‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر “مصر 2020” عام الرمادة على أصحاب المعاشات.. أبعاد الأزمة وآفاق الحل
مصر - يناير 27, 2020

“مصر 2020” عام الرمادة على أصحاب المعاشات.. أبعاد الأزمة وآفاق الحل

تلقى ملايين المصريين من أصحاب المعاشات صدمتين مع بدء العام الجديد 2020م؛ تؤكدان أن نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي مصمم على حصارهم بمزيد من الآلام والمعاناة، في ظل انعدام أي آفاق للحل أو أمل في وضع حد لهذه المعاناة التي لم تتوقف يوما منذ انقلاب 30 يونيو 2013م والإطاحة بالمسار الديمقراطي. فحتى اليوم  لم يتم تنفيذ أحكام القضاء الدستوري والإداري الخاصة بضم العلاوات الخمسة لأصحاب المعاشات رغم أن الطاغية عبدالفتاح السيسي قام في مارس 2019  بسحب استشكال الحكومة على حكم الإدارية العليا لصالح أصحاب المعاشات وسط زفة إعلامية ضخمة تصوره باعتباره نصير الفقراء الذي ينتصر للملايين من أصحاب المعاشات؛ فمجرد تقديم الاستشكال من جانب الحكومة هو في حد ذاته مناورة والتفاف، وقرار السيسي بسحبه أثبتت الأيام أنه كان مسرحية مفتعلة لامتصاص صدمة الجماهير وغضبتها، وعدم تنفيذ الأحكام حتى اليوم برهان على أن نظام السيسي يصر على هضم حقوق أصحاب المعاشات، وليس لديه نية من الأساس لإعادة الحقوق لأصحابها بعد أن أدمن السطو واحترف أساليب الجباية وقطاع الطرق. أما الصدمة الأكبر فهي بدء العمل بقانون التأمينات والمعاشات الجديد بدءا من يناير الجاري “2020م”. على ما يترتب على ذلك من  ظلم على أصحاب المعاشات وعائلاتهم التي تصل إلى أكثر من 25 مليون مواطن يستفيدون من نظام المعاشات.

«وكان وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي، أصدر قراراً عام 2005 بضم أموال صناديق التأمينات الاجتماعية إلى الموازنة العامة، على أن يكون وزير المالية هو الوزير المختص بتنفيذ تشريعات التأمين الاجتماعي، بدلاً من وزير التأمينات. ونصّ القرار على صرف المعاشات من الخزانة العامة، لا من عائدات اﻷموال الاستثمارية، وهو ما مهد إلى استغلال أموال صناديق التأمينات التي قدرت بنحو 841 مليار جنيه، ، لصالح 9 ملايين و530 ألف مؤمن عليهم،  والسطو عليها  من أجل تمويل عجز الموازنة العامة للدولة».

«وكشف تقرير رقابي للجهاز المركزي للمحاسبات، عن تضخم مديونية وزارة المالية لصالح أصحاب المعاشات لتصل إلى 180 مليار جنيه، نتيجة عدم سداد الوزارة التزاماتها تجاه أصحاب المعاشات والتأمينات. وذكر التقرير الذي أرسله الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة، إلى رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي ورئيس حكومته وقتها شريف إسماعيل والنائب العام السابق نبيل صادق، أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، تتحمل منفردة منذ 11 عامًا قيمة الزيادات السنوية في المعاشات، بالمخالفة لقانون التأمين الاجتماعي، والذي يلزم الخزانة العامة للدولة ممثلة في وزارة المالية بهذه الزيادات لأصحاب المعاشات»([1]).

