‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر بيزنس الداخلية المصرية.. الأبواب الخلفية للجباية وفرض الإتاوات
مصر - يناير 31, 2020

بيزنس الداخلية المصرية.. الأبواب الخلفية للجباية وفرض الإتاوات

هناك إمبراطورية اقتصادية ضخمة تدور شبكتها بين رجال الجيش وضباط الداخلية ورجال أعمال ومنتفعين تقوم على التجارة غير المشروعة، مثل تهريب الآثار وإدخال المواد المخدرة والأدوية، هذا القطاع على أي حال أضخم مما يتوقع البعض. وعلاقات الشرطة بالخارجين عن القانون الذين يتاجرون بالسلاح أو التهريب مع الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك في تجارة السلاح في الجنوب، ناهيك عن الآثار، معلومة علم اليقين؛ وكل  بيزنس له شبكة مافيا موغلة في اختراق أجهزة الدولة وتسخيرها لخدمة ومصالح هذه الشبكة الرهيبة لعوالم المافيا والجريمة المنظمة الخفية.

تأتي أهمية أمناء الشرطة في أنهم الأذرع المباشرة لجهاز الشرطة، يتحكم فيهم الضباط بشكل كبير، ويديرون إمبراطوريات اقتصادية سرًّا، خصوصًا في الملفات غير القانونية، تبدأ من الرشاوى وصولًا إلى الإتاوات وتجارة المخدرات وتجاوز القانون، ويأتي انتشارهم في القطاعات غير الشرعية تلك لمحددين؛ الأول: لأنهم مهمشون ماديًّا ومعنويًّا، ثانيًا: لقبول الضباط لنشاطهم بل اشتراك البعض معهم.

الوضع الاقتصادي المتضخم للشرطة ينبئ عن عصر جديد من تقاسم المكاسب بين الأجهزة الأمنية، وعودتهم كمنتفعين مباشرين من بقاء نظام انقلاب 30 يونيو، وبالتالي السعي للحفاظ عليه. وبخلاف شبكة الاستثمارات الضخمة التي بدأت الداخلية في تأسيسها سنة 2000  في عهد اللواء حبيب العادلي؛ فإن هناك عشرات بل مئات الأبواب الخلفية التي يمارس من خلالها جهاز الشرطة وضباطه وعناصره صورا  هائلة من البيزنس الحرام في التهريب والرشوة والسرقة وتجارة السلاح والمخدرات والآثار والجريمة المنظمة.

لكن البوابة الخلفية الأكبر التي تدر على الداخلية مليارات هائلة بلا حسيب أو رقيب هي “الصناديق الخاصة” التي تحولت إلى مغارة علي بابا  تدر عشرات المليارات التي يتم نهبها وتوزيعها على كبار القادة واللواءات وأصحاب النفوذ وشبكات المافيا  التي تدير عالم التهريب الواسع من الآثار والسلاح والمخدرات إلى كل اشكال البيزنس والتجارة الحرام، إضافة إلى زيادة الرسوم على جميع خدمات الوزارة واستخراج الوثائق الرسمية وهو باب عظيم من أبواب الجباية الذي يدر مليارات لا حصر لها بلا حسيب أو رقيب ومن جيوب الشعب الذي يصل عدد فقرائه إلى 60 مليون مصري. ورغم المصادر الرهيبة التي تدر على الوزارة عشرات المليارات إلا أن مخصصات وزارة الداخلية في الموازنة العامة للدولة  تقفز قفرات واسعة؛ رغم أنه من المنطقي أن تتراجع في ظل وجود موارد أخرى للوزارة تقدر بعشرات المليارات لا يتم رصدها في موارد الدولة بالموازنة العامة.

 

مخصصات الداخلية بالموازنة ([1])

بلغت مخصصات الشرطة المصرية في موازنة العام المالي الأخير في عهد مبارك  2010/2011 قرابة 18  مليار جنيه، لتحتل المركز الثالث بين الجهات التي تتلقى أكبر المخصصات. منها عشرة مليارات للأجور فقط. ثم ارتفعت مخصصات الداخلية في عهد المجلس العسكري خلال العام المالي 2012/2013م إلى 26.3 مليارا؛ بزيادة قدرها 8 مليارات دفعة واحدة من أجل محاولات المجلس العسكري فرض الحالة الأمنية خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت الإطاحة بمبارك. ثم ارتفعت مجددا في أول موازنة للداخلية بعد انقلاب 30 يونيو وبلغت مخصصات الشرطة في موازنة 2013 – 2014 نحو 32.6 مليار جنيه.

