‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر مصر بين الدعم العيني والنقدي.. قراءة في المزايا والمخاوف
مصر - يناير 23, 2020

مصر بين الدعم العيني والنقدي.. قراءة في المزايا والمخاوف

تتجه حكومة الطاغية عبدالفتاح السيسي خلال الشهور المقبلة نحو تحويل منظومة الدعم من العيني (السلع)  إلى النقدي المشروط (المال) وسط تخوفات شعبية مشروعة وترقب واسع من المواطنين والخبراء والمختصين؛ ذلك أن تجارب المصريين مع نظام الانقلاب منذ منتصف 2013م حتى اليوم  تجعل المواطنين مترقبين خشية أن تفضي الخطوة المقبلة إلى تفريغ معنى الدعم من مضمونة في ظل تزايد معدلات الفقر إلى “32.5%” بحسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء “حكومي” بينما  ترتفع النسبة كثيرا وفق تقديرات البنك الدولي لتصل إلى حوالي “60%”  ما يعني أن هناك 60 مليون مصري إما فقراء أو تحت مستوى الفقر “الفقر المدقع”.

الخطوة تأتي ترجمة لمطالب صندوق النقد والبنك الدوليين، وتمثل بندا من بنود اتفاق قرض الـ12 مليار دولار لحكومة السيسي في نوفمبر 2016م التي أفضت إلى تعويم الجنيه ورفع أسعار الوقود وجميع السلع إلى مستويات مفزعة وغير مسبوقة. وكان البنك الدولي قد منح حكومة السيسي مليوني دولار أواخر 2013م في أعقاب الانقلاب بشهور من أجل عمل دراسة  حول تحويل منظومة الدعم من العيني إلى النقدي.

ثمة شبه إجماع بين الخبراء والمختصين أن الدعم النقدي المشروط  أفضل حالا من الدعم العيني؛ لاعتبارات  تتعلق بحجم الفساد الواسع الذي يرتع في جميع مؤسسات الحكم في مصر وعلى رأسها وزارة التموين التي تحصل على  نسبة كبيرة من مخصصات الدعم السنوي في الموازنة العامة للدولة، وسط تخوفات مشروعة من أن تفضي الخطوة إلى إلغاء تدريجي للدعم في ظل توجهات حكومة السيسي لنفض يديها من الالتزامات الدستورية الاجتماعية لرعاية الفقراء والمهمشين، وكذلك تآكل قيمة العملة المحلية “الجنيه” أمام الدولار وباقي العملات الأجنبية مع الوضع في الاعتبار أن مصر تستورد 60% من احتياجاتها الغذائية ما يعني أن هبوط العملة كما حدث في أعقاب تعويم الجنيه نوفمبر 2016م سوف يفضي آليا إلى تفريغ الدعم من مضمونة لتبقي الجنيهات المخصصة للفقراء غير كافية لتحقيق أدني مستويات الستر والحاجات الأساسية من الطعام.

وكان مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء بحكومة الانقلاب، قد التقى وزيري التموين والمالية وعددا من مسئولي الجهات المعنية (الخميس 9 يناير2020)  للتباحث حول مساعي الحكومة المضي قدما في خططها للتحول إلى الدعم النقدي، وقال وزير التموين إن هناك مقترح لتطبيقها تجريبيا بإحدى المحافظات. وأجرت وزارة التموين في يونيو2019م محادثات مع وزارة المالية وأصحاب المخابز ولجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب وعدد من الجهات الأخرى، بشأن خطتها المستهدفة لتحويل دعم الخبز من عيني إلى نقدي. وأحالت وزارة التضامن الاجتماعي خلال يوليو الماضي مشروع قانون الدعم النقدي الموحد إلى مجلس النواب. ويدمج مشروع القانون الجديد جميع برامج الدعم الحالية في برنامج “تكافل وكرامة”، كما ينص على تفعيل بند المشروطية للحصول على الدعم. ويلزم مشروع القانون الحكومة بمراجعة المستفيدين من الدعم كل 3 سنوات، واستبعاد الأسر غير المستحقة بعد انتهاء تلك الفترة. ويأتي تفعيل مشروع القانون على رأس قائمة أعمال وزيرة التضامن الاجتماعي نيفين القباج. وفي أواخر ديسمبر 2019، أعلنت وزيرة التضامن الاجتماعي نيفين  القباج، في مؤتمر صحفي الانتهاء من مشروع القانون الجديد الخاص بتوحيد جميع برامج الدعم. ومنذ بدء العام الجديد 2020، نشرت جميع صحف ومواقع النظام وفضائياته  تقارير عن مزايا الدعم النقدي، وذلك لتهيئة المجتمع للقبول بهذه التحولات الجوهرية في منظومة الدعم.