 

رفض  تنفيذ حكم العلاوات الخمسة

الصدمة الأولى تتعلق برفض وزارتي «التضامن والاجتماعي والمالية» بحكومة الانقلاب تحمل تكاليف صرف العلاوات الخمسة لأصحاب المعاشات، وجرى اشتباك لفظي بين ممثلي الوزارتين خلال جلسة لجنة القوى العاملة بالبرلمان يوم 12 يناير 2020، بسبب عدم رغبة كل منهما في تحمل أي من الوزارتين قيمة العلاوات الخمسة التي قضى مجلس الدولة بصرفها لأصحاب المعاشات عن الفترة من 2006 إلى 2015. وانتهى اجتماع اللجنة دون التوصل لحل، وجرى الاتفاق على إعداد مشروع قانون لتنفيذ الحكمين الصادرين لحساب أصحاب المعاشات، وتدخل النائب محمد وهب الله مؤكدا أنه أعد بالفعل مشروع قانون لتنفيذ  حكم  محكمتي القضاء الإداري والإدارية العليا لصالح أصحاب المعاشات الذين قدرت وزارة التضامن عددهم بنحو 2.5 مليون مستحق، بإجمالي ثمانية مليارات جنيه.

مشروع القانون يتضمن تنفيذ الحكمين بإعادة حساب معاشات المحالين للتقاعد اعتبارًا من أول يوليو 2006 وحتى الآن، وإضافة 80% من آخر خمس علاوات لم تُضم إلى الأجر الأساسي، كلٌ حسب تاريخ خروجه على المعاش، حتى علاوة القانون رقم 99 لسنة 2018. ومن المُفترض أن يُوقع على القانون خُمس أعضاء البرلمان ليتم عرضه على الجلسة العامة للبرلمان، لمناقشته والتصويت عليه.  وجوهر الخلاف بين الوزارتين يتعلق بمن يتحمل مصاريف العلاوات الخمسة والمقدرة ب،”8″ مليارات جنيه؛ حيث اشترط سامي عبدالهادى، رئيس صندوق التأمينات الاجتماعية للعاملين بالقطاعين العام والخاص وممثل وزارة التضامن، للموافقة على مشروع القانون أن ينص على تحمل خزانة الدولة (وزارة المالية) لهذه المستحقات، وليس صندوق التأمينات والمعاشات، وهو ما رفضه أسامة مصطفى، ممثل وزارة المالية في البرلمان، قائلًا إن هذه العلاوات «تركة قديمة للصندوق». ([2]) وكانت محكمة القضاء الإداري قضت في 31 مارس 2018 بأحقية صاحب المعاش في إضافة نسبة 80% من قيمة العلاوات الخاصة الخمس إلى قيمة المعاش، تنفيذًا لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر عام 2005، وهو الحكم الذي أيدته المحكمة الإدارية العليا في 22 فبراير 2019م، غير أن الحكومة رفضت تنفيذه وقدمت إشكال تنفيذ أمام محكمة الأمور المستعجلة، قبل أن يوجه رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي بسحب الإشكال وتنفيذ الحكم، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.

أولا:  الحكومة تتهرب فعليا من تنفيذ حكم الدستورية العليا سنة 2005م، كما تتهرب من تنفيذ حكمي مجلس الدولة”2018″ والإدارية والعليا”2019″م؛ فمجرد الاستشكال  لا يمنع حتى من تنفيذ الحكم،  ولكنه كان  مناورة يستهدف بها نظام السيسي التهرب من تنفيذ الأحكام القضائية لأصحاب المعاشات، لكن النظام وجد في تقديم الاستشكال فضيحة من العيار الثقيل؛ فلجأ إلى حيلة أخرى أكثر مكرا ودهاء، فأمر السيسي بسحب الاستشكال وجرى تلميعه على هذا الإجراء دون أن تنفذ حكومته أحكام القضاء لأصحاب المعاشات؛ وهو برهان على أن ما فعله السيسي كان مجرد مسرحية مفتعلة لامتصاص صدمة الجماهير وغضبتها. لكنه من خلف الكواليس أوعز لحكومته بالتحايل والتلكؤ في تنفيذ الأحكام وصولا إلى التهرب منها بذرائع ومبررات تافهة وهو في ذات الوقت  يهدر مئات المليارات على مشروعات وهمية بلا جدوى ولا تسهم مطلقا في زيادة الدخل القومي كما فعل في مشروع تفريعة قناة السويس التي أهدر فيها أكثر من مائة مليار جنيه بدعوى رفع الروح المعنوية للشعب، والعاصمة الإدارية التي يهدر ولا يزال عليها مئات المليارات دون عائد يذكر.

