‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر انقلاب 30 يونيو  وإدارة الدولة .. قراءة تحليلية في ضوء نظرية “صناعة العدو”
مصر - يناير 15, 2020

انقلاب 30 يونيو  وإدارة الدولة .. قراءة تحليلية في ضوء نظرية “صناعة العدو”

بعد أن  اغتصب الطاغية عبدالفتاح السيسي الحكم عبر انقلاب عسكري مكتمل الأركان في 3 يوليو 2013م على المسار الديمقراطي لثورة يناير الذي لم يستمر سوى عامين ونصف العام،  مدعوما من السعودية والإمارات والكيان الصهيوني؛ اعتمد النظام لبناء سلطوية جديدة أكثر قمعا وطغيانا على ثلاث آليات:

الأولى، هي الاستغراق في صناعة العدو الداخلي والخارجي وتوظيف الخطاب السياسي والإعلامي وجميع مؤسسات الدولة التنفيذية والقضائية والتشريعية والدينية لنسج الأكاذيب حول هذا العدو “الوهمي” (الإرهاب ـ داعش ــ الإخوان ــ تركيا ــ  قطر ــ المؤامرة الكونية ــ  الزيادة السكانية ـ منظمات المجتمع المدني ــ وصولا إلى الأحزاب المعارضة للسيسي والتي شاركت في الانقلاب بناء على تقديرات موقف غير دقيقة لم تعتمد على معلومات دقيقة  أو استنتاجات صحيحة). فصناعة العدو تتم عبر مراحل عديدة تتمثل في وجود أيديولوجيا (فكر معتدل أو متطرف يتم تشويهه أو تضخيمه والمبالغة فيه وشيطنته وشيطنة أصحابه) ثم وضع استراتيجية محددة وخطاب شيطنة تبريرا للقمع والفتك به، وثالثا، توجيه صناع الرأي من الإعلاميين والمثقفين لشيطنة هذه الإيديولوجيا وأصحابها، وأخيرا، تحديد آليات توظيف القوة والعنف لشرعنة القتل والإبادة الوحشية.

الثانية، التخويف المستمر من  أكذوبة “هدم الدولة” والفوضى وحكم ما يسمى “بالإرهاب” والإلحاح على الخلط العمد بين مفهومي الدولة والنظام والتلاعب بهذه المفاهيم لتكريس حالة من اللاوعي تضع الرئيس ومؤسسات الحكم موضع الدولة والوطن بحيث  تصير المعارضة للنظام معارضة للدولة ذاتها وخيانة للوطن.

الثالثة، هي توظيف الآليتين الأولى والثاني للتغطية على أكبر جريمة بحق الوطن والشعب تتعلق بتبرير جريمة الانقلاب وما تلاه من مذابح وذلك عبر التوسع في سياسات القمع والبطش دون توقف وبشكل وحشي وغير مسبوق استهدف جميع الذين شاركوا في ثورة 25 يناير 2011م، بدءا من الإسلاميين  فالألتراس (أهلاوي  ــ وايت نايتس وغيرها) وصولا إلى الحركات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب التي تعارض النظام من داخل منظومته السياسية والقانونية؛ في سياق ما تسمى بالحرب الوقائية لإجهاض أي خصم محتمل  أو حراك سياسي وشعبي جديد كما جرى في يناير».

 

أنماط الدعاية والحملات السوداء

وفق آليات عمل الدعاية، فهناك (3) أنماط من أساليب الإقناع، تشمل أساليب عقلية وعاطفية وأساليب التخويف:

1)  الأول يعتمد على الحقائق والأدلة المنطقية والشواهد والإحصائيات مثل مستوى الدخل ومعدلات النمو وجودة الخدمات.

2)  الثاني، يخاطب المشاعر عبر رفع الشعارات الرنانة التي تكون في غالبها خالية من المضمون.

3)  الثالث، فيعتمد على إشاعة الخوف وتهديد الأمن والسلامة، وشن حملات الدعاية السوداء لشيطنة طرف أو جهة لتبرير قتله وإبادته أو على  الأقل تبرير الانتهاكات والمظالم بحقه واعتباره فعلا مشروعا.

لا تستطيع الأنظمة الدكتاتورية أو الاستبدادية في بلاد العرب والمسلمين وغيرها أن تحيا بلا عدو تبتكره، تؤجل بحجته أي مطالبة باحترام الحقوق أو تحقيق نمو اقتصادي أو مكافحة الفساد؛  فصناعة العدو وإشاعة الخوف في قلوب الجماهير: سر استمرارية أنظمتنا العربية؛ فتحشد وسائل الإعلام، في النظم الاستبدادية قواها من أجل التضخيم من الأخطار والتهديدات وحجم المؤامرات التي يحيكها الأعداء سواء كانت حقيقية أو مزيفة، من أجل إشاعة الخوف والهلع في قلوب الجماهير.