وفي منظومة الدعم العيني المطبقة حاليا يحصل كل مواطن على سلع تموينية بخمسين جنيها، زائد خبز مدعم عبارة عن خمسة أرغفة لكل فرد يوميا، بما يساوى تسعين جنيها أى أن كل مواطن مستحق الدعم، يحصل على سلع تموينية وخبز بحوالى ١٤٠ جنيها.  وتغري الحكومة المواطنين بقبول التحول إلى الدعم النقدي عبر  ترويج شائعات (حتى الآن) حول زيادة حصة المواطن من ١٤٠ جنيها، إلى ٢٠٠ جنيه، وهو ما يثير شكوك المواطنين؛ ذلك أن توجهات وسياسات الحكومة هي الأخذ لا العطاء ونهب حقوق المواطنين لا حمايتهم.

وتقوم فكرة “الدعم النقدي المشروط”  على  وضع مبلغ مالي في البطاقة التموينية يساوي بحسب مخصصات عدد الأفراد بها وتصبح مثل «الكريديت كارت» يشترى بها السلع الغذائية المدعمة من أي مكان، ولا يمكنه أن يشترى بها أي سلع أخرى مثل السجائر مثلا. ويبلغ إجمالي عدد البطاقات للمستفيدين من منظومة الخبز الجديدة 22.5 مليون بطاقة بإجمالي 64 مليون مستفيد، فضلا عن 73 مليون مستفيد من صرف الخبز المدعم بإجمالي دعم مالي يقدر بـ89 مليار جنيها، منها 53.1 مليار جنيه لدعم الخبز – 35.90 مليار جنيه لدعم السلع التموينية.

 

مخصصات الدعم في الموازنة

ويشكل بند الدعم أحد بنود الإنفاق الثمانية بالموازنة المصرية، ويستحوذ على نسبة 17 في المئة من إجمالي الإنفاق في العام المالي الحالي 2019/2020، ويحتل المركز الثالث في القيمة، بعد بندى فوائد الديون وأقساط القروض من حيث القيمة، بنحو 328 مليار جنيه، أي أكبر من بندي الأجور والاستثمارات.  وتبلغ مخصصات الدعم في موازنة العام الحالي”328″ مليارا وهو ما توظفه الحكومة على أنه دليل على اهتمامها بالطبقات الفقيرة؛  إلا أن استعراض تفاصيل توزيع ذلك الدعم يبين صغر حجم استفادة الطبقات الفقيرة من تلك المبالغ، وحصول الأغنياء على نصيب كبير منها، إلى جانب الفئات المميزة بالجهاز الحكومي.

وتمثل مخصصات سلع البطاقات التموينية 11% فقط بقيمة “36 مليارا” لنحو 63.2 مليون مواطن. من بينهم شرائح عالية الدخل، وعلى الجانب الآخر هناك شرائح فقيرة ليست مقيدة على البطاقات التموينية. وهناك 47 مليارا مخصصات لدعم الخبز لنحو 71 مليون مواطن. وبخلاف دعم السلع التموينية والخبز، نجد مجالات عديدة استفادت من مخصصات الدعم، منها المنتجات البترولية والكهرباء والمواصلات والمُصدرين والتأمين الصحي والإسكان والثقافة والرياضة والأوقاف والإنتاج الحربي والمساعدات للدول الأخرى.

وبحسب دراسة للخبير الاقتصادي ممدوح الولي، فإن الخطير في توزيع مخصصات الدعم أن هناك 32.2 مليار جنيه في شكل احتياطيات يتم الصرف منها خلال العام المالي على الجهات المختلفة، ولا يتم الإفصاح عن الجهات التي حصلت على تلك المبالغ، في ظل برلمان صوري افتقد أداء دوره الرقابي على الحكومة في ظل اختيار أعضائه من قبل الأجهزة السيادية، وكذلك مناخ كبت الحريات المانع للدور الرقابي للإعلام.