الأمر الثاني: أن انتظار مسار إعداد مشروع قانون جديد لتنفيذ هذه الأحكام هو إدخال للأزمة في ثلاجة البرلمان ودليل آخر على تهرب نظام السيسي من تنفيذ هذه الأحكام لصالح أصحاب المعاشات؛ خصوصا وأن البرلمان على وشك انتهاء دورته البرلمانية ترقبا لمسرحية انتخابية جديدة لإعادة هندسته وتشكيله من جديد تحت رعاية أمنية مطلقة بما يضمن مزيدا من السيطرة والولاء للنظام.

الدليل الثالث على تهرب حكومة السيسي من تنفيذ الأحكام أن قانون التأمينات والمعاشات الجديد  الذي صدق عليه السيسي لم يتضمن آلية محددة لتنفيذ هذه الأحكام، كما لم يحدد الجهة أو الوزارة التي تقع عليها مسئولية تنفيذ هذه الأحكام؛ ولذلك تهربت وزارة التضامن الاجتماعي أمام البرلمان من تنفيذ الأحكام بهذه الذريعة وبررت موقفها بأن القانون الجديد لم يصرح  بذلك ولم يدرج مخصصات مالية لتنفيذ هذه الأحكام.([3])

قانون التأمينات والمعاشات الجديد

الصدمة الثانية تتجاوز الصدمة الأولى لأنها تشمل جميع المشمولين بالمعاشات وعائلاتهم وليس مستحقي ضم العلاوات الخمسة فقط؛ وهو بدء العمل بقانون التأمينات والمعاشات الجديد(القانون رقم 148 لسنة 2019م) بدءا من 1 يناير الجاري “2020”م،  وكان الطاغية السيسي قد تجاهل اعتراض أصحاب المعاشات قبل إصدار القانون  بشكل رسمي حيث رفض توصيات الجمعية العمومية للاتحاد العام لأصحاب المعاشات، برئاسة البدري فرغلي، الذين أعلنوا  رفضهم لقانون التأمينات والمعاشات الموحد؛ مطالبين رئيس الانقلاب بعدم التصديق عليه؛ وهو ما قوبل بتجاهل تام وعدم اكتراث من جانب السيسي.

وصدق  السيسي على قانون  التأمينات والمعاشات الجديد  في 25 أغسطس 2019م والذي بدأ تطبيقه من 1 يناير الجاري “2020”، ما عدا المواد أرقام (111 – 112 – 113 – 114) والتي بدأ العمل بها من اليوم التالي لتصديق السيسي على القانون ونشره في الجريدة الرسمية.

ويوجه أصحاب المعاشات وخبراء مختصون جملة من الانتقادات للقانون الجديد خصوصا بعد أن أصدرت “الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات” الكتاب الدوري الرابع بمناسبة بدء تطبيق قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الجديد منذ الأربعاء، 1 يناير 2020، لشرح عدد من الإجراءات المتبعة بشأن تحصيل الاشتراكات المستحقة على العاملين لدى الغير، وفقا لأحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الصادر بالقانون رقم 148 لسنة 2019. وأوضح الكتاب في جداول مفصلة النسب التي يتم تحصيلها طبقا للقانون الجديد، بحسب نوع كل تأمين (بطالة، إصابة، مرض، وفاة وعجز وشيخوخة)، وذلك بعد رفع الحد الأدنى لأجر الاشتراك إلى 12 ألف جنيه سنويا، بواقع ألف جنيه شهريا، والأقصى 84 ألف جنيه سنويا، على أن تتم زيادة الحدّين سنويا بمعدل 15% لمدة 7 سنوات، ثم بعد ذلك يتم الرفع طبقا لنسبة التضخم.