وخلال السنوات اللاحقة، ارتفعت مخصصات الشرطة في موازنة 2017/2018 إلى 41.4 مليارا ، زادت بمقدار 7 مليارات في موازنة 2018/2019 لتصل إلى 48.5 مليارا.  لتصل في آخر موازنة خلال العام المالي 2019/2020 إلى (51 مليارًا و582 مليون جنيه) كجزء من مخصصات قدرها “69.68 مليارا” لقطاع النظام العام وشئون السلامة العامة” الذي يضم خدمات الشرطة، والسجون، والمحاكم، ووزارتي الداخلية والعدل، والمحكمة الدستورية، والهيئات القضائية، ودار الإفتاء المصرية، وصندوق تطوير الأحوال المدنية، وصندوق أبنية المحاكم، وصندوق السجل العيني.

من خلال هذا الاستعراض فقد ارتفعت مخصصات الشرطة من 14 مليارا في 2011م إلى 51.5 مليارا في 2020 بزيادة قدرها  “37” مليار جنيه دفعة واحدة!  وهي أعلى زيادة بين جميع مخصصات باقي قطاعات  وبنود الموازنة.

 

بيزنس الصناديق الخاصة

قدرت وزارة المالية عدد حسابات الصناديق والحسابات الخاصة في البنك المركزي المصري بـ7306 حسابات، بواقع 1021 حساباً بالعملة الأجنبية و6285 حساباً بالعملة المحلية، بمجموع أرصدة 66 مليار جنيه، وفق آخر حصر في فبراير 2017. في المقابل، تشير تقارير وإحصاءات غير رسمية إلى وجود أكثر من 10 آلاف صندوق، تزيد حساباتها عن تريليون جنيه (61.7 مليار دولار) لا تدخل في موازنة الدولة.([2]) وفي ديسمبر 2016، أكد رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، المستشار هشام جنينة، أن حديث رئيس الحكومة المهندس شريف إسماعيل عن فتح ملف الصناديق الخاصة، أمر صعب. وأضاف جنينة، في تصريحات لـ «موقع مصر العربية»، أن «الصناديق الخاصة ملف شائك جداً، ويصعب الاقتراب منه؛ ﻷن هناك جهات سيادية ليس من صالحها فتحه».([3])

في سبتمبر 2014، أكد رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، المستشار هشام جنينة، أن وزارة الداخلية لديها أكثر من 60 صندوقاً، والجهاز لا يستطيع فحص سوى خمسة صناديق فقط. وطالب جنينة حينها بإصدار مرسوم بقانون يُلزم كافة أجهزة الدولة بالإفصاح عن الصناديق الخاصة لديها، وأوجه إنفاقها، والسند القانوني لعمل هذه الصناديق. وبدلا من الاستجابة لجنينه  أطاح الطاغية عبدالفتاح السيسي  بجنيه من رئاسة الجهاز في مارس 2016م،  بناء على القانون رقم 89 لسنة 2015،  الذي سنه السيسي بشأن حالات إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم،  وهو  القانون الذي يجمع خبراء القانون والدستور على بطلانه وعدم دستوريته وتضاربه مع المادة 20 من قانون الجهاز المركزى.

وتعد الصناديق الخاصة من المصادر المهولة لإمبراطورية الشرطة الاقتصادية؛  فبعد صدور القرار الجمهورية  للصناديق الخاصة رقم 38 لسنة 1967، في عهد الدكتاتور الراحل جمال عبدالناصر، ثم بقرار في عهد الرئيس الراحل أنور السادات رقم 53 لسنة 1973، ومع لجوء الجهات الحكومية إلى إنشاء أعداد لا حصر لها من الصناديق، انفتح الباب على مصراعيه للفساد المالي والإداري. فقد ذهبت معظم أموال الصناديق في جهاز الشرطة  لشراء هدايا أو لتقديم مكافآت وبدلات لكبار المسؤولين، فاستحوذت تلك البنود وأمثالها على ما يزيد على 90% من إجمالي المنصرف في بعض الحسابات، في حين أن النسبة المقررة هي 20% فقط. وقد نتج عن عدم إحكام الرقابة على الصناديق مخالفات مالية جسيمة؛  فوفقًا للجهاز المركزي للمحاسبات، يدخل أكثر من 60% من جملة مصروفات الحسابات الخاصة في دائرة المخالفات المالية وإهدار المال العام.([4]) وتحولت الصناديق الخاصة إلى «مال سايب» ووصل الفساد فيها «للركب».

