‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الخطاب الديني بين ضرورات التجديد ومخاوف التبديد.. قراءة في مؤتمر الأزهر
مصر - فبراير 8, 2020

الخطاب الديني بين ضرورات التجديد ومخاوف التبديد.. قراءة في مؤتمر الأزهر

لم يتوقع نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي وآلته الإعلامية أن يقف الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر كالطود العظيم أمام تطاول رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، المعين من جانب نظام انقلاب 30 يونيو، على التراث الإسلامي خلال جلسة «دور المؤسسات الدولية والدينية والأكاديمية في تجديد الفكر الإسلامي»، ضمن فعاليات اليوم الثاني من «مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الفكر والعلوم الإسلامية»، الذى جرى تنظيمه يومي الاثنين والثلاثاء 27 و28 يناير 2020 تحت رعاية زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي.

رسائل الأزهر :

وحظي موقف الإمام الأكبر بتقدير واسع بين الدعاة والعلماء والجماهير التي رأت في موقفه رسالة واضحة للطاغية عبدالفتاح السيسي زعيم الانقلاب العسكري ونظام 30 يونيو من عدة جوانب: أولا، أن كلام شيخ الأزهر جاء ارتجاليا؛ ولذلك حمل رسالة بالغة الأهمية تعبّر عن قناعات الرجل التي قد لا يجرؤ على البوح بها في ظل أجواء استثنائية تعيشها مصر منذ الانقلاب العسكري 2013م. ثانيا، أن الأزهر يرى في دعوات التجديد التي اطلقها السيسي منذ عدة سنوات تمثل في حقيقتها وجوهرها تبديدا للخطاب الديني وتطويعه لخدمة أهداف النظام السياسية. ثالثا، أن مشيخة الأزهر حريصة  كل الحرص على عدم الخروج عن الخط المرسوم الذي وضعته السلطة لمؤسسات الدولة؛ لكنه في ذات الوقت يرفض أن يتم توظيفه سياسيا لأهداف سياسية على حساب الإسلام ذاته وأحكامه ومبادئه وثوابته  بدعوى التجديد. الرسالة الرابعة أن الأزهر بمشيخته وهيئة كبار علمائه يضجون بالشكوى من الاتهامات التي تلاحقهم وتلاحق التراث الإسلامي بدعوى التجديد الزائف الذي يرضي السلطة ويفضي إلى اختطاف الدين لخدمة أغراض سياسية بحتة وهو ما انعكس مع الترحيب الحار والتصفيق المتواصل من جانب الحضور في المؤتمر لتعليقات الإمام الأكبر على رئيس جامعة القاهرة.

محطات الصدام؟

الخلاف بين الطيب والسيسي يعود إلى مواقف الأول الرافضة لعنف النظام العسكري رغم مشاركته في مشهد انقلاب 3 يوليو، والتي بدأت في أعقاب “أحداث الحرس الجمهوري” في 8 يوليو/تموز 2013، حين قتل السيسي عشرات المعارضين. فقد طالب الطيب بفتح تحقيق قضائي، وتشكيل لجنة للمصالحة الوطنية، وإطلاق سراح جميع المعتقلين. وفي اعقاب مذبحة رابعة العدوية في 14 أغسطس/آب2013م أعلن الطيب حينها في بيان صوتي  تبرؤه مما حدث، قبل أن يعتزل في مسقط رأسه بالأقصر. وفي 11 ديسمبر/كانون الأول 2014 رفض شيخ الأزهر ضغوط إعلام العسكر حول إجباره على إصدار بيان بتكفير تنظيم الدولة، مؤكدا أن الأزهر لن يقع في فخ التكفير المتبادل لأن الأزهر يرفض أساسا فكرة التكفير. ثم توالت الخلافات ومنها أزمة الخطبة الموحدة التي رفضها الأزهر، مرورا بدعوة السيسي لعدم اعتماد الطلاق الشفهي في يناير/كانون الثاني 2017، التي رفضها الأزهر أيضا.

لكن الأخطر هو رفض الأزهر في بيانات رسمية محاولات السيسي السطو على أموال الوقف الإسلامي بدعوى الاستثمار وتعظيم الفوائد، بدأت أولا برفض مجمع البحوث الإسلامية لمشروع قانون البرلمان بهذا الشأن بعد أن وافقت الأوقاف ودار الإفتاء وفي اجتماع المجمع في 12 مارس 2018 انتهى إلى رفض مشروع القانون .