أولا: جاءت فلسفة القانون في غالبية مواده من أجل تخفيف العبء عن الموازنة العامة، كجزء من تخلي الدولة عن دورها المجتمعي، والهدف هو تحويل المعاشات من كونه ضمانا اجتماعيا وحقوقا مستحقة، إلى مشروع تجارى وجباية لمدخرات العاملين، كما يهدف ايضا إلى تقليص ما تتحمله خزانة الدولة في بند سداد المعاشات، بعدما استولت الحكومات السابقة على أموال صناديق التأمينات، التي قدرت بنحو 841 مليار جنيه (الدولار = 17.3 جنيه) حتى نهاية يونيو/ حزيران 2018، لصالح 9 ملايين و530 ألف مؤمن عليهم، وفقاً لأحدث إحصائية صادرة عن هيئة التأمينات والمعاشات. وذلك لعدة أسباب([4]):

  • رُفع سن المعاش من 60 إلى 65 عاما على مراحل، تبدأ في يوليو/ تموز 2032 وتمتد حتى عام 2040، بهدف معالجة العجز المالي والاكتواري (وهو يعني أن الأصول المتاحة المتوقعة للسنوات المقبلة غير كافية لتغطية الالتزامات المالية) في نظام المعاشات، في وقت ترتفع فيه نسبة البطالة بين الشباب.
  • لم يذكر القانون الجديد جملة واحدة عن مكافأة نهاية الخدمة التي كانت تصرف من التأمينات بواقع شهر عن كل سنة من المدة التأمينية، والتي كان معمولا بها منذ عام 1984م.
  • يتم احتساب المعاش في القانون الجديد طبقا لمتوسّط الأجر خلال مدة الاشتراك، وليس آخر 5 سنوات كما كان معمولا به في القانون القديم، وهو ما يعني أن المبلغ النهائي للتسوية سيكون ضعيفا، بحكم أن المرتبات تكون ضعيفة في بداية التعيينات.
  • رفع القانون سقف الحصول على معاش مبكر من 20 عاما إلى 25 عاما فعلية، ووضع شروطا يكاد يستحيل معها إمكان الخروج على المعاش المبكر، ومنها توافر مُدد اشتراك في تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة تُعطي الحق في معاش لا يقل عن 50% من أجر أو دخل التسوية الأخير، وأن تتضمّن مدة اشتراك فعلية لا تقل 240 شهرا، على أن تكون المدة 300 شهر فعلية بعد 5 سنوات من تاريخ العمل بهذا القانون.

ثانيا: القانون يوجه ضربات اجتماعية قاسية لأصحاب المعاشات وأسرهم، لأن وزارة التضامن اعتمدت في صياغة موادّه على الدراسات المالية والاكتوارية لنظام التأمين الاجتماعي التي أعدّتها منظمة العمل الدولية، ومن العيوب الكبيرة أن القانون يتمثل في النص على دفع اشتراكات التأمينات بحسب الدخل المتغير الذي يحصل عليه العامل، لا الأجر الأساسي، ما يضطر أصحاب الأعمال إلى خفض الأجور أو عدد العاملين في المنشأة. فضلاً عن أن القانون يقضي بحرمان الابنة من معاش والدها المتوفى عند بلوغها سنّ الرابعة والعشرين، حتى في حالة عدم زواجها أو عملها خلاف الوضع السائد حالياً.