وبحسب جنينة، يحتوي نحو 38 صندوقا من صناديق الداخلية الخاصة على 12 مليار جنيه، لم يذكر منها جودت الملط رئيس جهاز المحاسبات الأسبق فى أحاديثه الصحفية غير خمسة فقط، وذكر إيراداتها ومصروفاتها عن العام المالى 2009/2010، بخلاف صناديق أخرى أهملها تقرير الجهاز المركزي، منها صندوق «التأمين الخاص لضباط الشرطة»، وصندوق «الولاء لضباط الأمن المركزي» الذي تتبعه مخابز الشرطة والذي يعمل به جنود بالخدمة تتحمل الدوله كافة مخصصاتهم، وصناديق «المرور» التي تودع بها أغلب متحصلات المرور، فضلا عن الحسابات الخاصة لشركة «الفتح» التي تقوم بأعمال وتوريدات وزارة الداخلية بالأمر المباشر، و«مركز صيانة السيارات» بطريق مصر الإسكندرية الصحراوي، وفنادق ونوادي الشرطة، وكل تلك الصناديق تعمل دون رقابة تذكر من الجهاز المركزي للمحاسبات. وصلت ميزانية الحسابات الخاصة بوزارة الداخلية  قبل ثورة يناير إلى رقم فلكي: 120 مليار جنيه على مدى 12 عامًا، نسبة كبيرة منها استخدمتها قيادات الداخلية في الاستيلاء على المال العام من خلال فرض رسوم تم تجنيبها لصرف حوافز أو مكافآت للقيادات بالمخالفة للقوانين واللوائح.([5])

 

إتاوات السجون ومقار الاحتجاز

ارتفع عدد السجون في عهد السيسي إلى 68 سجنا منها 26 تم بناؤها في سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م لتتوزع خريطة السجون بين جميع المحافظات والجهات.  هذا بخلاف (382) مقر احتجاز  داخل مراكز وأقسام الشرطة، إضافة إلى السجون السرية في المعسكرات، وذلك وفقا لتقرير صادر عن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.([6]) ومن أهم السجون التي أُنشئت في عهد السيسي سجن الصالحية العمومي الذي خصصت له محافظة الشرقية مساحة عشرة أفدنة عام 2014، وسجن 15 مايو المركزي بالقاهرة الذي افتتح منتصف 2015 على مساحة 105 آلاف متر مربع. وشملت قائمة السجون الجديدة سجن ليمان شديد الحراسة بمحافظة الدقهلية على مساحة 42 ألف متر، وسجن دمياط المركزي، وسجن مركزي تابع لقسم ثاني بنها، وسجن العبور، وسجن طرة (2) شديد الحراسة بمجمع سجون طرة، وليمان المنيا، وسجن عمومي المنيا شديد الحراسة.

على مدار السنوات الماضية كانت السجون ومقار الاحتجاز المختلفة على مستوى الجمهورية سبوبة هائلة للداخلية كوزارة ولعناصرها من الضباط والأمناء والمخبرين؛ لكنها في سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م تحولت إلى  من سبوبة إلى بيزنس هائل وضخم، فلا حقوق مطلقا لأي مواطن في هذه المقار وكل شيء بثمنه حسب الخدمة وحجمها وخطورتها والمكان الذي تجري فيه.

فلكي تأكل وتشرب لا بد أن تدفع، ولكي تجد مكانا مناسبا للجلوس  فكل شيء بثمنه، أما لكي تحصل على مكان للنوم فلذلك سعر  خاص لا يقدر عليه إلا الأثرياء في ظل اكتظاظ غرف الحجز والزنازين في المراكز والأقسام بأضعاف سعتها الأصلية؛ ولكي يتمكن الأهل والأقارب من زيارة ذويهم فلا بد من رشوة الأمناء ولكي يدخلوا الطعام تزداد الإتاوة، ولكي يرسلوا ملابس أو أغطية فالإتاوة ترتفع فكل شيء بثمن؛ بحسب شهادات معظم أهالي المعتقلين السياسيين والمسجونين الجنائيين.

أولا، تنص المادة 14 الخاصة بالحبس الاحتياطي بعد تعديلها عام 2015 على أن من حق “المحبوسين احتياطيا الإقامة في أماكن منفصلة عن أماكن غيرهم من المسجونين، ويجوز التصريح للمحبوس احتياطيا بالإقامة في غرفة مؤثثة مقابل مبلغ يحدده مساعد الوزير لقطاع مصلحة السجون لا يقل عن 15 جنيها يوميا، وفقا للإجراءات والقواعد التي تحددها اللائحة الداخلية”. لكن القانون قيّد هذه المادة بجملة: “وذلك في حدود ما تسمح به الأماكن والمهمات بالسجن”، وهذا معناه “في حالة عدم توافر الأماكن أو المهمات في السجن فليس من حق المحبوس احتياطيا الجلوس في هذه الغرف أو الاعتراض على عدم وجودها”. بالطبع هذه  النصوص حبر على ورق ولا وجود لها على أرض الواقع؛ لأن الإصرار على تعذيب المعتقلين والمحتجزين والسجناء من شأنه أن يفتح كل الأبواب الخلفية للفساد والبيزنس الحرام ويملأ جيوب وكروش ضباط الشرطة وعناصرها بالملايين الحرام.([7])

ثانيا، في السجون العمومية، رفعت الداخلية رسوم الزيارة من 3 جنيهات إلى 15 جنيها مرة واحدة.