«صناعة العدو في النظم الاستبدادية لا تتم عفوياً، وإنما تستند إلى أسس ونظريات علمية، هدفها ترسيخ الخوف وإفقاد الجماهير الإحساس بالأمان، وفق تخطيط استراتيجي، تعمل عليه الأجهزة الأمنية والمخابراتية والآلة الإعلامية. فصناعة العدو هي صناعة خوف يمنع تطلع الشعوب إلى التغيير، ويدفعها إلى قبول قرارات وسياسات وممارسات النظام الاستبدادي مهما كانت ظالمة أو مجحفة، خشية ذلك الخطر الداهم والتهديد المجهول. “فالعدو وحده ومؤامراته الدنيئة هي المسئولة عن الفشل والأزمات التي تواجه الشعوب التي ترزح تحت نير الاستبداد، فيما تواجه النظم الحاكمة هؤلاء الأعداء وتحبط مؤامراتهم فتحافظ على مؤسسات الدولة وأمن الشعب”. تلك الرسالة التي دائماً يحاول أن يروجها الإعلام الشمولي تجد صداها لدى الجماهير الجائعة والخائفة، التي بدورها لا تستطيع مواجهة آلة البطش والقمع الجبارة فتلجأ وربما لا شعورياً ووفق ما يسمى سيكولوجياً بالحيل الدفاعية، إلى تحميل معاناتها لهؤلاء الأعداء».( )

 

احتياجات الأمان ومثلث “ماسلو”

ووفق هرم الاحتياجات الإنسانية المتدرج الذي وضعه العالم الأمريكي الشهير ابراهام ماسلو، فإن الاحتياجات التي تحرك دوافع السلوك الإنساني تنتظم بشكل تصاعدي،  قاعدته الاحتياجات الفسيولوجية الأساسية التي تشمل المأكل والمشرب والجنس لضمان بقاء الحياة واستمرار النوع. فإذا أشبعها تطلع نحو حاجته إلى الأمن والسلامة، ليأتي بعدها بحثه عن حاجاته للعلاقات الاجتماعية ثم تقدير واحترام الذات وصولاً إلى تحقيق الذات. ووفقاً لهذا النموذج، فإن النظم الاستبدادية حريصة دائماً على أن تبقى شعوبها في أسفل هرم الاحتياجات الإنسانية، فلا تنشد سوى تحقيق ما يضمن بقاءها وأمنها، ولا تتطلع نحو الاحتياجات الأكثر رقياً والتي يمكن تفسيرها سياسياً ومجتمعياً بأنها تشمل احترام حقوق الإنسان وضمان الكرامة وصيانة مناخ الحريات والإبداع.

ولعل هذا يفسر أسباب العبارة الشهيرة التي تروج لها آلة النظام الإعلامية: (مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق)”، لإقناع الجماهير بأن تتحمل فشل سلطة العسكر وقمعها وفق معادلة الأمن مع الدكتاتورية خير من الفوضى مع الديمقراطية، رغم أن هذه الفوضى التي أعقبت ثورات الربيع العربي ما كانت إلا فعلا مدبرا من المؤسسات الأمنية للدولة العميقة التي رأت في الربيع العربي تهديدا لوجودها ومصالح رعاتها الإقليميين والدوليين فكان بيان الانقلاب في 3 يوليو 2013 الذي لم يكن ليحدث لولا مظاهرات  30 يونيو التي تثبت أنها كانت مدبرة ومفتعلة من جانب الجيش والمخابرات برعاية إسرائيلية إماراتية سعودية وبضوء أخضر أمريكي.

 

نظرية «صناعة العدو»