ثالثا:  القانون الجديد يشوب بعض مواده البطلان وعدم الدستورية؛ فالحكومة تعمدت تقنين استيلائها على أموال أصحاب المعاشات التي تقدر بحوالي 900 مليار جنيه، وإعدام ديونها المستحقة الدفع لأصحاب المعاشات دون اعتبار لكون هذه الأموال “خاصة” لا يجوز الاعتداء عليها بحسب المادة 17 من دستور 2014م. ولا يغير من هذه الحقيقة شيئا التزام الحكومة بسداد 160 مليار  سنويا لمدة 50 سنة. فهذه صفقة خاسرة بحسب عبد الله أبو الفتوح، الأمين العام لاتحاد نقابات أصحاب المعاشات، في منشور له على حسابه الخاص بموقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”؛  مفسرا ذلك بأن التضخم يأكل قيمة هذه الأموال “بنسبة مركبة/ أي عكس الفائدة المركبة”، بينما إذا حصلوا على ديونهم تجاه الدولة، وبنسبة الفائدة المركبة، واستثمروها لحصلوا على أرباح كبيرة (متعاظمة) مع الاحتفاظ بأصول الأموال والاستثمارات (المتعاظمة أيضًا).

رابعا: القانون الجديد يحدد 9 حالات يتم فيها وقف صرف المعاش لصاحب المعاش أو للمستحقين من أفراد أسرته([5]) منها:

  • حرمان صاحب المعاش نفسه، متى التحق بأي عمل، يحصل منه على دخل صاف يساوي قيمة المعاش أو يزيد عليه ، فإذا نقص الدخل عن المعاش صرف إليه الفرق في تاريخ التحاقه بالعمل ثم في يناير من كل سنة. كما يحرم من المعاش من زاول مهنة تجارية أو غير تجارية منظمة بقوانين أو لوائح لمدة تزيد على خمس سنوات متصلة أو متقطعة. وهو شرط مجحف وشديد التعسف والظلم لأصحاب المعاشات ذلك أنه يحرمهم من حقهم المشروع مرتين: الأولى أن المعاشات ليست ملكا للحكومة تتصرف فيها كيفما تشاء بل هي أموال صاحب المعاش ادخرها من ماله الخاص على مدار عشرات السنوات لتوفر له حياة كريمة عند كبر السن فإذا بالحكومة تحرمه من حقه. الثانية أن الحكومة تحرم أصحاب المعاشات من حقهم المشروع أيضا في زيادة دخولهم في مرحلة حساسة وفي ظل كثرة الأعباء والتكاليف مع موجات الغلاء الفاحش التي لا تتوقف ولهيب الأسعار الذي لا ينطفئ أبدا منذ قرارات التعويم نوفمبر 2016م. وهل يحرم العمل الإضافي حق صاحب المعاش من صرف ماله الخاص الذي ادخره لدى الحكومة لسنوات طويلة؟!
  • يقضي القانون بحرمان الابنة من معاش والدها المتوفى عند بلوغها سنّ الرابعة والعشرين، حتى في حالة عدم زواجها أو عملها، خلاف الوضع السائد في مصر على مدار سنوات طويلة؛ ما يوجه ضربات اجتماعية قاسية لأصحاب المعاشات وأسرهم([6]). ويجرى قطع معاش المستحق من أول الشهر التالي للشهر الذي تتحقق فيه إحدى الحالات الخاصة بوفاة المستحق، وزواج الأرملة أو الأرمل أو البنت أو الأخـــت، وبلوغ الابن أو الأخ سن الحادية والعشرين، ويستثنى من ذلك حالات العاجز عن الكسب حتى زوال حالة العجز، والطالب حتى تاريخ التحاقه بعمل أو مزاولته مهنة أو تاريخ بلوغه سن السادسة والعشرين أيهما أقرب. ويستمر صرف معاش الطالب الذي يبلغ سن السادسة والعشرين خلال السنة الدراسية حتى نهاية تلك السنة، والحاصل على مؤهل نهائي حتى تاريخ التحاقه بعمل أو مزاولته مهنة أو تاريخ بلوغه سن السادسة والعشرين بالنسبة للحاصلين على الليسانس أو البكالوريوس وسن الرابعة والعشرين بالنسبة للحاصلين على المؤهلات النهائية الأقل أي التاريخين أقرب.

