‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر موت الثقافة المصرية على أعتاب معرض القاهرة للكتاب
مصر - يناير 27, 2020

موت الثقافة المصرية على أعتاب معرض القاهرة للكتاب

مع انطلاق الدورة الـ51   لمعرض القاهرة للكتاب، تتصاعد آلام المثقفين المصريين، الذين يواجهون الامتهان العقلي والجسدي على أعتاب صالات العرض بمنطقة التجمع الخامس، شرقي القاهرة، وهو ما يدفع الكثير من المثقفين والقراء وعشاق الكتاب، للعزوف عن المشاركة في المعرض، والذي تحول بفعل العقلية الأمنية القاهرة لمصيدة للمثقفين وأصحاب الرأي.

وللعام الثاني على التوالي يقام المعرض، في مقره الجديد بأرض المعارض بالتجمع الخامس، في الفترة من 22 من يناير الحاليّ وحتى 4 من فبراير القادم، بمشاركة 38 دولة عربية وأجنبية، (12 دولة إفريقية، و11 دولة أوروبية و13 دولة آسيوية، ودولتين من أمريكا الشمالية).

الدورة الـ51 من المعرض الذي يأتي تحت شعار “مصر إفريقيا.. ثقافة التنوع” الذي تحل فيه السنغال ضيف شرف، في سابقة هي الأولى من نوعها لدولة إفريقية تشارك كضيف شرف المعرض منذ افتتاحه، يطغى عليه البُعد السياسي الممتزج بالإطار الثقافي وهو ما تترجمه حزمة من الشواهد والفعاليات التي يتضمنها على مدار أسبوعين كاملين.

وجاء اختيار السنغال في إطار الترويج لرئاسة مصر للاتحاد آلافريقي إذ اقتصرت المشاركات آلافريقية كضيف من دول شمال إفريقيا الناطقة بالعربية، جاءت مغلفة بالصبغة السياسية، تزامنا مع رئاسة مصر للاتحاد آلافريقي عام 2019، واهتمام القاهرة بضرورة الانفتاح على الثقافات آلافريقية بعد جفاء دام طويلًا أسفر عن تراجع مكانة مصر القارية.

ويشارك في المعرض هذا العام 900 دار نشر من بينهم 398 دار نشر مصرية، 255 ناشرًا عربيًا، و41 تاجرًا من سور الأزبكية، و99 توكيلًا، إضافة إلى ما يقرب من 929 فعالية ثقافية وفنية، و3502 من المشاركين المصريين والعرب والأجانب، فيما تشارك بعض الدول لأول مرة.

كما يستضيف المعرض في دورته الحاليّة عددًا من الشخصيات الثقافية العامة من عدد من الدول العربية وآلافريقية والأوروبية، على رأسهم ، بيروني رحيم “زيمبابوي” وخوسيه مورينو “إسبانيا” وولي كيندر “بوركينا فاسو” وهيدي جودرتيش “أمريكا” وطارق الطيب “السودان” وضياء الأسدي “العراق” وعيسى الأنصاري “الكويت” وحاتم الصكر “الإمارات” وشربل داغر “لبنان” وتركي الحمد “السعودية” ومحمد الأشعرى “المغرب”، ومحمد أخطانا “موريتانيا” وكانديس ماما “جنوب إفريقيا”، والمنصف الوهابي “تونس”، ومراد السوداني “فلسطين”.

ورغم ذلك الزخم المعلن، يبدو في آلافق فرزا ثقافيا تزايد، إزاء الكثير من الكتاب والمثقفين العرب، الذين يجري استبعاد شخوصهم أو نتاجهم الثقافي والعلمي.

 

قلة المبيعات

فيما يشتكي مشاركون من تراجع المبيعات وتضاعف الخسائر في ظل الإحجام عن الشراء لأسباب عدة على رأسها أسعار الكتب الغالية والأزمة الاقتصادية التي يشهدها الشارع المصري.

وترجع أسباب ركود المبيعات لارتفاع أسعار الكتب ذاتها في ظل القفزات الجنونية في أسعار الورق والطباعة والضرائب مقارنة بالسابق، وأخرى تتعلق بالتحديات الاقتصادية التي تواجه النسبة الكبرى من الجماهير التي وقعت بين خيارين غاية في الصعوبة، إما الطعام والشراب أو الثقافة، وعليه اكتفى الكثير منهم بالحضور من باب “الفرجة” فقط والتقاط الصور والفيديوهات.