ولتحليل السياسات التي قام عليها نظام 30 يونيو  يتوجب التعرف على أهم مكونات نظرية “صناعة العدو” والتي تلقى رواجا كبيرا في الأوساط الدولية والمخابراتية؛ ذلك أن مشهد 30 يونيو  قام على أساس “الكراهية” وشيطنة الآخر الأيديولوجي والمختلف سياسيا (الإخوان والإسلاميون) والذي يراد إبادته كهدف إقليمي دبرت له (إسرائيل والإمارات والسعودية بضوء أخضر أمريكي كما أوضح كتاب “كير كيباتريك” مدير مكتب النيويورك تايمز في القاهرة إبان الأحداث)، وقام بالتنفيذ داخليا أركان الدولة العميقة (الجيش والشرطة والقضاء والإعلام)، إضافة إلى قوى علمانية متطرفة رأت في الإطاحة بالمنافس السياسي عبر انقلاب أسهل من الإطاحة به عبر صناديق الاقتراع بعد أن يئست من الفوز بثقة الشعب في كل الاستحقاقات الديمقراطية التي جرت بنزاهة غير معهودة في أعقاب ثورة 25 يناير2011م. وإن كان ذلك لا يمنع من وجود  أنصار لثورة يناير وقعوا في فخ الخداع وسوء التقدير فشاركوا في “مشهد 30 يونيو” كتفا بكتف ضباط الشرطة المتهمين بالتعذيب وفلول نظام مبارك الفسدة؛ لأهداف أخرى لم يكن من ضمنها الانقلاب وما تلاه من كوارث ومذابح وإجهاض للديمقراطية والثورة معا.

ولعل أهم ما تم تأليفه في هذا المجال كتاب  «صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح؟»، للمؤلف «بيار كونيسا» والذي يتناول دور نظم الحكم وأجهزة  المخابرات في صناعة العدو باعتباره حاجة اجتماعية سياسية عليا يحقق كثيرا من الأهداف التي تتعلق بالتماسك المجتمعي وتحميله خطايا الفشل والإخفاق ونعته بأحط الصفات؛  ليلبي نوازع  الإحساس الكاذب لدى الطغاة والمستبدين وحتى نظم ديمقراطية  بالحسن والتظاهر بالصلاح الكاذب والتقوى المصطنعة. يكتسب الكتاب أهميته كون المؤلف باحثا فرنسيا شغل منصب مساعد مدير لجنة الشؤون الإستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية، وهو حالياً أستاذ في معهد العلوم السياسية.

 

وجود “العدو” ضرورة

بحسب الكتاب فإن «معظم أجهزة الدولة والمخابرات، ومراكز التفكير والتخطيط الإستراتيجية، وكل صُناع الرأي يشتغلون على صنع العدو، سواء أكان هذا العدو منافساً عالمياً كما بين (الصين وأمريكا)، أم عدواً قريباً كخلاف حدودي مثل الصراع بين (الهند – باكستان)، أم عدواً داخلياً حميماً مثل الصراع الإثني في “رواندا”»،  في إشارة إلى الحروب الأهلية التي يسعى فيها الطرف الأقوى (غالبا هو نظام الحكم أو جنرال عسكري أو قبيلة قوية) إلى شيطنة الآخر(المختلف عرقيا أو دينيا أو سياسيا)  وتوظيف  الآلة السياسية والإعلامية والعسكرية والأمنية من أجل تبرير إبادة هذا الشقيق الحميم وتحويل قتله المجرم قانونا إلى فعل مشروع يستحق المتورطون فيه أنواط الشجاعة والتكريم!

وترى هذه الجهات (أجهزة الدول والمخابرات ومراكز البحث والتفكير) التي تُفصِّل من هو العدو وتصنعه بناء على مصالحها أنه من المفيد وجود عدو يصهر الأمة، ويؤكد قوتها، ويشغل قطاعها الصناعي والعسكري. فوجود العدو أمر ضروري بالمجتمع، فهو يؤدي أدوارًا اجتماعية وسياسية عديدة، فعلى الجانب الاجتماعي: يلبّـي العدو حاجاتٍ اجتماعية متعددة، كالحاجة إلى الهُوية (تعريف الذات من خلال تعريف الآخر)، والحاجة إلى تهدئة حالات القلق الاجتماعي (فحين يعاني المجتمع، يشعر بالحاجة إلى أنْ يجد أحدًا يمكنه أنْ يعزو إليه ألَـمَه، وينتقم منه لخيبات أمله)، (كما هو الحال في مصر حاليا والتي تمزّق نسيجها الاجتماعي) ولذلك يسعى النظام إلى اختلاق وصناعة “عدو” يتطيَّر به ويعزو إليه كل الأزمات والكوارث والمصائب.

وعلى الجانب السياسي، يُمكن استخدام العدو لشرعنة استخدام القوة وتبرير القمع المفرط والجرائم الوحشية التي تمارسها السلطة.