السيسي وتبديد الخطاب الديني

خلال كلمته التي ألقاها مدبولي في افتتاح المؤتمر شدد الطاغية السيسي ، على أن يكون مؤتمر الأزهر فاتحة لسلسلة من من مؤتمرات تجديد الفكر الإسلامي التي تعقد عامًا بعد عام. وبذريعة تغير بعض الأحكام تبعا للتطور وكذلك تغير الفتوى من بلد لبلد ومن عصر لعصر ومن شخص لآخر دعا السيسي إلى تجديد الخطاب الإسلامي وطالب المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر، بأن “تولي أهمية لتجديد الخطاب الديني،

وما لمح إليه السيسي في كلمته المقتضبة التي ألقاها مدبولي جاءت كلمة رئيس جامعة القاهرة لتصرح بكل شيء، وتكشف عن توجهات نحو تدبير انقلاب مكتمل الأركان على الإٍسلام ذاته بدعوى التجديد والتي في جوهرها ومحتواها لا تمثل سوى التبديد على غرار ما يفعله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في بلاد الحرمين الشريفين

ردود صاعقة

ردود الإمام الأكبر على تطاول الخشت مثلت صاعقة أفحمت من يكيدون للٍإسلام والأزهر من دعاة العلمنة المتطرفة والعسكرة والطغيان الذين يريدون من الإسلام أن يكون خادما للسلطة ومشرعنا لسياساتها مهما كانت شاذة ومهما كانت منحرفة بدعوى طاعة ولي الأمر.([1])

أبدى شيخ الأزهر استنكاره لكلمة رئيس جامعة القاهرة لأنها جاءت نتيجة تداعي الأفكار والخواطر ولم يتم إعدادها علميا؛ وهو بذلك يشير إلى المغالطات العلمية في كلام رئيس جامعة القاهرة. حيث قال الطيب «كنت أود أن كلمة ستلقى في مؤتمر عالمي دولي وفي موضوع دقيق عن التجديد، أن تكون هذه الكلمة معدة سابقا ومدروسة، لا أن تأتي نتيجة تداعي الأفكار وتداعي الخواطر».

كما أبدى شيخ الأزهر انتقاده للدعوات التي تهين التراث الإسلامي واعتبرها مزايدة قائلا «الكلام عن التراث كلام عجيب، خسارة ما يقال عن التراث هذا مزايدة على التراث، هذا التراث الذي نهون من شأنه اليوم ونهول في تهوينه، التراث خلق أمة كاملة وتعايش مع التاريخ، قل حضرتك قبل أن نتلقي بالحملة الفرنسية كيف كان يسير العالم الإسلامي كان يسير على قوانين التراث»، مضيفا «الدول الإسلامية والحضارة التي تغيرت، وجاءت قوة فوق قوة كان التراث هو من يحمله، تصوير التراث بأنه يورث الضعف ويورث التراجع هذا مزايدة عليه».

التأكيد على أن «”التجديد” مقولة تراثية لا حداثية» مستدلا على ذلك بقوله «نحن نحفظ من الإمام أحمد بن حنبل ما يؤكد أن التجديد مقولة تراثية وليست مقولة حداثية، والحداثيون حين يصدعوننا بهذا الكلام هم يزايدون على التراث ويزايدون على قضية الأمة المعاصرة الآن، والتراث ليس فيه تقديس، وهذا ما تعلمناه من التراث لم نتعلمه من الحداثة». وأضاف أيضا أن الحديث عن النصوص قطعية الدلالة وظنية الدلالة ليست  مقولة الخشت ولا مقولة شيخ الأزهر بل مقولة التراثيين وتعلمناها جميعا من التراث.

كان الأخطر في المؤتمر كله ما أكده شيخ الأزهر حول اختطاف السياسة للدين من أجل تحقيق أهداف سياسية لا يرضى عنها الدين، حيث أكد أن الفتنة الكبرى من عهد عثمان رضي الله عنه هي فتنة سياسية وليست تراثية، وأن السياسة تختطف الدين اختطافا في الشرق والغرب، حين يريدون تحقيق غرض لا يرضاه الدين”، مضيفا: “البعض يلجأ للدين عندما يريد اتخاذ مواقف سياسية لتبريرها”. مستشهدا بالحروب الصليبية. وكذلك بالاحتلال الصهيوني الذي يبرر احتلاله لفلسطين بنصوص توراتية ليحققوا أهدافا سياسية.  وأبدى الإمام الاكبر حزنه العميق لأن المسلمين للأسف يشترون الأسلحة بأموال ضخمة من أجل أن يقتل بعضهم بعضا في الوقت الذي يتحكم الآخرون في بلادنا ومشاكلنا، مبديا أسفه وهو يشاهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نتنياهو وهما يبحثان أوضاع الأمة العربية (صفقة القرن) في غياب تام للعرب والمسلمين، وأن المسلمين باتوا لا شيء في عالم اليوم.