ورغم التحديات التي تواجه معرض القاهرة الدولي للكتاب، التي ربما تهدد مستقبله حال استمر الوضع على ما هو عليه دون مراجعة من المسؤولين عن الثقافة في مصر في ظل استحداث معارض أخرى بديلة، كالأزبكية ودرب المعز.

 

إقصاء فكري

وشهد المعرض في دورته الحاليّة غياب بعض دور النشر التي اعتادت المشاركة طيلة السنوات الماضية، فيما تعددت مبررات الغياب، بين دوافع أمنية وأخرى سياسية، فيما جاءت الدوافع المادية في المقدمة في ظل زيادة أسعار إيجارات المساحات المخصصة لدور النشر في المعرض.

ومن ضمن الممنوعين من المشاركة في المعرض في دورته الحالية، مكتبة “تنمية”، كما أن قلة المساحة في المعرض الجديد مقارنة بالقديم قلصت حجم الدور المشاركة، وهو ما انعكس على أسعار إيجار المتر الواحد، وهو ما ينطبق أيضا على “بنك المعلومات العربي” إحدى الدور المتخصصة في النشر الإلكتروني والمشاركة بانتظام في المعرض، لأنهم رفضوا المشاركة في النسخة الحاليّة من المعرض للأسعار الباهظة التي باتت عليها أماكن استئجار الإقامة داخل مركز المؤتمرات، المقر الجديد.

وهو ما يؤكد أن قلة المساحة في المعرض الجديد مقارنة بالقديم قلصت حجم الدور المشاركة، وهو ما انعكس على أسعار إيجار المتر الواحد، فبعدما كان لا يتجاوز 800 جنيه قفز إلى 1200 جنيه للدار وضعف هذا الرقم لشركات الكمبيوتر والاتصالات، الأمر الذي يجعل المشاركة مغامرة مادية غير محسوبة، إذ أن الإقبال في ظل تباعد المكان لن تكون بالشكل المتوقع، هذا بخلاف تراجع حركة البيع عمومًا بسبب زيادة أسعار الكتب والمؤلفات عن السنوات السابقة، وهو ما يجعل تعويض المبلغ المنفق على الإيجارات والمصروفات الأخرى أمرًا صعبًا..

 

 

تضييق أمني على الجمهور

 

وبشكل مستهدف، تأتي سياسات التفتيش والتوقيف للجماهير كسياسة عامة، تنتج عنها الطوابير الممتدة على أبواب المعرض الخمسة، وقد يستغرق الدخول وقتًا طويلاً ربما يصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 30 دقيقة، حيث التفتيش الدقيق لحقائب السيدات على وجه الخصوص إضافة إلى الازدحام الشديد من رجال الأمن حول بوابة الدخول.

وبعد الانتهاء من هذا الطابور المرهق قد يتوقع البعض أن الأمر انتهى، وبات في مقدرة المواطن أن يتجول داخل المعرض وقاعاته بأريحية نسبية كما كان الوضع في السنوات السابقة، لكن الوضع لم يكن كذلك، ففي مدخل كل قاعة يوجد طابور آخر وبوابة إلكترونية جديدة، وتفتيش ربما يكون أكثر دقة من الباب الرئيسي، وفق شهود عيان.

تلك الإجراءات الأمنية المتعمدة تتسبب في إرهاق المواطنين وتضيع عليهم الكثير من الوقت فضلاً عن الإجهاد الكبير جراء الوقوف لوقت طويل.

 

الضغوط الأمنية

 

ومن ضمن التضييقات الأمنية ، ما وصفه أستاذ النقد والأدب العربي بجامعة عين شمس د. حسام عقل، من حيث عدم الالتزام بجدول الندوات، وفزع الناشرين من المشاركة بسبب السياق الأمني المحتقن، وما يمكن تسميته “عملية الردة الشاملة عن الحريات”، بل إن الأمر لم يطل الناشرين المصريين فحسب، فالقمع وصل إلى الزوار الأجانب للمعرض، حيث اعتقلت قوات الأمن في دورة المعرض في 2014، مواطنا يمنيا بتهمة التصوير في المعرض!