وحتى المجتمعات الغربية «الديمقراطية» عمدت إلى صناعة “العدو” تحت مبرّر «الحرب العادلة»، فكانت هذه هي الحجّة التي اتّبعها المحافظون الجُدُد لابتكار مبدأ «الحرب الاستباقية». فمن خلال هذا المبدأ يمكن للولايات المتحدة أنْ تتخذ قرارًا أُحاديًّا بشنّ الحرب حين تتوافر شروط الحرب العادلة، وهي المصلحة العامة لأمريكا والدولة المارقة. وعلى هذا النحو، فالعدو لا يجب قتله؛ فمن مصلحة القاتل أن يبقي في عدوه رمقًا يستمد منه حياته ويبرر به بناءه العسكري والسياسي ؛ ولعل هذا يبرر أسباب عدم القضاء على حفنة مسلحين في سيناء تعهد السيسي مرارا بالقضاء عليهم دون  أن ينجز وعده. كما أن “العدو” يمثل مخرجا مهما بالنسبة للسلطة الفاشلة والنظم المفلسة التي تواجه مصاعب داخلية حيث يتم تعليق الفشل عليها وتحميله أسباب الإخفاق المستمر.

 

دور الإعلام وغسيل الأدمغة

العظيم في  كتاب «بيار كونيسا» أنه يسلط الضوء على عمليات غسيل الأدمغة  وحملات الدعاية السوداء  التي تقوم بها الدول والنظم وأجهزة المخابرات من أجل شرعنة جرائم الإبادة الوحشية ضد الإنسانية ، ودفع الآلة الإعلامية الجبارة وتوظيف الخطاب السياسي والديني لنسج الأكاذيب والافتراءات ونشر الشائعات وتكريس حالة الانقسام المجتمعي من أجل شيطنة الآخر وتصوير قتله وإبادته والقضاء عليه (وهو فعل مجرم في كل القوانين والشرائع السماوية والوضعية) بأنه فعل عظيم  ورحمة وإنسانية يتعين على الناس توجيه الشكر والتقدير لفاعلها الذي أنقذ الدولة والشعب والمجتمع  من هذه الآخر الذي يتم تصويره على أنه  عدو إرهابي دموي  يهدد وجود الدولة ويثير الفوضى داخل المجتمع ويعطل البناء والتقدم والإنتاج وحالة الاستقرار المنشود. المهم أن القاتل – مع خلفيته المسبقة هذه عن سبب القتل – يقتل وهو مرتاح الضمير، ذلك أنه خلق لنفسه قبل ذهابه إلى الحرب عدواً متوهماً يكون قتله مبرراً.

فالحرب ترخيص ممنوح شرعياً لقتل أناس لا نعرفهم، أحياناً هي عكس نظام القيم الموجودة أصلاً حيث القتل جريمة، فينعكس الوضع ليصبح القتل مشروعاً ويكافأ الجنود عليه، الحرب هي أن نقول: إنه من غير الممكن التحادث مع هذه المجموعات؛ إذن يجب قتلها، هذا النظام الإستراتيجي موجود ليقنع الرأي العام بأن لا مجال إلا للحرب، وهذا يتم من خلال المثقفين والإعلام، وهو عمل مجموعة، والمثقف هو صوت لا يمكن قياس تأثيره، يوضح للرأي العام ما هو حاصل، يشرح لماذا علينا أن نصنع الحرب، أو لماذا يجب تفاديها، أو ما العدو.

 

من هو العدو؟

الطرف الأقوى والدول الكبيرة هي من يملك حق تعريف عدوها وتحريفه في نفس الوقت، فإذا رأت أن تعريفاً ما لا يخدم مصالحها الإستراتيجية أو الآنية، لذلك تلجأ إلى وضع مصطلحات تحررها من المسؤولية وتوحي بمسؤولية القتيل عما حدث له لا مسؤولية القاتل عن فعلته؛ كما جرى تماما مع   ضحايا العسكر في مذابح رابعة والنهضة حيث تم اتهام الضحايا وتتم محاكمتهم سياسيا على جرائم وقعت بحقهم بينما  نجا القتلة والمجرمون وعلى الأرجح تم تكريمهم بترقيات استثنائية ومناصب أرفع.

كما ابتكرت أمريكا مصطلح «المحارب غير الشرعي» لتبرير السجن أو التعذيب، وهو المحارب الذي لا يرتدي البزة العسكرية، ولا تنطبق عليه بذلك قوانين حقوق الأسرى، كما أن مصطلح «الإرهاب» جاء كمراوغة مشابهة، فبما أن الحرب على الإرهاب ليست حرباً ضد دولة؛ فإن اتفاقات جنيف لا تطبق على أسراه ومحاربيه. يقول «كونيسا»: عند اندلاع الحرب وارتداء الجندي البزة العسكرية، فإنه يصبح – جزئياً – غير مسؤول عن الأشخاص الذين يتسبب في قتلهم ضمن حدود قانون الحرب، وكما أنه يكون محمياً بقواعد حماية الجنود وأسرى الحرب التي تغطيهم. إن قانون الحرب يمثل إلى الآن العدالة التي يطبقها القوي على الضعيف، حيث يبقى جنود الطرف الأقوى محصنين، فالعملية «الإسرائيلية» «الرصاص المصبوب» على غزة أسفرت عن 1400 قتيل فلسطيني، وفي المقابل قُتل 14 جندياً «إسرائيلياً»؛ وهو ما دفع «إسرائيل» لتعديل اتفاقات جنيف التي تفرق بين المدنيين والمحاربين، ما قد يسمح بقتل المدنيين بصورة أكثر شرعية.