 

مزايا الدعم النقدي

أولا، يفضل كثير من الخبراء والمختصين الدعم النقدي على العيني لاعتبارات كثيرة، إذ يمتاز بالقدرة على الحد من تسرب الدعم وتوصيله إلى مستحقيه بصورة أفضل، ولعل هذه النقطة الأهم، بالإضافة إلى ذلك أن الدعم النقدي تكلفة توزيعه أقل بكثير، فلا يحتاج إلى آلاف الموظفين كالدعم العيني. ووفقا لإحصائيات سابقة فإن 25% من الدعم بشكل عام لا يصل لمستحقيه وحجم التسريب في الدعم يتعدي الـ15 مليار جنيه سنويا، وأن الأغنياء والقادرين يحصلون علي نحو 40% من دعم السلع وأن نسبة الفقد في الخبز تصل لنحو 30%.

ثانيا، كما يمتاز الدعم النقدي  بأنه يضمن مقدارًا أقل من الهدر والفساد، بالإضافة إلى أنه وسيلة مثالية لتقليل الاستهلاك حيث إن الفرد لن يشتري سوى ما يحتاج إليه، حيث يجعل نمط استهلاكه أكثر رشدا ومسئولية، كما أنه يمنح حرية الاختيار للمستهلك. ويكفي أن الدعم النقدي سوف يبتعد عن مافيا فساد وزارة التموين التي يهيمن عليها شلة من الجنرالات الفسدة؛ حيث اعتقلت الرقابة الإدارية منتصف 2018 مستشار الوزير للإعلام والمتحدث الرسمي للوزارة، ومستشار الوزير للاتصال السياسي، ورئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة لوزارة التموين، وهو عسكري برتبة لواء ومدير الكلية الفنية العسكرية السابق، ومدير مكتبه لتقاضيهم رشاوى مالية تجاوزت المليوني جنيه من الشركات المسئولة عن توريد السلع الغذائية التي توزع على البطاقات التموينية مقابل إسناد أوامر توريد السلع عليها وتحقيق أرباح على حساب الفقراء. وفي منتصف 2019، تصالح جهاز الكسب غير المشروع الحكومي مع 18 متهما في القضية المعروفة إعلاميا بقضية “فساد القمح الكبرى” في مقابل سدادهم مبلغ 450 مليون جنيه. بينما يصل حجم الفساد داخل الوزارة إلى عدة مليارات.

ثالثا، على المستوى الوطني فإن الدعم النقدي يوفر كثيرا من المخصصات  والأموال للموازنة العامة يمكن تخصيصها لبنود أخرى أو زيادة قيمة الدعم المقدم للأسر والأفراد إذا لا يحتاج إلى آلاف الموظفين ولا آلاف المخازن  ولا يسمح بفساد السلع لعدم وجودها أساسا فالمواطن يتقاضى الدعم “نقدا” بدلا من السلع. ويتم الترويج بأن منظومة الدعم النقدي سوف توفر  من ٣٠ ــ ٣٥٪ من قيمة الدعم في السنة الأولى، وسوف ترتفع إلى ٤٠٪ في السنة التالية، وبمبلغ ٢٦٫٥ مليار جنيه، علما بأن قيمة الدعم في الموازنة الحالية (2019/2020) تبلغ حوالي ٨٩ مليار جنيه، مقارنة بـ٨٦ مليارا العام الماضي. كما أن كل جنيه دعم تتحمله الدولة، تصرف في مقابله خمسة جنيهات مصاريف توصيل، وهي قيمة ما تدفعه للبقال التمويني ومحطات الوقود، أو الهدر والفاقد في السلعة عند دخولها أو خروجها من مخازن الحكومة إلى المجمعات الاستهلاكية أو بقالي التموين.