ثالثا، يضطر أهالي المعتقلين السياسيين والجنائيين لدفع رشوة في الزيارات، لتجاوز مراحل التفتيش الثلاثة، بداية من”التفتيش الذاتي”، على سجون الرجال والنساء وفيه يقف 3 مخبرين أو مخبرات يأخذ كل منهم 10 جنيهات، تجنبا للإهانة منهم أثناء التفتيش. ثم  “تفتيش السير” فيتم دفع 20 جنيها من أجل السماح بدخول شنط الطعام والملابس، وأخيرا “مرحلة الختم وتسليم البطاقة” للدخول للزيارة مبكرا، وهنا يقف ثلاثة أيضا يأخذ كل منهم 30 جنيها. وتقدر إحدى أمهات المعتقلات ما تدفعه  من إتاوة أسبوعية لإدخال الطعام والملابس بحوالي 200 جنيه أسبوعا بخلاف تكلفة إعداد الزيارة ذاتها.

رابعا، بعد الدخول، تجبر إدارة السجن أهالي المعتقلين السياسيين على مقابلة ذويهم 10 دقائق فقط رغم أن لائحة السجون تسمح بساعة كاملة للزيارة فيضطر الأهالي إلى دفع مزيد من الإتاوة من أجل الحصول على فترتهم القانونية والبقاء فترة أطول مع ذويهم أثناء الزيارة.

خامسا، هناك أيضا رسوم إجبارية منها إجبار أهالي المعتقلين والمحبوسين سياسيا وجنائيا على ركوب الطفطف؛ لأن إدارة السجن تمنع الأهالي من المشي داخل ممر السجن حتى مكان الزيارة.

سادسا، في تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية تحت عنوان “البيع في الكانتين.. الإفقار العمدي في السجون” الذي صدر عام 2018، ألقى التقرير الضوء على الاستغلال الاقتصادي للمساجين عن طريق الكانتين، وطبّق ذلك على سجن العقرب خلال الفترة من 2016 إلى 2017، فأشار التقرير بعدم ذكر الكانتين في لائحة السجون، ولا حتى الأسس التي وُضعت على أساسها الأسعار، وبالتالي تستطيع إدارة السجن رفع أسعار أبسط السلع لتحقيق أكبر ربح ممكن. ولذلك تضيق إدارة السجون على الأهالي في إدخال الأطعمة والملابس لإجبارهم على الشراء من الكانتين؛ والذي يمثل بوابة خلفية كبيرة لبيزنس السجون؛ فأسعارها نار  ولا تبيع سوى السلع الأساسية، مثل السكر، والزيت، والشاي، والأرز، والملح، وعلب الفول، والتونة، لذلك تمنع إدارة السجن دخول هذه السلع حتى تُجبر المعتقلين على شرائها من الكانتين. فزجاجة المياه المعدنية التي تباع ب3 جنيهات بالخارج تباع بـ10 جنيهات في الكانتين. ومسحوق الغسيل الذي يمكن الحصول عليه بـ30 جنيها بالخارج يباع بـ83 جنيها بالكانتين. وفي سجن القناطر افتتحت الداخلية فرعا من حلويات العبد لحسابها الخاص فتم منع إدخال الحلوى مطلقا عن السجينات.([8])

 