 

التلاعب بمفهوم التجديد

بالطبع يحتاج الخطاب الإسلامي إلى تجديد حقيقي، لكن ليس على مقاس النظم العربية المستبدة التي تستهدف تطويع الدين ذاته لخدمة أغراضهم السياسية الدنيئة، وعندما يرفع التيار السيساوي العسكري أو حتى التيار العلماني المتطرف راية “التجديد”؛ فإنهم في الحقيقة يتلاعبون بالمعنى الكبير لتحقيق أهداف خبيثة؛ فهم يريدون فقط إخضاع وتطويع الدين عموما للسلطة وتكريس مفاهيم “الجامية المدخلية” على جميع الشعوب العربية حتى تبقى رهينة الظلم والاستبداد وتحريم الثورة على الظلم والطغيان بفتاوى مزيفة يتم إلباسها زورا ثوب الشرع والإسلام.

واقع الحال أن دعاة التجديد المؤيدين للسيسي هم كذبة متاجرون بالقضية؛ فهم يدعون إلى نقد التراث حتى لو امتد ذلك إلى ثوابت الإسلام من أجل رضا الحكام، ولو كانوا صادقين في دعاوى التجديد فإن أهم مجالات التجديد المطلوبة، هي الحديث عن المواطنة، والتداول السلمي للسلطة، وكيفية اختيار الحاكم، والفقه السياسي بوجه عام، فهل يجرؤ هؤلاء على الخوض في هذه القضايا والتجديد فيها؟».

أين هؤلاء من قضية تجديد الخطاب الديني في ملف الحريات بكل أنواعه؟ والخشت يتحدث عن التجديد، بعد صدور قرار بحظر النقاب على أعضاء هيئة التدريس في جامعة هو رئيسها، فهل هذا هو التجديد المنشود؟ أن تصنع من المدرس جبانا، أو تضعه في صدام وصراع بين قناعته الدينية، وبين قرارك الإداري، حتى لو أصدره من سبقك، لكنك كنت تستطيع أن تبرهن على موقفك بإلغائه. وماذا عن الحرية الفكرية والسياسية في ظل نظام السيسي؟ هناك علماء كبار من أهل التجديد والاجتهاد، كتبهم ممنوعة في مصر، بل هناك أوامر بعدم تجديد طباعتها، لأنهم ليسوا مؤيدين للسيسي، فكتب القرضاوي وعمارة، والغزالي، وغيرهم، من رواد التجديد والاجتهاد في مصر والعالم الإسلامي، كتبهم ممنوعة من الطباعة، وممنوعة من التداول، وهناك أوامر لدور نشر كبرى بعدم إعادة ما طبعته هذه الدار لهؤلاء العلماء.([2]) إضافة إلى ذلك، فإن «نقدهم للتراث، مقصود به التراث الإسلامي فقط، أما التراث العسكري فمن يجرؤ على نقده؟ من يجرؤ على تناوله بالأساس، إنهم يريدون نقد الأموات لا الأحياء، فهل من يتخذ قرارات الأمة ويرسم توجهاتها الآن هم رموز التراث الذين رحلوا أم الحكام والجنرالات الذين اغتصبوا الحكم بقوة السلاح ويخضعون الشعوب لحكم جبري يقوم على القهر والإذلال والتبعية؟

الخلاصة يراد من الأزهر أن يكون مانح البركة لسياسات النظام مهما كان شذوذها وانحرافها ومنح المشروعية الدينية لجرائم النظام مهما بلغت وحشيتها وظلمها. يراد منه وله أن يكون عنصريا مثلهم ومجرما على شاكلتهم  وإلا فإن الأزهر داعم للإرهاب والتطرف؛ لذلك يهاجمون الشيخ حتى يستقيل؛ فهل يفلحون؟

 

[1] أحلام حسنين/داعيًا لهدم المنهج الأزهري | الخشت يطرح رؤيته حول «التجديد».. والطيب يرد بقوة/ مصر العربية 28 يناير 2020 // أحمد بدراوى وعُمر فارس/ جدل بين «الطيب» و«الخشت» في ختام مؤتمر الأزهر لتجديد الفكر الإسلامي/ بوابة الشروق الثلاثاء 28 يناير 2020

 

 

[2] عصام تليمة/رئيس جامعة القاهرة والتجديد السيساوي للإسلام!!/ الجزيرة مباشر الجمعة 31 يناير2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الدعوة لحراك 20 سبتمبر 2020 ..تقدير موقف

تتصاعد يوما بعد الاخر مظاهر الغضب الشعبي بمصر، على كافة الأصعدة والمستويات، سواء بين الجما…