ورغم الانتقادات الحادة الموجهة للقانون الجديد، إلا أن الحكومة ترى أنه يقدم عددا من المزايا، أهمها فض الاشتباك المالي الموجود مع الخزانة العامة وبنك الاستثمار القومي، حسب مسؤولين في وزارة التضامن الاجتماعي. ومنذ 2016، لم تعلن الحكومة عن وظائف جديدة بسبب وجود ترهل في الجهاز الإداري للدولة، حسب مسؤولين، إذ يعمل في مصر نحو 5 ملايين موظف حكومي، بعد أن تم التخلص من 800 ألف موظف خلال 2017م، وعادة ما يتحدث السيسي عن موظفي الدولة باعتبارهم عبئا وأن الدولة بحاجة إلى مليوني موظف فقط ما يكشف عن توجهات نحو تسريح ثلاثة ملايين آخرين حتى وإن خرجت تصريحات السيسي والمسئولين تنفي ذلك.

 

أين الحد الأدنى للمعاشات؟

أمام هذه البراهين والأدلة التي تدين النظام، وتبرهن على تعمد إذلال المواطنين وإفقارهم فقد حرم أصحاب المعاشات من حقوقهم في ذات الوقت الذي ارتفعت فيه أجور ومرتبات رئيس الانقلاب ورئيس حكومته ووزرائه بحد 42 ألف جنيه شهريا، كما تم زيادة معاشات العسكريين 9 مرات منذ سطو السيسي على الحكم، وهو وضع مقلوب يأخذ من صاحب الحق ويعطي من لا يستحق. فلماذا تغيب العدالة في التوزيع؟ ولماذا يتعمد نظام 30 يونيو إذلال المواطنين وإفقارهم؟  فكبار السن معظمهم يعانون آلام المرض، وهم بحاجه للرعاية، والتأخير فى صرف العلاوة يؤذيهم ماليا، فالقوانين قد تتحمل التأجيل أو التأخير، لكن أصحاب المعاشات لا يتحملون أى تأخير فى صرف مستحقاتهم، ولماذا تجاهلت حكومة انقلاب 03 يوليو تفعيل نصوص الدستور والذي ينص على ضرورة إقرار حد أدنى للمعاشات؟  فالمادة  27 من دستور “2014” نصت على إقرار حد أدنى للأجور وأصحاب المعاشات فى نص واحد، ومع ذلك قامت الحكومة بإقرار الحد الأدنى للعاملين، وتغافلت عن تنفيذ ذلك مع أصحاب المعاشات، مخالفة بذلك ما نصت عليه المادة 53 من الدستور التى أكدت على عدم التمييز، وأكدت أيضاً على أن المصريين لدى القانون سواء، وأنهم متساوون فى الحقوق والواجبات، وأيضاً ما نصت عليه المادة 51،  والتى ألزمت الدولة بالحفاظ على كرامة الإنسان المصرى واحترامه وحمايته!.

ولماذا تتذرع الحكومة بأن الموازنة العامة للدولة لا تسمح بزيادة المعاشات رغم أن الموضوع في كثير من أبعاده وزواياه لا يرتبط كثيرا بموارد الموازنة العامة؛ فمن المعلوم أن أصحاب المعاشات يتقاضون معاشاتهم من إيرادات التأمينات، حيث يدفعها 18 مليونا من العاملين فى كل مؤسسات الدولة العامة والخاصة..  وهؤلاء يدفعون باستمرار  وما يدفعونه أكثر  بكثير من الأموال المخصصة لأصحاب المعاشات في معادلة دورية مستمرة لا تتوقف ودائما يكون من يدفعون من موظفي القطاعين العام والخاص أكثر من المستحقين من أرباب المعاشات، وهو ما يعصف بجميع ذرائع وحجج الحكومة؛  بخلاف مصادر أخرى لأصحاب المعاشات مثل فوائد الأموال التى تُستثمر فى عدة مجالات، أهمها الخزانة العامة، حيث تحتوى على صكوك غير قابلة للتداول وسندات، وهناك ما يقرب من 120 مليار جنيه، استثمارات فى بنوك وشركات استثمارية، تتهم نقابة أصحاب المعاشات الحكومة بالسطو على مكافآت هذه الاستثمارات بالمخالفة للقوانين، إضافة إلى اتهامات من جانب النقابة بأن أسهم هذه الاستثمارات قديمة ويصل عمرها إلى سنوات طويلة، أى أن قيمة هذه الأسهم ارتفعت عدة مرات لكن عائدها  لا يزال مجهولا.([7])