أبواب الجباية الخلفية

يخضع قطاع التفتيش والرقابة في وزارة الداخلية لتوجهات حاسمة بمنع تداول  أي معلومات تمس بسمعة الوزارة أو تكشف عن إحصائيات رسمية تتعلق بقضايا الفساد المالي أو حتى القضايا المتداولة وعلى رأسها قضية الفساد الكبرى المتهم فيها الوزير الأسبق حبيب العادل وعشرات من قيادات الوزارة.  لكن تحقيقا جادا قامت به إحدى صحفيات جريدة “العربي الجديد” التي تصدر من لندن في منتصف 2015م، تمكنت خلاله من رصد حوادث الفساد المرتبطة بعناصر الشرطة من الضباط والأمناء والأفراد، عبر صفحات الحوادث في خمسة صحف تابعة للنظام، وهي المصري اليوم والشروق واليوم السابع وفيتو والصباح.([9]) وكشف التقرير عن رصد حبس 13 أمين شرطة و10 ضباط برتب مختلفة، بتهم استغلال النفوذ والتزوير والرشوة واختلاس الأحراز والسرقة والاتجار بالمخدرات في عام 2014، بينما تم حبس 15 ضابطا و6 أمناء شرطة في تهم مختلفة أبرزها سرقة وتهريب السيارات وتزوير أوراقها، والرشوة، واستغلال النفوذ، والنصب، وحيازة المخدرات خلال  عام 2015، إلا أن الجريمة الأكثر غرابة كانت استغلال سيارة بوكس من قبل أمين شرطة وضابط بالشروق، لسرقة المارة بالإكراه بعد القبض عليهم وابتزازهم لإطلاق سراحهم. ومن أبرز الأبواب الخلفية للفساد وبيزنس ضباط وعناصر الشرطة:

أولا، زيادة رسوم الخدمات، التي تدر الملايين كل شهر للداخلية، حيث رفعت حكومة السيسي خلال السنوات الماضية رسوم جميع الخدمات التي تقدمها الداخلية، مثل استخراج الوثائق الرسمية فقد زادت رسوم بطاقة الرقم القومي بنسبة 100%، وشهادات الميلاد بنسبة 100%، وتراخيص السيارات والمركبات بنسبة 200%، وجميع المستندات التي تصدر من وزارة الداخلية، مثل رسوم جواز السفر والزواج وإلا أنه ومع المستجدات الأخيرة، طالب أفراد الشرطة بزيادة الرواتب وتحسين مستوى الخدمة الاجتماعية، الأمر الذي استجاب له السيسي من خلال إنشاء صندوق جديد يموله من جيوب الغلابة. بإنشاء “صندوق لرعاية وتحسين الخدمات الاجتماعية والصحية لأفراد الشرطة وأسرهم”، عن طريق فرض رسوم إضافية على جميع الرخص والوثائق والشهادات والمستندات التي تصدرها الداخلية، وعلى تذاكر المباريات والحفلات لحساب هذا الصندوق.

ثانيا، الرشى، وهو ما كشفته  قضية  عصابة “الدكش” ،  التي تم اكتشاف تفاصيلها بالصدفة بعد مقتل المقدم، مصطفي لطفي، رئيس مباحث قسم ثاني شبرا الخيمة في أثناء مأمورية سرية لاعتقال مطلوب أمنياً يشتهر باسم “كوريا” وأحد أفراد عصابة محمد حافظ، المعروف بـ “الدكش”. مقتل لطفي تسبب في حملة مبكرة على وكر عصابة الدكش، أسفرت عن اعتقاله ووالده اللذين اعترفا في تحقيقات النيابة بتجنيدهما لعدد من ضباط الداخلية، بمكافآت شهرية تصل إلى 60 ألف جنيه، وذكرت تقارير صحافية لمصادر أمنية أن دائرة الاشتباه في التورط مع عصابة الدكش تشمل 27 ضابطا، بعضهم قيادات رفيعة بالوزارة. ثبت تورطهم مع عصابة الدكش لإمدادهم بخط سير الحملات الأمنية مقابل رشى ومخدر الهيروين. هذه بخلاف عدة قضايا أخرى متهم فيها أمناء شرطة لكن قضية الدكش تعد الأكبر وتم اكتشافها بالصدفة وليس عبر جهات تفتيش أو رقابة داخل الوزارة.

ثالثا، استغلال النفوذ، وتعد قضية سيارات المعاقين إحدى دعاوى الفساد التي تلاحق وزارة الداخلية، إذ كشف قطاع التفتيش في وزارة الداخلية عن تلقي نحو 500 بلاغ سنة 2015 حول استغلال أمناء الشرطة دعم سيارات ذوي الاحتياجات الخاصة، والاتفاق مع عدد من ذوي الاحتياجات الخاصة على شراء السيارات ثم شراء أمناء الشرطة لها منهم بزيادة تقدر بـ 5 آلاف جنيه مقابل تحرير توكيل بقيادة السيارة. قضية أخرى حمل البلاغ رقم 1528 لسنة 2014 تفاصيلها، إذ اتهم عقيد شرطة باستغلال نفوذه لمعرفة الرقم السري لبطاقة ائتمان لزوجته الهولندية وسرقة 25 ألف يورو منها.