رابعا، يحقق الدعم النقدي للحكومة مزيدا من القدرة على الحكومة والسيطرة على منظومة الدعم وتعالج كثيرا من عيوب الدعم العيني، وتيسر عمليات المحاسبة وتغلق الثغرات. بالإضافة إلى أنه يعد سيرا على خطى دول العالم المتقدم، حيث إن جميع دول العالم المتقدم تقريبا تعمل بشكل أساسي بنظام الدعم النقدي. وسيقضى تطبيق “الدعم النقدي” على بيع الدقيق أو الوقود المدعم أو تهريبه، وكذلك سيقضي على ظاهرة التعاقد على سلع قليلة الجودة بمبالغ مرتفعة، وسيقضى على ظاهرة متاجرة واحتفاظ بعض أصحاب المخابز ببعض البطاقات التموينية، والحصول على المال المخصص لها، مقابل بعض المنافع لأصحابها، أو ربما تكون بطاقات مضروبة!!

خامسا،  تمثل عيوب ومساوئ الدعم العيني ميزة  من مزايا الدعم النقدي،  حيث تزداد نسبة الهدر والفساد بخلاف تهريب السلع التموينية والسطو عليها بطرق ملتوية غير مشروعة أو بالالتفاف على القوانين، كما أن بيانات وزارة التموين تشير إلى أن نحو 15% من حاملي البطاقات التموينية لا يستخدمونها كما أن هناك أفرادًا في بعض الأسر غير مدرجين على هذه البطاقات، وكذلك أعدادًا كبيرة من المتوفين والمسافرين للخارج رغم المحاولات  المستمرة في تنقية الجداول. كذلك فإن من عيوب الدعم العيني عدم وجود قاعدة بيانات صحيحة  وتصنيف واضح يمكن الاعتماد عليه في تحديد طبقات الاستهداف طبقا لمستويات دخول الأفراد سواء في القطاع الحكومي أو الريفي أو القطاع الخاص.

سادسا، في المنظومة الراهنة، فإن من لا يشترى حصته من الخبز، يمكن أن يحولها إلى نقاط في بطاقته التموينية، بحيث يحصل على عشرة قروش مقابل كل رغيف، يستطيع أن يشترى بها ما يشاء من سلع مدعمة. ولإغراء المواطنين بقبول “الدعم النقدي” فإن المنظومة المقترحة تمنح حامل بطاقة الدعم  حقه في الحصول على كامل ثمن الرغيف أي ٣ جنيهات يوميا، أو ٩٠ جنيها شهريا، وبالتالي يكون قد حصل على حقه كاملا من الدعم.

 

مخاوف مشروعة

خلال سنوات حكم السيسي وصلت الزيادة في أسعار الوقود حتى منتصف 2018 إلى 520%، بالمقارنة بأسعار 2013. وبواقع 400% على السولار، و511% للبنزين 80، و264% للبنزين 92، و900% لأسطوانة غاز الطهي، ووصل سعر أسطوانة غاز المنازل إلى 75 جنيها، وهو مبلغ كبير لا تستطيع كثير من الأسر أن تدفعه. كما رفعت الحكومة أسعار الكهرباء المخصصة للاستهلاك المنزلي 5 مرات بنسبة 200%، منذ مجيء السيسي إلى الحكم، مقابل 85% للمصانع، ما يؤكد أن النظام يزيد الفقراء فقرًا والأغنياء غنى، ما يكذب ادعاءه بتوجيه الدعم لمستحقيه. وصلت الزيادة في أسعار مياه الشرب ورسوم الصرف الصحي إلى نسبة 125%، بالمقارنة مع العام 2013. ومن المتوقع زيادة الأسعار عدة مرات في السنوات القادمة، تنتهي بالتخلص من كل صور الدعم البالغ 2 مليار جنيه. رفعت الحكومة أسعار تذاكر مترو الأنفاق بنسبة 350%، بالمقارنة بأسعار 2013. ولن تكون هذه الزيادات الأخيرة، ولا سيما أن الحكومة تدعي أنها تدعم تذكرة المترو بعشرة جنيهات، وأن إيرادات هيئة السكة الحديد تمثل 50% من تكاليف التشغيل بعد الزيادة المرتقبة، وأن خسائر الهيئة تقترب من 50 مليار جنيه.