وحول أنواع العدو  يصنف الكتاب  الأعداء إلى “8” أنواع،  تتعلق بالصراعات على الحدود أو التنافس الدولي أو الحرب الأهلية والعدو الهمجي حيث يبرر المحتلون عدوانهم بهمجية الشعوب المقهورة المحتلة كما في فلسطين، وهناك أيضا العدو المحجوب وهي هاجس ناجم عن نظرية المؤامرة الكونية  والزعم بوجود قوة خفية تهدد الدولة وتبرر الانقلابات العسكرية. وهناك أيضا حرب الخير ضد الشر كما فعل بوش في حربه ضد العراق وأفغانستان وكما يفعل السيسي حاليا باستخدام مصطلح “أهل الشر”. وهناك العدو التصوري ويتعلق بالحرب ضد المفاهيم مثل الحرب ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب الكوني. وأخيرا العدو الإعلامي الذي يبرر الأعمال العسكرية دون وجود عدو من الأساس ودائما ما يتحدث السيسي عن حروب الجيلين الرابع والخامس وما تسمى بحروب الشائعات.

 

السيسي: «الشعب هو العدو»

يقدم الطاغية عبد الفتاح السيسي نظريته الخاصة بالعدو، فهو يرى أن الخطر على الدول العربية لم يعد خطرا خارجيا، بل هو خطر داخلي. يقول السيسي في أحد خطاباته: “الجديد في الصراع بين الدول ليس مبنيا على صدام مباشر بين الدولة ودولة أخرى، الجديد في الموضوع النهارده أنه يتم تفكيك الدول من الداخل، وهو أصعب إجراء؛ لأن من يقوم به هم شعوب تلك الدول”. «الشعوب» إذا هو العدو الجديد الذي يراه السيسي يستحق المواجهة. وفي خطاب آخر يقول: “الخطر الحقيقي الذي يمر ببلادنا وبالمنطقة التي نوجد فيها هو خطر واحد، وهو تدمير الدول من الداخل، عبر الضغط، والشائعات، والأعمال الإرهابية، وفقد الأمل، والإحساس بالإحباط، كل هذه الأمور تعمل بمنظومة رهيبة للغاية، الهدف منها هو تحريك الناس لتدمير بلدها، لا بد أن ننتبه تماما لما يحاك لنا”.

السيسي يريد أن يقول لنا عليكم أن تكونوا مطمئنين تماما من ناحية الخارج «إسرائيل والغرب»، وعليكم أن تنتبهوا إلى أعداء الداخل الذين حصرهم بقوله: الشائعات، والأعمال الإرهابية، وفقد الأمل، والإحساس بالإحباط، وهي أدوات من وجهة نظره تهدف لـ”تحريك الناس لتدمير بلدها”. بمعنى آخر فإن العدو هو تحرك الناس، وليس شيئا آخر!! وهنا لا يهم لماذا تحرك الناس، بل الأهم أن لا يتحركوا أبدا. تصورات السيسي لا تناقش أسباب انتشار الشائعات في الدول العربية فقط، ولم يناقش لماذا تفقد الشعوب العربية الأمل وتشعر بالإحباط، فهذا كله لا يهم. الأخطر في تصورات السيسي أنها تماهي بين النظام والدولة، فالنظام هو الدولة، وإن أي ثورة أو تحركات أو احتجاجات ضد النظام يعني أن الدولة ستفكك وتنهار! بالضبط هذا ما طبقه نظام بشار الأسد حين رفع شعار “إما الأسد أو نحرق البلد”!

«في نظرية العدو عند السيسي لا مكان لإسرائيل، فالنظرية تركز على الداخل، أي الشعوب، أما الخارج فهو صديق للغاية» هذا يعني أن كل مقومات الدولة العسكرية والأمنية توجه للحرب على الشعوب وليس أعدائها كالاحتلال الإسرائيلي أو حتى إثيوبيا التي تهدد الأمن القومي المصري بسد النهضة.

