‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر اتفاق سد النهضة بواشنطن.. المؤامرة مستمرة والخيانة أيضا
مصر - يناير 19, 2020

اتفاق سد النهضة بواشنطن.. المؤامرة مستمرة والخيانة أيضا

بقلم: حازم عبد الرحمن

مرت خمس سنوات على توقيع قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي على اتفاق إعلان مبادئ في 23 مارس 2015، تنازل فيه عن حقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل لصالح إثيوبيا صاحبة السوابق في بناء السدود التي تقطع المياه عن جيرانها, كما حدث في جفاف نهر شبيلي بالصومال الذي ينبع من مرتفعات الحبشة, ويجري تكراره مع مصر, وبعد مماطلات ومباحثات على مدى السنوات الخمس, أصدرت خارجية الانقلاب بيانا أقرب إلى الشكوى من التعنت الإثيوبي الذي وضع خطته على أساس كسب الوقت, بينما يجري العمل لبناء السد والانتهاء منه قبل نهاية المفاوضات, وهو ما حدث؛ فبعد خمس سنوات, أرجع البيان ( أو الشكوى) سبب تعنت إثيوبيا وتبنيها مواقف مغالى فيها إلى نيتها فرض الأمر الواقع وبسط سيطرتها على النيل الأزرق وملء وتشغيل سد النهضة دون أدنى مراعاة للمصالح المائية لدول المصب وبالأخص مصر, أي أن حكومة الانقلاب لم تفهم سبب مماطلة إثيوبيا وتعنتها إلا بعد مرور خمس سنوات.. وهو أمر غير قابل للتفسير إلا تحت عنوان ( الخيانة) .                                                                                وفي واشنطن ( أمريكا شريك في بناء سد النهضة), جلس وزراء من السودان وإثيوبيا وحكومة الانقلاب في مقاعد التلاميذ أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتلقي التعليمات التي جاءت على نفس منوال المماطلات الإثيوبية السابقة, وتجاهلت المخاطر المحدقة بمصر, وجرى رسم ملامح اتفاق نهائي هلامي لا يحقق أي قدر من الاطمئنان للشعب المصري, وتتلخص في “أنه سيتم ملء سد النهضة على مراحل، وبطريقة تكيفية وتعاونية تأخذ في الاعتبار الظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق والتأثير المُحتمل للتعبئة على الخزانات الموجودة في اتجاه مجرى النهر, وتعبئة خزان السد في خلال موسم الأمطار، بشكل عام من يوليو إلى أغسطس, وأن توفر مرحلة الملء الأولي لسد النهضة الإنجاز السريع لمستوى 595 مترًا فوق مستوى سطح البحر  والتوليد المبكر للكهرباء، مع توفير تدابير تخفيف مناسبة لمصر والسودان في حالة الجفاف الشديد خلال هذه المرحلة, وتنفيذ المراحل اللاحقة من ملء خزان سد النهضة، وفقًا لآلية يتم الاتفاق عليها، التي تحدد الإطلاقات بناءً على الظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق وحالة السد، الذي يتناول أهداف الملء في إثيوبيا ويوفر توليد الكهرباء وتدابير التخفيف المناسبة لمصر والسودان خلال سنوات الجفاف الطويلة، أو فترات الجفاف المُمتدة, وخلال التشغيل على المدى الطويل، يعمل سد النهضة وفقًا لآلية تحدد الإطلاق وفقًا للظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق وتوفير توليد الكهرباء وتدابير التخفيف المناسبة لمصر والسودان خلال فترات طويلة من سنوات الجفاف، وأوقات الجفاف الطويل, وإنشاء آلية تنسيق فعالة وأحكام لتسوية النزاعات”.                                                             ومن المقرر أن يجتمع وزراء الدول الثلاث في واشنطن مرة أخرى يومي 28 و29 يناير الثاني، لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق.