إزاء ذلك، فإن أسباب المخاوف الشعبية المشروعة تجاه تحويل الدعم من عيني إلى نقدي كثيرة وتجارب المصريين مع نظام انقلاب 30 يونيو خير دليل على ذلك،  لعدة أسباب:

1)  الأول أن حوالي  70 مليونا يستفيدون من منظومة دعم الخبز والسلع، فوجئوا في أعقاب الانقلاب بقيام نظام الطاغية عبد الفتاح السيسي بتخفيض دعم رغيف الخبز بنسبة 31% بطريقة ملتوية، عن طريق تخفيض وزن الرغيف من 130 غراماً إلى 90 غراماً، وكذلك حصة المواطن من الخبز من خلال اعتماد نظام النقاط لإغراء المواطن بالاستغناء عن جزء من حصته في الخبز، مقابل 10 قروش لكل رغيف، وليس 60 قرشاً (تكلفة الرغيف).

2)  الثاني، أن حكومة السيسي خفضت حصة الكارت الذهبي المخصص للمخابز، والذي يسمح بصرف الخبز لغير حاملي بطاقات التموين الإلكترونية من 4500 رغيف إلى 500 رغيف يومياً، وهو القرار الذي دفع الآلاف من المواطنين المتضررين إلى الشوارع للاحتجاج، وإغلاق الطرق حول المخابز في بعض المحافظات، الأمر الذي دفع الحكومة إلى التراجع عن القرار بشكل سريع؛ لكنه يبقى مؤشرا على توجهات النظام نحو إلغاء الدعم ترجمة وانصياعا لشروط صندوق النقد الدولي.

3)  الثالث، أن حكومة السيسي كانت تمنح حامل بطاقة الدعم مقابل كل رغيف لا يشتريه 10 قروش فقط يشتري بها ما يشاء من سلع تموينية، رغم أن تكلفة سعر الرغيف الواحد 60 قرشا ما يعني أن الحكومة كانت تنهب مقابل كل رغيف “50” قرشا كاملة.

4)  الرابع، أن حكومة السيسي قامت بحذف 8 ملايين من بطاقات الدعم ليصل عدد المنتفعين إلى 71 مليونا بحسب تصريحات وزير التموين. وخلال عمليات الحذف العشوائي تم حذف غير مستحقين فعلا، كما تم أيضا حذف ملايين  الفقراء والمهمشين في إطار عمليات التنقية والتنقيح لقاعدة بيانات مستحقي الدعم التي قامت بها الحكومة بشكل اعتراه قدر من العشوائية خلال سنوات ما بعد قرض صندوق النقد الدولي نوفمبر 2016م، ولم يتم إعادة بعض هؤلاء إلا بعد احتجاجات 20 سبتمبر 2019م. حيث  اتخذ نظام السيسي 3 قرارات ذات طبيعة اقتصادية خلال أسبوعين فقط من انتفاضة 20 سبتمبر، الأول هو إعادة “1.8” مليون مواطن إلى بطاقات الدعم بعد أن كان قد تم حذفهم قبلها بعدة شهور . والثاني هو خفض أسعار الوقود بقيمة 25 قرشا  لأول مرة منذ الانقلاب حيث ارتفعت أسعار الوقود عدة مرات وصلت إلى 600%. والثالث هو تخفيض سعر الغاز  لبعض الصناعات.

5)  الخامس، أن نظام السيسي الذي يهدر مئات المليارات على  مدن جديدة لا جدوى لها ، ومليارات على قصور فارهة وفلل لكبار القادة والجنرالات وأسرة زعيم الانقلاب كما كشف الفنان والمقاول محمد علي، بل إهدار أكثر من 100 مليار جنيه على مشروع التفريعة الذي لم يحقق أي أرباح تذكر بدعوى رفع الروح المعنوية، يستكثر على فقراء مصر  ضم  كثير من المحرومين إلى منظومة الدعم ويصر على رفض  إضافة المواليد الجدد منذ عدة سنوات رغم موجات الغلاء  الفاحش التي عصفت بالمصريين منذ نوفمبر 2016 ورفعت عن الملايين غطاء الستر وتركهم جوعى بلا طعام يضجون بالأنين والشكوى بلا مجيب. ويصر النظام على عدم إضافة أكثر من طفلين على بطاقات التموين حتى اليوم. ولا يزال كثير من الأسر الفقيرة وحديثي الزواج محرومين وأطفالهم من الحصول على بطاقات تموينية منذ عام 2005.  وتتضاعف معاناة الأطفال داخل الأسر المحرومة من منظومة الدعم والأسر الأكثر احتياجًا. فقد أعلن تقرير “مرصد الغذاء المصري” الصادر في نهاية 2013 عن مركز معلومات مجلس الوزراء بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، أن 16.4% من الأسر الأكثر احتياجا لا تمتلك بطاقات تموينية، وأن نحو 40% من هذه الأسر تضم أطفالًا دون الخامسة من العمر. ومنذ فترة طويلة توقف نشر مثل هذه التقارير لأسباب سياسية وأمنية خوفا من زيادة غضب الجماهير.