رابعا، تجارة المخدرات، تؤكد عملية الرصد أن عددا من ضباط وأمناء الشرطة تورطوا في تجارة المخدرات ورغم عدم وجود تقارير إحصائية رسمية عن تورط ضباط في تجارة المخدرات، إلا أن العميد، محمود محي الدين، عضو مجلس نواب العسكر والخبير الأمني أكد أن نحو 4 آلاف فرد وضابط شرطة مسجونون حالياً بسبب تورطهم في تشكيلات عصابية متنوعة منها التورط في تجارة المخدرات.  وهو رقم مهول، إذا ما علمنا أن هذه القضايا التي تم  الكشف عنه فقط بينما يبقى عالم الجريمة المنظمة داخل جهاز الشرطة خافيا ولا يتم كشفه لقدرة هؤلاء على إخفاء جرائمهم وتجارتهم الحرام. أو يتم التغطية عليها إذا كان المتورطون محصنين بنفوذ الأقارب الكبار من اللواءات والقادة.

خامسا، استغلال الكمائن،  حيث يستغل ضباط وأمناء شرطة  تواجدهم على رأس الكمائن وينهبون أموال الناس ظلما بغير حق، وبحسب التحقيق فقد تم في  مايو 2014 القبض على عقيد شرطة ومقدم اتهما بالاستيلاء على 185 كرتونة سجائر مهربة تم ضبطها في أحد الكمائن، التي استغل الضابطان تواجدهما فيها للإثراء بشكل غير مشروع وفقا لوقائع قضية استغلال الكمائن، والتي كثيرا ما تتكرر على مستويات مختلفة. ويعتبر عناصر الشرطة بعض القطاعات  بمثابة العمل في الخليج وفقا للتعبيرات الرائجة بين أمناء الشرطة، وعلى رأسها مصلحة المرور، تليها مصلحة الجوازات ومصلحة الأحوال المدنية، وشرطة الكهرباء خاصة وأن المخالفات الخاصة بالكهرباء لا يتم قبول التصالح فيها.

سادسا، السرقة، راج أثناء  المرحلة الانتقالية بعد ثورة 25 يناير، سرقة السيارات والدراجات البخارية  والتي ثبت أن من يقف وراءها  ضباط وأمناء شرطة عبر التعاون  مع عصابات محترفة في الإجرام؛ وكم من القضايا التي ذهب أصحابها للإبلاغ عن سرقة سياراتهم فجاءت ردود الشرطة صادمة تطالبهم  بالتفاوض مع العصابة وترضيتها بعدة آلاف! وكشفت مصادر بالداخلية أن قطاع التفتيش بالوزارة تلقى العديد من البلاغات حول تواطؤ بعض أفراد الهيئة الشرطية مع عصابات سرقة السيارات بإبلاغها أرقام هواتف أصحاب السيارات للتفاوض معهم. وبالطبع فإن إثبات هذه الجرائم أمر شاق ويفلت معظم ضباط وعناصر الشرطة المتورطون.

سابعا، سبوبة تأشيرات الحج والعمرة: من الأبواب الخلفية غير القانونية لبيزنس الشرطة، حصة الداخلية من تأشيرات الحج والعمرة كل موسم، حيث تقتسم حصة مصر من تأشيرات الحج التي تصل إلى “62500” ما كل من الحج السياحي ووزارة التضامن وتحظى الداخلية بنصيب الأسد من هذه الحصة. وتباع التاشيرة الواحدة  بحوالي 30 ألف جنيه ما يدر دخلا هائلا للوزارة وقيادتها الكبار. وينظر القضاء الإداري حاليا دعوى عدم أحقية الداخلية في تنظيم رحلات الحج والعمرة وسط تواطؤ قضائي وتأجيل مستمر لعدم البت في القضية. وذكرت الدعوى أن القانون نص على أن تنظيم الرحلات سواء الداخلية أو الخارجية يقتصر فقط على الشركات الحاملة للترخيص وحدد شروط تلك الشركات التي لا تنطبق فقط إلا على شركات السياحة.

ثامنا، سبوبة ترخيص السلاح:.. ومن الأبواب الخلفية كذلك، تجارة السلاح، وهي تجارة هائلة تدر المليارات، ولا يمكن حصرها لأنها تعد من عوالم الجريمة المنظمة والمافيا السرية، لكن وزارة الداخلية  تمارس بيزنس يختص بمنح تراخيص السلاح والذي بات مقصورا على أصحاب النفوذ والواسطة، أما المواطن العادي فلن يكون أمامه لاستخراج الترخيص إلا الواسطة أو السوق السرية للسلاح. وتحوَّل ترخيص الأسلحة إلى سبوبة بعد أن تحولت الداخلية لمافيا كبيرة يقودها قيادات سابقة وحالية، بالإضافة لعدد من رؤساء المباحث، معنية بتحقيق ثروات غير مشروعة عن طريق التكسب من تراخيص السلاح. ومما يدلل على هذا الكلام التحقيقات التي أجريت مع وزير الداخلية الأسبق اللواء حبيب العادلي، التي أثبتت أن جزءا كبيرا من ثروته جاءت عن طريق استغلال النفوذ لاستخراج رخص السلاح، وذلك بناء على مئات الشكاوي التي تقدم بها مواطنون، دفعوا مبالغ مالية مقابل الترخيص، وهو ما كان يتم عبر قيادات وسيطة معروفة، تتولى مهمة السمسرة. وبحسب مصدر بوزارة الداخلية فإن حيازة الأسلحة تأتي عبر طريقين لا ثالث لهما: الأول .. دفع رشوة للرخصة في السوق السوداء، تقدر بـ70 ألف جنيه. الثانى:  الواسطة من أحد ضباط الداخلية، الذي يقوم هو أيضا بالحصول على رشوة في أغلب الأوقات نظير تقديمه هذه الخدمة.