بجانب ذلك، ما تناولته “دويتش فيله” الألمانية فالمعرض يعكس حالة الانقسام السائدة وحالة التشدد في مواجهة كل ما ينتسب للإخوان المسلمين سواء أعمال أو شخصيات، وغلبة المطبوعات التي تهاجمهم وتنال من سياساتهم وشخصياتهم وتاريخهم.

 

مستقبل غامض

ومع مرور الوقت تحول معرض القاهرة للكتاب من محفل ثقافي ينتظره عامة الشعب قبل النخبة إلى إحدى أدوات تنفيذ الأجندة السياسية للنظام الحاكم، وهو ما قد يفقد المعرض الأكبر والأقدم في المنطقة بريقه الذي ظل على مدار عقود طويلة مضت قبلة للناشرين والمتابعين للشأن الثقافي من مختلف دول العالم.

 

أبعد من معرض الكتاب قهر المثقفين

 

وفي إطار القمع الممنهج الذي يمارسه السيسي، أعلنت إدارة سلسلة مكتبات “ألف”، مؤخرا، غلق 37 فرعًا لها بشكل رسمي، وتسريح أكثر من 250 موظفًا، بعد نحو 10 أعوام من افتتاحها، وحصار دام قرابة العامين، إثر قرار لجنة التحفظ على أموال جماعة “الإخوان” بالتحفظ على أموال “الشركة العربية الدولية للتوكيلات التجارية” المالكة لعلامتها التجارية، وتعيين مراقبين إداريين وماليين من طرف اللجنة لمراقبة الأداء الإداري والمالي للشركة.

فيما يخضع صاحب مكتبات “ألف” الشهيرة المحلل الاقتصادي عمر الشنيطي، قيد الحبس الاحتياطي منذ اعتقاله من منزله في 25 يونيو الماضي، على ذمة القضية رقم 930 لسنة 2019 (حصر أمن دولة)، والمعروفة إعلاميًا بـ”تحالف الأمل”، بدعوى اتهامه بـ”مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها”، و”نشر أخبار ومعلومات وبيانات كاذبة بقصد زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة”.

وبدأت “ألف” العمل في قطاع الثقافة والتوزيع بمصر عام 2009، وتتعامل مع أكثر من 400 دار نشر مصرية توظف وتشغل الآلاف من الموظفين، وأسهمت سلسلة مكتباتها في تطوير القطاع الثقافي بالبلاد على مدار عشر سنوات، من خلال تدشين 37 فرعًا لها تغطي 10 محافظات مصرية، إلى جانب فرع وحيد بالخارج في المملكة المتحدة.

وبحسب بيان سابق لها، مرّت على مكتبات “ألف” أحداث جسام تعرضت لها البلاد من ثورات وإضرابات، و”أثبتت خلال هذه الفترات والأحداث أنها منصة ثقافية مستقلة ومحايدة، ولا تتبع لأي حزب أو فصيل سياسي أو ديني، وكذلك مؤسسوها وشركاؤها، وليس هناك دليل على تلك الحيادية أكثر من التنوع الثقافي الواضح والجلي في الكتب المعروضة بها، وطبيعة الندوات الثقافية التي تقام بفروعها”.

ففي 21 أغسطس 2017، أصدرت مكتبات “ألف” بيانًا عبر صفحتها على فيسبوك أوضحت خلاله أن التحفظ يتمثل في تعيين مراقبين إداريين وماليين من طرف اللجنة لمراقبة الأداء الإداري والمالي للشركة، ولا يترتب عليه أية مصادرة أو تأميم كما نشرت بعض المنصات الإعلامية.

ثم تطور الأمر بالحصار الأمني لمدة عامين أدى لإغلاق كافة الفروع.. بعد أن مر عليها أكثر من ألف موظف ويعمل بها حاليًا 250 موظف، كما تتعامل مع أكثر من 400 دار نشر مصرية توظف وتشغل آلاف الموظفين.

 

كما يقبع في سجون مصر آلاف العلماء والمثقفين، والأكاديميين والعلماء، بمزاعم واهية تنطلق من القمع الثقافي ومحاولة السيسي ترسيخ الجهل ومجتمع العسكر وأصحاب ثقافة الـ50 بالمائة.