 

آفاق الحل

أمام أصحاب المعاشات مساران حيال التعامل مع هذا الظلم المبين:

الأول: وهو اللجوء إلى المسار القانوني؛ وذلك عبر رفع دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري للطعن على قانون المعاشات والتأمينات الجديد، باعتباره يخالف الدستور وقوانين أخرى. أملا في أن ترسل محكمة القضاء الإداري الدعوى إلى المحكمة الدستورية للفصل في مدى دستورية وبطلان بعض مواد القانون التي يرى أصحاب المعاشات أن البطلان وعدم الدستورية يشوبها من كل جانب.

المسار الثاني: هو الثورة على النظام، ذلك أن كل الوسائل الأخرى  يتحكم فيها النظام بالريموت كنترول، إضافة إلى أن المسار القضائي يستغرق سنوات طويلة دون الوصول إلى نتيجة مرضية تعيد لأصحاب المعاشات حقوقهم المأكولة. بخلاف  أن نظام 30 يونيو العسكري الذي سطا على الحكم عبر انقلاب عسكري دموي عصف بأي مسحة استقلال للقضاء وبات مهيمنا على جميع السلطات بشكل كامل ومطلق؛ وانتظار العدالة من قضاء السيسي كمن ينتظر التوبة من الشيطان.

خلاصة الأمر: أن حقوق أصحاب المعاشات لن تعود إليهم عبر المسار القانوني أمام محاكم السيسي؛ فالجميع يدركون أن القضاء مسيس وتابع للنظام من الألف إلى الياء. ولا حل إلا باندلاع ثورة جديدة تعيد الوطن المخطوف لناسه وأهله، وتضع عقد اجتماعي جديد يقوم على أسس سليمة وصحيحة لبناء وطن حر مستقل ينعم فيه الجميع بالحرية والعدالة والمساواة أمام القانون، وبناء منظومة حكم رشيد يعمل لخدمة الشعب وتوفير الرفاهية له لا مستبدين وجلادين يأكلون أموال الناس ظلما ويسومونهم سوء العذاب تحت لافتة الدفاع عن الأمن القومي وحماية الدولة من شعبها.

الأربعاء 22 يناير 2019م

 

[1] هادير أشرف – محمد الخولي بالفيديو/ أموال المعاشات.. 800 مليار “ديون معدومة”/ مصر العربية  09 مارس 2016

 

[2] «التضامن» و«المالية» ترفضان تحمل تكاليف صرف العلاوات الخمسة لأصحاب المعاشات/ مدى مصر 12 يناير 2020

[3] محمود جاويش/ خلاف بين «المالية» و«التأمينات» بسبب تنفيذ صرف «العلاوات الخمسة»/ المصري اليوم الأحد 12 يناير 2020

 

[4] عبدالله عبده/4 ألغام في قانون المعاشات المصري الجديد/ العربي الجديد 30 ديسمبر 2019

 

[5] أحلام حسنين /«التحالف»: سنطعن عليه.. والمراغي: نقلة نوعية..قانون المعاشات الجديد.. غضب وطفرة واتجاه للطعن/ مصر العربية 27 أغسطس 2019

 

[6] قانون صادم في مصر: حرمان غير المتزوجة من معاش والدها/العربي الجديد 26 أبريل 2019// حكومة السيسي تستبعد بعض فئات المصريين من المعاشات/العربي الجديد 28 يونيو 2019

 

 

[7]  البدري فرغلي/ جريمة العصر فى فوائد أموال المعاشات!!/ المصري اليوم السبت 14 أغسطس 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع المنصرم   أولا…