تاسعا، الإتاوة من الهيئات الحكومية، من الغريب أن وزارة الداخلية تفرض على جهات حكومية إتاوات وجباية مقابل التأمين والحماية رغم أن ذلك هو دورها الأصلي وفقا للدستور؛ وأمام الفوضى الإدارية وغياب الحوكمة والرشد يتزلف بعض مديري الجهات الحكومية للداخلية بدفع إتاوات شهرية هائلة مقابل الحماية. لدرجة أن العديد من الهيئات الحكومية والوزارات والمؤسسات المالية كانت تسدد تكلفة تأمين منشآتها مرتين، الأولى للوزارة والثانية لشركات الأمن الخاصة. ونشطت وزارة الداخلية في استقطاب عملاء جدد وتسويق خدماتها التأمينية على غرار ما تقوم به الشركات الخاصة التي تسعى للحصول على مزيد من الزبائن وبالتالي جني إيرادات أكثر وأرباح أكبر. بيزنس الداخلية في التأمين قابله فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، برئاسة المستشار محمد قشطة، النائب الأول لرئيس المجلس، بعدم أحقية وزارة الداخلية في تحصيل أجر عن حراسة مقار مصلحة الضرائب. وقالت الفتوى “متى كان ما تؤديه الوزارة من خدمات الحراسة على الخزائن الإيرادية لمأموريات الضرائب التابعة للمصلحة أثناء الإيداع والصرف بالبنوك لا يخرج عن اختصاصها العام المقرر بنص الدستور والقانون بحفظ الأمن وحمايته والمحافظة على المال العام، خاصة أموال الضرائب بوصفها من أهم إيرادات الموازنة العامة للدولة، فلا يمكن بحال اعتبار هذه الخدمات نوعًا من أنواع الخدمات الخاصة، التي يجوز تأدية أي مبالغ من المصلحة مقابلها”. ووصف العميد محمود قطري، الخبير الأمني، فتوى مجلس الدولة بعدم دستورية تقاضي الداخلية أموالا مقابل تقديمها لخدمة الأمن، بالمتأخرة جدا، قائلا “أخيرا نطق القضاء وتحرك أبوالهول”.وأشار إلى أن بعض المؤسسات التي تحميها الداخلية، مثل البنوك، تدفع فاتورة باهظة التكاليف والأجر، مقابل تأمينها، في الوقت الذي توزع فيه هذه الأموال على القيادات والمحظوظين والمقربين من الضباط.

عاشرا، بيزنس شركات الأمن الخاصة، ولم تكتف الشرطة بالتحول إلى خدمات الأمن الخاصة عبر ضباطها وعناصرها الموظفين حكوميا، بل راحت قيادات أمنية تؤسس شركات تأمين خاصة، كما جرى مع شركة “فالكون” الخاصة والتي تأسست سنة 2006م. وتم الاستعانة بها في إجهاض المظاهرات والاحتجاجات الطلابية وحازت على عقد حكومي بتأمين 15 جامعة حكومية مقابل 5 ملايين جنيه شهريا من وزارة التعليم العالي. وهي شركة تضم 12 ألف عنصر أكثر من 20% منهم قيادات أمنية رفيعة سابقا في الجيش والمخابرات والداخلية. ويمتلك البنك التجاري الدولي 40% من أسهم الشركة، وصندوق البنك التجاري الدولي 19.59% و5.46% لشركة الأهلي للتسويق والخدمات، و35% لمساهمين آخرين ينتمون إلى المؤسسة العسكرية في مصر. ومن أبرز المسؤولين المشاركين في رأسمال الشركة اللواء الراحل سامح سيف اليزل، مدير مكتب شركة جي فور اس سابقا. و”جي فور اس”، شركة متعددة الجنسيات بريطانية الأصل للخدمات الأمنية، وتوصف بأنها أكبر “جيش خاص” في العالم، ولها أعمال في 125 دولة، وتوجد في مصر منذ عام 2001، وهي شركة الأمن الوحيدة العابرة للقارات التي سمحت لها مصر بالعمل فيها.