 

الحرب على «الإرهاب»

اعتمد الطاغية عبدالفتاح السيسي على نظرية «صناعة العدو» للتمهيد لانقلابه المدعوم إقليميا وأمريكيا، حيث تمت شيطنة جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة الذي فاز بثقة الشعب في كل الاستحقاقات النزيهة بعد ثورة 25 يناير.  ولإدراكه أن الجماعة  وصلت إلى السلطة عبر الطرق الديمقراطية وصناديق  الانتخابات  اعتمد السيسي على  توظيف مصطلح “الإرهاب” وربطه بالجماعة من أجل تبرير جريمة الانقلاب من جهة وما تلاه من مذابح دموية وحشية؛ ولذلك دعا في 26 يوليو 2013م إلى منحه تفويضا بالحرب ضد ما يسمى بالإرهاب المحتمل؛ وبعد 7 سنوات من انقلابه تحول الإرهاب المحتمل إلى وحش تعجز المؤسسة العسكرية المصرية بما لديها من ترسانة ضخمة وقدرات هائلة وكذلك الأجهزة الأمنية والمخابراتية عن دحر عدة مئات من المسلحين بحسب تقديرات النظام نفسه؛ وقتل حتى اليوم حوالي 8 آلاف ولا تزال الحرب قائمة لأن بقاءها واستمرارها يحقق للنظام عدة فوائد كبيرة.

وتذهب تفسيرات رصينة إلى أن المبالغة والتضخيم في مصطلح “الإرهاب” وإضفاء القداسة  على الحرب التي تشن عليه باعتباره العدو هو في حد ذاته، حاجة ضرورية  لنظام 30 يونيو؛ لأسباب عديدة، أهمها، أن النظام يسوق نفسه أمام الأمريكان والغرب باعتباره رأس حربة ضد “الإرهاب” الذي يخشاه الغرب كثيرا.

ثانيا، تكتسب هذه النظم بوجوده أو صناعته وتضخيمه شرعية مفقودة.

ثالثا، تخلط به هذه النظم الأوراق بين التنظيمات المسلحة “داعش والقاعدة” والحركات الإسلامية المعتدلة المؤمنة بالحريات والانتخابات والتداول السلمي للسلطة مثل جماعة الإخوان المسلمين وحماس والجماعة الإسلامية وغيرها، كما توظف هذه النظم وجود مثل هذه التنظيمات الدموية (داعش/ ولاية سيناء) لإسكات معارضيها بحجة قدسية الحرب على الإرهاب وممارسة انتهاكات صارخة ومصادرة الحريات وتكريس الاستبداد بهذه الحجة الملفقة والشماعة الجاهزة.

كما يحقق نظام 30 يونيو من استمرار الحرب على الإرهاب خلال المرحلة الراهنة ترميما لشعبية الجنرال السيسي التي تآكلت بفعل السياسات الخاطئة والفشل المتواصل في كل الملفات السياسة والاقتصادية، كما تمنح الجنرال ذريعة تمكنه من فرض هيمنته على المشهد السياسي والإعلامي وإسكات أصوات منتقديه ومعارضيه بحجة التفرغ للحرب على الإرهاب. ويمثل استمرار العمليات كذلك غطاءً ممتازا لفشل العملية السياسية وسحق كل من يفكر في منافسة الجنرال كما جرى مع الفريق شفيق وسامي عنان وغيرهم قبل مسرحية الرئاسة 2018م. معنى هذا أن الحرب ستظل مفتوحة لتؤدي دورها السياسي المطلوب وهو القضاء على الحياة السياسية”، فالقضاء على الإرهاب يعني بث الروح في الحياة السياسية وهي خطر داهم على النظام الفاشي، وعندما يستمر ويعلو صوت المعركة ضد الإرهاب تستطيع إسكات كل الأصوات والزج بأصحابها خلف القضبان”.

ويذهب آخرون إلى اتهام سلطات نظام 30 يونيو العسكر الانقلابي بافتعال معركة التطرف الديني والإرهاب باسم الدين، مؤكدين أن «وراء هذه الحرب المفتعلة «مافيا» تسترزق من ورائها ولا تريد لها أن تتوقف أبدا بل سيقاومون حتى النهاية من أجل سبوبة الاسترزاق». هذه المافيا التي تقف وراء استمرار الحرب على ما يسمى بالإرهاب وتطالب بتمديدها رغم أنها مستمرة منذ سنوات دون قدرة على الحسم، تتشكل من جنرالات كبار في الجيش والشرطة وتضم قضاة وإعلاميين ورجال أعمال ومراكز بحث وأصحاب أجندات تستهدف استمرار حالة النزيف الذي يفضي في النهاية إلى إضعاف مصر ودخولها في دوامة لا تتوقف، وربما يستهدف البعض جزأرة المشهد المصري أو تدحرجه إلى السيناريو السوري أو الليبي تحت مزاعم أزمة الخطاب الديني.

