياسياً بدوره، كما توجه إلى من وصفهم بـ”الثورجيين”، الذين قال: إنهم “وضعوا كلّ جهدهم ومكرهم لسلب حقّ النهضة في رئاسة الحكومة والالتفاف عليه ومصادرته”، متهماً إياهم بـ”الجشع السياسي وبالحقد الأعمى على النهضة”.

ويُحّمل “النهضويون” مسؤولية ما حدث، تارةً إلى مجلس شورى الحركة، الذي فرض خيار الجملي على الجميع، على الرغم من عدم كون الأخير الشخصية الأولى التي كانت على رأس القائمة، وتارةً إلى رئيس الحركة راشد الغنوشي، بسبب ما يسمونه سوء إدارته للمفاوضات. من جهته.

ورغم السجال الدائر بتونس، والذي يستهدفها بالأساس،  فإن حركة النهضة –بحسب دوائر سياسية- ستظل حزبا رئيسيا في المشهد السياسي، وأن توجهها في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة مع الرئيس سيكون على أساس تشكيل حكومة سياسية مفتوحة على أحزاب عدة، وتكون حركة النهضة أحد مكوناتها.

إلا أن الكثير من التحديات ستواجه بها، خاصة في حال تم التشكيل الفعلي لكتلة نداء تونس وأحزاب الثورة المضادة، الذين قد يمثلون أغلبية برلمانية في مواجهة النهضة وحلفائها، ما يعطل البرلمان التونسي ويزيد من تشرذم الحياة السياسية..

ولعل مماطلة بعض القوى السياسية ذات التمثيل البرلماني المحدود وبعض المستقلين، وابتزازهم لحركة النهضة، والذي وضح خلال مفاوضات الجملي لتشكيل الحكومة، بمطالباتهم بوزارات سيادية وتمثيل أكبر من الوزراء لا يتناسب مع حجمهم النيابي، قد يدفع “النهضة” نحو مزيد من الانعزال، أو الارتماء في أحضان أحزاب الثورة المضادة، الذين قد يمنحوها ثقلهم النيابي لتمرير السياسات والقوانين، وفي كلا الحالتين ستخسر النهضة شعبيتها، ويتضعضع مسار الديمقراطية في تونس.

 

مستقبل حكومة الرئيس

 

ويبقى القرار بيد الرئيس، اذ ينص الدستور التونسي على أنه في حالة عدم نيل الحكومة التي يكلَّف تشكيلها الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية ثقة البرلمان، يتولى رئيس البلاد تعيين شخصية مستقلة، يكلّفه تشكيل حكومة جديدة.

وحسب الفصل “89” من الدستور التونسي، وعند تجاوز الأجل المحدد دون تكوين الحكومة، أو في حال عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، يقوم رئيس الجمهورية، في أجَل عشرة أيام، بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر؛ من أجل تكوين حكومة في أجَلٍ أقصاه شهر.

وخلال الأيام المقبلة، ستستمر المشاورات بين الأحزاب الممثلة بالبرلمان  تحت مظلة الرئيس، وهو ما قد يكون أسرع إنجازا، بعيدا عن التجاذبات الحزبية.

فيما يتوقع مراقبون، أن  الكتلة الديمقراطية -وهي ثاني كتلة (41 مقعدا) تضم حزب التيار الديمقراطي (22 مقعدا) وحركة الشعب (15 مقعدا) وبعض المستقلين- ستلعب دورا مهما في تشكيل حكومة الرئيس.

ومن المرجح  أن تتشكل الحكومة من الرباعي الحزبي الذي اجتمع به سابقا الرئيس التونسي.

وهذه الأحزاب الأربعة هي حركة النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وحزب تحيا تونس.