وهذا أقصى ما يمكن لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي وحكومته أن يفعلوه بعد الخيانة؛ فليس هناك جديد لضمان حقوق مصر التاريخية في مياه النيل والدفاع عنها, وستبتلعها إثيوبيا وتخطط لبيعها إلى مصر أو مقايضتها بوساطة صهيونية فيما بعد؛ وذلك لأن إثيوبيا انتابتها حالة من السعار في بناء السدود دون اعتبار لمخاطر الجفاف والمجاعات والكوارث التي تترتب عليها في الدول المجاورة, كما حدث في نهر شبيلي بالصومال.

*التلبس بالخيانة

إن تهمة الخيانة العظمى ثابتة في حق السيسي وقيادات الانقلاب وحكوماته بالتقاعس عن حماية البلاد من خطر وجودي غير مسبوق, يهدد أمنها وسلامتها, ولا مفر من التذكير بأن استراتيجية مصر إزاء بناء السدود على نهر النيل كانت ثابتة, وهي إعلان الحرب فورا, وقصف أي مبان تحجز مياه النيل, وفي تصريح تاريخي هدد  وزير الدفاع المصري المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة بتدمير أي سدود على نهر النيل, مؤكدا أن مصر ستستخدم القوة الشاملة ضد ما يهدد حصتها من مياه نهر النيل (  https://www.youtube.com/watch?v=NAVckLEV82I ), ولم يكن تهديد أبو غزالة جديدا على السياسة المصرية تجاه أطماع إثيوبيا في الاستئثار بمياه النيل دون غيرها؛ فعندما اعتزمت إنشاء سد كبير على النيل  لتوليد الكهرباء، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر بعث بخطاب إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي، قال فيه: «نطالبكم بوقف أعمال بناء السد، لأننا نعتبره تهديدًا لحياتنا؛ مما يستدعي تحركًا مصريًا غير مسبوق»، فامتثلت إثيوبيا بعد نصيحة الرئيس الأمريكي أيزنهاور، وقللت ارتفاعه من 112 مترًا إلى 11 مترًا فقط,.                                                         وعندما عادت إلى هذه المحاولات في عهد الرئيس السادات بعثت القاهرة رسالة رسمية عبر وزير خارجيتها: «إذا قامت إثيوبيا بعمل أي شيء يعوق وصول حقنا في الماء كاملًا، فلا سبيل إلا استخدام القوة», وقد تكرر التهديد بإعلان الحرب على إثيوبيا في عهد المخلوع حسني مبارك عندما تأزمت العلاقات وشرعت إثيوبيا في استئناف خططها في الهيمنة على مياه النيل، وإقامة السدود لتوليد الكهرباء,  وهو ما قوبل بتهديد مصر بإعلان الحرب، عبر تسريبٍ صوتي منسوب لمبارك, قال فيه إنه مستعد لضرب السد بطائرة «توبوليف» – قاذفة قنابل سوفيتية تسبق سرعة الصوت – في حال أقدمت على تنفيذ تهديدها. وحسب وثيقة سربها موقع «ويكيليكس» عام 2013 جاء فيها أن مبارك طلب في أواخر حكمه من الخرطوم إنشاء قاعدة عسكرية تستخدمها القوات الخاصة المصرية إذا أصرت إثيوبيا على بناء سد.                                                       وفي عهد الرئيس الراحل محمد مرسي قال على الهواء مهددا: “إذا نقصت قطرة واحدة من ماء النيل فإن دماءنا هي البديل”.                                                                       لذلك فإن سياسة مصر الثابتة لحماية حصتها من مياه نهر النيل كانت الخيار العسكري, الذي كان ناجحا في كل مرة يتم التلويح به فيها, لكن الحكم العسكري الذي جاء بعد انقلاب 3 يوليو 2013 بقيادة عبد الفتاح السيسي كان أول خروج على سياسة مصر الثابتة لحماية حقوقها في مياه النيل, وهي تستند في ذلك إلى حقوق تاريخية بموجب اتفاقيتي 1929 و1959 اللتين تمنحانها 87% من مياه النيل وهو ما يقدر بـ 55 مليار متر مكعب سنويا, وبموجب هاتين الاتفاقيتين أيضا تمتلك مصر حقّ الموافقة على مشاريع الري في دول المنبع, لكن إثيوبيا تجرأت اليوم لتعلن إنها ترفض الاعتراف المباشر أو غير المباشر بأي معاهدة سابقة لتحديد حصص المياه, ولم يكن ذلك ليحدث إلا بتخطيط ورعاية صهيونية للضغط على مصر وإضعافها, وتواطؤ من قائد الانقلاب الذي وقع على وثيقة تنازل مصر عن حقها في مياه النيل, ومنع بناء أي سدود تؤثر على حصتها فيها .