 

الحملة على تركيا

ضمن “نظرية صناعة العدو” يمكن فهم أبعاد الحملة الحالية التي يشنها نظام السيسي ضد تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان؛ في أعقاب توقيع مذكرتي تفاهم بين الحكومتين التركية والوفاق الليبية، الأولى تتعلق بترسيم الحدود البحرية لضمان حقوق كل منهما في ثروات الغاز والنفط شرق البحر المتوسط الذي وضع الكيان الصهيوني يده عليه من أجل اغتصابه والسطو عليه، والثانية تتعلق بالتعاون العسكري لدعم الحكومة  المعترف بها شرعيا ضد عدوان اللواء خليفة حفتر المدعوم من الإمارات ومصر والسعودية وفرنسا.

وبمجرد موافقة البرلمان التركي الخميس 2 يناير 2020، على مذكرة حكومية تفضي بقبول إرسال قوات تركية إلى طرابلس لحماية حكومة الوفاق ضد عدوان حفتر؛ دارت ماكينة الإعلام التابعة لنظام العسكر لنسج الأكاذيب والأساطير وشيطنة تركيا والرئيس التركي باعتبارهم غزاة ويهددون الأمن القومي المصري ويستهدفون السطو على ثروات الشعب الليبي الشقيق، رغم أن الاتفاقية التركية الليبية لم تمس مطلقا حقوق مصر المائية بحسب تصريحات مسئولين بحكومة الانقلاب؛ بل إنها تعيد لمصر قدرا من حقوقها المائية التي سطا عليها الصهاينة واليونانيون والقبارصة باعتراف وثائق للخارجية المصرية جرى تسريبها تكشف أبعاد تواطؤ السيسي وتنازله عن ثروات مصر لحلفائه في تل أبيب وأثينا نكاية في أنقرة.

يستهدف السيسي من وراء  ذلك، أولا، التغطية على فشله وتراجع دور مصر الإقليمي من خلال الفشل في (3) ملفات شديدة الأهمية للأمن القومي المصري، الملف الأول هو  فشل مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن سد النهضة والذي ترعاه  الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي؛ حيث أعلنت خارجية السيسي عن فشل الاجتماعات الأربعة التي جرت تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية منذ نوفمبر 2019م وحتى الاجتماع الذي بدأ الاثنين 13 يناير 2020،  يمضي باتجاه الفشل وعدم التوصل إلى حلول تحفظ حقوق مصر المائية التي أهدرها السيسي بتوقيعه اتفاق المبادئ في 21 مارس 2015م والذي شرعن بناء السد رغم أنه يخالف القانون الدولي. فبدلا من التركيز على العدو الأهم “أثيوبيا” التي تهدد الأمن القومي المصري حقيقة لا ادعاء؛ راح نظام السيسي يهمش موضوع سد النهضة ويبالغ في تعظيم الموقف من ليبيا رغم أنه لا يمثل أي تهديد للأمن القومي المصري. الملف الثاني تراجع دور مصر في ليبيا على الحدود الغربية لمصر؛ حيث بات للنفوذ التركي بها تأثيرا يفوق الدور المصري؛ ويكفي للتدليل على ذلك، أن تركيا وروسيا قامتا برعاية اتفاق وقف إطلاق النار بين مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقوات حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج.  كما تمثل البروباجندا والصباح الهالي والهتسيري ضد تركيا  تشويشا وتغطية على الفشل الذي منيت به مصر  بعد الاتفاق الإسرائيلي اليوناني القبرصي لإطلاق خط غاز “إيست ميد” لتصدير الغاز المصري والعربي المنهوب من إسرائيل إلى أوروبا؛ وهو ما يعصف بأكاذيب النظام حول تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة.

الهدف الثاني، لنظام السيسي من شيطنة تركيا وتصعيد الحملة ضدها في هذا التوقيت،  هو التشويش على الذكرى التاسعة لثورة 25يناير، في ظل تصاعد الغضب الشعبي وتململ قطاعات داخل مؤسسات الدولة من المسار الذي يجر السيسي البلاد إليه وتلاشي الأمل في المستقبل وسط تفشي حالات اليأس والإحباط؛ يريد السيسي تمرير ذكرى الثورة وسط أجواء مشحونة واستقطاب حاد يتعلق بالموقف من تركيا؛ ليكون ذلك مبررا لشن غارات أمنية واسعة واعتقال المعارضين للنظام لإجهاض أي تحركات تستهدف التظاهر رفضا للنظام ورفضا لجرائمه.