6)  السادس، أن نظام 30 يونيو لم يبد أي قدر من الرحمة والمسئولية الاجتماعية تجاه المواطنين في أعقاب قرارات التعويم نوفمبر2016م، ولم ترتفع الأجور والمرتبات ولا مخصصات الدعم بذات القدر الذي ارتفعت به أسعار السلع والخدمات ولا بذات القدر من التضخم الذي ارتفع إلى أعلى المستويات خلال الستين سنة الماضية، وانصب تركيز النظام على شن الحملات الإعلامية الموجهة من أجل الدفاع عن قراراته والتلاعب بالأرقام المزيفة من أجل تصدير صورة غير حقيقية عن الأوضاع رغم هبوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر خلال السنوات القليلة الماضية.

 

مساوئ الدعم النقدي

أولا، تحويل منظومة الدعم إلى النقدي خطوة ربما تحقق بعض المكاسب مثل توفير الهدر والفاقد، لكنها في ذات الوقت قد تشكل خطرا جديدا على الفقراء ومحدودي الدخل وغالبية الطبقة المتوسطة، خصوصا في ظل حالة انفلات الأسواق وجشع التجار وغياب الرقابة، مما يضع غالبية مستحقي الدعم تحت رحمة المستغلين.

ثانيا، من العيوب أيضا، هو عدم ربط مخصصات الدعم النقدي للأفراد بمستويات التضخم وتقلبات الأسعار، فماذا إذا حدثت أزمات عالمية دفعت أسعار الغداء إلى الارتفاع  أو ارتفعت قيمة الدولار أمام الجنيه بشكل كبير كما جرى في أعقاب التعويم؟ فهل ترتفع مخصصات الدعم أم تبقى كما هي؟ وهو ما يؤدي تلقائيا إلى تآكل هذه المخصصات سريعا ما يفرغ معنى الدعم كمسئولية اجتماعية على الدولة من محتواه والأهداف من ورائه والتي تتعلق بحماية الفقراء من الجوع. وحل ذلك هو إعادة النظر بشكل دوري في المبالغ المخصصة للدعم النقدي وربطها بمستويات التضخم وتقلبات أسعار السلع.

ثالثا، ثمة مخاوف تتعلق أيضا بارتفاع أسعار الخبز مع اكتفاء الدولة بدفع مقابل مادي وتخليها عن دورها في استيراد القمح من خلال هيئة السلع التموينية، وعدم مراقبة طحنه من خلال مطاحن القطاع العام، والتوقف عن توزيعه على أكثر من 22 ألفا من المخابز المنتشرة على مستوى الجمهورية، وإلغاء الدعم مقابل السولار والمياه وبدل العمالة اليدوية للمخابز سوف يؤدي إلى ارتفاع سعر الخبز وانخفاض وزنه حتى يماثل سعر ووزن الخبز الحر الخفيف. وفي ظل اتجاه الدولة لرفع أسعار الوقود، فمن المتوقع أن تزيد أسعار الخبز مع زيادة أسعار السولار المستخدم في نقل القمح والدقيق وتشغيل المخابز، ولا سيما أن تكلفة نقل القمح من الموانئ إلى المحافظات، وكذلك الدقيق من المطاحن إلى مستودعات التموين تصل إلى 20% من سعر الدقيق.