إذ أنه من غير الممكن تجاوز حركة النهضة في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، لاعتبارات عدة، منها وجود كتلة موحدة بين الحركة وائتلاف الكرامة تتجاوز 70 مقعدا، إضافة إلى رفض الحزب الدستوري الحر الدخول في أي حكومة أو حتى لقاء الرئيس، ووجود خلافات بين قلب تونس وتحيا تونس.حيث يرى مراقبون أن  رفض تمرير حكومة الجملي باعتراض 134 نائبا لا يعني أنهم كتلة موحدة أو جبهة سياسية مجتمعة على نفس التوجهات وقادرة على تشكيل الحكومة المقبلة، مؤكدين أنهم اجتمعوا في لحظة ما داخل البرلمان لعدم منح الثقة للحكومة بسبب تحفظاتهم بشأن تركيبة الحكومة فقط.

 

 

وإزاء ذلك، وطبقا للفصل التاسع والثمانين من الدستور التونسي، “في حالة عدم حصول التشكيل الحكومي المقترح على ثقة مجلس النواب، يجري رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر، وإذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول بتشكيل الحكومة، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، فإن لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما.”

 

ويعني هذا أن آخر أجل لتشكيل حكومة تنال ثقة البرلمان الحالي هو الخامس عشر من مارس 2020. إذا فشل رئيس الحكومة الذي سيكلّفه قيس سعيّد خلال عشرة أيام من الآن في هذه المهمّة فإنه يحق لقيس سعيّد حينها حلّ البرلمان الحالي والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة.

ويرى متابعون للوضع أن الحكومة القادمة التي ستعرض على البرلمان ستكون اختبارا لشعبية قيس سعيّد ومدى التوافق السياسي حوله.

بينما يعتبر آخرون أن التصويت للحكومة المقبلة بالقبول أو بالرفض لن يكون له علاقة بقيس سعيّد حتى لأن التصويت يكون “جمليا” أي على كل الوزراء المقترحين وبرنامجهم المطروح كاملا دون استثناء.

 

وتبقى تحديات مهمة في وجه الديمقراطية التونسية، إذ أنه ومع دخول الرئيس قيس سعيّد، بالتفويض الشعبي الكبير الذي حققه في الانتخابات، تبرز مسألة أخرى غاية في الأهمية، وتتمثل في تموقعه السياسي وتموقع أحزاب تساند فكره وتدفع إليه منذ البداية، وخصوصاً “حركة الشعب” و”التيار الديمقراطي”، ومن خلفهما حزب “تحيا تونس” ورئيسه يوسف الشاهد. وإذا ما صدق هذا الائتلاف، فإن سعيّد ستكون بين يديه أدوات مهمة لتحقيق أفكاره السياسية، بما يؤدي ضمنياً إلى توسيع صلاحياته، وتضييقها بالتالي على “النهضة” والغنوشي.

 

غير أن مسقطي حكومة “النهضة”، انضم إليهم أيضا حزب “قلب تونس” ورئيسه نبيل القروي. وداخل البرلمان، تابع التونسيون صورةً جماعية لعدد من الأحزاب يتقدمهم القروي، في ندوة صحافية، بعدما كان الجميع يتبرأ منه ويعتبر أنه ينبغي الابتعاد قدر الإمكان عن “قلب تونس”، متهمين رئيس الحزب بالفساد وغياب الهوية السياسية.

وهو  على ما يبدو سيكون سيناريو مدعوما من الإمارات والسعودية، الذين يراهنون على إفشال التجربة الديمقراطية في تونس، صاحبة الريادة في ثورات الربيع العربي، وكان لهما دورا مفضوحا في السابق، لإفشال المسار الديمقراطي بتونس، سواء بوقف استثماراتهم في تونس، أو بتحريض الرئيس الراحل قايد السيسي للانقلاب على حركة النهضة، وهو ما رفضه في وقتها، إلا أن الإمارات تنوع وسائلها  بالتلاعب في أوضاع الدول المناوئة وفق تغيرات الواقع وتبدلاته السياسية، كما هو حاصل الآن في تونس.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مستقبل حكومة الفخاخ التونسية في ضوء التحديات الداخلية والإقليمية

بعدما نجحت تونس في تجاوز عقبة الخلافات السياسية، والصراعات الحزبية، بالتوافق على حكومة إلي…