فمؤخرا، أيدت محكمة النقض سجن الكاتب والناشر خالد لطفي مؤسس دار تنمية خمس سنوات، بعد نشره لرواية “الملاك” الصادرة بإسرائيل، بعد ترجمتها للعربية، والتي تتناول حياة صهر الرئيس الراحل حمال عبد الناصر، أشرف مرون.

كما صدرت التعليمات الأمنية للجامعات المصرية بتحديد وتحجيم إعداد الرسائل العلمية في أطر يقبلها النظام، وبعد استئذان الأجهزة الأمنية، وهو ما يمثل قمة القمع الثقافي والمعرفي، الذي يعود بمصر لأكثر من 60 عاما، كما سبق أن توعد السيسي قبيل انقلابه العسكري.

وتعرضت كل من الثقافة والفن في مصر لقمع شديد في عهد السيسي ليقع عدد من الفنانين والمثقفين تحت مطرقة القانون، ويواجهون تهما بـ”مخالفة المعايير الأخلاقية” و”إهانة الدولة”، لتبقى هذه الاتهامات حائط صد ضد حرية الرأي والتعبير.

ففي الفترة الأخيرة، أثارت مسرحية “سليمان خاطر” جدلا كبيرا بعد عرضها في “نادي الصيد”، ليتفاجأ الوسط المسرحي بقرار وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبدالدايم؛ بوقف المسرحية بدعوى أن العرض يحمل إهانة للقوات المسلحة، وعدم حصولها على موافقة الرقابة، وأنها اتخذت الإجراءات القانونية، وسيُحقق في الواقعة.

 

وأمر المدعي العام العسكري بحبس فريق مسرحية “سليمان خاطر” 15 يومًا على ذمة التحقيقات، ووجه لهم تهمة إهانة الجيش المصري. كما حبس المونتير “طارق زيادة”، 15 يوما على خلفية استكمال التحقيقات لإنتاجه فيلما تسجيليا بعنوان “سالب 1095 يوم”؛ لنشر الأكاذيب والتحريض ضد الدولة.

وبحسب التحقيقات يظهر في الفيلم بعض النشطاء الذين تحمل تصريحاتهم إساءة للدولة المصرية، ما اعتبرته النيابة تحريضًا ضد الدولة وتكديرًا للسلم العام وإثارة الفوضى وزعزعة استقرار البلاد، كما تم القبض على أعضاء فرقة “أطفال الشوارع” بسبب سخريتهم من الحالة السياسية العامة للبلد.

كما اعتقل رسام الكاريكاتير إسلام جاويش صاحب صفحة “الورقة” على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، بتهمة رسم السيسي في كاريكاتير ضد النظام.

علاوة على ذلك، يسعى السيسي عبر تقنين القمع الثقافي وقهر معارضيه بتشريعات قانونية، تقضي على الحريات الثقافية والاعلامية والتضييق على حرية التعبير، كما تنامى معدلات إغلاق حسابات النشطاء والكتاب والمعارضين على مواقع التواصل الاجتماعي، بمزاعم نشر الأخبار الكاذبة، بجانب إغلاق القنوات التلفزيونية  ومصادرة الكتب والصحف وإغلاق أكثر من 500 موقعا إلكترونيا وصحفيا.

بجانب مصادرة الكتب والاصدارات من المكتبات والمطابع وهي إجراءات قمعية دفعت الآلاف من المثقفين للهروب خارج مصر وإغلاق حساباتهم على مواقع التواصل، وهو ما تزايدت معه موجات التسطيح والتجهيل الذي بات أسلوبا سلطويا ، يدير به نظام السيسي مصر.

وهو ما يطلق عليه مركز كارنيغي للدراسات ، في دراسة أستاذ العلوم السياسية، د.عمرو حمزاوي : “تقنين السلطوية – زمن القمع الجديد في مصر”، مشيرا إلى أن ” النظام السلطوي الجديد في مصر يعمد  إلى تمرير القوانين غير الديمقراطية واستخدام نظريات المؤامرة وخطاب الكراهية ومقولات الشعبوية في إطار ترسيخ حملته القمعية”.

 

ومن خلال هذه الاستراتيجية

تُمأسس الحكومة المصرية عقيدتها السلطوية الجديدة كي تصبح جزءاً لايتجزأ من جهاز الدولة، الأمر الذي سيُمكِّن الجيش وأجهزة الأمن والمخابرات من السيطرة على المجتمع المدني بنذرٍ يسير من الرقابة والإشراف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…