الهدف الثالث لنظام السيسي من الحملة على تركيا، هو تعزيز علاقته بالغرب الذي يرى في تعاظم الدور التركي خصما من الدور الأوروبي، ولا يخفي زعماء أوروبيون انزعاجهم من تزايد النفوذ التركي إقليميا وفيما يتعلق بثروات الغاز الهائلة في شرق البحر المتوسط.  الهدف ــ إذًا ــ من تصعيد الحملة على تركيا في هذا التوقيت واعتبارها “عدوا” يستهدف النظام من ورائه  تدشين خطاب هروبي من أزمات الواقع لتوظيف نزعة وطنية زائفة تقوم على الشعارات الرنانة والخطب الحماسية والصوت العالي دون أن يدعم ذلك  بحقائق على الأرض، فموازين القوى تعصف بكل هذه الأكاذيب وتعكس حجم الأزمة التي تعاني منها مصر في ظل حكم أقل بكثير من حجم مصر ودورها ومكانتها التي تآكلت.

 

خلاصة الأمر، أن اعتماد نظام 30 يونيو على الكراهية  كعامل مؤسس للنظام أفضى إلى تمزيق النسيج المجتمعي المصري؛ وخلق جراحا عميقة يصعب علاجها بسهولة، ولا يزال النظام حتى اليوم ، يشن حربه الشعواء بحق المخالفين اعتمادا على شيطنتهم واعتبارهم عدوا يستحقون الإبادة. ضاقت الصدور بحيث أصبح الآخر مرفوضا، وصار الشعار المرفوع هو «إما نحن أو هم»، الأمر الذي روج لثقافة إبادة الآخر أو إخضاعه في أحسن الفروض. وغدا ذلك ميسورا في الأجواء الراهنة التي تكفل فيها مصطلح الإرهاب بحل المشكلة. إذ جرى التوسع التدريجي في تعريفه بحيث أصبح الإرهابي هو «كل من خالفنا»، الأمر الذي يفتح الطريق أمام تقدم كتائب الإبادة السياسية والثقافية، والتصفية الجسدية في حالات أخرى. وتلك مهمة تكفلت بها وسائل الإعلام التي لم تقصر في القيام باللازم من خلال الشيطنة التي تجيدها.

ورغم أهمية المصالحة  كإحدى وسائل تفكيك حالة العداء، وصعوبتها في ذات الوقت إلا أنها تظل دائماً أكثر فاعلية، تتمثل صعوبة المصالحة في سيطرة حرب الذكريات التي من الصعب تجاوزها، خصوصاً أن كلا الطرفين يحتفظ برواية مغايرة للأحداث. ومن المفترض أن يتم تفكيك حالة العداء عن طريق الاعتراف بالمسئولية من جانب المتورطين في المذابح والجرائم والانتهاكات والتكفير عن الذنب، وهناك أيضا النسيان والصفح والعدالة، إلا أن التجارب السابقة أثبت عدم جدوى النسيان والصفح، إذ لا تُنسى أعمال العنف من جهة، ولا يتم اتخاذ أي إجراء قضائي بحقّ مرتكبيها من جهة أخرى. وبالنسبة إلى العدالة، فهناك نوعان من العدالة في مرحلة الخروج من الحروب الأهلية: الأولى هي العدالة  الترميمية، وهي اقتصاصية تهدف لإقامة العدل. والثانية هي العدالة التعويضية، وهي غير اقتصاصية،  تقتصر مهمتها على الانتقال من الحرب إلى السلم، ولا تستهدف تحقيق العدالة.

وأمام الوضع الراهن، فإن مصر لن تشهد مصالحة جادة في ظل وجود الطاغية السيسي على رأس السلطة في البلاد وفق تصوراته المشوهة عن مفهوم العداء ونزعته الدكتاتورية نحو الإقصاء والتلذذ بإبادة الآخر. وحتى إذا تمت الإطاحة به؛ فإن أمام أي نظام آخر مهام جسيمة لعلاج الجراح الاجتماعية والنفسية العميقة التي تسببت بها الحرب التي شنها الطاغية السيسي على الإسلاميين وأنصار ثورة يناير والمسار الديمقراطي كله.

الثلاثاء 14 يناير2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بعد مفاجأة «جمعة الغضب» .. هل يتجه الحراك  في مصر نحو «عصيان مدني»؟

بعد مفاجأة «جمعة الغضب» .. هل يتجه الحراك  في مصر نحو «عصيان مدني»؟   باغتت جمعة الغض…