رابعا، تآكل القيمة النقدية للدعم، في ظل تراجع القدرة الشرائية للجنيه إلى النصف، وزيادة معدلات التضخم، ومع تخلي الحكومة عن دعم مزارعي القمح المحلي، المادة الأساسية المستخدمة في صناعة الخبز، والاعتماد على الخارج في تأمين 75% من القمح بالدولار، ومع احتكار خمس شركات لواردات القمح، ينتظر أن يرفع الدعم النقدي أسعار الخبز إلى مستويات تاريخية، ويعجز المبلغ المخصص لدعم الخبز عن شراء الكمية الضرورية للمواطن ما يرهق ميزانيته ويزيد معاناته اليومية. وهو ما ينذر باندلاع أزمات الخبز والاختفاء من المخابز، وعودة حوادث قتلى طوابير الخبز التي انتشرت قبل ثورة يناير، مثل أزمات السلع التموينية، السكر والأرز وزيت الطعام.

خامسا، الدعم النقدي يعني عمليا زيادة الاستهلاك، بالتالي رفع أسعار السلع التي ستشهد زيادة في الطلب عليها، تزامنا مع نسب تضخم مرتفعة. و من عيوب هذه الخطوة أنه مهما ارتفع سعر رغيف الخبز، سواء لارتفاع تكاليف التصنيع أو لارتفاع سعر القمح أو انخفاض سعر الجنيه، ستقل حصة الخبز، كما أن الحكومة لن تبادر إلى زيادة مقدار الدعم النقدي. وبذات القدر هناك مخاوف تتعلق بإطلاق الحكومة لنفسها العنان في تحرير جميع أسعار السلع كالخبز والسلع التموينية وبذلك يتآكل قيمة الدعم.  وفي تلك الحالة تخسر الدولة الشركات التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية وسيجري بيعها باعتبارها شركات خاسرة تحت دعاوى الخصخصة، كما حدث سابقا مع شركة القاهرة للزيوت.

سادسا، التحول للدعم النقدي ، يعني ازدياد معدلات الفقر بسبب الغلاء الذي يتبع الدفعات النقدية. وتحويل الدعم العيني إلى نقدي كأحد طلبات صندوق النقد الدولي، يجب أن يسبقه “تطوير منظومة التجارة الداخلية ورفع كفاءتها، والخروج من حالة الركود التضخمي الحادة، ومواجهة الطابع الاحتكاري للسلع الأساسية”.

 

الخلاصة، أن الدعم هو الوسيلة الفعالة لعلاج سياسات الحكومة  الخاطئة لتحقيق العدالة الاجتماعية، والمساواة في توزيع الثروة، وإنصاف سكان الريف، والتخفيف من آثار البطالة، وبسط الاستقرار الأسري، وتعزيز  الأمان المجتمعي، والسلامة والصحة النفسية، ويقلل جرائم الفقر والعنف، والسرقة بالإكراه.

ويرى إسماعيل تركي، المستشار الأسبق لوزير التموين، أنّ “الهدف من التحول إلى الدعم النقدي، هو ‏تقليص قيمة الدعم على مراحل، حتى لا تصدم الحكومة المواطن ‏مرة واحدة، وذلك من خلال الحذف المتدرج من بطاقات ‏التموين، وكذلك عدم تحمّل الحكومة لأي زيادة مستقبلية في ‏أسعار رغيف الخبز”. ويستبعد تركي أن “تقضي المنظومة الجديدة على رؤوس الفساد، ‏سواء على مستوى مستوردي القمح أو المطاحن أو الصوامع أو المخابز، كما يردد الداعون لها”.‏ الدعم النقدي المشروط، يتمتع بمزايا كثيرة لا يمكن نكرانها وهو ما دفع معظم بلاد العالم إلى الأخذ به بدلا من الدعم العيني، ولكن عدم إعلان حكومة العسكر التزامها بربط منظومة الدعم النقدي بمعدلات التضخم وتقلبات الأسعار يعني  تخليها فعليا عن فكرة الدعم وإصرارا على إلغائه بالتدريج وبذلك تكون خطوة الدعم النقدي رغم مكاسبها  خطوة في طريق إلغاء الدعم وبذلك تتحول إلى خسارة للمواطنين على المستوى المتوسط والبعيد.

تم الانتهاء منه مساء الاثنين 20 يناير2020م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع المنصرم   أولا…