*جريمة استبعاد الخيار العسكري

عندما بدأت إثيوبيا في بناء السد, كان يجب توجيه ضربة عسكرية سريعة تجبر أديس أبابا على التوقف عن عملية البناء, ثم يجري التفاوض بعد ذلك, لكن عبد الفتاح السيسي كان مضطرا بعد الانقلاب العسكري للبحث عن شرعية لدى “الاتحاد الإفريقي” الذي علق عضوية مصر بعد الانقلاب؛ فذهب يقدم التنازلات عن حقوق مصر التاريخية في مياه النيل, وظهر وهو يوقع وثيقة خيانته للشعب المصري الذي بات مهددا بكارثة خطيرة من العطش والجوع, بدأت مظاهرها تتجلى في انخفاض مستوى نهر النيل وظهور الجزر والقيعان في كثير من أجزائه, وجفاف قنوات مياه الري, مع شكاوى المزارعين من قلة المياه وعدم كفايتها لري المحاصيل الأساسية, ومن هنا وجب أن يكون الخيار العسكري حاضرا لردع إثيوبيا عن أي عمل يمس حقوق مصر في مياه النيل, لكن ما حدث هو استبعاد الخيار العسكري في أزمة سد النهضة الذي يهدد الحياة في مصر, بحجة داحضة بزعم أنه سيجعلها عرضة للغرق إذا ما أقدمت على ضرب السد الإثيوبي, مع تجاهل أن التخويف من طوفان المياه يكون بعد اكتمال بناء السد وتخزين المياه وهو ما لم يتم حتى الآن (!) , كما تغافلوا عن كون الخيار العسكري يمكن أن يكون أحد الحلول,  إذا ما تم التفكير فيه جيدا من كل الزوايا بحيث تقل أو تنعدم الأخطار المحتملة من العمليات الموجهة نحو السد؛ بل إن من يحذرون من ضرب سد النهضة عسكريا بسبب ما ينتج عنه من مخاطر يتجاهلون احتمال انهيار هذا السد ذاتيا كما يقول خبراء آخرون, وهم يؤكدون أن هذا سيحدث, وأن طبقات الطمي ونوع التربة من العوامل التي تجعل العمر الافتراضي لأي سد في إثيوبيا يتراوح ما بين 5 سنوات و 20 عاما على الأكثر، بسبب النحت في الأراضي, بل إن الإعلام سار في طريق التخويف (قبل الأوان) من تدمير السد عسكريا, لما يترتب عليه من إغراق السودان ومصر, مع أن السد لم يكن بناؤه قد اكتمل, ولم يكن هناك أي خطورة من تدميره بضربة عسكرية.

*نموذج في التفكير

إحدى الدراسات حول “أخطار انهيار السد العالي” اقترحت عدة فتحات علوية كمفايض علي جانبي بحيرة ناصر, وذلك بخفض ارتفاعات بعض المناطق بحافتي البحيرة من الشرق والغرب  وفق مقاييس هندسية  تسمح باستقبال  أي زيادة في الماء عن المنسوب الذي يهدد سلامة السد ، ودون أن تسحب من المخزون المائي بالبحيرة  علي أن يكون تصريف هذه المياه في المنخفضات غير المأهولة بالسكان والخالية من الأنشطة الاقتصادية, وتقترح كذلك عمل عدة مفايض بعد السد العالي تسمح بتصريف الماء في الصحراء بحيث تكون الفتحات الجانبية قادرة علي استيعاب 91 مليار متر مكعب من الماء   حتى ينتهي تأثير اندفاع الماء إلي الشمال وذلك في مسافة لا تتجاوز 100 كيلوا متر علي أقصي تقدير ، وذلك وفق  نظام يسمح بإعادة استخدام المياه من جديد ، مع وضع خطط وخطوط سير آمنة لإنقاذ المدنيين في هذه المنطقة  .