خلاصة الأمر، أن الفساد منتشر داخل وزارة الداخلية بصورة مرعبة، ذلك أن الغالبية الساحقة من الضباط إنما دخلوا عالم الشرطة بالواسطة والمحسوبية أو بالرشوة والفساد ودفعوا أموالا طائلة من أجل الفوز بالانتساب لكلية الشرطة باعتباره بوابة السلطة والنفوذ والثراء السريع. وأن ما يتم صرفه لا يساوي شيئا إلى جانب النفوذ والثراء الهائل المرتقب بعد التخرج.   وتمارس الشرطة كمؤسسة أو كعناصر صورا مرعبة من صور الجريمة والبيزنس الحرام وغير المشروع مثل الصناديق الخاصة التي تدر عشرات المليارات سنويا من غرامات المخالفات والرسوم بخلاف الرشاوي والإتاوات الباهظة التي يتم فرضها على مئات الآلاف من المعتقلين ونزلاء السجون ومقار الاحتجاز على مستوى الجمهورية،  هذا بخلاف الجريمة المنظمة التي تقوم على عمليات التهريب الواسعة للآثار والسلاح والمخدرات وهو عالم واسع لا يمكن حصر أبعاده ولا عدد المتورطين فيه لكن تعاظم معدلات التهريب والجريمة يؤكد أن جهود الشرطة ما هي إلا شكل بلا حقيقة تستهدف التغطية على الجرائم لا التصدي لها فضلا عن وقاية المجتمع منها. وتبقى مهمة الشرطة الأساسية هي حماية وتأمين النظام السياسي ويبقى أمن المجتمع في الخلفية لا يحظى بأي قدر أو اهتمام إلا بمقدار ما يدر على الوزارة وعناصرها من أموال البيزنس الحرام والأبواب الخلفية غير المشروعة.

الاثنين 27 يناير2020م

 

 

 

 

[1] رانيا العبد/ مخصصات الداخلية في مشروع الموازنة تزيد 7 مليارات جنيه.. والوزارة تطلب 9 مليارات أخرى/ مدى مصر 22 أبريل 2018//6 جهات سيادية تحصل على ربع الأجور في مصر/ مصراوي  الأحد 15 ديسمبر 2013// خبراء: رفع مخصصات النظام العام فى الموازنة لاستعادة الأمن/ صحيفة المال  الخميس 30 مايو 2013//حسن كامل/”المالية”: 69.7 مليار جنيه مخصصات مصروفات النظام العام/ الدستور السبت 04/مايو/2019 /زيادة بند الأجور في موازنة وزارة الداخلية المصرية/ العربي الجديد 21 مايو 2019

 

[2] عش الدبابير الذي تجنب السيسي ضمه للموازنة.. قصة الصناديق التي تحوي مئات المليارات وتتبع لجهات سيادية/ عربي بوست 20 أكتوبر 2019

[3] عبدالغني دياب ومحم نصار/أداء البرلمان مخيب للآمال..هشام جنينة: فتح ملف الصناديق الخاصة ليس في صالح جهات سيادية/ مصر العربية 2 ديسمبر 2016م

[4] سناء عبدالوهاب/صناديق الشرطة: فساد الحسابات الخاصة في وزارة الداخلية/ المصري اليوم الأحد 8 يوليو 2012

[5] ممدوح حسن ووليد ناجى/ المستشار هشام جنينة لـ«الشروق»: مخالفات وزارة الداخلية بالمليارات.. وجهات رقابية شريكة فى الفساد (1 – 2)/ بوابة الشروق الثلاثاء 18 مارس 2014

[6] محمد سيف الدينمنه/ 26 في عهد السيسي.. ارتفاع عدد سجون مصر لـ 68/ الجزيرة نت  08 مايو 2019

 

[7] سلوى يحيى/“بيزنس السجون الأسود”.. كيف تتربح الشرطة المصرية من معاناة المساجين؟/ ميدان الجزيرة نت

[8] ادفع علشان تعيش.. بيزنس السجون في مصر/ الخليج الجديد

[9] ليلى خالد/ فساد الشرطة في مصر.. 5 طرق لاستغلال المواطنين/ العربي الجديد 30 مايو 2016

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الدعوة لحراك 20 سبتمبر 2020 ..تقدير موقف

تتصاعد يوما بعد الاخر مظاهر الغضب الشعبي بمصر، على كافة الأصعدة والمستويات، سواء بين الجما…