واقترحت الدراسة أيضا تقسيم تخزين الماء بين  السد العالي ومناطق آخري، وذلك بأن توزع كميات المياه علي خمس خزانات  أو بحيرة صناعية جديدة  منخفضة  عن سطح البحر ، أو في أماكن لا يؤثر  فيها القصف علي المدنيين،  وتعد  توشكي أحدى هذه المناطق المقترحة ،   واستحداث بحيرة ثانية  لتغذية وسط الصعيد بالماء ، وبحيرة  ثالثة بالفيوم ، ورابعة بالصحراء الغربية قبل مدينة 6 أكتوبر لتغذية مخططات التنمية بمحيطها ، وخامسة بمنطقة الإسماعيلية لتغذية  مدن القناة وسيناء ، وتطوير القناطر بمنطقة الدلتا ، وإنشاء قناطر كخزانات  علي فرعي رشيد ودمياط .

وهذا مجرد نموذج من أساليب التفكير في مواجهة الأزمة؛ فماذا سيكون عند الخبراء العسكريين والاستراتيجيين, لا بد أنه أكثر بكثير, وهناك خيارات مثل احتلال السد عسكريا  وتخريبه وتعطيله دون التدمير الكامل له, بحيث لا يعمل, وتضيع على إثيوبيا المليارات الخمسة من الدولارات التي استخدمتها في تمويله, وتسقط أحلامها غير المشروعة, ومعها المؤامرة الصهيونية ضد مصر, وهناك فرص كثيرة  لتفكيك إثيوبيا وتفتيتها إلي دويلات صغيرة انطلاقًا من المتناقضات  والصراعات العرقية والإيديولوجية بدعم الحركات الانفصالية،  وهذا من أسهل الخيارات المتاحة ولكن المشكلة في الإرادة السياسية التي يحتكرها عسكري جاهل ثبتت عليه اتهامات بالعمالة والخيانة.

ويبقى ضروريا الوعي بخطط إثيوبيا المستقبلية إذا نجحت في سد النهضة؛ فهي ستوالي بناء السدود على النهر لحجز المزيد من المياه, خاصة مع تنامي طموحها العسكري؛ فقد نشرت مجلة “لوبوان” الفرنسية طلب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المساعدة في تقوية سلاح الطيران الإثيوبي, ويتضمن الطلب 12 طائرة حربية من بينها رافال وميراج, و18 هليكوبتر مقاتلة وطائرتا نقل جنود, و10 طائرات مسيرة, ونظام تعتيم الرادار, وتزويده بصواريخ بعيدة المدى ( 30 صاروخا من طراز M51 بمدى 6 آلاف كيلومتر وقادرة على حمل رءوس نووية), كما تستعد القوات البحرية الإثيوبية للبدء في إنشاء وتنفيذ قاعدة عسكرية تعتبر الأولى لها على سواحل جيبوتي, خلال الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي يحمل الكثير من الدلالات والرسائل الداخلية والخارجية في الوقت نفسه؛ بما يجعل تعجيز إثيوبيا عسكريا وتفكيكها إلى عدة دول هدفا لتحقيق الأمن القومي المصري, ولن يفعل السيسي شيئا من ذلك, ويبقى الأمل الوحيد في ثورة كاسحة تعيد للبلاد كرامتها وحقوقها.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الخرائط المجهولة لمراكز القوى داخل النظام قراءة في خلفيات الجدل حول مشروع قانون المحليات

التاريخ: 8 فبراير 2020 في ديسمبر 2019، وبعد جدل بين رئيس البرلمان المصري وأحزاب محسوبة على…